ولأنها معاوضةٌ فيشفع فيها، كالبيع.
[والشُّفعة بالقيمة] (١) دون الصَّداق؛ لأنَّ النكاح مبني على المكارمة بالزائد والناقص؛ فكانت القيمة أولى، ولذلك جاز في النكاح من الغرر ما لا يجوز في البيع، وجاز بغير مهر مسمًّى.
وقد يكون المهر ألفًا، فيُسامح فيؤخذ منه [بشِقص] (٢) قيمته مئة، وبالعكس، فإن ألزمناه الأخذ بالألف أجحفنا به، وعكسه يُجحِفُ بالمرأة؛ فيعطيها مئةً في ألف، وكذلك الخُلع ودم العمد لا تنضبط فيها المعاوضات.
ص: (إن صالح من دم خطأ على سهم من دار أو أرض؛ شَفَع فيها بالدية).
ت: لأنَّ الواجب كان الدّية، وأُخِذ الشَّقص عنها، كما لو أُخِذ في دين.
فإن كانت العاقلة أهل إبل؛ أخذه بقيمة الإبل.
قال ابن يونس: وكان يجب أن يأخذها بمثل الإبل إلى أجل؛ لأنها ثمن الشَّقص، وهي موصوفة، لكن صفات الإنسان غير محصلة، ولا يصح بيع الشَّقص بها، وهي كذلك حتى تنضبط بالصفة.
وإنما قال: بقيمة الإبل، مع أنَّ القيمةَ فرع الصفة؛ لأنه رأى أنَّ الصفة [أحقُّ] (٣) من [عين] (٤) الإبل.
стр. 2942
وإن كانوا أهل ذهب أو وَرِقٍ أخذه به، يُنجم على الشفيع كما تُنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين (١).
واختلف قول مالك في النصف:
فقال مرَّةً: في سنتين، واختاره ابن القاسم (٢)؛ لما جاء: أنَّ الدية تنجم في ثلاث سنين أو أربع.
وعنه: يجتهد فيه الإمام، في سنتين أو سنةٍ ونصف (٣).
ص: (إذا جمعت الصفقة ما فيه الشفعة وما لا شُفعة فيه؛ أَخَذ ما فيه الشفعة بحصته من الثمن).
ت كبعض دارٍ وعَرْضِ، فيأخذ بعض الدار بقيمته يوم الصفقة بحصته من الثمن، تغيرت الدار أم لا.
قال ابن يونس: من يرى أنَّ الشفعة كالاستحقاق، وقيمة الشقص الجُلُّ؛ للمشتري ردُّ العَرْض؛ لبطلان جُلَّ الصفقة، وعلى القول أنه بيع مبتدأ لا يرد.
ص: (إذا باع سهاماً من دور مختلفة وشفيعها واحد؛ فليس له إلا أخذُ الجميع أو ترك الجميع).
ت: لئلا يدخل على المشتري ضرر تفريق الصفقة، وكذلك إذا اشترى
стр. 2943
من أحدهم حصَّتَه من نخلٍ، ومن آخَرَ حصّته من دارٍ، ومن آخر في قرية في صفقة واحدة، أو كان بائع ذلك كله واحدًا والشفيع واحدًا، إلا أن يرضى المشتري.
بخلاف إذا جمعت الصفقة ما لا شُفعة فيه؛ لا يلزمه أخذه؛ لأنَّ أخذه ضرر عليه، والأشقاص ينتفع بها كلها في زوال الضرر عن ملكه بزوال شِركة الأجنبي.
فإن تعددت الصفقات فله أخذُ أي صفقة شاء وحدها؛ لعدم ضرر التفريق.
ص: (إذا بيع سهم له شفعاء، فترك بعضُهم؛ فلمن بقي أن يأخذ الكل أو يترك، ولا يأخذ بقدر نصيبه).
ت: لأنَّ التارك سقط حقه بالترك، فكأنه له شفيع واحد، فلا يُدخل على المشتري ضررا بتفريق صفقته.
وقال أصبغ: إن كان تسليمٌ من سلَّم على وجه الهبة للمشتري؛ فليس للآخر إلا بقدر سهمه، أو على ترك الشفعة؛ فللباقي أخذُ الجميع (١).
ص: (إذا حضر بعضهم وغاب بعضهم؛ فللحاضر أخذُ الكل بشفعته أو تركه، ولا يأخذ بقدر حصته).
لئلا يفرق الصفقة.
فإذا قدم الغائبُ أَخَذَ من الحاضر بقدر حصته.
ت: فإن قال الحاضر: آخُذُ بقدر حصتي، فإذا قَدِمَ الغائب وأخذ، وإلا
стр. 2944
أخذتُ الجميع؛ لم يكن له ذلك (١)؛ لأنَّ فيه منع المشتري من التصرف لتوقع الشفعة.
وإن ترك الحاضر فللقادم إذا قَدِمَ أخذُ حصته، وإلا أخذ الذي سلّم مع أصحابه، ولهم أن يأخذوا الجميع أو يتركوا.
وإذا أخذ الحاضر الجميع، وقدِمَ الغائب فترك البعض؛ لم يكن للباقي الأخذ بقدر حصته، بل يساوي الآخذ الأول فيما أخذ أو يدع.
قال ابن يونس: يريد: إن اتفقت الحصص، فإن اختلفت قسما الجميع على قدر حصصهما (٢).
قال أشهب له أن يكتب عهدته عليك، أو على المبتاع أنت وهو، وخرقت كتابك الأول (٣).
قال عبد الملك: فإن قال الشَّفيع: أنا أُسلّم الجميع إليك؛ فليس له ذلك إلا برضا القادم، فإن رضيا بذلك ثم جاء ثالث، [فإن ما طاع] (٤) به الأول للثاني فوق ما يلزمه؛ بيع، ثم يأخذ الثالث من الثاني بالشفعة، إلا أن [يُشركه] (٥) الثاني فيه بقدر حقه، بما يصيبه في ذلك من الشفعة (٦).
قال سحنون: وإذا حضر أحدهم، فأخذ الجميع وباعه من أجنبي، فقدم
стр. 2945
ثان؛ فله أخذ نصف هذا الشَّقص من المشتري الأول بنصف الثمن، والنصف الآخر من المشتري من الشفيع بنصف الثمن الذي اشترى به الثاني (١).
ص: (لا تنقطع شُفعة الغائب بطول غيبته).
ت: عَلِمَ بالشراء أم لا؛ لأنَّ الأصل بقاء حقه حتى يتركه، فإن ادعى عليه المشتري التَّركَ حلف أنه لم يترك بعد العلم، وكذلك الحاضر.
قال مالك: إلا أن يأتي من طول الزمان ما يُجهل في مثله أصل البيع ويموت الشُّهود؛ فأرى الشفعة منقطعة.
فإن أخفى المبتاع الثمن ليقطع الشفعة؛ قومت الأرض على ما يُرى من ثمنها يوم البيع فأُخذ به (٢).
ص: (إذا أخر الحاضر الأخذ مع علمه بوجوبها له، فهل تنقطع شُفعته بعد سنة، أو لا تنقطع أبدا إلا أن يتركها أو يظهر منه ما يدلُّ على تركها؟).
