ولأنه يُرَدُّ الفاضل إذا مات، فيرجع في العجز، ويرجع على كل أحدٍ بما ينوبه، ولا يتبع المليء بالمعسر.
وإن وجد بعض الورثة مليئًا رجَعَ عليه فيما بيده بفضلة الثلث، ويرجع هو على الورثة بما يصيبهم أن لو كانوا أملياء.
ص: (إذا أوصى بمصباح في مسجد ونحوه مما يتأبد، وبوصايا؛ حوصص للمصباح بالثلث، وللوصايا بقدرها).
ت: قاله ابن القاسم (١).
وقال أشهب: يُحاص لما يتأبد بالمال كلّه (٢).
وللخلاف فائدتان:
إحداهما: أنَّ الوصية إذا كانت لجميع المال خُيّر الورثة بين الإجازة والرد، فإن أجازوا كانت الإجازة بجميع المال، وإن لم يجيزوا كانت الوصايا في الثلث، وعلى القول الآخر أنها في الثلث، لا خيرة للورثة.
وثانيهما: أنَّ الحصاص بجملة المال يحصل لما يتأبد أكثر مما يحصل له إذا حوصص له بالثلث، مثال ذلك: أن يوصي بعشرة لرجل ولمجهول، والمالُ ستون.
فعند ابن القاسم يقسم الثلث ثلاثة، للمجهول اثنان.
стр. 3012
وعند أشهب يُقسم على ستة؛ لصاحب العشرة جزء من ستة، والباقي للمجهول.
فإن اجتمع مجهولان:
قال عبد الملك: يُضرب للمجهولات كلّها بالثلث؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ لو انفرد لحكم له بالثلث، فإذا اجتمعوا قُسِم بينهم.
وقال بعض الفقهاء: يُنظر لما يحتاج المصباح في كل ليلة، وراوية الماء الذي يُستَقى في كل يوم، فيُقسم الثلث على قدر ذلك، وقيل: يُقسم بينهما نصفين.
ص: (المريض المخُوف عليه ممنوع من الهبة والصدقة وإخراج المال بغير عوض، إلا في ثلثه، وما وهب أو تصدَّقَ في مرضه فهو موقوف على موته أو صحته؛ في ثلثه إن مات، فإن صح فمن رأس ماله، ولا يجوز له الرجوع فيه، إلا أن يريد به الوصية.
وله البيع والشراء، ويأكل ويكتسي، والمريض بالجذام ونحوه من المرض المتطاول كالصحيح، لا يُمنع من التبرع إلا أن يشتد ويُخاف عليه).
ت: المخوف كالحُمَّى الحادة، والسّل وذات الجنب، فيُحجَرُ عليه فيما لا يحتاجه من النفقة والتداوي وأجرة الطبيب ونحوه؛ لأنَّ ضرورته مقدمة على الميراث؛ لأنها مقدمة على الغرماء في الحياة مع المعاوضة، فالوارث أولى.
ويُحجر عليه في التبرعات؛ لأنه ضياع مال على الوارث، والمريض المخُوفُ مظنَّةُ الموت، فأوجب الحجر؛ لحديث الصدّيق في الهبة.
стр. 3013
ويُخرج التبرع من الثلث؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله جعل لكم ثُلُثَ أموالكم عند موتكم؛ زيادةً في أعمالكم» (١).
ولأن رجلا أعتق ستة أعبد في مرضه لا يملك غيرهم، «فأقرع بينهم رسول الله ﷺ ، فأعتق ثُلُثَهم وأرقَّ ثُلثيهم» (٢).
فإذا زال الحجر نفَذ من رأس المال؛ لزوال المانع. ويُمنع الرجوع لأنها لازمة، بخلاف الوصايا. وغير المخوف لا يُخشَى منه الموت يُلحق بالصحة.
ص: (الحامل في ستَّةِ كالمريض المخُوفِ عليه، وكذلك المحبوس في القتل، والزاحف في الصف).
ت: خلافا لأبي حنيفة والشافعي في إجازة تصرفاتهم، واشتراطهم في الحامل الطَّلق وتقدم المحبوس للقتل والزاحف للبراز.
لنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]؛ قيل في التفسير: لما بلغت ستة أشهر.
ولأن الستة حالة يصح فيها الوضع ويصحبها المرض غالبًا والثَّقَلُ والألم.
ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]؛ يريد أسبابه وعلامته، فجعل سبب الموت موتا، وتجويز الخلاص للمحبوس كتجويز العافية للمريض.
стр. 3014
ص: (ومن أوصى بوصيتين فأكثر جازت، إلا أن يُبطِلَ بعضها).
ت: إن أجازها الوارث، وإلا تحاصُّوا، وتجديد الوصايا لا يدل على الرجوع عن السابق، إلا أن يدل دليل عليه، كما لو أوصى بعتق عبدٍ ثم أوصى به لرجلٍ، فهو للثاني، أو أوصى به لرجل ثم أوصى بعتقه عتق؛ لأنَّ الثاني ناسخ.
وقال أشهب: الحريَّة أولى، قدَّمها أو أخرها؛ لأنَّ العتق يقدم على الوصايا إذا اجتمعت.
ص: (إن أوصى لرجل بدنانير متساوية في موضعين، ولم يُبطل أحدهما ولا جمعهما له، فله أحدهما).
وكذلك قال ابن المواز؛ فإنَّ الظاهر أنه تكرار لفظ.
أو أحدهما أكثر فله الأكثر.
لأن في لفظها فائدة زائدة.
أو بنوعين مختلفين - في موضع واحد أو موضعين - فله الوصيتان.
لأنه ليس تكرارا، لاختلاف المعنى.
ت: قال عبد الملك ومطرف: إذا استويا عشرةً وعشرةً فله الوصيتان، كانتا بكتاب أو بكتابين (١)؛ لأنَّ الأصل عدم التأكيد والتكرار.
قال ابن القاسم ومالك: إذا كانت إحداهما أكثرَ أُعطيها (٢)؛ لأنها المتيقن،
стр. 3015
تقدم أو تأخر.
وقال علي بن زياد: إذا تأخر الأكثر أخذه، أو تقدم أخذهما (١)؛ لأنه زاد في الأول الثاني.
وقال عبد الملك: إن كانتا بكتابين فله أكثرهما، تقدمت أو تأخرت، أو في كتاب واحد وقدَّم الأكثر كانت له، أو تأخر أخذه وحده (٢)؛ لأنَّ تقدم الأكثر يدلُّ على قصد نفعه وزيادة الأقلّ عليه، وإذا تأخر كأنه تقلل الأولى فزاده فيها.
وأما بكتابين فالغالب أنه نسي الأولى، وإلا لكان أشار للجمع بينهما، فكان له الأكثر؛ عدلاً بين الورثة [وبينه] (٣)؛ لأنَّ المقدم إن كان القليل فقد زاده، أو الكثير فيُحتمل إرادة الجمع بينهما، فكان العدل أن يُعطى الأكثر.
