← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ص: (يجب على من لاط الرجم، وكذلك المفعول به (١)، أُحصِنَا أم لا). ت في أبي داود: قال رسول الله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قومِ لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (٢). وفي حديث: «أُحصنا أو لم يُحصَنَا». وبه حكم الصديق ﵁. ولأنه أشد من الزنا؛ لأنه لا يباح بعقد، والزنا يستباح بالعقد، فلذلك لم يُلحق بالزنا، فيرجمان إذا كانا حرّين بالغين. ولا يثبت إلا بما يثبت به الزنا: من الإقرار أو البينة أربعة. وقال أبو حنيفة: لا حد فيه، بل التعزير. وقال الشافعي يُجلد البكر، ويُرجَمُ الثيب، كالزنا. لنا: ما تقدم. وقال أبو حنيفة: يثبت بشاهدين؛ بناءً على أنه ليس بِحَدِّ. لنا: القياس على الزنا، بل هو أفحش، كما تقدم. فإن كانا عبدين: قال ابن عبد الحكم: يُرجمان (٣)

стр. 3117

وقال أشهب: يُجلَد كلُّ واحدٍ خمسون (١)؛ لأنهما لا يُرجَمان في الزنا. قال ابن القاسم: لا صداق على الفاعل في طوع ولا إكراه، فإن كان المفعول به مكرها أو صبيا لم يُرجَم، ورُجم الفاعل. قال: وليس في مساحقة المرأة المرأةَ حَدٌ، بل اجتهاد الإمام (٢). وقال أصبغ: [تُجلَد] (٣) كلُّ واحدة خمسون، وعليهما الغُسل إن أنزلا (٤). وقاله ابن وهب (٥). ص: (من أتى بهيمة فعليه العقوبة، ولا تُقتل البهيمة، ولا بأس بأكلها). ت قال ابن شعبان عليه الحد (٦). وعن الشافعي كقولنا. وعنه: يُقتل. وعنه: إن كان بكرًا جُلد وإلا رُجِم، كالزنا. لنا: أنه معنى يوجب الحد في الآدمي، فلا يوجبه في البهيمة، كالقتل والقذف، ويعاقب لفعل المحرم.

стр. 3118

ولا تقتل البهيمة؛ لنهيه ﵇ عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة (١). وإذا ذُبحت؛ جاز أكلها إذا كانت مما يؤكل إذا ذُكِّي. وللشافعية في ذلك قولان. لنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]. ولأنه أولج فيها جزءا منه، فلم تحرم به، كأصبعه. وما روي عنه ﵇: «مَنْ أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه» (٢)، فغير ثابت. * * *

стр. 3119

كتاب القذف ومَن قَذَفَ حُرًّا مسلمًا بالغًا عاقلا عفيفا بالزنا أو اللواط؛ فعليه الحد ثمانين إن كان حرًا، أو أربعين إن كان عبدًا، مسلما كان أو كافرًا، ولا حد على من قذف مجنونًا ولا مجبوبًا ولا خصيًّا ولا عبداً ولا كافرًا ولا صبيًّا صغيرًا. ت لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، ونابَ ذكر النساء عن ذكر الرجال، ولا خلاف في التسوية. وللحد تسع شروط (١): اثنان في القاذف، وخمسة في المقذوف، واثنان في المقذوف به. ففي القاذف: العقل والبلوغ؛ ليحصل التكليف بالحد. وفي المقذوف: البلوغ، [والعقل] (٢)، والحرية، والإسلام، والعفة عما رُمِيَ به. فالأولان لأنَّ الحد إنما كان لدفع المعرَّة، والصبي والمجنون لا يصح الزنا منهما، فلا معرَّة عليهما، هذا إذا كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه، لا يتخلل ذلك إفاقة. فإن بلغ صحيحاً ثم جُنَّ، أو يُجَنُّ مرَّةً ويفيق أخرى؛ فيُحَدُّ قاذفه.