رواتان.
ت: وجه الأولى: أنَّ كونها على الفور ضرر؛ لأنَّ الثمن قد يعسر، أو يعسر بيع ما يؤخذ منه الثمن، فجعلت السَّنةُ غايةً للمهلة؛ لأنها أصل في الشريعة؛ كالعنة، والعهدة، والزكاة، وطول إقامة البكر عند الزوج في سقوط إجبار الأب.
وجه الثانية: قوله ﵇: «الشريك أحق بشفعته»، ولم يحدّد.
стр. 2946
وقياسًا على أروش الجنايات، بجامع استيفاء المال، وقياسًا على خيار الأمة نفسها إذا عتقت.
وللمشتري استحلافه إذا أتى من الزمان ما يجوز أن يكون ذلك تركا للشفعة.
وقال مالك: يُحلف في خمسة أشهر، ولا يُحلَّف في شهرين (١).
ومُسْقِطَاتُ الشُّفْعَة ستة (٢):
التصريح بذلك.
والمقاسمة.
وطول الزمان الدال على الترك.
وما يُحدث المشتري من الهدم والبناء.
وخروجه من يده بالبيع والهبة والصدقة.
والسادس: مساقاة الشفيع وكراؤه ومساومته.
ص: (إن وَهَبَها قبل وجوبها لم تصح هبته، ولم تَسقُط).
ت: لأنه أسقط غير حق له، وهو كمن أذِنَ له ورثته أن يوصي بأكثر من ثلثه في صحته؛ لم يلزمهم ذلك، وكإبراء الولي من القصاص قبل القتل، وحد القذف قبل القذف.
стр. 2947
قال مالك: فإن أسقطها بعد الشراء سقطت، ولو قال: اشتر، فقد أسقطتُ شفعتي، وأشهد بذلك؛ فله القيام بها.
قال اللخمي: يجري فيها قول آخر بعدم الشفعة، كمن قال: إن اشتريت عبد فلان؛ فهو حُر؛ لأنه أوجب العتق قبل الملك، وكمن جعل لزوجته الخيار إن تزوج عليها، فأسقطته قبل الزواج عليها، لزمها ذلك، وهاهنا أولى؛ لأنه أدخل المشتري في الغرر (١).
ص: (شهادته في البيع لا تُسقط شُفعته، ومساومته للمشتري بعد البيع في الشراء والكراء تُسقط شُفعته).
لأنه رضي بالتقرير للملك للمشتري، والشهادة في البيع وسيلة للأخذ بالشفعة؛ فلا يُسقطها.
ت: وقوله في المساومة: إن أعطاني بأقل وإلا أخذتُ بالشفعة؛ دعوى منه.
وقال أشهب: لا تسقط لمساومته؛ لأنَّ مِنْ حُجَّته أن يقول: اختبرته؛ إن أعطاني بأقل من الثمن وإلا أخذتُ، كما لو فعل ذلك غيري بمحضري فلم أُنكِر (٢).
ص: (إن اشترى سهما فيه الشفعة بعرض أو حيوان؛ فللشفيع أخذه بقيمة العرض أو الحيوان، أو بمكيل أو موزون؛ أخَذَه بمثله).
стр. 2948
ت: إنما يُستحَقُّ بالثَّمن الذي عاوَضَ به المشتري، يعطي مثلَه، وإلا فقيمته؛ لأنها تقوم مقام المثل عند تعذرِه، كما [قال] (١) في المتلفات.
فإن كان عَرْضًا موصوفًا:
قال أشهب: يأخذ بقيمته إلى أجَلِه على ما هو عليه في يُسره وعدمه ولَدَدِه، ولا يجوز أن يأخذ قبل معرفتهما بقيمته (٢)؛ لأنَّ هذا [الأمثل] (٣)، فتعينت القيمة.
قال ابن الموَّاز: هذا غلط، بل بمثله إلى أجله، وإنما القيمة في العرض المعين؛ لأن باستحقاقه ينتقض البيع، واستحقاق الموصوف لا ينقض البيع، والشفعة قائمة (٤).
وإن كان المثلي مؤجَّلًا أخَذَ بمثله لذلك الأجل، لينتفع الشفيع بالأجل، كما ينتفع المشتري.
قال مالك: يأخذ بالمؤجل إن كان مليئًا، أو أتى بضامن ثقة مليء (٥).
فإن قال البائع للمبتاع: أنا أرضى باتباع الشفيع للأجل؛ منعه ابن القاسم؛ لأنَّه فسخ ما لم يَحُلَّ من دينه في دين على آخر (٦).
стр. 2949
ص: (عُهدة الشفيع على المشتري في الاستحقاق وغيره دون البائع، أخَذَ بالشفعة قبل القبض أو بعده).
وقال أبو حنيفة: هي على من يؤخذ منه الشقص؛ بائعا كان أو مشتريًا.
لنا: أنَّ العقد نقل الملك للمشتري؛ فيكون عليه العهدة لمن أَخَذ منه، كسائر صور الأملاك.
ولأن الشفيع في الحقيقة مشتر من المشتري؛ فتكون على البائع له العهدة، كسائر الصور.
ص: (وإن ادعى بيع سهم فيه الشفعة وأنكر المشتري؛ حلف وبرئ، وبطلت الشفعة وإن كان ربُّه مقرا ببيعه).
لأنه إقرار على الغير.
ت: إن كان المدعى عليه غائبًا بعيد الغيبة فللشفيع الشفعة؛ لإقرار
المالك، فإن قَدِمَ وأقرَّ؛ كُتبت العهدة عليه، وإن أنكر حلف ورجع الشقص للبائع.
قال ابن المواز: أحبُّ إليَّ أن لا يرجع الشقص على البائع إذا أنكر الغائب؛ الإقرار البائع أنَّ الشفيع أحقُّ بذلك الثمن، ويكتب العهدة على البائع (١).
ص: (لا تسقط الإقالة الشفعة، وهل العهدة على المشتري والإقالة باطلة، أو يخير في كتبها على البائع أو المبتاع؟
стр. 2950
رواتان).
ت: لأنها حق ثبت قبل الإقالة، فلا يبطل بها، ولا يُمَكنُ أحد من إسقاط حق غيره.
ولا يأخذ بعهدة الإقالة؛ لأنها عند مالك بيع حادث إلا في هذا، فإنَّها حل عقد.
ولأنه يتهم أنه هرب من العهدة فلزمته.
قال الأبهري: ومعنى هذه المسألة: إذا قصد بالإقالة قطع الشفعة، وإلا فهي بيع ثان، وللشفيع الأخذُ بأي الصفقتين شاء، فإن أخَذَ بالأُولى فالعهدة على المشتري، أو بالثانية فهي على البائع؛ لأنه مشتر من المشتري، فهذا معناها عندي، وكذلك قال غير واحد من شيوخنا.
فإن سلم الشفيع شفعته صحَّتِ الإقالة.
وروايتا الجلاب مخرجتان على أنَّ الإقالة حل بيع، فتتعين العهدة على المشتري، أو بيع ثانٍ، فيُخيَّر الشفيع بين الصفقتين بأيهما يأخذ.