وأما النوعان المختلفان؛ قال ابن يونس: لا خلاف أنَّ له الوصيتين إن حملهما الثلث.
ص: (إن أوصى له بمئة، ولآخر بخمسين، وللثالث بمثل أحدهما ولم يبين؛ فعن مالك: له نصف الأولى ونصف الثانية).
لعدم الترجيح.
(وعنه: مثل الآخرة).
стр. 3016
[لأنها الأقرب، فيرجع إليها الكلام] (١).
(وقال أشهب: الأقل منهما لأنه [المتيقن] (٢)).
فإن قال: لفلان مائة، ولفلان خمسون، فقيل له: وفلان؟ فقال: له مثله، ولم يعلم من أراد:
قال مالك: يعطى نصف الأولى ونصف الآخرة (٣).
وقال أشهب: مثل الآخرة (٤)؛ لأنه الأقرب فيعود عليه الضمير.
وقال أشهب أيضا: الأقل (٥).
* * *
стр. 3017
كتاب الدماء
(إذا قُتل رجلٌ فادَّعى ولَاتُه أَنَّ رجلًا قتله عمدًا، وأَتُوا بِلَوث على قتله؛ وجبت لهم القسامة، فإذا أقسموا قتلوا به قاتله).
ت: أصل ذلك أنَّ عبد الله بن سهل ومُحَيّصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، فتفرقا في حوائجهما، فقُتل عبد الله بن سهل، فقدِمَ مُحَيّصة، فأتى هو وأخوه حويصة وعبد الرحمن بن سهل لرسول الله ﷺ ، فذهب عبد الرحمن ليتكلم - لمكانه من أخيه - فقال له رسول الله ﷺ كبر كبر، فتكلَّم مُحَيَّصةٌ وحُوَيّصة، فذكرا شأن عبد الله بن سهل، فقال لهم رسول الله ﷺ : «أتحلفون خمسين يمينا، وتستحقون دم صاحبكم، - أو: قاتلكم» فقالوا: يا رسول الله، لم نشهد ولم نحضر، قال رسول الله ﷺ : فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟، قالوا: يا رسول الله، كيف نقبل أيمان قوم كفار؟
قال يحيى بن سعيد: فزعم بشير أنَّ رسول الله ﷺ وداه من عنده. أخرجه «الموطأ» (١).
فجعل الدم يُستحَقُّ بأيمانهم.
وكان اللوث كافيًا في القسامة، ويَحلِفُ الطالب؛ لأنَّ الدماء يقصد بها المواضع الخالية، فتتعذر إقامة البيئة، فلولا ذلك لضاعت الدماء.
ويُستحق بالقسامة الدية والقود.
стр. 3018
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُقتل بالقسامة؛ لضعفها.
لنا: قوله ﵇: «وتستحقون دَمَ صاحبكم» (١)، الحديث المتقدم، ولولا ذلك ضاعت الدماء، كما تقدم تقريره.
ص: (شهادة الشاهد الواحد لوث يوجب القسامة، وفي النساء روايتان، والواحد والجماعة إذا لم يكونوا عدولًا أيضاً روايتان).
ت: العدل الذي يرى أنه حاضر القتل (٢)؛ لأنه يغلب على الظن ويقوي جهة المدعي، كما في الأموال.
ولا يُقسم مع [شاهده] (٣) مسخوط، وكذلك النساء والصبيان (٤).
وبذلك أخذ ابن القاسم (٥).
وعن مالك في غير العدل والمرأة روايتان (٦)؛ لأن المقصود ما يَغلِبُ على الظن ويبيح الحلف، ولأنَّ غالب شهادة الزور - وإن وقعت - لا تقع في الدماء، وكذلك اللفيف من الصبيان.
ولأن القصاص مستند للقسامة، فإن حلفوا استحقوا القتل بقسامتهم لا بشهادة
стр. 3019
النساء، والممنوع إنما هو القتل بشهادتهنَّ ولم يقع، والثابت في الحقيقة بشهادتهن إنما هو القسامة لا القصاص.
قال: فليس شهادة العبيد من ذلك.
ووجه أنَّ النساء لا يقبلن: أنه لا مدخل لهنَّ في قتل العمد، ولا يُقسَمُ معهنَّ.
قال اللخمي: أرى أن لا يُقسم إلا مع العدل والمرأة العدلة وجماعة من غير العدول كالخمسة إذا كانوا لا بأس بحالهم، وإن كانوا ساقطين من الحال فمثل العشَرَةِ، وهذا يُعرف عند المباشرة، ولا مدخل للكفار في ذلك؛ لأنهم أعداء (١).
ص: (إذا وُجِد بقرب المقتول رجل معه سيف أو آلة قتل، وعليه آثار القتل؛ فهو لوث يوجب القسامة).
لأنها قرائن قوية تغلب على الظن، وفي حديث مُحيصة: فإذا هم بصاحبهم يتشحط في الدم، فيكون وُجِد بقُرب عبد الله جماعة من اليهود.
وروى الباجي أنَّ بعض أصحابنا يقول: العداوة لها تأثير في القسامة (٢).
وأيمان القسامة مغلظة بخلافها في سائر الحقوق، فيحلف فيها في المسجد الأعظم بعد الصلاة عند اجتماع الناس فيه، ويُجلب لمكة والمدينة وبيت المقدس من وجبت عليهم قسامةٌ في أعمالها، ولا يُجلب لغيرها إلا من المكان القريب.
ت: ويحلف أن فلانا قتله أو ضربه، ومن ضربه مات.
стр. 3020
قال مالك: ولا يزيد الرحمن الرحيم على: والله الذي لا إله إلا هو (١).
وقال المغيرة: يزيدها (٢).
وإن قال: والله، فقط؛ لا يُقبل حتى يقول: الذي لا إله إلا هو (٣).
قال مالك: اليمين في القسامة على البنّ، وإن كان أحدهم أعمى أو غائبًا عند القتل.
قال مالك: يحلفون بالمدينة عند منبر النبي ﷺ ، وفي غيرها في الجامع (٤).
والإجماع على أنها خمسون (٥)؛ لِغِلَظ الدماء؛ لئلا يسرع المدعي ليقتل عدوه.
وقال عبد الملك: يحلف: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة (٦)؛ لأنه يوجب التأخير عن الحلف كذِبًا.
وغُلِّظ بعقب الصلاة؛ لأنه مظنَّة إجابة الدعاء والأذكار واجتماع الناس، فتكون الآثام فيها أقبح.
ويُجلب للمواضع الثلاثة؛ لأنَّ النذر يلزم فيها دون غيرها، ولا يُجلب لغيرها؛ لأنه يشق على الناس، وانخفاض رتبتها.
стр. 3021
قال مالك في «النوادر»: يُجلب للثلاث من عشرة أيام، ولغيرها من عشرة أميال (١).