стр. 3120

والبلوغ إنما يُعتبر في الذكر. وأما الأنثى فإن كانت في سنّ مَنْ لا توطأ فلا يُحَدُّ قاذفها؛ للقطع بكذبه، فلا معرة عليها. أو في سنّ من توطأ: فقال مالك: يُحَدُّ قاذفها (١)؛ لأنَّ عليها في ذلك معَرَّةً، ولا يُستَخَفَّ منها كما يُستَخَفَّ من الصبي. وقال [عبد الملك] (٢): لا يُحد (٣). وأما الحرية، فلأنَّ حُرمة العبد ناقصة، كالكافر. وأما الإسلام؛ فلأن الكافر ناقص. وأما العفة، فلقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]. والإحصان هاهنا العفّة، ولأنَّ غير المتعفف معرَّتُه ثابتةٌ قبل القذف، فلم يكن للقذف تأثير. والعفة: أن يكون عفيفًا عمَّا رُمي به من الفاحشة، أما عِفَّتُه عن غير ما رُمِي به فلا تشترط. ويُشترط في المقذوف به أن يكون وطئًا يَلزَم به الحد، وهو الزنا، أو

стр. 3121

اللواط، أو نفي نسبه عن أبيه فقط، إن كان يتأتى منه الوطء، بخلاف الخَصِيّ والمجبوب؛ لأنه لا معرَّة عليهما؛ للعلم ببرائتهما. فإن كان مقطوع الأنثيين قائم الذكر فينبغي أن يُحَدَّ قاذفه؛ لتصور الوطء ولحوق المعرة. وقد اشترط الله تعالى في تخلّصه من القذف أن يأتي بأربعة شهداء (١)، والأربعة لا تكون إلا في الزنا واللواط فلذلك شرطنا أحدهما. ص: (من نفى رجلًا أو امرأةً عن أبيهما حُدَّ ثمانين إن كان حرًا، أو أربعين إن كان عبدا). ت: لأنه رمى الأم بالزنا، وتلحقه المعرَّة بنفيه عن أبيه، كما تلحقه في الزنا؛ لأنَّ معرَّة الزنا تزول بالتوبة، وكونه ابن زنا لا يزول، كانت الأم أمةً أو نصرانية؛ لأنَّ الحد إنما هو لحق المقذوف لا لأمه، إذا كان هو حُرًّا مسلما وإن كان أبواه كافرين أو عتيقين. فإن كان الولد عبداً أو نصرانيا لم يُحَدَّ قاذفه وإن كان أبواه حُرين مسلمين. وإن كان جميعهم عبيدا فلا حد، أو جميعهم أحرارًا حُدَّ للولد؛ لقطع نسبه، وللأم؛ لأنه قذفها، فإن عفا أحدهما قام الآخَرُ [بحده] (٢) ويجزئ [في الجميع] (٣) حد واحد، كمن قذف رجلًا وقطع نسب آخر.

стр. 3122

فإن كان الابن وحدهُ حُرًّا حُدَّ له وحده، فإن عفا سقط الحد، ولم يكن لأحد أبويه القيام به، ونُكَلَ لهما، فإن مات الابنُ قبل الحد له انتقل [الحقُّ] (١) لأبيه. وإن كانت الأم وحدها حُرَّةً فالحق لها خاصةً؛ لقذفها. أو الأب وحده حُرًّا [لم يكن له ولا لولده ولا لزوجته] (٢) قيام بحد؛ لأنه قطع نسب عبد وقذَفَ أمَةً. أو الابن والأم حرين حُدَّ لهما. أو الابن والأب حُرين حُدَّ لقطع النسب خاصةً. أو الأبوان حُرَّين حُدَّ لقذف الأم، فإن عفت لم يكن للأب قيام. فإن قال: لست ابنَ فُلانٍ، لِجدّه، وقال: أردتُ: لستَ ابنه لصلبه بل دونه لك أب؛ قال مالك: لم يُصدَّق، ويُحَدُّ، كان جده مسلما أم لا؛ لأنه قطع نسبه (٣). ص: (من عرض بالقذف أو النفي؛ فعليه الحد) (٤). ت: لأنه يُفهم منه القذف، كالصريح، وقاله الفقهاء السبعة. وإن كان من الأب لولده لم يُحَدَّ إلا أن يصرح.

