وإن مات الموهوبُ له قبل قبضها قام ورثته مقامه في مطالبة الواهب).
ت: يُقضى بالهبة وهي لازمة إلا للأبوين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وفي النسائي: قال رسول الله ﷺ : «لا يَحِلُّ لرجل أن يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده» (١)، وأُلحقت الأم قياسًا عليه.
ولأنه عقد، فيلزم بالقول، كسائر العقود.
والهبة إما معينة نحو: هذا العبد، أو غير معيَّنة، كهبة ما على زيد من الدين لعمرو.
والظاهر من المذهب في القسم الأول لا يمين على المدعى عليه؛ لأنها في الحقوق اللازمة لا تجب لمجرد الدعوى حتى ينضاف إليها مقو، فكيف الهبة؟! لضعفها؛ للخلاف في لزومها.
وفي «الجلاب»: عليه اليمين؛ لأنه مدعى عليه، وما في الذمة فالظاهر لا يُحكم له إلا بعد أن يحلف ربُّ الدين أنه ما وهبه للمديان، فإن ادعى الغريم ما يُبرِئ ذمته لم يُحكم له إلا بعد يمينه على إبطال تلك الدعوى، كما لو ادعى القضاء.
قال الباجي: وفيها قسم ثالث: إن كانت الهبة في يد الواهب فلا يمين، أو بيد الموهوب لم ينزعها الواهب إلا بعد يمينه؛ لأنَّ مَنْ استحَقَّ عَرْضًا بيد رجلٍ، وزعم أنه اشتراه منه فلا بُدَّ أن يحلف أنه ما باع ولا وهب (٢).
стр. 2977
قال شيخنا: تتخرَّج المسألة على اشتراط الخلطة في اليمين.
فإن قلنا: تجب اليمين بمجرد الدعوى فلا إشكال.
وإن قلنا: لا بد من الخلطة فلا يمين، إلا أن يريد ابن الجلاب بقوله: حلف وبرئ، إذا ثبتت بينهما الخلطة، أو يقول: الخلطة شرط فيما يتعلق بالذمم دون المعيَّنات، وذكره عبد الحق في «النكت» عن جماعة من القرويين (١).
وإن قلنا: لا تشترط الخلطة حلف بمجرد الدعوى.
وموت الواهب - إذا أمكن القبض وفرط الموهوب - يُبطلها؛ لحديث الصدّيق المتقدم، وقاله عمر و وعثمان ﵄.
ص: (لا رجوع لواهب في هِبَتِه، إلا الوالدين فلهما الرجوع، ما لم يتداين الولد، أو يتزوج، أو تتغير الهبة عنده، وإن باعها لم يكن للوالدين إلى الثمن سبيل) ..
ت: لما في النسائي: قال رسول الله ﷺ : «لا يحِلُّ لرجل يعطي عطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي لولده» (٢).
قال مالك: بخلاف الصدقة لا يرتجعها الوالد؛ ولأنَّ للأب شُبهة في مال ابنه، ففارق الأجنبي، وقياسًا على الهبة من السيد للعبد.
قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أنه إذا داينه الناس لأجل الهبة، أو
стр. 2978
يُزوَّج، أو تتزوَّج الابنة ويُزاد في صداقها لأجل الهبة، أو يموت، أو تتغير الهبة بوجه مؤثر فيها فيمتنع الرجوع حينئذ، بخلاف حوالة الأسواق؛ لأن حوالة الأسواق رغبات الناس، ورغبات الناس في الناس لا في الهبة، امتنع الرجوع حينئذ.
وللأم الاعتصار قياساً على الأب (١)؛ لأنَّ لها شُبهة في ماله، إلا ابنها اليتيم؛ لأنَّ الهبة له صدقة، والصدقة لا تُعتصر؛ لأنه ظاهر الحال.
وروى أشهب عن مالك: لها الاعتصار إذا كان غنيًّا (٢).
ولهما اعتصار العُمرَى والنُّحلِ والحَبس إن كان معناه الهبة، كسكنى الشهرين، بخلاف الصدقة.
وروى ابن القاسم أنَّ الجد والجدة لا يعتصران (٣)؛ لأنَّ النص إنما ورد في الأب.
وعنه: يعتصران؛ لوقوع اسم الأب عليهما (٤).
ووطءُ الابن الجاريةَ فَوتُ، وغرس الأرضِ فَوتُ، وبناء الدار، إلا أن يعتصِرَ العَرْصَةَ وحدها، وصياغة الدنانير حُلِيًّا فَوتٌ.
ومرض الأب أو الابن يمنع الاعتصار؛ لأنَّ الأب إذا مرض صار تبرُّعًا لغيره، وغيره ليس أبا، وإذا مرض الابن تعلق حق ورثته بماله، كما إذا تعلق حق الغرماء.
стр. 2979
وعن مالكٍ: يعتصر وإن مرض.
قال ابن الموَّاز: إذا دايَنَهُ الناس لأجلها امتنع الاعتصار (١)، وإن كانت يسيرةً لم يداين لأجلها، أو الابن غنيًّا؛ فله الاعتصار.
قال اللخمي: له الاعتصار إذا استدان وعنده وفاء بدينه؛ لأنَّ الولد لو وَهَب تلك الهبة لم يكن للغريم مقال، وإنما يُمنع الاعتصار إذا تعلق للغريم بها حق، وكذلك إذا لم يتزوج الابن لتلك الهبة - لأنه بين اليسار ــ فله الاعتصار، إلا أن تكون كثيرةً تزوّج لأجلها (٢)، وكذلك البنت؛ لتعلق حق الأزواج والزوجات بالهبة.
وامتنع الاعتصار إذا مرض أحدُهما (٣)؛ لتعلق حق الورثة حينئذ، كما تتعلق حقوق الغرماء، ولأن الأب إذا مرض يعتصر لغيره.
وعن مالك له أن يعتصر إذا مرض (٤).
ص: (إن وهب لولده دنانير أو مثليًّا، فخلطه الولد بمثله؛ امتنع الاعتصار، ولا يكون شريكا بقدرها).
ت: لأن اختلاطها يُتلِف عَينَها، وهو إنما له عين الهبة؛ [ولذلك] (٥) إذا باع لا يأخذ الثمن.
стр. 2980
وإن صاغ الدنانير حُلِيًّا امتنع الاعتصار؛ لأنها حالت عن حالها.
ص: (الهبة للثواب والعِوَضِ جائزة).
ت: وُهِب لرسول الله ﷺ لَقَحَةٌ، وطلب صاحبها الثواب، فأثابه النبي صلى الله عليه وستم.
وقال عمر ﵁: من وهب هبةً يرى أنها للثواب فهو على هبته حتى يرضى منها (١).
ولأن المقصود منها المكارمة والموادَّة، فجاز قبولها، كنكاح التفويض.
قال ابن القاسم: يجوز، أهبك هذا العبد على أن تثيبني.
ومنعه عبد الملك (٢)، ورأى أن الشرط يرفع خيار الموهوب، فيصير بيعًا بثمن مجهول.