ص: (إذا بيع السهم الذي فيه الشفعة مرارا قبل أخذ الشفيع؛ أَخَذَ بأي صفقة شاء، والاختيار إليه في العهدة والثمن، فإن أخَذَ بالآخرة صح ما قبلها، أو بالأولى بطل ما بعدها، اتفقت الأثمان أو اختلفت، أو بالوسطى صح ما قبلها وبطل ما بعدها).
ت: إن حضَرَ وعَلِمَ ولم يَقُم حتى بيع؛ سقطت شُفعتُه إلا من آخر بيع،
стр. 2951
أو حاضراً غير عالم، أو غائباً غيبةً بعيدةً؛ تخير
فإن أخَذَ بالأولى رجَعَ كلُّ مشترٍ على بائعه بالثمن؛ لأنَّ الشفيع له الأخذُ بأي صفقة شاء؛ لأجل اختلاف الأثمان والشركاء.
قال مالك: إن اشترى حظ ثلاثة من دار في ثلاث صفقات؛ فللشفيع أن يأخذ ذلك أو أي صفقة شاء، فإن أخَذَ بالأولى لم تكن للمشتري الأول شفعة فيما بعد، أو بالثانية كان المشتري الأوَّلُ شفيعاً في الثانية وما بعدها بقدر حصته بما اشتراه، أو بالثالثة استشفع فيها بالأولى والثانية (١).
قال أشهب: إذا تبايع الشَّقص ثلاثة، فأخذه من الأول؛ كتب عهدته عليه، ودفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به؛ لأنه يقول: لا أدفع الشقص حتى أقبض ما دفعتُ، ويدفع فضلًا إن كان للأوّل، فإن فضل للثالث مما اشترى به شيء رجع به على الثاني، وليس للثالث حبسه حتى يدفع إليه بقية ثمنه، ثم يرجع الثاني على الأول بتمام ما اشترى به الشَّقص منه.
وإن أخَذَ من الثاني فعهدته عليه، وثبت بيع الأول، ويدفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به، وفضلا إن كان فيه للثاني، وإن فضل للثالث مما اشترى به شيء رجع به على الثاني، ولا تراجع بين الأول والثاني لتمام بيعهما.
وإن أخَذَ من الثالث فعُهدته عليه، وصح ما قبله (٢).
стр. 2952
ص: (إذا طلب الشفيع الانتظار بالثمن؛ أُنظِر ثلاثة أيام، فإن جاء به وإلا قُضِيَ ببطلانِ شُفعته).
ت: إن سأل المشتري الإنظار لينظر ويستشير:
قال مالك: لا يُمكّن من ذلك، ويُجبر على الأخذ أو الترك (١).
وعنه: يؤخر ثلاثة أيام (٢).
قال مالك: وهو الذي رأيتُ القضاة عندنا يأخذون به (٣).
والثلاثة أصل في الشرع؛ المرتد يُستتاب ثلاثة أيام، والمُصَرَّاةُ يمسكها ثلاثا.
قال ابن المواز: إنما يؤخَّرُ إذا أراد الشفعة، وأما النظر فيها فليس له ذلك (٤).
واختلف إذا كان الثمن مؤجَّلا:
قيل: هو كالأول.
وقيل: إن أخذ وسأل الإنظار بالثمن؛ أُنظِر (٥).
стр. 2953
ص: (للمشتري رفع الشَّفيع للحاكم، يأمره بالأخذ أو الترك، فإن أبى الأخذ أو الترك؛ حكم بسقوط شُفعته).
ليُمَكِّن المشتري من التصرف فيما اشتراه بالهدم والبناء وغيرهما، وفي التطويل عليه بذلك ضرر.
ت: إذا لم يرفع للحاكم، [ثم] (١) بنى وتصرف؛ فللشفيع الشفعة، إلا أن يأتي من الزمان ما يُعلم أنه تركها.
стр. 2954
كتاب الحبس
(الحبس صحيحٌ لازم).
ت: لا يفتقر لحكم حاكم، ومشهور أبي حنيفة أنه غير جائز ولا لازم؛ لأنه من السائبة التي حرمت بالقرآن.
لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وفي «مسلم»: أصاب عمر ﵁ أرضا بخيبر، قال: لم أُصِبْ مالا قَطُّ هو أحبُّ عندي منه، فقال: يا رسول الله، ما تأمرني به؟ قال: «إن شئتَ حَبَّستَ أصلها وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر، وكتب: أنها لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي سبيل الله، والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (١).
وهو يدل من وجوه:
أحدها: قوله ﵇: «حَبس الأصل»، وهو يقتضي التأبيد، وامتناع الرُّجوع والبيع، ونقله عما هو عليه.
وثانيها: أنه استشار النبي ﷺ ، فأشار عليه، وهو يقتضي أنه حقٌّ.
وثالثها: كتبه أنه لا تباع ولا توهب ولا تورث.
وقد فعله الصديق، وعثمان، وعلي، وجماعة من الصحابة ﵃ (٢)، ولم
стр. 2955
يُحفظ الامتناع منه عن أحد، وبذلك احتج مالك على أبي يوسف حين ترك مذهب صاحبه.
ولأنه حبس، فلا يحتاج لحكم حاكم، قياسا على المسجد، أو إسقاط مِلكِ كالعتق.
ص: (ومن حبس حبسًا على وجه صحيح لزمه إخراجه فيه، وامتنع الرجوع فيه).
للحديث المتقدم، وكسائر العقود اللازمة.
وإن لم يجعل له وجهَا جُعِل في وجوه الخير والبر أبدا، ولا يرجع ملكًا له ولا لورثته.
ت: كما لو قال: مالي صدقة، إن عيَّنَ صُرِف لمن عين له، وإلا صُرِف للفقراء.
ولأنه ظاهر لفظ الحبس صنيع المعروف، وظاهر الإطلاق عدم الاختصاص والتعميم.
قال الأبهري: ويكون ذلك في فقراء ولده وأهله، هم أولى؛ لأنَّ أبا طلحة لمَّا جعل بَيْرُ حَاءَ صدقةً ولم يُسَمِّ أحدًا؛ قال له ﵇: (اجعلها في الأقربين) (١).
قال بعض شيوخنا: إن كان على مجهول؛ مَنْ يأتي فلا إشكال، أو على معين فالمشهور التأبيد.
стр. 2956
وعن مالك: يرجع مِلكًا، كالعُمرى (١).
ص: (إن قال: مالي حبس في وجه كذا؛ فروايتان:
إحداهما: أنه يتأبد حبسه، فيكون أولا في الوجه الذي جعله فيه، فإذا انقرض ذلك الوجه كان حبسًا على أقرب الناس إليه، فإذا انقرضت قرابته كان حبسًا على الفقراء والمساكين.
والثانية: إذا انقرض الوجه الذي جعله فيه؛ كان له في حياته، ولورثته بعد وفاته.
وكذلك إذا قال: مالي صدقة في وجه كذا، إلا أن يريد التصدق بعين ماله، فيكون ملكًا لمن تصدق به عليه).