وعنه: لا يُجلب للمدينة من كان على ليالٍ، ويُجلب القريب (٢)؛ لقوله ﵇: «من حلف على منبري هذا يمينًا كاذبةً فليتبوأ مقعده من النار»، قيل: يا رسول الله، وإن كان يسيرًا؟ قال: «وإن كان سواكًا من أراك» (٣).
فلذلك غلظ بالمنبر.
قال ابن القاسم: يحلفون قيامًا (٤).
وقال عبد الملك: قعوداً.
* ص: (يبدأ في القسامة بالمدعين دون المدعى عليهم، فيحلفون خمسين يمينًا، ويستحقون القود إذا كان عددهم ما بين خمسين رجلًا إلى رجلين، ولا يُقسم في العمد رجل واحد).
* ت: لأنَّ رسول الله ﷺ بدأ بالمدعين في الحديث المتقدم، وثنّى باليهود بعد نكول الأولياء، ولأنَّ القاعدة التبدئة بمن قوي سببه بيد أو شاهد، والمدعون معهم اللوث.
وقدم أبو حنيفة المدعى عليهم.
стр. 3022
وكما لا يُقبل شاهد واحد لا يُقسم رجل واحد، ولأن الواقع في الحديث حويصة ومُحَيَّصَة وعبد الرحمن بن سهل، وليس فيهم مستحق للدم إلا عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخ، فدل على أنَّ الواحد غير كافٍ، وإلا لاقتصر على عبد الرحمن.
ويدل على ملاحظة الشهادة أنَّ النساء لا يُقسمن؛ لأنهن لا يشهدن في الدماء، فلا يُقسم الواحد.
فإن كان ولي الدم حلف معه غيره من ولاة الدم، وإن لم يكن مثله في القُعْدُد، وإلا رُدَّت الأيمان، كما ضم رسول الله ﷺ حُوَيْصَة ومُحَيَّصَةَ للأخ؛ لأنهما عصبة.
ويُقسم الواحد في الخطأ؛ لأنه مال.
ص: (لا تُقسم امرأة ولا جماعة النساء فيه).
ت بخلاف الخطأ، ولا عفو لهنَّ في العمد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانَا﴾ [الإسراء: ٣٣]، فالولي رجل؛ لقوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي» (١).
وكما لا تتولى القضاء والصلاة وغيرهما لا تتولى القتل ولا عفوه؛ لضعف عقلها عن معرفة العواقب في العفو والقتل، وكأنه ﵇ خاطَبَ الرجال في حديث مُحَيَّصَة، ولم يسأل عن النساء.
стр. 3023
ص: (إذا كان أولياء الدم أكثر من خمسين ففي الاقتصار على خمسين، أو يحلفون كلهم وإن زادت الأيمان على الخمسين، روايتان).
وجه الأولى: أنَّ الحديث ليس فيه إلا خمسون، وكما لو شهد بالدم شاهدان، لا حاجة للزائد.
وجه الثانية: أنَّ لكلّ واحد نصيبا في الدم، فيحلف حتى يستحِقَّ. ولأنه ليس البعض أولى من البعض.
فإن أراد أن يحلف منهم اثنان تطوعاً عن الباقين: جوزه ابن القاسم (١).
قال ابن يونس: إذا لم يترك الباقي نكولاً، كما يحلف الكبير عن الصغير (٢).
وقال أشهب وعبد الملك: ليس لهما ذلك (٣).
فإن أبوا إلا ذلك فهو كالنكول (٤)؛ لأنَّ رسول الله ﷺ خاطب الجميع.
وفي رواية: «يحلف منكم خمسون رجلا» (٥).
ص: (إذا نكل واحد من المدعين فهل لمن بقي الحلف واستحقاق نصيبهم من الدِّية، أو لا دية لهم وتُرَدُّ الأيمان على المدعى عليهم؟).
стр. 3024
رواتان.
ت: أخذ بالثانية ابن القاسم؛ لأنَّ الحق لجميعهم، فليس بعضهم بإثباته
أولى.
وجه الأولى: القياس على النكول في قتل الخطأ، وأثر النكول في إسقاط القتل، فينتقل إلى الدية؛ لأنها بدل عند التعذّر.
وعن مالك: إذا بقي اثنان فصاعدا، حلفا واستحقا نصيبهما من الدِّية (١).
قال اللخمي: ينبغي وإن كان واحدًا أن يحلف خمسين يمينا ويستحق؛ لأنَّ الأموال إلى الخطأ، والخطأ يحلف فيه واحد.
وعن مالك الفرق بين البنين والعمومة وأبنائهم، ومَنْ بَعُد مِنَ العصبات، فغير البنين إذا نكل بعضهم؛ يحلف الباقون إذا كانوا اثنين فصاعدا، ويقتلوا؛ لأنهم لا عفو لهم عنده إلا باجتماعهم بخلاف البنين (٢).
وجه التسوية: أنَّهم ولاة الدَّم، هذا حكم من هو مساو لغير الناكل، فلو نكل واحد من البنين؛ فلا يبطل حق الباقين إذا كانوا اثنين فصاعدا لعدم اعتبارهم في أصل الدم.
ص: (إن أقسموا فعفا بعضُهم؛ سقط الدم، ولمن بقي أنصباؤهم من الدية إذا كانوا بنين، أو بني بنين، أو إخوة، أو بني إخوة، أما العمومة وبنوهم إذا نكل واحد عن القسامة، ففيها روايتان:
стр. 3025
إحداهما: أن لمن بقي أن يُقسموا ويقتلوا.
والأخرى: أنَّ القَوَد ساقط، وهل يُقسمون ويستحقون أنصباءهم من الدية، أو لا عفو ولا دية، وتُردُّ الأيمان؟ تتخرج على روايتين).
ت: سقوطه عند العفو؛ لأنَّ الدم لا يتبعض، ويصير كعمد المأمومة (١).
ولأن الأبناء والإخوة، والأب لا يدانيهم أحد، فلا يتهم أحدهم في العفو، وغيرهم يتهم، فمن طلب القود أولى من العافي.
وألحق مالك مرَّةً العمومةَ وبنيهم بالبنين والإخوة؛ لاستواء نَسَبهم إلى المقتول، ففيه العفو (٢)، ولاحظ مرَّةً ضعفهم؛ فاشترط اجتماعهم في العفو.
وإذا صح العفو:
قيل: للباقين نصيبهم من الدية (٣).
قال عبد الملك: لا أرى ذلك إلا أن يشترط العافي شيئًا من الدية أو غيرها (٤)؛ لأنَّ الحقَّ القَوَد وقد سقط، والبدل محتاج لسبب، من شرط أو غيره.
وإذا رُدَّت الأيمان:
قال مالك في «الموطأ»: فإن كان المُدَّعى عليه واحدا، حلف خمسين يمينًا وبرئ، بخلاف المدعين (٥).
стр. 3026
والفرق: أنَّ الأيمان إذا تعذَّرت من جهة أولياء المقتول؛ رجع لأيمان القاتل، والقاتل إذا تعذَّر؛ لا يجد شيئًا يرجع إليه لتبرئته.