قال مالك في «المدوَّنة»: لا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، وإن وهبها فقير لغني، إلا أن يشترطه فيُثاب عَرْضاً أو طعامًا (٣)؛ لأنَّ ما يصح بيعه يصح ثوابًا.
وعن ابن القاسم: المنع [إن] (٤) شَرَط الثواب، وهي هِبَةٌ مردودة؛ لأنها لا يصح أن يثاب عنها إلا من أصناف العروض، فيكون العَرْض يَثْبُتُ في الذمة غير
стр. 2981
مؤجَّلٍ ولا موصوف، فهو سَلَمٌ فاسد.
ص: (إذا مات الواهب قبل القبض لم تبطل، ولا تحتاج هبة الثواب إلى حيازة).
ت: لأنها بيعٌ لا يُتَّهم أن ينتفع بماله حياته ويَزْوِيه عن ورثته بعد وفاته، وللموهوب قبضها ودفعُ العِوَض للوارث، وإن مات الموهوب فللوارث الإثابة وأخذها.
قال مالك: إذا ترك الواهب الثوابَ مدَّةً طويلةً، وكان الموهوب قد قبض الهبة، ثم قام الواهب يطلب الثواب؛ قال مالك: إن طال ذلك حتى يرى أنه كالتارك للثواب؛ فلا ثواب له (١).
ص: (ومن وهب له هبة للثواب فهو مخيَّر بين إثابتها بقيمتها أو ردّها، فإن أثاب القيمة أجبر الواهب على قبولها، وإن ردها انفسخت، فإن فاتت عنده لزمته القيمة).
اختلف فيمن وهب له هبة للثواب: هل تلزمه بنفس القبول أم لا وهي بالخيار؟ والمشهور أنه بالخيار.
والقول الآخر: تلزمه.
استدل المشهور بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، والهبة إكرام وتحية، هذا المشهور.
стр. 2982
وقيل: تلزمه بالقَبول، ولا يكون له خِيارٌ، كالبيع.
وقال مطرِّف: لا يلزم الواهب قَبولُ الثواب وإن كثر، وله أن يرجع؛ لظاهر قول عمر لما قال: مَنْ وهَبَ هِبَةً يُرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها (١).
ولو أراد البيع لَباعَ في السوق، إلا أن تفوت بموت أو وطء وإن لم تحمل، فلا يفيتها زيادة سوق ولا نقصه، ولا زيادة بدن ولا نقصه.
ورأيُ المشهور قياسًا على نكاح التفويض يلزم فيه قبول العِوض إذا بذل، ولا قول في ذلك للزوجة ولا للولي.
قال مالك في «المدونة»: له منع الهبة حتى يقبض الثواب، كالبيع.
وقال ابن المواز: ليس له منعها؛ لأن مقتضى هبة الثواب الاستسلام وترك المشاحة.
قال مالك: الأمر المجمع عليه في هبة الثواب تتغير عند الموهوب بزيادة أو نقص أنه يلزمه قيمتها يوم قبضها (٢)؛ لأنه كان في قبضها بالخيار.
وعنه: يوم الهبة (٣)؛ لأنها لزمت بالقبول، وله أخذها بما زادت بعد العقد، فيكون عليه القيمة يوم العقد، كبيع الخيار.
وولادة الأمة فوتٌ، وزوالُ بياض عينها فوت لأنه نماء، والهدم والبناء
стр. 2983
والغرسُ فَوتٌ.
ص: (إن وهب هِبَةً مطلقةً، وادَّعى أنها للثواب؛ حُمِل على العرف، إن كان مثله يطلب الثوابَ صُدَّق مع يمينه، وإن احتمل الأمرين صدق مع يمينه، وإن كان مثله لا يطلب الثواب على هِبَتِه فالقول قول الموهوب مع يمينه، والواهب لصلة رَحِمٍ أو للآخرة فليس له فيها ثواب).
ت: إن كان مِثلُه لا يطلب الثواب صدق الموهوب له مع يمينه، فالأحوال الثلاثة.
ويُصدق الواهب عند الإشكال؛ لأن الأصل عدم التبرع بالأموال.
فإن وهَبَ غني لفقير، أو فقير لفقير لا يُصَدَّق، إلا أن يشترط الثواب.
قال الباجي: يُراعَى في ذلك حالُ المعطي والمعطَى والهبة، كالدنانير والدراهم، فإنَّ جنسها لا يوهَب للثواب، وإنما يوهَب للثواب ما تتعلق الأغراض بعينه (١).
ص: (لا بأس أن يهبَ لبعض ولده دون بعض جزءًا من ماله، ويُكره له أن يهب له ماله كله، إلا أن يكون يسيرًا).
ت: كما وهب الصديق عائشة ﵄ دون بقية ولده (٢).
والأحسن المساواة؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁: نحَلَهُ أبوه شيئًا من
стр. 2984
ماله، وأراد أن يُشهد النبيَّ ﷺ على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «أكُلُّ أولادك نحلته مثل هذا؟»، قال: لا، قال: «فارجعه»، فرجع. فرَدَّ عطيته (١)؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى العقوق بين الأولاد، فتُستحَبُّ المساواة، إلا أن يكون يسيرا.
والفرق بين الكل والبعض: أنَّ الكلّ يوجب حرمان الباقين.
وروى ابن القاسم في «العُتْبيَّة»: أنه لا يجوز؛ لحديث النعمان المتقدم، وفيه: «لا أشهد على جور» (٢).
وقال ابن القاسم: لا يُرَدُّ؛ لأنها لو كانت باطلةً لما أمره ﵇ أن يرتجعها، بل يقول له: ذلك باطل، وإنما أمره لوقوعها على غير الكمال؛ لما يُتَوَقَّع من عداوة الأولاد.
ص: (لا بأس أن يتصدَّق المرء بماله كلِّه).
ت: لأنَّ الصديق ﵁ تصدق بجميع ماله، ولم يُنكر عليه رسولُ الله (٣)، وفعله جماعة من الصحابة ﵃.
هذا إذا كان له ما يرجع له من حرفة، وإن لم [يكن له] (٤) ما يَقُوتُه أو يَقُوتُ عياله - إن كان ذا عيال ـ؛ لا ينبغي له ذلك، وقد منع النبي ﷺ سعدا أن يوصي بماله كلِّه؛ إبقاءً على ورثته، فعلى عياله أولى.
стр. 2985
كتاب الوصايا
(ومن مات وعليه دين وأوصى بثُلُثِه؛ فإنه يُبدَأ من تركته بكفنِه وحنوطه ومؤنة دفنه بالمعروف، ثم يُقضَى دَينُه، ثم يُصرَف ثُلثه في وجوهه، ثم يكون ما بقي بعد ذلك لورثته على كتاب الله ).
ت: لأنه في حياته إذا فلس يُقدَّم ضرورته وسترته على الغرماء، وتُترك له ثياب جسده، فكذلك في موته، ولأنَّ صيانة الميت وسترته حق الله تعالى لا يجوز تركه.
ولو أوصى بأن لا يُكفّن ولا يُدفن لم يكن له ذلك، ولو لم يكن ذلك في ملكه وجَبَ على المسلمين ذلك.