стр. 3123

وفي «الموطأ»: تساب رجلان في زمن عمر ﵁، فقال أحدهما: والله ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية، فاستشار عمر في ذلك، فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد، فجلده عمر ﵁ (١). قال الله تعالى حكايةً عن قوم شُعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، ومرادهم غير ذلك، ولو كان عندهم حليما ورشيدا لاتبعوه، ومعلوم من الإنسان أنه لا يريد مدح من يخاصمه. ص: (من نفى رجلًا عن أمه فلا حد عليه). للعلم بكذبه، فلا يَلحَقُ الولدَ مَعَرَّةٌ، بخلاف نفيه عن أبيه يحتمل أن يكون من غيره، فلحقت المعرة. ت: إن قال له: يا ابن السوداء، وأمه بيضاء: قال مطرف: يُحد؛ لأنه حمل أباه على غير أمّه، وجعله [لِزَنية] (٢) (٣). وقال عبد الملك: لا حد عليه (٤). ص: (إن قذف رجلًا مرارًا، فحد واحد (٥)، أو شرب الخمرَ مِرارًا، أو زنا مرارا، أو سرق مرارًا، فحَدُّ واحد لكل نوع، وإن قذف جماعةً في كلمة واحدة

стр. 3124

أو كلماتِ؛ فحدٌّ واحدٌ). ت: تتداخل الحدود من الجنس الواحد، كالأحداث في الطهارة، ولا تأثير لما عدا الأول، وبأَوْلِ نقطة من الخمر وجب الحد، وبأَوَّل الإيلاج، وما بعد ذلك يندرج، وهو متفقٌ عليه. أما الجماعة: فقال مالك: إذا قام به واحدٌ فضُرب له كان للكل (١). وقال الشافعي: لكلّ واحدٍ حدٌّ؛ لتعدّد الحقوق. لنا: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ﴾ الآية [النور: ٤]، ولم يفصل بين أحوال الرمي. وقياساً على الكلمات في الرجل الواحد، ولأنَّ المعرة ترتفع عنهم بحدّ واحد، أو شُرِعَ لتكذيب القاذف؛ فإذا حُدَّ فقد ثبت كذبه. وبقية الجنايات يكفيها حدٌّ؛ لأنَّ المقصود الردع، وهو حاصلٌ به، إلا أن يتكرّر فعلٌ بعد الحد، فيعاد الحد، وكذلك من وطئ مراراً بشبهة، ففيه - وإن تكرّر مراراً - صداقٌ واحدٌ اتفاقاً، فكذلك هذا (٢). ص: (إن سرق وزنا فعليه حدّان). ت: إذا كان الزاني غيرَ مُحصَن، وإلا رُجم ولم يُقطع؛ لدخول العضو

стр. 3125

في القتل، ولا يُتَّبع بقيمة السرقة [إن كان مُعدما] (١)، أو حصل له مال بعد السرقة، إلا أن يُعلَم أنه كان له يومَ سَرَقَ. ولا يُقطع؛ لاندراج اليد في القتل، فإن سَرَقَ وحاربَ، ورأى الإمام قطعه في الحرابة؛ دخَلَ قطع السرقة في قطع الحرابة، أو ضربه ونفيه؛ أقام الحدين، أو قتله؛ لم يُقطع للسرقة. ص: (إن زنا وقذَفَ؛ فعليه حدَّان). ت: قاله ابن القاسم (٢)؛ لتباينهما. وقال عبد الملك: يُحَدُّ للزنا وحده، ويندرج حدُّ القذف (٣). ص: (إن قذَفَ وشرب خمرا فحد واحد). لتماثلهما (٤). ولأنه إنما حُدَّ في الشرب؛ لأنه يؤدي للقذف. ص: (ولا شفاعة في حد إذا انتهى إلى الإمام، ويجوز عفو المقذوف قبل البلوغ للإمام ولا يجوز بعد ذلك إلا أن يريد المقذوف بذلك الستر (٥) على نفسه).