فإن كان المدَّعى عليهم خمسين فأقل:
قال في «مختصر ابن عبد الحكم»: لا يبرأ واحد منهم حتى يحلف خمسين يمينا (١).
وقال في «الموطَّأ»: يحلف الخمسون خمسين (٢)
فإن قصروا عن الخمسين رُدَّت الأيمان على من حلف منهم (٣)؛ لقوله ﵇: «تبرئكم يهود بخمسين يمينا» (٤).
ولأن الأيمان من الجهتين سواء، كسائر الحقوق.
ولاحظ في الأول: أنَّ كلَّ واحدٍ يطلب براءته، والذي يبرئ من الدم هو الذي يُثبته.
ص: (إذا رُدَّت الأيمان على المدَّعَى عليهم فنكلوا؛ حبسوا حتى يحلفوا، فإن طال حبسهم تُرِكوا، وعلى كل واحد جلد مئة وحبس سنة)
ت: لأنه لم يتقرَّر موجِبُ الاستحقاق، بل أضعَفَ وُلاة الدم جهتهم بترك الأيمان
стр. 3027
وقال أشهب: عليهم دِيَةُ المقتول تلزمه في ماله (١)؛ لأن نكوله كاعترافه مع اللوث، فقد اجتمع سببان، ولا تحمله العاقلة؛ لأنَّها لا تحمل اعترافًا، وهذا بمنزلة الاعتراف.
وفي الدَّارقطني: أنَّ رجلًا قتل عبده عمدًا، فجلده رسول الله ﷺ مئة جلدة، ونفاه سنة (٢)، فكذلك هؤلاء؛ ردعاً لهم.
وهذا حق الله تعالى، لا يسقط بنكول المطالب ولا عفوه، كالزاني البكر، لما زال عنهم الرجم جُلِدَ وغُرِّب، ولا سبيل لقتله؛ لأن نكوله قد يكون تورُّعًا، ولأن المال لا يثبت بمجرد النكول مع شاهد، فالدَّم أولى.
* ص: (لا حَقَّ في الدم للبنات مع البنين، ولا لبنات الأبناء مع بني الأبناء، ولا للأخوات مع الإخوة).
ت: لأنَّ سببهم أقوى؛ لجمعهم بين القرابة والعصبة، وحسن نظر في الأمور، ولا يتهمون كما يتهم غيرهم من العصبة.
واختلف في النساء:
فقال مالك مرة: لا مدخل لهنَّ في الدم (٣)، ثبت ببينة أو قسامة، فإن عفوا عن الدية دخل فيها النساء على فرائض الله تعالى، ويُقضَى منها دينه.
وإن عفا أحد البنين سقط حقه من الدية، وكان بقيتها بين من بقي على
стр. 3028
الفرائض، الزوجة وغيرها.
وإن عفا جميع البنين فلا شيء للنساء من الدية، بخلاف إذا عفا البعض.
والإخوة والأخوات إذا استووا كما تقدَّم في البنين والبنات، وإذا أسقطوا جميعهم سقط الدم، [فتعذَّرت] (١) الدية؛ لأنَّ العمد قَوَدٌ كلُّه، فلا حُجَّةَ للزوجة على القاتل، وإذا بقي من له الحق، وسَقَط القود، وطالب بالدية، فدخل معه غيره.
وقال أيضا: لهنَّ (٢)؛ لأنهنَّ لمَّا استووا في الدية، فكذلك مبدلها، وهو القتل، [وهنَّ ثُلُثُ خاصَّة البنات] (٣)، وبناتِ الابن وإن سفلن، و والأخوات (٤).
وقال مالك وابن القاسم: تقدم البنات على الأخوات (٥).
وقال أشهب الأخوات عصبات البنات، فلا عفو إلا باجتماعهنَّ. (٥).
واختلف في البنات والأم:
فقيل: البنات أولى في العفو والقتل (٥).
وقال ابن القاسم: لا تسقط الأم إلا مع الأب والولد الذكر، فعلى هذا لا يصح عفو إلا باجتماعهن (٥).
стр. 3029
قال اللخمي: الأول أحسن؛ لتقدم البنوة على الأبوة، فإذا تقدم الابن على الأب قدّمت البنتُ على الأم، والأم مقدمة على الأخوات.
ويتفق في هذا ابن القاسم وأشهب، وليس الأخوات عصبة للأم (١).
ص: (مَنْ قُتِل وله عصبةٌ متباعدون، وله أم أو ابنة أو أخت، فأراد العصبة أمرًا، وأراد النساء خلافه، فثلاث روايات: إحداهن: أنَّ القول للعصبة دون النساء؛ لأنهم أعلم بالعواقب، والتعصيب راجح على غيره؛ لأنَّ الدَّم يُستحَقُّ بالنُّصرة، وليس أهلا لها، والأخرى: أنَّ القول قولُ مَنْ طَلَبَ القَودَ من العصبة والنساء جميعاً؛ لأنه الأصل، ولأنَّ العصبة يتهمون في العفو بأخذ المال).
ت في «المدونة»: لا عفو إلا باجتماعهم، إلا أن يعفو بعض البنات وبعض العصبة، ويُعطَى مَنْ بَقِيَ حقّه من الدية (٢)؛ لأنَّ البنات أقرب، والعصبة أقعد، فلا بد من اجتماعهم.
والثالثة: أنَّ القول قول من عفا.
وهو الصحيح؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ له حق في الطلب، فإذا عفا سقط الدم؛ لأنه لا يتبعض.
وقيل: إن ثبت بالبينة فلهنَّ العفو دون العصبة، أو بالقسامة فلا عفو لهنَّ؛ لأنَّ الدم استحقه العصبة.
стр. 3030
وقيل: إِنَّ مَنْ يحوز الميراث - كالبنت والأخت - فلا عفو إلا باجتماعهم إذا كان القتل بالقسامة أو ببينة، فلا مقال للعصبة، وإن كن بنات [و] (١) إخوة، أو أخوات وعصبة ممن لا يحوز الميراث دون العصبة، فثلاثة أقوال:
ففي «المدونة»: لا عفو إلا باجتماعهم، ومن طلب القتل فذلك له، كان ببينة أو قسامة؛ نظرًا لقرب النساء وقوة العصبة بالتعصيب، فاستووا.
الثاني: إن ثبت بالبينة، فالنساء أولى بالعفو والدم، أو بالقسامة فلا عفو إلا باجتماعهم، ولأنَّ القسامة من جهة العصبة، فقووا بذلك، ومن قام بالدم قدّم.
وعن مالك: لا مدخل للنساء في الدم جملةً من غير تفصيل، والنساء اللاتي لهنَّ مدخل في الدم على المشهور: البنات دون بناتهن، وبنات الأبناء الذكور وإن سفلن دون بناتهنَّ، والأخوات للأب، كان شقائق أو لأم (٢).
واختلف في الأم:
قال ابن القاسم: لها القيام بالدم (٣)، قياسًا على الأب، ولتقدم الشقيق بها على الأخ للأب، فدل ذلك على أنَّ لها مدخلا.