ولأنَّ رسول الله ﷺ أمر بتكفين قتلى أحد في ثيابهم (١)، ولم يسأل عن ورثتهم ولا ديونهم.
ولأنَّ الدين لما كان من رأس المال فما قدّم على الدين أولى برأس المال. وقال رسول الله ﷺ : «الدين مقدم على الوصايا» (٢).
والإجماع عليه (٣).
стр. 2986
وإنما بُدِّيَ الدين على الوارث لأنَّ الدين أُخِذ عِوَضُه، بخلاف غيره.
قال ابن يونس: فإن كان الدين لمن لا يجوز إقراره له ورث، وكانت الوصايا في ثُلُثِ ما بقي؛ لأنه لمَّا مَنَعت منه التهمة بقيت الوصايا على ما أراده الميت (١)؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
ص: (وله أن يوصي بثلثه وبمن يلي عليه من صغار ولده).
ت: إن أطلق فقال: فلان وصيي، أو وصيتي إلى فلانٍ؛ كان وصِيًّا على كل شيء يوصي به، من ثلثه وأولاده.
وقال الشافعي: لا تجوز الوصيَّةُ المطلقة.
لنا: أنَّ الإطلاق يُقصد به العموم، حتى لا يختص بشيء.
وكذلك قال الشافعي: ترك الاستفصال يقوم مقام العموم في المقال.
وإن قال: وصيّي على شيء مخصوصٍ؛ اختصت الوصية به، أو: وصيّي حتى يقدم فلان فيكون وصيا؛ جاز.
قال ابن يونس: ينبغي إذا مات قبل قدومه يكون هذا وصيا؛ لأنه جعله وصيا حالة غيبته، وقد دامت غيبته.
ص: (الوصية بالنكاح جائزة، كالوصية بالمال).
وقد تقدَّم تقريره في كتاب النكاح.
стр. 2987
[وللوصي] (١) أن يوصِيَ بما جُعِل إليه من الوصية إذا لم يمنعه الموصي من ذلك.
ت: قال الشافعي: ليس له ذلك، فإن أذن له فله قولان.
لنا: أنه حق له، فيوصي فيه، كالأصل.
ص: (يجوز أن يعفو عن القاتل عمدًا، ولا يجوز عن القاتل خطاً، إلا أن يحمل [الثُّلُثُ] (٢) ديته).
ت: لأنَّ الواجب في العمد القصاص لا المال، كما لو عفا عن قاذفه، كان القاتل حرا أو عبداً.
قاله ابن القاسم (٣).
ومنعه أشهب في العبد إلا في ثلثه؛ لأنَّ قتل العبد مالٌ، إلا أن يشاء أولياء الحرّ قتله، فإن شاؤوا أن لا يقتلوه فيصير مالاً، ويُجعل في الثلث الأقل من قيمة العبد أو دية المقتول، فإن جاوز العبدُ الثَّلُثَ سقط عنه محمل الثلث، وخُيّر سيده في فدائه بما بقي من الدية أو إسلامه (٤).
وقتل الخطأ مالٌ لا يُتصرَّف فيه إلا في الثُّلُث.
стр. 2988
ص: (إن أوصى لرجل بوصية فقتله الموصى له خطأ؛ لم تسقط وصيته، أو عمدا بطلت وصيته، إلا أن يوصي له بعد علمه بقتله).
ت: لا تسقط في الخطأ، وتكون في المال دون الدية، كمن قتل وارثه خطاً فإنه يرث من المال دون الدية؛ لئلا يكون كالدافع لنفسه الدية، أو كأنه لم يؤد شيئًا أو وَدَى أقل مما لزمه.
وإن قتله عمدًا فكقتل الوارث مورثه عمدًا، لا يرث من المال ولا من الدية، إن مات مكانه ولم تُغيَّر الوصية، أو عاش ولم يعلم أنه ضاربه، أو علم ولم تكن الوصية بكتاب، فإن كانت بكتاب فعَلِمَ وأقرَّ الوصيَّةَ جازت، كما لو أوصى بعد الجناية.
وإن أوصى له بعد أن ضربه خطاً فهي في المال والدية.
قال ابن المواز: علِمَ أم لا، ولا يتهم الضارب هاهنا أنه أراد استعجال الوصية، وإن كانت الجناية عمدًا فهي في المال دون الدية (١)؛ لأنَّ قبول الدية مالٌ لم يعلم، فلا تدخل فيه الوصايا.
ص: ([إذا أوصى لجماعة بوصايا، فمات واحد منهم] (٢) قبل موت الموصي، علم بموته أم لا؛ فثلاث روايات:
إحداهن: أنه يحاص أهل الوصايا بوصيته، فتكون لورثة الموصي دون الموصى له.
стр. 2989
والثانية: أنَّ وصيَّته بطَلَت، ولا يحاصُّ بها أربابَ الوصايا.
والثالثة: إن علم بها لم يحاصص أربابَ الوصايا، وإلا حاصَّهم).
ت: وجهُ الأولى: أنه إنما تملك الوصية بموت الموصي، فقد بطلت، فتكون لورثة الموصي.
وجه الثانية: أنها لما بطلت وجب ألا يحاصَّ بها، كما لو أوصى لرجل بعبد ولآخرين بوصايا، فمات العبد [أنَّ لبقية الموصى] (١) لهم ثلث ما بقي، ولا يحاصُّون بقيمة العبد، وكأن الموصي لم يوص إلا بما بقي من الوصايا.
وجه الثالثة: أنه إذا علم أقرَّ الوصية لمن بقي من أهل الوصايا، فلا يحاصون، وإذا لم يعلم [فهو] (٢) لم يُرد أن يكون لهم جميع المال الموصى به؛ فيحاصُّون.
ص: (لا يوصي بأكثر من الثلث إلا بإذن الورثة).
ت: لقوله ﵇: «إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند منقضى أعماركم؛ زيادة في أعمالكم» (٣).
وفي مسلم: أنَّ رجلًا أعتق ستة أعبد له عند موته، لا مال له غيرهم، فأسهم رسول الله ﷺ ، فأعتق اثنين وأرق أربعة (٤).
стр. 2990
فإذا أذِنَ الوارث فقد أسقط حقَّه، فإن أجازه بعضُهم جاز نصيبه خاصةً.
ص: (إن استأذن ورثته وهو مريضٌ في أكثر من الثلث فأذِنوا؛ فلا رجعة لهم، وإن أذنوا وهو صحيحٌ فلهم الرجوع فيما زاد على الثلث).
ت: إذنُهم في الصحة كإذن الأجنبي يصير وارثا؛ لأنه لا حَجْرَ لهم حينئذ، وكما لو ترك الشفعة قبل البيع، وعفو الولي عمن سيقتل أو عمن سيقذفه.
ولأنَّ هذا كله ترك ما لم يجب.
قال الباجي: إن أذِنُوا في الصحة بسبب غزو أو سفر فروايتان؛
إحداهما: ليس لهم الرجوع؛ لأنَّ هذه حالة [خوف] (١)، كالمرض.
وثانيتهما: لهم الرجوع (٢)؛ لأنه صحيح.