ت: الحبس على معيَّن خمسة أقسام؛ يرجع ملكًا في اثنين، ويُختلفُ في ثلاثة (٢).
فإن قال: حبست على هؤلاء النفر، أو: هؤلاء [العشيرة] (٣)، وضرَبَ أجلا، أو قال: حياتهم؛ رجَعَ مِلكًا في هذين القسمين اتفاقا (٤).
فإن لم يُسَمِّ أَجَلا ولا حياةً، وقال: حبس صدقةً:
فعن مالك: يرجع ملكًا.
стр. 2957
وعنه: لا يرجع، إلا أن يقول: حبس صدقةً لا يوهب ولا يورث (١).
قال ابن القاسم: أصل قوله إذا قال: حبس، ولم يقل: صدقة؛ فهي حبس إذا كانت على مجهولين.
وإن كانت على معيَّنِين فقال: حبس، ولم يقل: صدقة، ولا قال: لا تباع ولا توهب، فقال مرَّةً: ترجعُ مِلكًا له أو لورثته بعد انقراض [الجهة] (٢)(٣)؛ لأنَّ التحبيس لا يقتضي التأبيد، بل لمَن جُعِل له لا يخرج عنه، ويرجع استصحابًا للملك بحسب الإمكان، إلا أن يصفها بالتأبيد أو التحريم أو ما يقوم مقامه من الصدقة على مجهولين.
وعنه: لا يرجع مِلكًا، بناءً على أن لفظ التحبيس يقتضي التأبيد، وقد قال رسول الله ﷺ : «حبّس الأصلَ وسَبّل الثَّمرة» (٤)، ولأن ترك التقييد يقتضي التعميم.
ولا يمنع قوله: حبس على فلان، لأن ذلك تقييد للرقبة فقط.
وأما قوله: يرجع لأقرب الناس؛ فالقول رسول الله ﷺ لأبي طلحة: «اجعلها في الأقربين» (٥).
стр. 2958
وروي: «في فقراء أهلك» (١).
قال مالك: رجالاً كانوا أو نساءً (٢)؛ لأنَّ الرجوع إليهم صلةٌ، والبنت أولى بالصلة.
وقال ابن القاسم: للرِّجال؛ لأنها ليست بعصبة (٣)، كالخالة.
ومن القرابة الذين يرجع إليهم؟
قال مالك في «العتبية»: عصبته (٤).
وعن ابن القاسم: أولى الناس من ولد وعصبة (٥).
وقاله مالك أيضا (٦).
ص: (إن قال: وقف على وجه كذا؛ تأبد، ولم يرجع له ولا لورثته).
ت: لأن مدلول هذه اللفظة في العرف التأبيد.
وإن قال في المعين: حبس صدقة، لا يباع ولا يوهب؛ لم يختلف قوله أنَّه لا يباع، ويرجع إلى أقرب الناس إليه يوم المرجع، ولا يرجع إليه وإن كان حيًّا.
стр. 2959
وقال عبد الملك: هي في المعيَّن عُمرى وإن سماها صدقةً، ما لم يقل: لا تباع ولا تورث (١).
وإن حبس على مجهولين نحو: على فلان وعقبه، فانقرض العقب:
قال مالك: لا يرجع ملكا (٢).
وقال مطرف: إن قال: ما عاش، أو: ما عاشوا؛ فهي عُمرى (٣).
فإن قال: مالي صدقة في وجه كذا:
قيل: إذا انقضى ذلك الوجه رجع لأقرب الناس به، فإذا انقرضت القرابة فعلى الفقراء والمساكين؛ لأنَّ الصَّدقة يراد بها وجه الله تعالى، كالوقف، وليس كذلك لفظ الحبس حتى يقرنها بالتحريم أو منع البيع.
والرواية الأخرى: أنه يرجع بعد انقراض ذلك الوجه ملكًا له ولورثته بعده؛ بناءً على أن لفظ الصدقة لا يقتضي التأبيد، بل الإحسان لذلك الوجه كالعُمرى.
ولأن تعليق التمليك بوقت ينتهي يمنع ملك الرقبة، كما لو وقته بمجيء زيد.
ولأن تمليك المنافع يتوقَّت دون تمليك الرقبة.
ص: (إن قال: صدقة حبس، أو: حبس صدقةٌ، فروايتان على ما تقدَّم).
ت بناءً على أنَّ كلَّ واحدٍ من اللفظين إذا انفرد لا يقتضي التأبيد؛
стр. 2960
فكذلك إذا اجتمعا.
أو: الجمع بينهما يقتضي التأكيد، فهو كما لو أكده بـ: لا يباع ولا يوهب.
ص: (وإن قال: حبس صدقةٌ، لا يباع ولا يوهب ولا يملك، ونحو ذلك من الألفاظ التي توجب التأبيد؛ تأبد).
ت: كما لو قال: وقفٌ، فإذا مات المُحبَّسُ عليهم رجعت إلى عصبة المُحبّس حبساً عليهم إن كانوا فقراء، وإلا فعلى فقراء المسلمين، وتتأبد اتفاقاً.
ص: (إذا لم يُقبض الحبس ولم يخرج عن يده حتى مات؛ بطل وصار ملكا لورثته).
ت: إذا أمكنه إخراجه عن يده فلم يفعل حتى مات؛ بطل، فإن أراد إخراجه في مرضه لم يصح حوزه في مرضه؛ لأنَّ الصديق ﵁ نحل عائشة ﵂ جداد عشرين وسقا، فلم تقبضه حتى مرضَ مَرَضَ موته، فقال لها: لو كنت حزتيه لكان لكِ، وإنما هو [اليوم] (١) مال وارث (٢).
فإذا جعل المرض مُبطلا فالموت أولى.
ولأن ذلك طريق إلى أن ينتفع بماله حياته، ثم يخرجه بعد وفاته عن ورثته؛ فلا ينفع الحجر شيئاً.
стр. 2961
قال مالك في «المدونة»: إذا حبَّس في صحته ما لا غلة له - كالسلاح والخيل والرقيق - فكان يُخرجه في وجوهه ثم يرجع إليه؛ فهو نافذ من رأس ماله؛ لأنه أخرجه في وجهه، فإن أبقى بعضه لم يُخرجه بطل فيما لم يُخرجه، ونفذ ما أخرجه، وأما ما له غلة - من حائط أو دار - فكان يفرّق غلته كل عام، ولم يُخرجه عن يده حتى مات؛ لم يجز؛ لأنَّ هذا غير وصيَّة (١).
ولأن الأصل هاهنا لم يَخرُج، وفي الأول خَرَج.
ص: (الوقف في الصحة من رأس المال، وفي المرض من الثلث).
للحجر على المريض إلا في الثلث.
فإن وقف في مرضه أو وصيَّته على ورثته خاصَّةً بَطَل، وكان ملكًا للورثة.
لأن ذلك يجري مجرى وقف الإنسان على نفسه، وهو لا يجوز.
ولأنهم يرثونه عنه؛ فليس له الحجر عليهم في البيع وغيره.