ومنعه أشهب (٤)؛ لأنها ليست عصبةً، كالزوجة.
وعلى الأول؛ عن مالك: تُقدَّم على العصبة؛ لأنها أحد الأبوين.
وعنه: في أم وأخ وعصبة: لا عفو لها دونهنَّ؛ لأنها لا ترث بالتعصيب،
стр. 3031
وأما الأم مع البنات فهُنَّ أحقُّ منها، قاله في «الموازية».
ص: (إذا قُبلت الدِّية في العمد ورثها جميع من يرث الميت على الفرائض، ويُقضَى منها دينه، ولا تدخل الوصايا).
لأنَّه لم يعلم بها عند الوصية؛ لأنَّ الضحاك بن سفيان كتب إليه النبي ﷺ : «أن يورث امرأة أشْيَم من دية زوجها» (١).
ص: (ولا يُقتل بالقسامة إلا رجل واحد، ويُقتل بالإقرار والبيّنة الجماعة بالواحد).
ت: القسامة ضعيفة عن الإقرار والبيّنة، فلا يُقتل بها إلا واحد، ولا يُقسم إلا على رجل واحد؛ لقوله ﵇: «يُقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته» (٢).
ولأنه لا يُقتل إلا واحد، فلا فائدة في الزيادة.
وقال أشهب: يُقسمون على واحد، أو اثنين، أو أكثر، أو على جميعهم، ولا يقتل إلا واحد؛ لقوله ﵇: «تقسمون وتستحقون دم صاحبكم» (٣)، ولم يقل
стр. 3032
على واحد؛ لأنها تُحَقِّق الدعوى، فتكون مطابقة لها، ويعينون بعد ذلك.
وإذا قُتِلَ واحدٌ ضُرِب الباقي مئةً، وحبس عامًا.
ولأنه يجوز أن يُقتل، فسقوط القتل عنه كسقوطه عن الزاني البكر لو كان محصنًا (١) لَرُجِمَ، والبكرُ يُضرب ويُحبَس، فكذلك هذا، وقد جمعهما الله تعالى في الآية بقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، فلما كان الزاني إذا سقط عنه القتل يجلد، فكذلك هذا.
قال سحنون: إن اتَّحد الضرب - كما لو حملوا صخرةً - أُقسم على جميعهم، ويُقتلون في العمد، والدية على عواقلهم في الخطأ (٢).
وقتل عمر ﵁ سبعة بواحد.
وقال ابن عباس ﵁: يُقتل مئة بواحد (٣).
والقسامة ضعيفة عن البينة، والإقرار، فيقتصر على واحد.
ص: (إذا اختلف ولاة الدم، فقال بعضُهم: قُتِل عمدًا، وقال بعضُهم: خطأً، أقسموا كلهم على قتله، ووجبت لهم الدية، وتعذر القتل).
لاختلافهم فيه، ولا خلاف في ذلك، وإنما اتفق على أصل القتل، وتجوز الدية في العمد، ولا يجوز القود في الخطأ.
وإن قال بعضهم: لا علم لنا بقتله، وقال بعضُهم: قُتِل عمدًا؛ لم يُقسم
стр. 3033
واحد منهم، ورُدَّت الأيمان على المدَّعى عليهم.
لعدم اتفاقهم على القتل، فلا تتحقق الدية؛ لأنها فرع أصل القتل.
وإن قال بعضهم: قُتِل خطاً، وقال بعضهم: لا علم لنا بقتله؛ أقسم مدَّعُوا الخطأ، واستحقوا أنصباءهم من الدية.
لأنَّ الخطأ مال، فمن ادعاه استحق نصيبه بطريقه.
ت: إذا اختلفوا في العمد والخطأ ظاهر «المدونة» أنَّ الدية كلها على العاقلة؛ لقوله: استحقوا دية الخطأ (١).
قال أشهب لمن أقسم على الخطأ نصيبه على العاقلة، ولمن أقسم على العمد نصيبه في مال القاتل (٢).
قال اللخمي: وهو أحسن (٣).
فإن نكل مُدَّعُوا الخطأ بطل الدم ولم يكن لمن ادعى منهم العمد الحلف، ولا دم لهم ولا دية.
وإن نكل مدَّعُوا العمد حلف مدعوا الخطأ، ولهم نصيبهم من الدّية.
وإن قال بعضهم: قُتِل خطاً، وقال بعضهم: لا علم لنا بقتله؛ حلف مدَّعُوا الخطأ خمسين يمينا واستحقوا أنصباءهم من الدية، فإن أراد الناكلون الحلف بعد ذلك وأخذ نصيبهم من الدية لم يكن لهم ذلك (٤).
стр. 3034
قال الأبهري: كان القياس أن لا يحلف مدَّعُوا الخطأ؛ لعدم اتفاقهم على أصل القتل (١)، وإنما أقسم مدَّعُوا الخطأ خمسين يمينا ليثبت أصل القتل.
ص: (إذا طلب مستحِقُّ القَوَدِ المالَ، وأبى ذلك القاتل وبذل نفسه؛ فهل القول قول القاتل، أو الخيار لولي المقتول في القتل، أو العفو وأخذ الدية؟ رواتان).
ت: لأن ترك المال للوارث مضارة لولي الدم.
ولقوله ﵇: «مَنْ قُتِل له قتيل فأهله بين خيرتين: بين أن يقتلوا أو يعفوا ويأخذوا الدية»، أخرجه «الصحيحان» (٢).
أو نلاحظ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فيتعين.
فإن عفا بعض الأولياء أخذَ غير العافي نصيبه من الدية من مال الجاني؛ لأن الدم لا يتبعض
ص: (لا قسامة في عبد ولا أمَةٍ ولا ذمي ولا جراح، وإنما القسامة في الأحرار المسلمين، رجالهم (٣) ونسائهم).
стр. 3035
ت: كانت الدعوى على حرٍّ مسلم، أو عبد، أو ذمي، فالقسامة خمسون يمينا، ولا قسامة فيما ذكرناه [أولا] (١)، قتَلَهُ حُرٌّ أو عبد، أو مسلم أو كافر.
قال مالك: إن أقام شاهدًا أنَّ فلانًا قتل عبده عمدًا أو خطأ، حلف مع شاهده يميناً واحدةً؛ لأنه مال، ويَعْرَمُ القاتل القيمة، ويُضرب القاتل مئةً، ويُحبَس سنَةً في العمد.
وقال أبو حنيفة والشافعي: القسامة في العبد.
لنا: أنه مال كالفرس ونحوه.
وأما الذمي فلنقصانه عن المسلم بالكفر.
والجراح لانخفاض رتبتها عن النفس.
قال مالك في «المدوَّنة»: يَحلِفُ مع الشاهد في الجراح يميناً واحدةً، ويقتص في العمد، ويأخذ الدية في الخطأ (٢).