ولا خلاف في الإجازة بعد الموت.
وإن أجاز في المرض مَن ليس في عياله لزمه؛ لأنَّ الحجر في المرض إنما كان لحقهم وقد أسقطوه، وكإسقاط الشفعة بعد البيع، أو القود بعد وجوبه.
فإن لم يكن المريض أنفَذَ ذلك فللوارث الرجوع؛ لأنه لم يفت بالتنفيذ.
وإن كان في عياله، كولد احتلم، أو ابنة، أو زوجة، أو ابن عم كان محتاجا إليه، فخاف إن منعه وصح أضرَّ به؛ فلهؤلاء الرجوع إذا ظُنَّ أَنَّ إجازتهم خوفٌ،
стр. 2991
سواء تبرَّعوا بذلك ابتداءً أو سُئِلوا؛ لأنهم يخشون إن لم يبادروا أن يمنعهم رِفدَه، فيبادرون قبل أن يبتدئهم، ولا رجوع لهم إن أجازوا بعد الموت إذا كانوا مرضِيِّين.
ولا يجوز إذن البكر والابن السفيه.
ص: (لا يوصي بأكثر من ثلثه من لا وارث له).
ت: للحديث المتقدم.
ولأن بيت المال وارث، كما يعقِلُ يرث.
وقيل: له ذلك (١)؛ لعدم الوارث.
وقاله علي، وابن مسعود ﵄ (٢).
وعن ابن القاسم: له التصدُّق بماله كلِّه، إلا أن يكون الوالي مثل عمر بن عبد العزيز؛ فيدفع له (٣).
ص: (إن أوصى بأكثر من ثُلثه فورثته بالخيار في إجازة ما زاد على الثلث ورَدَّه، فإن أجاز بعضهم جاز نصيبه خاصةً).
ت: لأن الزائد حقهم.
стр. 2992
ص: (ولا وصيَّة لوارث من ثُلُثِ ولا غيرِه، إلا أن يجيزه الورثة).
ت: قال رسول الله ﷺ في الدارقطني: «لا تجوز الوصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة» (١).
ولقوله ﷺ في حَجَّة الوداع: «إنَّ الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصيَّة لوارث» (٢).
ص: (إن أوصى بعتق معيَّن ووصايا، وضاق الثلث؛ قدّم العتق، وتُقدَّم الزكاة عليه؛ لأنها واجبة.
وقال عبد الملك: يقدَّم على الزكاة؛ لأنَّ حرمته ثبتت في البدن، وحرمة البدن آكد من حرمة المال).
ت: قضى رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر بتقديم العتق على الوصايا (٣).
ولأنه يُكمَّل على من ابتدأ، بخلاف غيره.
وقال محمد بن مسلمة: إنَّ العتق المبتل في المرض مقدم على الزكاة؛ لأنه يقدر على الرجوع عن وصيته بالزكاة، ولا يرجع في العتق.
وقدم مالك الزكاة لوجوبها، فتقدم على التطوع، وتُقدَّم الزكاة على كل وصية، إلا التدبير في الصحَّة؛ لعجزه عن الرجوع فيه، وتُقدّم الزكاة على
стр. 2993
التدبير في المرض.
ص: (تقدم الزكاة على الكفَّارة).
ت: لأنها وجبت ابتداءً، والكفارة وجبت بفعل من الإنسان، والمتأصل أقوى، ولها بدل، وهو الصوم، ولا بدل للزكاة، كانت زكاة مال أو ماشية أو حرث أو فطر.
والمشهور تقديم زكاة [المال] (١) على زكاة [الفطر] (٢)؛ لوجوبها بالقرآن، وزكاة الفطر وجبت بأخبار الآحاد.
وقال عبد الملك: زكاة الفطر وغيرها سواء؛ لأنهما زكاتان.
وعن أشهب: لا تُقدَّم الزكاة على الوصايا (٣)؛ لأن وجوبها لا يُعلم إلا من قول الموصي، فصارت كالوصايا.
ص: (الكفارات والنذور مبدأة على الوصايا، ويقدم الآكد فالآكد).
ت: أول ما يُبدأ في الثلث: المدبَّر في الصحة على العتق الواجب وغيره؛ لتعذر الرجوع فيه، وغيره له الرجوع فيه إلا المبتل في المرض ليس له
стр. 2994
الرجوع فيه (١).
وفي المدبَّر في الصحَّة، وصداق المنكوحة في المرض إذا بنى بها ثلاثة أقوال لمالك (٢):
يُقدم المدبر؛ لتقدمه في الصحة وعدم الحجر.
يُقدَّم الصداق؛ لشبهه بالمعاوضات، ولو صح لكان من رأس المال، بخلاف المدير.
والثالث: يتحاصان؛ لتعارض المدركين.
ثم الزكاة؛ لأنها إنما تُعلم من جهته، وقد يكون كاذبًا، وهما ثابتان بالبينة، والتدبير له طالب معين، والزكاة للمساكين (٣).
وتقدم الزكاة على عتق الظهار والقتل (٤)؛ لأن لهما بدلا، وهو الصوم.
ثم هذان العتقان لا يُقدَّم أحدهما على صاحبه؛ لاستوائهما في العدد والبدل، فما ناب الظهار أطعم به، أو القتل شارك به في رقبته.
وقيل: يُقدم عتق القتل؛ لأنه لا بدل له من المال، وعتق الظهار له بدل من المال، وهو الإطعام (٥).
وقيل: يُقرَع بينهما؛ لأنه لا يُجزئ عتق بعض رقبة، فيُقرع ليصح العتق
стр. 2995
لأحدهما؛ لأنه ليس مقدما حقيقةً (١).
ثم كفارة اليمين (٢)؛ للتخيير فيها بين ثلاثة، بخلاف الظهار والقتل لا تخيير فيهما.
ثم كفارة الوطء في رمضان؛ لأنها واجبة بأخبار الآحاد، بخلاف كفّارة اليمين؛ لأنها واجبة بإيجاب الله تعالى.
ثم كفارة الإطعام في رمضان؛ لأنها باجتهاد العلماء لا بالنصوص (٣).
ثم المبتل والمدبر في المرض (٤).
ثم الموصى بعتقه بعينه؛ لأنَّ له الرجوع فيها، والموصى أن يُشترى فيُعتَقَ وهو بعينه، أو يُعتَقَ إلى أجل قريب كالشهر، أو على مال يعجله، فيُبدى المبتل والمدبر والمبتل في المرض على هؤلاء؛ لأنَّ له الرجوع فيهم، والمدبر والمبتل في المرض لا رجوع له فيهم.
ثم المعتق بعد موته بسنةٍ؛ لأنه قد يهلك قبل السنة فلا يحصل عتق، وهؤلاء عتقهم ناجز (٥).
ثم الموصى أن [يكاتب] (٦)، أو على مالٍ؛ فلم يُعجله؛ لأنَّ المعتق إلى
стр. 2996
سنةً قد نُجَّزه، ولا يُتوقَّع فيه عجز، بخلافهما، فإن بَعُدَ أَجلُ عِتقه - كعشر سنين - تحاصوا؛ لكثرة الغرر، وتوقع عدم العتق (١).