فإن ضم إليهم أجانب جاز، وخرج من الثلث، وقسم بينهم على شرطه، فإذا انقرض ورثتُه؛ جُعِل في الوجه الذي جعله بعدهم فيه.
ت: إنما صح لأجل الأجانب، ولم يُرِد التَّحجير على الورثة.
ولأنه الله تعالى؛ لأنه يصير آخر الأمر للفقراء إذا مات المحبس عليهم.
стр. 2962
ص: (إن وقف في مرضه على بعض ورثته وأجانب سواهم؛ قسم على الورثة والأجانب، فما أصاب الورثة جُعِل بينهم وبين من أدخله في الوقف وغيره على الفرائض، فإذا انقرض ورثة الموقوف عليهم رجع كله لمن جعله له بعد ورثته، فإذا انقرض واحد من ورثته سقط حقه، وصار لمن جعله له بعده).
ت: لأنَّ مِنْ حُجَّة الوارث أن يقول للوارث الموقوف عليه: ليس لكم الاختصاص بمنفعة دوننا، فنشارككم، ولا حُجَّة له على غير الوارث؛ إذ لا وصية لوارث.
وإن مات وارث ممن لم يدخل في الوقف قام ورثته مقامه؛ لأنَّ أباه مات عن ملك فينتقل له، ويدخلون مع المحبس عليهم ما داموا أحياء؛ لأنَّ حق الميت قائم.
فإذا انقرض الموقوف عليهم صار الوقف كله لمن جعله بعد ورثته، وإن بقي أحد ممن لم يحبس عليهم؛ لأنَّ الحق انتقل لمن لا يشاركه وارث.
وإن مات بعض الورثة الموقوفِ عليهم سقط حقه ولم يورث، بل للوجه الذي جعله له بعده.
ص: (إن وقف على ولده الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يتصرف فيه لنفسه، بل لولده).
ت: تجوز حيازته له في الحبس والصدقة والهبة إذا لم يتصرف إلا له؛ لقول عثمان ﵁: مَن نحَلَ ولدًا له صغيرًا لم يبلُغ أن يحوز نحلَةً، فأعلن ذلك وأشهد عليه؛ فهي حيازة.
стр. 2963
وهذا إذا ميز ذلك وأشهد عليه، وإنما اشترطنا الإشهاد والتمييز ليثبت ذلك له بغير قول الأب؛ فلا [تُعَدَّ] (١) وصيَّةً لوارث.
وما لا يمكن تعيينه والإشهاد عليه - كالذهب والفضة والمكيل والموزون - فلا يصح قبضه له؛ لتعذر تمييزه عند أداء الشهادة، فإن جعله على يد أجنبي؛ جاز (٢).
قال شيخنا أبو بكر: إن جعلها الأب في شيء وختم عليه وأشهد صح؛ لتمييزه وإمكان الشهادة فيه (٣).
فإن تصرف الوالد لنفسه حتى مات رجع ميراثاً؛ لما تقدم من اشتراط القبض.
ص: (إن حبس عبداً أو دابَّةً على رجلين حياتهما، ثم جعله في وجه آخَرَ بعد وفاتهما، فمات أحدهما؛ رجع نصيبه على الآخر، فإذا ماتا؛ رجع للوجه الذي بعدهما، وقيل: يرجع نصيب الميت منهما في الوجه الذي جعله بعدهما، لا على صاحبه.
فإن حبس عليهما غلةً أو ثمرة أو مما يتجزأ وينقسم، فمات أحدهما؛ لم يرجع نصيب الميت منهما على صاحبه، بل في الوجه الذي بعدهما).
أو بسكنى؛ فهي على وجهين: إن كان لسكناه فكالعبد والدابَّة، أو يستغلاه فكالثمرة.
стр. 2964
ت: لأنَّ ما يتجزَّأ نصيب كلُّ واحدٍ متميز عن الآخر، فكان موته كموت الجميع.
ولأنَّ كون القسمة فيه تقتضي اختصاص كلُّ واحدٍ بنصيبه، وذلك يمنع عود نصيبه على غيره.
وقاس إحدى الروايتين فيما لا ينقسم على ما ينقسم، ولأنَّ جمعهما فيه يقتضي أنَّ كلَّ واحدٍ له النصف خاصةً.
ولاحظ في الأخرى ضرر الشِّركة.
ولأنه لما جمعهما فقد جعل ذلك لهما ما بقي أحدهما، فما دام الاسم باقيًا لا يزول عنهما.
ص: (إن أسكنه إلى أجل فمات قبله؛ فذلك لورثته لبقية الأجل).
لأنه حق مورِّثهم.
فإن لم يكن له ورثة عاد السُّكنى إلى ربِّه.
ت: ليس للمالك الرجوع كما لا يرجع في الصدقة بجامع المعروف.
ص: (إن أوصى بنفقة على رجل مدَّةً، فمات قبلها؛ لم يكن لورثته شيء من نفقته).
ت: إن سمَّى سنين لم ينتقل باقيها للوارث؛ لأنه لم يرد إلا ارتفاقه، لا تمليك عين حتى ينتقل للورثة.
стр. 2965
والفرق بينه وبين السُّكنى: أنَّ النفقة يُقصد بها قيام نفس المنفق عليه، والسكنى يُقصد بها التوسعة عليه في دنياه، بدليل أن له أن يبيع ذلك من غيره ويُسكنه، فقد ملكه مالاً، بخلاف النفقة.
ولأن النفقة إنما تجب يوماً فيوماً، بدليل نفقة الزوجة، والسُّكنى من جنس ما يجب إلى انقضاء وقت الوجوب، بدليل انقطاع نفقة الزوجة بنفس الموت، والسكنى إلى آخر العدة، فالجنسان مختلفان.
وإن أطلق الوصية حملت على حياة المنفق عليه.
واختلف في حد التعمير إذا قال: حياته:
قيل: سبعين.
وقيل: ثمانين.
وقيل: تسعين.
وقيل: مئة سنة (١).
ص: (إن حبس عقاراً فخَرِب لم يجز بيعُه، وإن هرم الحيوان فلا بأس ببيعه واستبدال مثله، ومنعه عبد الملك، كالعقار).
ت: لا تباع الدار وإن صارت عَرْصَةً، ويُفسَخ البيع (٢).
قال سحنون: لم يُجز أصحابنا بيع الحبس بحال، إلا دارا تجاور مسجدًا
стр. 2966
احتيج لتوسعته، فتباع لذلك، ويُشترى بثمنها ما يكون حبساً، كما دخل في مسجد رسول الله ﷺ دُور حبس (١).
قال ابن القاسم: من غير أن يُقضى عليهم (٢).
قال مالك: يُقضى عليهم أن يشتروا بالثمن مثلها، بخلاف الاستحقاق فإنه يصنع بالثمن ما شاء (٣)؛ لأنه لم يحبس الثمن؛ لأنَّ الخراب قد ينتفع به بوجه ما، وما لا [ينقله] (٤) عن مقتضاه إذا لم يخرب لا ينقله إذا خَرِب، كالغصب، وبقاء أحباس السلف دليل على ذلك.
فإن لم يكن في ثمن الحيوان ما يشتري به مثله - وهو فرس مثلا للجهاد - فهَجِين أو برذون، فإن قَصُرَ أُعِينَ به في ثمن فرس.