ص: (وإذا اقتتلت فئتان ثم افترقا عن قتيل، فهل ديته على الفئة التي نازعته ولا قود، فإن لم يكن من واحدة منهما فديته عليهما جميعًا، أو وجوده مقتولا بينهما لوث يُقسمون معه على من ادعوا ويقتلونه به؟
رواتان).
ت وجه الأولى: أنَّ القسامة إنما تكون على واحد بعينه، والتعيين منفي
стр. 3036
هاهنا، فلا يتعيَّن القتل، ولا تتعين عاقلة القاتل للدية، فتعينت الفئة المنازعة، فتكون الدية عليهم.
قال الأبهري: هذا إذا اقتتلوا على غير تأويل دين، وإلا فلا قود ولا مال؛ لأنَّ الحربي لو قتل ثم أسلم لم يتبع بشيء، ولم يتبع أهل الجمل وصفين بعضُهم بعضاً بقَودٍ ولا دية (١)، فإذا لم يكن منهما، فلم يخرج عنهما، فديته عليهما.
وجه الثانية: أن الظاهر أنه قُتِل عمدًا، فيُعيّن أولياؤه من ادعوا قتله ويقتلونه به.
ولأنه حديثُ مُحيصة.
ولهذه المسألة أربعة أقسام: هدر، وقصاص، ودية، ومختلف فيه.
فالأول: المتأولتان.
والثاني: غيرُ المتأوّلتين، وعُرِف القاتل.
فإن تأوّلت إحداهما والأخرى باغية؛ فدَمُ الباغية هدر، ودم المتأوّلة قصاص.
وإن كان كما يكون بين القبائل، وإحداهما زاحفة والأخرى دافعة عن نفسها، فدم الزاحفة هدر، والأخرى قصاص.
فإن كان القاتل والمقتول من فئةٍ واحدةٍ غلطا؛ ففيه الدية، أو باغيتين ولم يثبت القتل ببينة، بل وُجِد بينهما؛ فهي الصورة المتقدمة، فيها الروايتان.
стр. 3037
فإن قال الميت: دمي عند فلان قتلني؛ قُتِل بالقسامة، أو قال: فلان قتلني من طائفتي غلطاً؛ فالدية على العاقلة بالقسامة.
ص: (إذا وُجِد اللوثُ في قتل الخطأ، ووجبت القسامة، قُسّمت الأيمان على ورثة المقتول، الرجال والنساء على قدر مواريثهم، فإن وقع فيها كسر مختلف جبرت اليمين على من عليه أكثرها، فإن كان الكسر متساوياً جبرت اليمين عليهم كلهم، ويحتمل أن تُجبر على واحد منهم).
ت: ويُقسم الرجلُ الواحد إذا كان هو المستحق للدية، مثل الابن الأب والأخ والعم.
فإن ورثه ابن [وابنة] (١)؛ حلف كلُّ واحدٍ خمسين يمينا؛ لأنَّ الدية وبعضها لا تُستحق بأقل من خمسين يمينا، [فإن غاب الابن] (٢) لم تأخذ البنتُ ثُلُثَ الدية حتى تحلف خمسين، فإذا قَدِم الغائب حلف ثُلثي الأيمان وأخذ ثلثي الدِّية؛ لتقدم ثبوت أصل القتل.
وإن ترك ابنةً وعصبة حلفت الابنة خمسة وعشرين يمينا والعصبة خمسةً وعشرين يمينًا، فإن نكلوا لم تأخذ البنتُ حتى تحلِفَ خمسين.
وهل يحلف العصبة جميعهم؟
قاله ابن القاسم (٣)
стр. 3038
أو يحلِفُ منهم خمسة وعشرون خمسة وعشرين يمينا؟
قاله أشهب (١).
وإن كانوا إخوةً وجدا حلف الجدُّ ثُلُثَ الأيمان، أو جَدُّ وأخ وأختان حلف الجد سبعة عشر يمينا، والأخ مثله، والأخت ثمانية؛ لأنَّ الجد نابه ثلثا يمين، فعليه أكثرها، فجُبرت عليه، والأخ والأخت شريكان في ثلثي الأيمان، فعلي الأخ ستة عشر ونصف، وعلى كلّ أخت ثمانيةٌ ورُبع، فجُبرت على الأخ؛ لأنَّ عليه الأكثر.
وإنما وجب الجبر لأنه لا بُدَّ من استكمال خمسين، فغلبت جهة الأكثر.
فإن استوى الكسر جُبرت عليهم كلهم؛ لأنَّ اليمين لا تتبعض، وقد لزِمَ كل واحد بعضها، فتُكمل عليه، ويحتمل أن تُجبر على واحدٍ منهم؛ نفيًا للزيادة على المطلوب، فيقال: عينوا من أردتم يحلف، فإن تراضوا وإلا أُقرع بينهم، وقيل: إن كان حظهم من الدية سواء، وانكسرت عليهم يمين؛ اقترعوا.
ص: (إذا قال: قتلني فلان عمدًا، ثم مات؛ فقوله لَوثُ يوجب القسامة لأوليائه، أو خطاً فهل هو لوث يوجب القسامة أو لا يكون لونا، وتسقط؟
رواتان).
ت: قال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون لونا مطلقا.
لنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
стр. 3039
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ الآية [البقرة: ٦٧ - ٧٣]، والقصة معروفة في الذي قتل عمه ورمى أهل القرية به، فسألوا موسى ﵇، فأمره الله تعالى بذبح بقرة يضربونه ببعضها، فإنه يحيى ويُخبر بقاتله، ففعلوا وأخبر. فكان أصلا في أَنَّ قول المقتول لوث.
ولأنَّ الغالب ممن أقبل على الموت البعد عن السعي في الدماء بالقول الكاذب، بل التوبة ورَدُّ المظالم.
قال الباجي: إذا ثبت قول الميت بشاهدين (١).
أما بشاهد واحد:
فعن مالك: يُقسم معه؛ لأنه يغلب على الظن.
وعنه: لا يُقسم معه؛ لضعفه.
فإن ادَّعَى ذلك على رجل صالح ورع:
قال ابن القاسم: يُقسَم مع قوله [ويُقتَل] (٢)(٣).
وقال ابن عبد الحكم: لا يقبل قوله (٤).
قال اللخمي: وهو أحسن؛ لأنَّ قوله لا يُشبه (٥)
ووجه أنه لوث في الخطأ: أنَّ النفس أقوى من المال، فإذا أقسموا في العمد
стр. 3040
فأولى في الخطأ.
قال أشهب: هذا مجمع عليه في المدينة (١).
ووجه الأخرى: أنه يتهم أنه يريد غنى ورثته، وقد يَظُنُّ أنَّ ورثته يَرُدُّون ذلك بعد انتفاعهم به، فهي مظلمة تتلافى، بخلاف العمد.
والأُولى هي التي رجع إليها مالك، وكما يُتهم في غنى ولده يتهم في قتل عدوه.
ص: (من أقرَّ بقتل العمد قُتِل به).
لأنه لا يتهم أحد في قتل نفسه.