قال ابن أبي زيد: النذر مقدم على المبتل والمدبر في المرض (٢)؛ لأنه ألزمه نفسه في الصحة (٣) فلا ينقصه من قدره ما يأتي في المرض.
وقال [ابن مناس (٤)] (٥): المبتل والمدبّر مقدم (٦)؛ لأنَّ النذر وإن كان في الصحة غير أنه فرط فيه حتى أوصى به، فأشبه الوصايا، والعتق مقدم على الوصايا.
ثم الوصية بعتق عبدٍ غير معيَّن، وبالمال، وبالحج (٧).
وقيل: المعتق بغير عينه مقدَّم على الحج (٨).
وقدم النذر على هذه؛ لأنه لا يستطيع إبطاله (٩).
وقدمت الرقبة غير المعينة على الحجِّ في أحد القولين؛ لأنه عمل بدني، وقد كُره أن يعمل أحد عن أحد (١٠).
стр. 2997
ص: (العتق غير المعين الواجب من نذر أو كفَّارة يمين أو قتل مقدَّم على الوصايا، وإن كان تطوعا ففيها - فيما أظنُّ - روايتان:
إحداهما: أنه مبدى.
والأخرى: أنه وسائر الوصايا سواء).
ت: لأنَّ رسول الله ﷺ أمر بتبدية العتق على الوصايا، وقياساً على العتق المعيَّن.
أو يقال: هو وصيةٌ بمال، بخلاف الواجب من العتق، فإنه يقدم على الوصايا؛ لأنها تبرع.
ص: (وصية الصبي المميز جائزة).
ت: لم يختلف مالك وأصحابه في ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا تجوز (١).
لنا: أن عمر ﵁ أجاز وصية صبي يفاع ابن عشر سنين قيمتها ثلاثون ألفاً (٢).
قال الباجي: التفاعُ ابن عشر سنين إلى اثنتي عشرة سنة (٣).
وأجاز أبان بن عثمان وصيَّةَ جارية بنت ثمان سنين أو تسع.
قال مالك: إذا بلغ عشر سنين أو أقلَّ بالشيء اليسير، وأصاب وجه
стр. 2998
الوصية (١)؛ جازت.
وعنه: إذا أثغَرَ وأُمر بالصلاة وأُدِّب عليها (٢).
وقال عبد الملك: إذا كان مراهقًا جازت وصيته؛ لأنه عارف بوجوه القُرب، كالبالغ (٣)، ولأن الفقر مأمون عليه بعد الموت.
قال الباجي: ومَن لا يميِّز لا تجوز وصيته بإجماع العلماء (٤)، وليس وصيَّةُ الصبي كعتقه وتبرعاته في حياته؛ لأنه يُخشَى عليه منها الفقر، ولا فقر بعد الموت.
قال مالك: لا يجوز تدبير غير البالغ.
والفرق: أنه لازم بخلاف الوصية (٥).
ص: (تجوز وصيَّةُ السفيه المحجور عليه إذا كان عقله صحيحًا).
ت: لأنا لا نخاف عليه الفقر بسبب الوصية، وكذلك المجنون إذا كان يفيق أحيانًا، فأوصى حينئذ، ومَن لا يعقل لا تَنفُذُ وصيته.
ص: (الوصية للمرأة والعبدِ جائزة، وعبد نفسه وعبد غيره سواء).
ت: تشترط فيه الأمانة على ما يولى عليه، وقدرته عليه، ورضا سيده،
стр. 2999
وأن يؤمَن على ما في يد عبده.
ومنعه الشافعي.
لنا: أنَّ المصلحة حاصلة، فتجوز؛ قياسًا على الحر، وكانت عائشة ﵂ وصيَّةً على بنات أخيها عبد الرحمن (١).
قال مالك: وأوصى عمر بن الخطاب لابنته حفصة بتنفيذ ﵃ تركته (٢).
ولأنَّ المصلحة حاصلة منها، كالرجل.
فإن أوصى لامرأته فتزوجت:
قال مالك: إن كانت لا بأس بحالها لم تكشف؛ لأنها على الأمانة، وإن خيف منها كُشِفت (٣).
فإن قال: فإن تزوجت فانزعوا الولد منها، فإن أرادت الزواج وعزلتهم في مكان عندها مع خادم ونفقة؛ فهي أولى، وإلا نُزعوا (٤)؛ لأنَّ الميت لم يقل: إن تزوجت لا وصية لها.
ص: (الوصية [إلى الكافر] (٥) والفاسق باطلة).
ت: لا يوصى إلى غير عدلٍ، ويُعزل إن وقع، وليس للرجل تفويض.
стр. 3000
ماله لمن لا يوثق به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥]، فكيف مال غيره؟!
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: إلا أن يكون الكافر أباه أو أخاه فتجوز (١).
قال ابن المواز: لا يوصي لصبيٍّ أو ضعيفٍ أو معتوه؛ لأنه ليس من أهل النظر، وجوز أشهب وابن القاسم المحدود في القذف إذا كانت فلتةً، وهو ممن يُرضَى حاله، وكان يومَ حُدَّ غير مسخوط، بخلاف حد الزنا والسرقة والخمر؛ لأن هذه لا يقع فيها إلا بعيد عن [الورع، إلا أن يتوب ويُعرف فضله] (٢).
وتجوز وصية الذميِّ للذمي؛ لأنه على ملته.
ص: (مَنْ قَبل وصيةً [لم يجز له تركها بعد قبولها] (٣)، إلا أن يعجز، أو له عذر).
ت: قال الشافعي: له الرجوع.
لنا: أنه فعل خير ألزمه نفسه، فلا يجوز له تركه، كالحج والعمرة، ويجوز مع الأعذار ترك الواجب.
قال أشهب: إن قَبلَها في حياته فله ردُّها؛ لقدرة الموصي على الاستبدال.
وإن بدا منه بعد الموت من التصرف ما يدلُّ على القبول، أو قبل؛ امتنع الرد.
стр. 3001
وإن ردَّها في الحياة أو بعد الموت فليس له قبولها بعد ذلك (١).
ص: (للموصي الرجوعُ في الوصية في مرضه وصحته، إلا التدبير).
ت: وكذلك ما بتل، قاله ابن الموَّاز؛ لأنه تصرُّف لازم، كالبيع والشراء.
وأما الوصية فلو لزِمَت لزهد الناس في الإيصاء؛ لتجويزهم الصحة، فيذهب مالهم عليهم، فجعلت جائزة لذلك.
ص: (الإقرار لغير الوارث لازم، وللوارث باطل إذا كان متهما، وإلا جاز).
ت: إقراره لزوجته لم يُعرف له إليها انقطاع، وله ولد من غيرها؛ جائز (٢)، أو عُرف بمودتها، وبينه وبين ولدِهِ شَرٌّ فيمتنع.
قال مالك: غير الزوجة لا يُلحق بها في الانقطاع إليه أو المودة.
وإقرار المرأة بقبض صداقها من زوجها في مرضها لا يجوز، إلا أن يكون لها ولد من غيره، وبينها وبين الزوج شَرٌّ (٣).