قال ابن القاسم: يُشترى بثمن الثوب إذا بلي ثوب ينتفع به، فإن لم يبلغ تصدق به في السبيل (٥).
قال عبد الحق: لا فرق بين ثمن الثوب والفرس إذا لم يبلغ، فيُشارك به في ثوب، كالفَرَس، وإذا لم يوجد في المسألتين من يشارك تصدَّق بالثمن.
وإنما فرق بينهما في الكتاب لافتراق السؤال، فتكلم في الفرس إذا وَجَد من يشارك وفي الثوب إذا لم يجد (٦).
стр. 2967
قال عياض: بل المقصود من الخيل المنفعة بها في الغزو لا الغزاة، فجعلت أثمانها في مثلها، والثياب لمنفعة [الغزاة] (١)، فإذا لم ينتفعوا بها أعطيناهم أثمانها عوضاً عنها (٢)؛ لأن منع البيع يضيع المال.
فإذا كلَّت الفرسُ أو دخله عيب يمنع القتال عليه؛ أمكن أن ينتفع به مشتريه في غير ذلك الوجه - من الطحن وغيره - فهو أولى من إضاعته (٣).
ولأن عمراً ﵁ حمل على فرس في سبيل الله، فخبث، فبيع، فنهاه النبي عن شرائه (٤)؛ لئلا يكون عائداً في صدقته، ولم ينه غيره.
وقال عبد الملك: لا يجوز بيعه (٥)؛ قياساً على العقار.
والفرق: أنه يؤول إلى الهلاك، بخلاف العقار، ويُمكِنُ عَوْدُ العقار إذا خَرِبَ لحالته الأولى، بخلافهما.
ص: (لا بأس بحبس الخيل في سبيل الله تعالى، واختلف قوله في تحبيس غيرها، فكَرِهَه مرَّةً، وأجازه أخرى).
ت: قال رسول الله ﷺ : «من حبس فرساً في سبيل الله، تصديقا بوعده، كان شِبَعُه ورِيُّه في ميزانه يوم القيامة» (٦)، أخرجه «الصحيحان».
стр. 2968
وجه الجواز في غيرها من الحيوان: أنَّ خالدًا حبس أدرُعَه وأعتُدَه في سبيل الله، يعني: آلة الحرب وعِدَّتها، وقَفَ أبو معقل بعيرًا له فلم ينكر ذلك رسول الله ﷺ ، وقياسا على الخيل.
وجه الكراهة: قصور المنفعة عن منفعة الخيل، والأصل أن لا يجوز الحيوان؛ لأنَّ الحبس للدوام، والحيوان لا يدوم.
ص: (مَنْ حَبَّس ماشيةً زُكِّيت إن كانت نصابا، وكذلك الثمار).
ت: لأنَّ الزكاة في أعيانها، قال بعض علمائنا: لا يختلف أصحابنا في الماشية، بخلاف الثمار؛ لأنَّ رقاب الماشية ليست للمساكين، إنما لهم المنفعة، والماشية على ملك واقفها، والثمرة هي المصروفة للمساكين، والمذهب في الكلّ الزكاة؛ لأنها على ملك الواقف.
ولا يضر موت الواقف؛ لأنه لا يُشترط في الزكاة التكليف، كالصبي والمجنون.
ويظهر أثر الزكاة في الثمار - وإن كان الكلُّ يُصرف للمساكين - أنَّ الزكاة يستحقها أصناف ثمانية، فلا تتعين للمساكين، بخلاف الحبس، ولا تنتقل الثمرة لملك الفقير إلا بالقبض، ولأنَّ النفقة عليها، والسَّقي والعلاج والجداد على رب الحائط، وعليه أن يسلّم لهم الثمرة مجدودةً، وذلك دليل بقاء ملكه، وقد يمتنع التصرف مع بقاء الملك؛ لحق الغير.
стр. 2969
ص: (مَنْ حَبَّس دارا فسكَنَ منها بيتا أو نحوه؛ جازت كلها (١)، ما سكن منها وما لم يسكن، وكذلك لو حبس دورًا فسكن يسيرًا منها، وإن سكن كثيرًا بطلت كلها، وقال ابن القاسم: يَبطُلُ المسكون، قليلًا كان أو كثيرًا، ويَنفُذُ غيرُ المسكون، قل أو كثر).
ت: وقيل: يبطل الجميع.
حُجَّةُ مالك أنه إذا سكن يسيرًا يَنفُذُ الجميع: أنَّ زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر حبَّسًا داريهما، وسكنا منزلاً منزلاً حتى ماتا، فنفذ الجميع.
ولا تبقى التهمة أنه أراد الانتفاع بملكه حتى يموت فيُخرجه عن وارثه؛ ليسارة ما انتفع به، كاللبن يُشرب من الماشية المحبَّسة، والثمرة يأكلها، فإن سكن كثيرا بطل حبسه.
قال ابن القاسم في «النوادر»: إن سكن الثُّلُثَ فأقل جاز الجميع، أو الجُلَّ بطل الجميع (٢).
ويراعي ابن القاسم القليل بالنسبة إلى القيمة.
ووجه تخصيص الإبطال بما سكن فقط: لأنه الذي فات فيه الشرط.
ووجه البطلان مطلقًا: أنَّ الحبس كان واحدًا فلا يتبعض.
* * *
стр. 2970
كتاب الصدقة والهبة
الصدقة لازمة بالقول، وتمامها بالقبض.
ت: يلزمه أن يعطِي الصدقة إذا طالبه بها، ويُجبر على ذلك، وإنما القبض شرطٌ في تمامها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تنعقد إلا بالقبض، ولا يلزمه التسليم.
لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقوله ﵇: «الراجع في صدقته كالكلب يرجع في قيئه» (١)، والقيء حرام، ولم يفرق بين قبل القبض ولا بعده.
ولأنها عقد، فلا يفتقر انعقاده للقبض، كالوصية وسائر العقود؛ لأنَّ القبض إنما يُعتبَر في غير صورة النزاع إذا تقدمه عقد يلزم، فلو لم يكن العقد [يلزم] (٢) لما أفاد العقد شيئًا.
ص: (إن تصدق وهو صحيح ثم مات قبل إخراجها بطلت؛ لأنَّ القبض شرط، أو مريضاً جازت من ثُلُثِه، وإن مات المتصدق عليه فورثته مقامه).
ت: إذا تصدق صحيحًا امتنع القبض في المرض؛ لتعلقِ حق الوارث؛
стр. 2971
لأنَّ الصديق الله نحل ابنته عائشة اجداد عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال لها: كنتُ نحلتُكِ جِداد عشرين وسقا، فلو كنتِ حُزتيه لكان لك، وإنما هو الآن مال وارث (١)، فإذا انقطع حقها بالمرض فبالموت أولى.
ولأن ذلك طريق إلى أن ينتفع بماله حياته، ثم يخرجه عن الوارث عند الموت بحُجَّةِ الهبة أو الصدقة أو الحبس، فلا يفيد الحجر عليه شيئًا.