أو بقتل الخطأ فأربع روايات إحداهن: أنه لا شيء عليه ولا على عاقلته.
لأنَّ القسامة إنما تكون مع الإنكار، والعاقلة لا تحمل الاعتراف، وهو إنما أقر على غيره لا على نفسه، وإقرار الإنسان على غيره باطل، وكونه من جملة العاقلة إذا غَرِموا فكذلك من جملتهم إذا سقط عنهم، فيكون إقراره على نفسه بذلك الجزء حقيرا يسقط تبعاً.
والثانية: أنه يُقسم ولاة المقتول مع قول القاتل، ويستحقون الدية على العاقلة.
لأن قوله لوث يقوي دعوى الأولياء.
ولأنه اعترف على نفسه؛ لأنه من جملة العاقلة، وعلى غيره وهو العاقلة،
стр. 3041
فيقبل، كما لو اعترف [الوارث العدل على الميّت بحق] (١) يحلف المستحق ويأخذه.
والثالثة: أن الدية في ماله.
فإنَّ العاقلة لا تحمل اعترافًا، فيعمل إقراره بحسب الإمكان.
والرابعة: [تُفَضُّ] (٢) عليه وعلى عاقلته، فيغرم نصيبه، ويسقط عن العاقلة نصيبها.
لأنه أقر على نفسه وعلى غيره، كمن قال: امرأته وامرأة جاره طالقتان؛ طلقت امرأته وحده.
ت: يُشترط في الإقرار بالعمد أن يكون طائعاً، وفي الخطأ أن لا يتهم بإغناء وارثِ المقتول، كالأخ والصديق الملاطف، وإن كان من الأباعد صدق إذا كان ثقةً مأمونا، ولم يُخَف أن يُرشَى (٣) على ذلك (٤)، وإذا قلنا: يُقسم مع إقراره، فامتنع الولاة من ذلك؛ فلا شيء في مال المقر ولا على عاقلته.
ص: (الواجب في قتل العبد عمدًا أو خطأ قيمته، بالغة ما بلغت، وإن زادت على دِيَةِ الحُر، ويُستحَبُّ له أن يكفّر كفارة القتل في العمد والخطأ).
لأنه قتل نفساً مؤمنةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
стр. 3042
مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
ولما كان مالا استُحِبَّت الكفَّارة؛ لشبهه بالبهيمة، ولما تعذَّر القصاص في العمد أشبه الخطأ فاستُحِبَّت الكفارة.
ولأن الكفارة إما زاجرة أو جابرة، وعلى التقديرين فتحسن في العمد؛ لأنه موضع زجر وجبر، وفي الخطأ؛ لأنه موضع الجبر.
ويُضرب في العمد مئةً، ويُحبَس سنَةً.
لأنَّ رجلا قتل عبده متعمدا «فجلده رسول الله ﷺ مئةً، ونفاه سنةً»، خرجه الدار قطني (١).
ولأنه لما سقط القصاص عنه أشبه سقوط الرجم عن الزاني؛ لكونه بكرا، والزاني البكر يُجلد مئةً ويُحبَسُ سَنَةً، فكذلك هذا.
ت: قال أبو حنيفة: يُقتل بعبد غيره.
لنا: الحديث المتقدم.
وقوله ﵇: «لا يُقتل حُر بعبد» (٢).
وقياساً على عبد نفسه، وقياسًا على الأطراف، فإِنَّ الحُرَّ لا يُقتص منه إذا قطعها من العبد.
والقيمةُ يومَ القتل لا يومَ الحكم. ويحلف السيد مع الشاهد الواحد، ويستحق القيمة؛ لأنه مال.
стр. 3043
وقال أبو حنيفة لا يتعدى دية الحر. لنا: أنه مالٌ، كالفَرَس.
وإذا قتل المسلم ذميًّا ضُرِب مئةً وحُبس سنة (١).
وقال عبد الملك: يؤدَّب ولا يُضرب مئةً، ولا يُحبس عامًا (٢).
وقال المغيرة: إذا كان القاتل عبداً فلا حبس عليه، ويُجلد مئة (٣).
ص: (إن قطع يده، أو رجله، أو فقأ عينه؛ فعليه ما نقص من قيمته).
ت: اتفق العلماء على أنه لا قصاص بين الحر والعبد في الأطراف.
قال القاضي عبد الوهاب: إلا من لا يُعتد بخلافه.
وقياسًا على البهائم، بجامع المالية (٤).
هذا إذا لم تبطل الجنايةُ جُلَّ منافعه والغرض المقصود منه، وإلا ضمنه كله، فإن بقيت منافع حقيرة ضمنه؛ قياساً على تلف الكلّ.
ص: (في مأمومته ثلث قيمته، [وفي جائفته] (٥)، وفي مُنقَلَته عُشر ونصفُ عُشر قيمته، وفي مُوضِحَتِه نصفُ عُشرِ قيمته، وفيما سوى ذلك من
стр. 3044
جراحه وقطع أصابعه وأعضائه ما نقص من [قيمته] (١).
وقال الشافعي: في اليد والعين ونحوهما بقدر ذلك من قيمته.
لنا: أنه مال، فيقاس في ذلك على البهائم.
والفرق بين هذا والجراح الأربع المتقدمة: أنها قد تبرأ على غير شَينٍ، فلو لم يجعل فيها ذلك لسقطت، بخلاف بقية الأعضاء.
وإذا جَرحَ العبد جرحًا عمدًا أو خطأ، فبرئ من غير شَينٍ؛ فلا شيء فيه.
ت: لأن الواجب القيمة، وهي تبع للقيمة يوم الجناية إذا تعقبت نقصا، ولا نقص فلا قيمة.
قال عبد الحق في (النكت): إذا اختار أَخْذَ سلعته وأخذ نقصها، وقد جُنِي عليها جنايةٌ كبيرةٌ أو يسيرة، إن كانت ثوبًا أَخَذَ ما نقص بعد أن يُرفأ له، إن كان مما يصلح فيه الرفو، أو يُخاط إن كان مما تصلح فيه الخياطة، أو يُشعَبَ إن كانت قصعة، أما الحيوان فليس على الجاني غُرمُ ما نقص بعد أن يداوي ذلك.
والفرق: أنَّ المداواة غير منضبطة في الإنفاق، وغير معلومة العاقبة، ولعلَّ الحيوان يؤول أمره إلى ما هو أشد، بخلاف الرفو ونحوه معلوم منضبط (٢).
ص: (إذا كان في جائفته شَينٌ فهل يزاد على قيمته لأجل الشين أم لا؟
رواتان).
стр. 3045
ت: أكثر [أصحابه] (١) على الرواية الأولى؛ قياساً على سائر الجراح، ولأن الزائد جناية أخرى، فلها جابر آخر.
وجه الرواية الأخرى: قوله ﵇: «في الجائفة ثُلُثُ الدِّية، وفي المأمومة ثُلُثُ الدِّية، وفي المُنَقَّلة خمس عشرة من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل» (٢)، مع علمه ﵇ أنَّ الشَّيْن قد يحصل.