فإن ورثه أخوه أو أبناؤه امتنع إقراره لبعضهم.
والفرق: أن أنسابهم لا تنقطع، بخلاف الزوجة تنقطع بالموت والطلاق ونحوه، فالتهمة للوارث أقوى.
стр. 3002
ويجوز إقراره لمن يرثه من عصَبَته، أو لمن يرثه بالولاء إذا كان له ابنة؛ لانتفاء التهمة؛ لأنه لا يتهم أن يُقر لعصبته دون ابنته.
ولا يجوز إقراره لأحد ولديه إذا لم تكن له زوجة، إذا لم تُعلم منزلتهما عنده.
وإذا كان صغيرًا أو كبيرا لم يُصدق في إقراره للصغير.
أو كبيرين - بارا وعاقًا - لم يجز للبار، ويجوز للعاق (١).
ومتى قامت بينة على الدين قُضي به.
ولو أقر لابنته وله عصَبَةٌ؛ امتنع (٢)؛ لأنه يتهم أن يكون ذلك وصيَّةً لأحد الورثة، ويُحكم بالعوائد في هذا وأحوال الناس بالاجتهاد.
ص: (إقراره لصديقه الملاطف عند الموت فيه روايتان:
إحداهما: أنه باطل لا يجوز من رأس مال ولا ثُلث.
والأخرى: أنه جائز من ثلثه).
لأنه إن بطل كان وصيَّةً.
ت: يجوز للملاطف بشرطين: أن لا يكون عليه دين لأجنبي، وأن يكون ورثته أولاداً ذكوراً، أو ذكورا وإناثًا.
واختلف إن كانوا إناثًا، أو عصَبَةً أو أبوين، بالجواز والسقوط:
стр. 3003
قال اللخمي: والجواز أحسن؛ لأنَّ إقراره على العصبة إقرار على الميت، إلا أن تكون هناك تهمة في الصديق أن يرده للبنت (١).
قال ابن القاسم: إن كانوا أبوين أو عصبة؛ بطل (٢)، فسوى بين الأبوين والعصبة.
ووجه أنه لا يكون من الثلث: أنه لم يرد به الثلث (٣).
وأجازه في الموازية؛ لأنه لا يتهم أن [يُقِر] (٤) عن أبويه إلى صديقه.
قال ابن شعبان: إن صح بعد ذلك صحةً بيّنةً ثم مات؛ ثبت ذلك عليه؛ لأنه لم يُخرجه مخرج الوصية، وقد زال المانع من البتل.
ص: (إذا أوصى لرجل بثلث ولآخر بثلثه، ولم يرجع عن إحدى الوصيتين، ولم يُجز الورثة؛ جُعِلَ الثلث بينهما نصفين).
لاستوائهما في أصل الوصية.
أو لأحدهما ثلثه ولآخر نصفه؛ فالثلث بينهما على خمسة أسهم، لصاحب الثُّلُثِ سهمان، ولصاحب النصف ثلاثة أسهم.
ت: إن أجاز الورثة وهم ولدان؛ فأقلُّ مالٍ له نصفٌ وثُلُثٌ صحيح: ستَّةٌ، يُخرج للوصيتين خمسة، ويبقى سهم للولدين، لا ينقسم، يُضرب الستة
стр. 3004
في اثنين، تكون اثنا عشر، لصاحب النصف ستة، ولصاحب الثلث أربعة، ولكلّ ولد واحد.
وإن لم يجيزوا أخذت ثُلُثَ الستة ونصفها، وذلك خمسة، تجعلها ثُلُثَ مال، هو خمسة عشر، فللموصى له بالنصف ثلاثة، وللآخر اثنان، ولكل ولد خمسة.
ص: (إن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بربعه، ولم يُجز الورثة؛ فالثلث بينهما على سبعة، لصاحب الثُّلُثِ أربعة، وللآخر ثلاثة، وإن أوصى له بربع ماله، ولآخَرَ بسُدُسِه؛ فالثلث بينهما على خمسةِ أسهم، لصاحب الربع ثلاثة، ولصاحب السدس اثنان).
ت: لأنَّ مَخرج الثُّلُثِ من ثلاثة، والربع من أربعة، وثلاثة في أربعة اثنا عشر، وهو المال الذي له ثلث وربع، فيُعطى لهما.
ومخرج الربع من أربعة، والسُّدُس من ستة، ويتفقان بالأنصاف، فاضرب نصف أحدهما في كامل الآخر يحصل اثنا عشر، لهما رُبع وسدس يأخذانه.
ص: (إن أوصى بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، فقد أوصى له بماله كله، فإن أجازه الولد وإلا أخذ الثلث، أو اثنان؛ فقد أوصى له بنصف ماله، فإن أجازا وإلا أخذ الثلث، أو ثلاثة بنين؛ فقد أوصى له بثُلُثِ ماله، أو أربعة بنين؛ فربع ماله، ووصيته بنصيب ابنه أو مثل نصيب ابنه سواء).
ت: وقال أهل الفرائض: إن أوصى بنصيب أحد ولده وهم ثلاثة؛ أُعطِيَ الربع؛ لأنَّ المقصود أن يكون مثلهم، فإذا أخَذَ الثُّلُثَ فقد فضله عليهم، وإذا أخذ
стр. 3005
الربع ساواهم.
وقاله ابن أبي أويس من أصحابنا، وأبو حنيفة.
لنا: أن نصيب أحدهم الثلث، فيُعطى الثلث.
فإن قال: أنزلوه منزلةَ أحَدِ ولدي، أو: اجعلوه كأحدهم؛ فله الربع قولًا واحداً؛ لأن معناه: اجعلوه منزلة ولد زائد معهم.
فإن أوصى بمثل نصيب أحد ولده، ولا ولد له، ومات ولم يولد له:
قال ابن القاسم: لا شيء للموصى له؛ لأنه علق على أمر معدوم؛ لأنه لا شيء يُفرَض لولده حتى يكون له مثل، فكما لا شيء للولد لا شيء له.
فإن هلك بعض أولاده:
قال أشهب: له مثل نصيب أحدهم يوم موت الموصي، وكذلك إن زادوا؛ لأن الوصية إنما تُستحَقُّ بعد الموت.
ص: (له بنون وبنات، وأوصى بمثل نصيب أحد ولده، ولم يبين؛ جُعِل المال بين الورثة بالسوية، وأُعطِي مثل أحدهم، ثم يقتسمون على فرائضهم).
ت: لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر، فسوي بينهم لأنه الوسط.
وقال عبد الملك: نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى (١)، كالخنثى.
قال ابن المواز: إن قال: مثل نصيب أحد ولدي، وله أبوان وزوجةٌ؛ عُزل
стр. 3006
نصيب الزوجة والأبوين، ويُعطَى مثل نصيب الولد بعد ذلك، ثم يُجمع المال فيُقسم على الفرائض (١).
وإن قال: مثل نصيب أحد ورثتي؛ عُدَّ الورثة كلُّهم، فإن كانوا عشرةً أُعطِيَ العشر (٢)، ثم يُقسم ما بقي.