فإن كان المرض بقرب الصدقة هل يؤثر؟
قال مالك: إن لم يفرط في القبض؛ كانت من رأس المال (٢)، وإلا لم تخرج من رأس المال.
قال ابن القاسم: ولا من الثلث (٣).
قال اللخمي: قال مالك: إن أعتق نصيبه من عبد يقوم عليه في المرض قوم في ثلثه، فعلى هذا تخرج الصدقة من ثلثه.
واختلف إذا لم [يقم] (٤) عليه حتى مات بفور الصدقة:
قيل: تسقط.
وقيل: تصح من رأس المال.
فإن فرط حتى مات لم يُخرج من رأس مال ولا ثُلُثِ (٥)؛ لأنها سبَقَ فيها
стр. 2972
حوز الورثة قبل حوز المتصدق عليه، كمن تصدق بصدقةٍ، ثم تصدق بها لآخَرَ، فقبضها فهو أحق بها.
وإن تصدق وهو مريض نفذت من ثلثه؛ لأنها [تصرف] (١) في المرض كالوصية، والوصية لا تحتاج للحوز، ولو حِيزَ في المرض كان للورثة إيقافه، ليموت فيكون من الثلث، أو يصح فيكون من رأس المال.
ويُنقل الحق للورثة للمتصدق عليه، مات قبل موت المتصدّق أو بعده؛ لأنها لزمت، ولو كانت أموال المتصدق مأمونةً كان للمتصدق عليه أن يتعجلها على أحد القولين.
ولو مات الموصى له قبل موت الموصي؛ فلا شيء لورثته، علم الموصي بموته أم لا، وحاص بها ورثة الموصي أهل الوصايا في ضيق الثلث.
أو بعد موت الموصي؛ فلورثة الموصى له، علم بها أم لا؛ لتقررها بموت الموصي، ولا يملك وصيته إلا بعد موته، وله الرجوع عنها، وهو الفرق بينها وبين الصدقة.
ص: (إن تصدق على ولد له صغير؛ فحيازته له جائزة إذا أشهد عليها، وميزها بتصرفه لولده).
ت: لتثبت الصدقة بغير قول الأب؛ لئلا يتهم في الوصية لوارث، وكذلك إذا كان الابن كبيرًا سفيها؛ لأنه يتولى مصالحه، ومنها القبض.
هذا إذا كانت يمكن تعيينها، كالعَرْض والحيوان، وما لا يمكن تعيينه
стр. 2973
- كالمثليات - قال مالك: لا يصح قبض الأب لها؛ لأنها لا تتميز عند أداء الشهادة عليها، ويُقبضُها لأجنبي غيره فيجوز (١).
قال الأبهري: إن ختَمَ عليها الأب وأشهد جاز؛ لأنها تتميز حينئذ بالختم.
وقال ابن المواز: إن أشهد على طابعه وبقيت بيده حتى مات؛ لم يَجُز (٢).
ص: (لا رجعة في الصدقة ولا ثواب، ويُكره له شراؤها واستيهابها، وإن مات المتصدق عليه، [فورثها المتصدّق] (٣)؛ جاز له ملكها والتصرف فيها) (٤).
ت: لأنها خرجت عن ملكه، فلا يستحق لها ثوابًا، بل ثواب الآخرة.
فإن كان المتصدق وارثَ المتصدق عليه جاز له تملكها؛ لأنه لا يقدر على دفع الميراث، وهذا بخلاف الشراء والهبة؛ لأنه قادر على أن لا يشتري وأن لا يقبل الهبة.
وفي «مسلم»: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال لها رسول الله ﷺ : «وجب أجرُكِ، ورَدَّها عليكِ الميراث» (٥).
ولأن الموهوب له والمتصدق عليه يستحيي منه فيترك له بعض الثمن،
стр. 2974
فيكون رجوعاً فيها بذلك القدر، وقد قال ﷺ : «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (١).
وإن ابتاع الصدقة فسخ بيعه.
قال ابن شعبان: لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
ص: (إن تصدق على ولده بدنانير أو دراهم مقدرة غير معينة، وأشهد له بذلك؛ فصدقته باطلة، وإن تصدق عليه بجزء مُشاعِ من دارٍ أو أرض، وأشهد على ذلك؛ ففي جوازها وبطلانها روايتان، وكذلك الهبة).
ت: قال مالك: لا يجوز التصدقُ بالدنانير والدراهم، إلا أن يضعها على دِ غيره (٢)؛ لأنها لا تتعين.
قال ابن المواز: إن طَبَعَ عليها وأشهَد على طابعه، وبقيت في يده حتى مات؛ بطلت (٣).
وقال مالك: يجوز إذا أشهد وكتب عليها، ختم أم لا، والختم أحسن (٤).
وجه الأول: أنَّ الختم قد لا يُقصد به الحوز للصغير، بل يَرصُدُها له لمنفعة نفسه حياته، ويزويه عن ورثته، ويقول: إن احتجت إليه أخذتُه، بخلاف حوز العقار؛ فإنَّ مقصوده المنفعةُ والغلة، وقد صرَفَها للولد، فكان ذلك حوزا،
стр. 2975
والنقدان لا غلَّةَ لهما.
وجه القول الثاني: أنَّ الختم يوجب التميُّز فيكون ذلك حوزًا.
قال اللخمي: هذا ما دامت عينًا، فإن اشترى بها عقارًا أو تجارةً وأشهد عليها جازت للولد، وسقط حكم العين (١).
فإن لم يعين الدراهم أو الدنانير بطلت الصدقة وإن أشهد على مقدار ما تصدق به؛ لأنه قد يدعي هلاكها فلا تُمكن الشهادة عليها.
قال شيخنا: هذا إذا مرض الأب أو فلس، وإلا جبر على الإخراج؛ لامتناع الاعتصار في الصدقة.
وجه الجواز في الجزء المشاع من عقار أو عبد يملك جميعه: أنَّ الحوز متصور فيه بالإشهاد، وصرف الغلات للولد، والمحاكمات عند القضاة.
وجه البطلان: أنَّ المُشاع يقع تصرُّف الأب في حصة ولده لأجل الشياع، فما زالت الهبة تحت يده حتى مات، فتبطل، كقول مالك: إذا باع نصف عبده فاستُحِقَّ رُبعه؛ جرى الاستحقاق فيما بيع وما لم يبع؛ لأنَّ المبيع مشاع، وهذا كله إذا لم يُخرج الجزء من يده، فإن أخرجه جاز.
ص: (إن وهب شيئًا لزمه دفعه للموهوب له إذا طالبه، فإن أبى حكم عليه إذا أقر أو قامت بيّنة، فإن أنكر الهبة حلف وبرئ، فإن نكل حلف الموهوب له وأخذها، وإن مات قبل دفعها للموهوب له فلا شيء له إذا أمكنه أخذها وفرط،
стр. 2976
وإن مات الموهوبُ له قبل قبضها قام ورثته مقامه في مطالبة الواهب).
ت: يُقضى بالهبة وهي لازمة إلا للأبوين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وفي النسائي: قال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده» (١)، وأُلحقت الأم قياسًا عليه.