ولقصور حرمته عن حرمة الحر، فيزاد في الحر دونه.
* * *
стр. 3046
كتاب الديات
الدية على أهل البادية مئة من الإبل، أرباع في العمد: حقاق وجذاع وبناتُ لبون وبناتُ مَخاض، وفي الخطأ أخماس عشرون من كل صنف، والخُمس الزائد بنو لبون ذكور، وفي التغليظ أثلاث ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذْعة، وأربعون خَلِفَة - وهي التي في بطونها أولادها - غير محدودة أسنانها، والتغليظ في قتل أحد الوالدين ولده على وجه يُقارب الشبهة.
ت: كتب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: «في النفس مئة من الإبل»، خرجه «الموطأ» (١).
فتكون في العمد أرباعاً؛ لأنه أقل ما يتناوله الاسم.
وقال الشافعي: أثلاث، كالمغلظة.
وروى مالك عن ابن شهاب، وسليمان بن يسار، وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم كانوا يقولون: دِيَةُ الخطأ أخماس (٢)، كما تقدم.
ورؤي عن رسول الله ﷺ أيضا (٣).
قال ابن نافع في «المجموعة»: إنما تكون أرباعًا في العمد إذا قبلت مبهمةً،
стр. 3047
فإن اصطلحوا على شيء فهو ماضٍ (١).
قال ابن المواز: إذا اصطلحوا على مُبهَمَةٍ، أو عفا بعض الأولياء؛ فرجع الأمر إلى الدية، فهي مثلُ دِيَةِ الخطأ؛ لأنَّ الدية على الإطلاق أصلها إنما هو في الخطأ (٢).
وقال أبو حنيفة: أخماس، والخُمس الزائد بنو مخاض ذكور.
لنا: ما تقدم.
ولأنه [سن] (٣) لا يؤخذ في الزكاة فلا يؤخذ في الدية، كالثنايا.
ودية [جرح] (٤) الخطأ مخمسة.
فإن كان أقل من خمس من الإبل، كالأَنمُلَة:
قال مالك: يشارك في هذه الأسنان الخمسة، له ثلاثة أبعِرَةٍ وثلث، ثُلُثَا بعير من كل سنّ (٥) يكون فيه شريكا (٦).
وإنما كانت دية المغلظة أثلاثًا لما رواه مالك: أنَّ رجلا من بني مُدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه، فنُزِيَ في جرحه فمات، فذكر ذلك سراقة بن جُعْشُم لعمر بن الخطاب، فقال له عمر: اعدد على ماء قديد عشرين
стр. 3048
ومئة بعير حتى أقدم عليك، فلما قَدِمَ عليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين جذعةً، وثلاثين حقةً وأربعين خَلِفَةً، ثم قال: أين أخو المقتول؟ فقال: ها أنذا، فقال: خذها فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «ليس للقاتل شيء» (١).
قال مالك: إذا حذف الأب ابنه بالسيف أو بسكين، فأبان له عضوا [أو] (٢) قتله؛ لم يقتص منه، بل الدية المغلظة؛ لفعل عمر ذلك، بخلاف الأجنبي؛ لأنه لا يُتَّهم، بخلاف الأجنبي، بل يُحمل على أنه أراد تهديده (٣).
قال مالك: وتجب على الأب في ماله حالةً، كانت الثلث أو أقل أو أكثر (٤)؛ لأن العاقلة لا تحمل إلا الخطأ المحض.
وقال أشهب وابن عبد الحكم وعبد الملك: على العاقلة (٥)؛ لأنها في قتل لا قود فيه، فأشبه الجائفة والمأمومة.
ص: (الدية على أهل الذهب - وهم أهل مصر والمغرب - ألف دينار، وعلى أهل الورق - وهم أهل العراق وفارس وخُراسان - اثنا عشر ألف درهم).
ت: لأن عمر بن الخطاب ﵁ قَوَّم الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم بمحضر من المهاجرين والأنصار، ولم
стр. 3049
يُنكر عليه أحد.
وقال الشافعي: قيمةُ الإبل، قلت أو كثرت.
لنا: أنَّ الإبل في الدية أصل، فكان النقدان فيها أصلا، كالزكاة.
قال أصبغ: أهل مكة والمدينة الآن أهل ذهب، وأهل الإبل هم أهل العمود والبادية (١).
قال مالك: ولا يُقبل من أهل صنف غير صنفهم.
قال الأبهري: ولأنَّ كلَّ قوم إنما يُلزمون بالدية فيما يملكون من الأموال؛ لأنَّ تكليفهم غيره مشقة عليهم.
* ص: (إذا وجبت الدية المغلظة على أهل الذهب والوَرِق ففيها روايتان: إحداهما: أنها لا تغلظ.
والأخرى: أنها تغلظ، وفي كيفية تغليظها روايتان:
إحداهما أنها تقوم الدية المغلظة من الإبل، فيُلزم أهل الذهب والورق قيمتها، بالغةً ما بلغت، ما لم تنقص عن ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم.
والأخرى: أنها تقوم دية الخطأ ودية التغليظ، ويُنظر ما بينهما من القيمة، فيزاد (٢) على دِيَةِ الذهب والورق).
ت وجه عدم التغليظ: أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم لم يقوموا دية
стр. 3050
التغليظ، والتغليظ إنما هو بالسن، ولا يتصور إلا في الإبل، والتغليظ في النقدين إنما هو بزيادة العدد، وهو غير جائز.
وجه التغليظ: أنها نوع من الدية، فيلحقها التغليظ، كالإبل.
ولأنه وجب جبرًا من أجل القتل، وذلك موجود في النقدين.
ووجه التغليظ بإلزام الزائد لإحدى الديتين على الأخرى: أنَّ الألف دينار لما ساوت المئة من الإبل في الخطأ وجب أن يكون الزائد عليها في دية الخطأ هو الزائد عليها في النقدين، ولولا ذلك لسَقَطَ التغليظ؛ لأن قيمة الإبل قد تكون أقل من دية النقدين.
قال عبد الحق: تقوم دية الخطأ والتغليظ أن لو كانت حالة حاضرة الآن، ولو روعي التأجيل لَرُوعِيَ في المغلظة كونها على فقير أو مليء، ودِيَةُ الخطأ منجمةٌ مأمونة على العاقلة، فقد تزيد قيمتها على المغلظة أن لو صنعنا ما ذكرناه، وليس بصحيح.
قال بعض القرويين: على قول مالك: إذا جَرَح الأب ابنه جرحا لا قصاص فيه يُغلظ؛ لأنه لما سقط الأدب عنه كان التغليظ بدله (١).
ووجه القول الآخر: أنها دِيةٌ تعذَّرت فيُعدل لقيمتها، كسائر ما تؤخذ فيه القيم.
ص: (دية الخطأ على العاقلة).
ت في مسلم: أنَّ امرأةً ضربت ضَرَّتَها بعمود فسطاط وهي حُبلى،