فإن قال: بجزء من مالي، أو سهم من مالي: فقيل: الثمن؛ لأنه أقلُّ سهم في الفرائض ذكره الله تعالى.
وقيل: سهم مما تنقسم عليه الفريضة، قلت أو كثرت، وعليه جُلُّ أصحاب مالك (٣).
ص: (إن أوصى لرجل بجزء من ماله، ولآخر بدنانير أو دراهم مسماة، وضاق الثلث، فثلاث روايات: يقدم أهل التجزئة). لقوتها؛ لأنه لو أوصى له بألف درهم فتلف المال إلا ألف؛ لم يستحق إلا ثلثها، أو بجزء من ماله استحقه بعد التلف، فيكون له ربع الباقي إن أوصى له بالربع.
وقيل: تقدم التسمية.
لأنه نص على مقدارها فتكون اكد.
والرواية الثالثة: يتحاصون.
стр. 3007
لتعارض المدركين، أو لتساوي اللفظين، وإليه رجع مالك.
ص: (إن أوصى بمعين فتلف بطلت الوصية).
كالبيع والإجارة إذا وقعا على معين، فإن بقي بعضه أخذه إذا حمله الثلث.
وإن أوصى بثيابه وله ثياب يوم وصيته، فباع ثيابه، واستخلف غيرها؛ فهي للموصى له، إلا أن يُسمِّي الأولى بأعيانها.
لأنَّ الوصية إنما تُعتبر عند الموت، فكأنه قال: ما أموت عنه من الثياب، والمقصود حبس الموصى به دون عينه، فإن عين بطلت الوصية [بتلفه] (١)؛ لتعذّر دفعه.
وإن أوصى بثلثه فهو فيما يعلمه دون ما لم يعلمه.
لأن المجهول لا يُقصد.
ت: تدخل الوصايا فيما يكتسبه بعد الوصية، وما يَحدُثُ له مما علم به؛ لأنَّ المكاسب غالبة على الناس، بخلاف الميراث والهبة ونحوها لا تدخل الوصايا فيها؛ لعدم الشعور بها تحققا ولا غالبًا.
وقد قال ﵇: «لا يحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (٢).
فإن علم بها قبل الموت وسكت دخلت فيه الوصايا؛ لأن التقرير كالإنشاء.
وما أيس منه - كالآبق والشارد - قال مالك: تدخل فيه الوصايا (٣)؛ لعلمه بأصله.
стр. 3008
فإن قيل له: غرقت سفينتك، أو مات عبدك واشتهر ذلك ثم ظهر كذب ذلك وسلامتهما بعد موته؛ نقل عبد الحق روايتين (١)؛ نظرًا للآيس، أو العلم بأصلهما.
ص: (في خروج المدبر مما لا يعلم به، كالدين، أو يختص بالمعلوم، كالوصية، روايتان).
ت: الأولى المشهور؛ لتعذَّر الرجوع فيه، بخلاف الوصية، وحرمة العتق أقوى من الوصايا.
والفرق بين المدبر في الصحة والمدبر في المرض على أحد الأقوال: أنَّ في الصحة يُتوقع حصول الأموال في المستقبل، بخلاف المريض، فإن صح ثم مات كان كالمُدبَّر في الصحة.
ص: (إذا أوصى بعبد فهل يتبعه ماله، كالعتق؟).
لأنه إخراج مال بغير عوض.
أو لا يتبعه.
كالبيع والهبة والصدقة؛ لأنه نقل من ملك إلى ملك.
(روايتان.
فإن أوصى بعبد من عبيده، وهم جماعة مختلفة قيمتهم؛ فله جزء منهم، إن كانوا عشرةً فعشرهم، وإن كانوا خمسةً فله خُمسهم).
لتقابل الدعاوى بين الأعلى والأدنى، بين الورثة والموصى له، فالعدل
стр. 3009
جزء شائع، ولا يُحمل على الأقل؛ استصحابًا لملك الموصي في الأعلى، لاحتمال أن يكون أراد الأعلى، والوصية مقدمة على الميراث.
فإن كانوا عشرة فماتوا إلا اثنين، وله مالٌ غيرُهما، فله نصفهما إن حَمَلَه الثلث، وإلا فله ثلث العبدين، فإن أوصى بعشر عبيد فله عشر الباقين.
ت: إذا أوصى بعبد من عبيده، فماتوا إلا واحدا أخذه إن حمله الثلث، وما هلك قبل جمع المال كما هلك قبل الموت، والوصية إنما يُقصد بها ما يخرُج من الثلث بعد.
وإنما كان له عشرهم إذا كانوا عشرةً ونصفهم إذا كانوا اثنين؛ لأنهم لما كانوا عشرة فلا بد له من عبد كامل؛ لأنَّ لفظ الموصي يقتضي ذلك، والورثة شركاؤه، فيقرع بينهم، والقرعة تُسقِط حكم العدد لاختلاف القيمة، فلم يبق إلا التسمية، فمن بقي بعد الموت كأنهم لا عبيد لهم غيرهم.
وأما الموصى له بعشر العبيد شريك للورثة فيهم بالنماء بينهما والخُسران، كسائر الشركاء، فلو لم يبق إلا عبد كان له عشره.
قاله ابن القاسم.
وقال عبد الملك: أوصى بعبد من عبيده أو بعشره سواء، إنما له عُشْرُ مَنْ بقي؛ لأنه لما لم يعيّن فقد قصد الشركة.
ص: (إن أوصى له بنفقة عمرِه، عُمّر تمام سبعين سنة بما مضى من عُمُرِه، وقد قيل: تسعين سنة وأخرج له بقدر ما بقي، وأنفق عليه، فإن مات قبل
стр. 3010
ذلك رجع الباقي لورثة الموصي، أو أهل الوصايا إن لم يستوفوا وصاياهم، وإن عاش حتى نفدت نفقته لم يرجع بشيء).
لأنه حكم [نفَذَ] (١).
وقال أشهب: يرجع على أهل الوصايا، ويجتهد له في باقي عمره.
ت: النفقة مطلقة ومقيدة، والمقيدة إما بالسنين، أو بحياة المنفق عليه، فتحمل المطلقة على الحياة، والمقيَّدة بالسنين على تلك السنين.
وعن مالك في التعمير: سبعين (٢).
واختاره ابن القاسم (٣)؛ لقوله ﵇: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» (٤)، ولأنَّ غير ذلك نادر.
وقال عبد الملك: تسعين (٥)؛ لأنه غالب النهاية.
والضرورة تدعو للتعمير؛ حتى يُعلَم مقدار حصته من الثلث، فإذا مات قبل ذلك لا شيء لورثته؛ لأنَّ الموصي إذا أراد أن ينفق عليه شيئًا فشيئًا لحفظ بنيته، لا تمليك مال، فيرجع للوصايا؛ لأنه سبب نقصها بالحصاص.
ووجه أشهب أنه اجتهاد قطع بخطئه، فيُنقض.
стр. 3011
ولأنه يُرَدُّ الفاضل إذا مات، فيرجع في العجز، ويرجع على كل أحدٍ بما ينوبه، ولا يتبع المليء بالمعسر.