ولأنه عقد، فيلزم بالقول، كسائر العقود.
والهبة إما معينة نحو: هذا العبد، أو غير معيَّنة، كهبة ما على زيد من الدين لعمرو.
والظاهر من المذهب في القسم الأول لا يمين على المدعى عليه؛ لأنها في الحقوق اللازمة لا تجب لمجرد الدعوى حتى ينضاف إليها مقو، فكيف الهبة؟! لضعفها؛ للخلاف في لزومها.
وفي «الجلاب»: عليه اليمين؛ لأنه مدعى عليه، وما في الذمة فالظاهر لا يُحكم له إلا بعد أن يحلف ربُّ الدين أنه ما وهبه للمديان، فإن ادعى الغريم ما يُبرِئ ذمته لم يُحكم له إلا بعد يمينه على إبطال تلك الدعوى، كما لو ادعى القضاء.
قال الباجي: وفيها قسم ثالث: إن كانت الهبة في يد الواهب فلا يمين، أو بيد الموهوب لم ينزعها الواهب إلا بعد يمينه؛ لأنَّ مَنْ استحَقَّ عَرْضًا بيد رجلٍ، وزعم أنه اشتراه منه فلا بُدَّ أن يحلف أنه ما باع ولا وهب (٢).
стр. 2977
قال شيخنا: تتخرَّج المسألة على اشتراط الخلطة في اليمين.
فإن قلنا: تجب اليمين بمجرد الدعوى فلا إشكال.
وإن قلنا: لا بد من الخلطة فلا يمين، إلا أن يريد ابن الجلاب بقوله: حلف وبرئ، إذا ثبتت بينهما الخلطة، أو يقول: الخلطة شرط فيما يتعلق بالذمم دون المعيَّنات، وذكره عبد الحق في «النكت» عن جماعة من القرويين (١).
وإن قلنا: لا تشترط الخلطة حلف بمجرد الدعوى.
وموت الواهب - إذا أمكن القبض وفرط الموهوب - يُبطلها؛ لحديث الصدّيق المتقدم، وقاله عمر و وعثمان ﵄.
ص: (لا رجوع لواهب في هِبَتِه، إلا الوالدين فلهما الرجوع، ما لم يتداين الولد، أو يتزوج، أو تتغير الهبة عنده، وإن باعها لم يكن للوالدين إلى الثمن سبيل) ..
ت: لما في النسائي: قال رسول الله ﷺ : «لا يحِلُّ لرجل يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده» (٢).
قال مالك: بخلاف الصدقة لا يرتجعها الوالد؛ ولأنَّ للأب شُبهة في مال ابنه، ففارق الأجنبي، وقياسًا على الهبة من السيد للعبد.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أنه إذا داينه الناس لأجل الهبة، أو
стр. 2978
يُزوَّج، أو تتزوَّج الابنة ويُزاد في صداقها لأجل الهبة، أو يموت، أو تتغير الهبة بوجه مؤثر فيها فيمتنع الرجوع حينئذ، بخلاف حوالة الأسواق؛ لأن حوالة الأسواق رغبات الناس، ورغبات الناس في الناس لا في الهبة، امتنع الرجوع حينئذ.
وللأم الاعتصار قياساً على الأب (١)؛ لأنَّ لها شُبهة في ماله، إلا ابنها اليتيم؛ لأنَّ الهبة له صدقة، والصدقة لا تُعتصر؛ لأنه ظاهر الحال.
وروى أشهب عن مالك: لها الاعتصار إذا كان غنيًّا (٢).
ولهما اعتصار العُمرَى والنُّحلِ والحَبس إن كان معناه الهبة، كسكنى الشهرين، بخلاف الصدقة.
وروى ابن القاسم أنَّ الجد والجدة لا يعتصران (٣)؛ لأنَّ النص إنما ورد في الأب.
وعنه: يعتصران؛ لوقوع اسم الأب عليهما (٤).
ووطءُ الابن الجاريةَ فَوتُ، وغرس الأرضِ فَوتُ، وبناء الدار، إلا أن يعتصِرَ العَرْصَةَ وحدها، وصياغة الدنانير حُلِيًّا فَوتٌ.
ومرض الأب أو الابن يمنع الاعتصار؛ لأنَّ الأب إذا مرض صار تبرُّعًا لغيره، وغيره ليس أبا، وإذا مرض الابن تعلق حق ورثته بماله، كما إذا تعلق حق الغرماء.
стр. 2979
وعن مالكٍ: يعتصر وإن مرض.
قال ابن الموَّاز: إذا دايَنَهُ الناس لأجلها امتنع الاعتصار (١)، وإن كانت يسيرةً لم يداين لأجلها، أو الابن غنيًّا؛ فله الاعتصار.
قال اللخمي: له الاعتصار إذا استدان وعنده وفاء بدينه؛ لأنَّ الولد لو وَهَب تلك الهبة لم يكن للغريم مقال، وإنما يُمنع الاعتصار إذا تعلق للغريم بها حق، وكذلك إذا لم يتزوج الابن لتلك الهبة - لأنه بين اليسار ــ فله الاعتصار، إلا أن تكون كثيرةً تزوّج لأجلها (٢)، وكذلك البنت؛ لتعلق حق الأزواج والزوجات بالهبة.
وامتنع الاعتصار إذا مرض أحدُهما (٣)؛ لتعلق حق الورثة حينئذ، كما تتعلق حقوق الغرماء، ولأن الأب إذا مرض يعتصر لغيره.
وعن مالك له أن يعتصر إذا مرض (٤).
ص: (إن وهب لولده دنانير أو مثليًّا، فخلطه الولد بمثله؛ امتنع الاعتصار، ولا يكون شريكا بقدرها).
ت: لأن اختلاطها يُتلِف عَينَها، وهو إنما له عين الهبة؛ [ولذلك] (٥) إذا باع لا يأخذ الثمن.
стр. 2980
وإن صاغ الدنانير حُلِيًّا امتنع الاعتصار؛ لأنها حالت عن حالها.
ص: (الهبة للثواب والعِوَضِ جائزة).
ت: وُهِب لرسول الله ﷺ لَقَحَةٌ، وطلب صاحبها الثواب، فأثابه النبي صلى الله عليه وستم.
وقال عمر ﵁: من وهب هبةً يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها (١).
ولأن المقصود منها المكارمة والموادَّة، فجاز قبولها، كنكاح التفويض.
قال ابن القاسم: يجوز، أهبك هذا العبد على أن تثيبني.
ومنعه عبد الملك (٢)، ورأى أن الشرط يرفع خيار الموهوب، فيصير بيعًا بثمن مجهول.
قال مالك في «المدوَّنة»: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، وإن وهبها فقير لغني، إلا أن يشترطه فيُثاب عَرْضاً أو طعامًا (٣)؛ لأنَّ ما يصح بيعه يصح ثوابًا.
وعن ابن القاسم: المنع [إن] (٤) شَرَط الثواب، وهي هِبَةٌ مردودة؛ لأنها لا يصح أن يثاب عنها إلا من أصناف العروض، فيكون العَرْض يَثْبُتُ في الذمة غير