وإن وجد بعض الورثة مليئًا رجَعَ عليه فيما بيده بفضلة الثلث، ويرجع هو على الورثة بما يصيبهم أن لو كانوا أملياء.
ص: (إذا أوصى بمصباح في مسجد ونحوه مما يتأبد، وبوصايا؛ حوصص للمصباح بالثلث، وللوصايا بقدرها).
ت: قاله ابن القاسم (١).
وقال أشهب: يُحاص لما يتأبد بالمال كلّه (٢).
وللخلاف فائدتان:
إحداهما: أنَّ الوصية إذا كانت لجميع المال خُيّر الورثة بين الإجازة والرد، فإن أجازوا كانت الإجازة بجميع المال، وإن لم يجيزوا كانت الوصايا في الثلث، وعلى القول الآخر أنها في الثلث، لا خيرة للورثة.
وثانيهما: أنَّ الحصاص بجملة المال يحصل لما يتأبد أكثر مما يحصل له إذا حوصص له بالثلث، مثال ذلك: أن يوصي بعشرة لرجل ولمجهول، والمالُ ستون.
فعند ابن القاسم يقسم الثلث ثلاثة، للمجهول اثنان.
стр. 3012
وعند أشهب يُقسم على ستة؛ لصاحب العشرة جزء من ستة، والباقي للمجهول.
فإن اجتمع مجهولان:
قال عبد الملك: يُضرب للمجهولات كلّها بالثلث؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ لو انفرد لحكم له بالثلث، فإذا اجتمعوا قُسِم بينهم.
وقال بعض الفقهاء: يُنظر لما يحتاج المصباح في كل ليلة، وراوية الماء الذي يُستَقى في كل يوم، فيُقسم الثلث على قدر ذلك، وقيل: يُقسم بينهما نصفين.
ص: (المريض المخُوف عليه ممنوع من الهبة والصدقة وإخراج المال بغير عوض، إلا في ثلثه، وما وهب أو تصدَّقَ في مرضه فهو موقوف على موته أو صحته؛ في ثلثه إن مات، فإن صح فمن رأس ماله، ولا يجوز له الرجوع فيه، إلا أن يريد به الوصية.
وله البيع والشراء، ويأكل ويكتسي، والمريض بالجذام ونحوه من المرض المتطاول كالصحيح، لا يُمنع من التبرع إلا أن يشتد ويُخاف عليه).
ت: المخوف كالحُمَّى الحادة، والسّل وذات الجنب، فيُحجَرُ عليه فيما لا يحتاجه من النفقة والتداوي وأجرة الطبيب ونحوه؛ لأنَّ ضرورته مقدمة على الميراث؛ لأنها مقدمة على الغرماء في الحياة مع المعاوضة، فالوارث أولى.
ويُحجر عليه في التبرعات؛ لأنه ضياع مال على الوارث، والمريض المخُوفُ مظنَّةُ الموت، فأوجب الحجر؛ لحديث الصدّيق في الهبة.
стр. 3013
ويُخرج التبرع من الثلث؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله جعل لكم ثُلُثَ أموالكم عند موتكم؛ زيادةً في أعمالكم» (١).
ولأن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه لا يملك غيرهم، «فأقرع بينهم رسول الله ﷺ ، فأعتق ثُلُثَهم وأرقَّ ثُلثيهم» (٢).
فإذا زال الحجر نفَذ من رأس المال؛ لزوال المانع. ويُمنع الرجوع لأنها لازمة، بخلاف الوصايا. وغير المخوف لا يُخشَى منه الموت يُلحق بالصحة.
ص: (الحامل في ستَّةِ كالمريض المخُوفِ عليه، وكذلك المحبوس في القتل، والزاحف في الصف).
ت: خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إجازة تصرفاتهم، واشتراطهم في الحامل الطَّلق وتقدم المحبوس للقتل والزاحف للبراز.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ قيل في التفسير: لما بلغت ستة أشهر.
ولأن الستة حالة يصح فيها الوضع ويصحبها المرض غالبًا والثَّقَلُ والألم.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]؛ يريد أسبابه وعلامته، فجعل سبب الموت موتا، وتجويز الخلاص للمحبوس كتجويز العافية للمريض.
стр. 3014
ص: (ومن أوصى بوصيتين فأكثر جازت، إلا أن يُبطِلَ بعضها).
ت: إن أجازها الوارث، وإلا تحاصُّوا، وتجديد الوصايا لا يدل على الرجوع عن السابق، إلا أن يدل دليل عليه، كما لو أوصى بعتق عبدٍ ثم أوصى به لرجلٍ، فهو للثاني، أو أوصى به لرجل ثم أوصى بعتقه عتق؛ لأنَّ الثاني ناسخ.
وقال أشهب: الحريَّة أولى، قدَّمها أو أخرها؛ لأنَّ العتق يقدم على الوصايا إذا اجتمعت.
ص: (إن أوصى لرجل بدنانير متساوية في موضعين، ولم يُبطل أحدهما ولا جمعهما له، فله أحدهما).
وكذلك قال ابن المواز؛ فإنَّ الظاهر أنه تكرار لفظ.
أو أحدهما أكثر فله الأكثر.
لأن في لفظها فائدة زائدة.
أو بنوعين مختلفين - في موضع واحد أو موضعين - فله الوصيتان.
لأنه ليس تكرارا، لاختلاف المعنى.
ت: قال عبد الملك ومطرف: إذا استويا عشرةً وعشرةً فله الوصيتان، كانتا بكتاب أو بكتابين (١)؛ لأنَّ الأصل عدم التأكيد والتكرار.
قال ابن القاسم ومالك: إذا كانت إحداهما أكثرَ أُعطيها (٢)؛ لأنها المتيقن،
стр. 3015
تقدم أو تأخر.
وقال علي بن زياد: إذا تأخر الأكثر أخذه، أو تقدم أخذهما (١)؛ لأنه زاد في الأول الثاني.
وقال عبد الملك: إن كانتا بكتابين فله أكثرهما، تقدمت أو تأخرت، أو في كتاب واحد وقدَّم الأكثر كانت له، أو تأخر أخذه وحده (٢)؛ لأنَّ تقدم الأكثر يدلُّ على قصد نفعه وزيادة الأقلّ عليه، وإذا تأخر كأنه تقلل الأولى فزاده فيها.
وأما بكتابين فالغالب أنه نسي الأولى، وإلا لكان أشار للجمع بينهما، فكان له الأكثر؛ عدلاً بين الورثة [وبينه] (٣)؛ لأنَّ المقدم إن كان القليل فقد زاده، أو الكثير فيُحتمل إرادة الجمع بينهما، فكان العدل أن يُعطى الأكثر.
وأما النوعان المختلفان؛ قال ابن يونس: لا خلاف أنَّ له الوصيتين إن حملهما الثلث.
ص: (إن أوصى له بمئة، ولآخر بخمسين، وللثالث بمثل أحدهما ولم يبين؛ فعن مالك: له نصف الأولى ونصف الثانية).
لعدم الترجيح.
(وعنه: مثل الآخرة).