стр. 3126

ت: لا خلاف عندنا أنَّ المقذوف له العفو قبل بلوغ الإمام؛ لما في «الموطأ»: أنَّ صفوان بن أمية نام في المسجد وتوسد بردائه، فجاءه سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به لرسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال رسول الله ﷺ : «هلا قبل أن تأتيني به» (١)، وهو يدلُّ على جواز ذلك قبل وامتناعه بعد. قال ابن مزين: معناه: هلا تركته قبل ذلك (٢). وفي «الموطأ»: أنَّ الزبير بن العوام لقي رجلا معه سارق، فشفع فيه، فقال له: لا، حتى أبلغ به إلى السلطان، فقال له الزبير: إذا بلغت به إلى لسلطان فلعن الله الشافع والمشفوع (٣). وعن مالك: له العفو وإن لم يُرِد سَترا. ومنشأ الخلاف: هل هو حق الله تعالى فيمتنع، أو للمقذوف، فيجوز كالدين. ولم يختلف في جواز العفو إذا أراد سترا على نفسه، وذلك بأن يخاف أن يثبت ذلك عليه إن لم يعفُ، بأن يسأل الإمام عن ذلك سرًّا، فإن أُخبر أنَّ ذلك قد سمع أجاز عفوه. والصحيح أنه من حقوق المقذوف، بدليل أنه يورث عنه.

стр. 3127

ووجه القول الآخر: أنه يتعلق به حق الله تعالى، من رد شهادة القاذف، ولزوم التفسيق له بالحد، فلا يجوز العفو إذا بلغ الإمام. فصل: ومن شرب خمرًا أو شرابًا مسكرًا؛ فعليه الحد ثمانون، سكر أم لا، ولا يُحبس ولا يُنفَى. ت: لما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في حد الشرب قال علي ﵁: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وفي الفرية ثمانون، فاجلدوه حد المفتري (١). وضرب عمر ثمانين (٢). ويقام بمعاينة الشرب، وبالرائحة توجد من فيه أنها رائحة خمر، وإذا تقيأها. وجلد عمر ﵁ في القيء وقال: والله ما قاءها حتى شربها (٣). وإن أشكل الأمر في الرائحة ورُجّح أنه خمر - لِغَيبة عقله - حمل على أنه خمر، وإلا فلا. قال عبد الملك: ويُختبر بالقراءة التي لا يُشك في معرفته إياها من السُّور القصار، فإن غلط ولم يُحسن القراءة؛ حُدَّ (٤)، وإن لم يختلط كلامه، ولا رائحة عليه؛ لم يُحد. وفي مسلم: أمر رسول الله ﷺ أن يستنكه ماعز هل شرب خمرا أم لا (٥).

стр. 3128

قال ابن القاسم: الاستنكاه من رأس الفقه (١). واتفقوا في الحد في قليل الخمر وإن لم يُسكر، فلنا القياس عليه. ص: (إن شرِبَ مِرارًا فحد واحد). ت: لأنَّ الحدود تتداخل إجماعاً. ص: (والجلد في الحدود كلها سواء في الإيجاع، ويُضرب المحدود بسوط لين، لا جديد ولا خَلَقٍ بال). ت: وقال أبو حنيفة: ليست سواءً. لنا: أنها جلد، فتستوي في [الصفة] (٢). ت: كالتساوي في الجنس، ولأنَّ الفرق يحتاج لدليل، والأصل عدمه. قال ابن شعبان: لا يجلد في الحدود إلا عدل (٣). وقاله مالك في «المبسوط» (٤). ولا يضع سوطًا على سوط، ويعطي كل عضو حقه من الجلد، إلا الوجه والفرج. قال ابن القاسم: يُضرب على الظهر، ولا يعرف مالك الأعضاء (٥)؛ لأنه

стр. 3129

لما قذَفَ رجل زوجة هلال بن أمية بشريك بن سَحْماء قال له رسول الله ﷺ : أربعة، وإلا حد في ظهرك، أخرجه «الصحيحان» (١). وفي «الموطأ»: اعترف رجل على نفسه بالزنا، فدعا له رسول الله ﷺ بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: «فوق هذا»، فأتي بسوط جديد لم تُقطع ثمرته، فقال: «دون هذا» (٢). قال عيسى بن دينار وثمرته: طرفه (٣)، محدَّد لم تنكسر حِدَّتُه - فأُتِي بسوط قد رُكِب به ولانَ، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، [فاقتضى هذا أنه لا يُضرب] (٤) إلا بسوط بين سوطين (٥). قال مالك: ولا يضرب بقضيب ولا دِرّة، وإنما كانت درة عمر للأدب، فإذا وقعت الحدودُ قَرَّبَ السوط. ص: (يُجرد الرجل لضرب الحد من ثيابه، ولا تجرد المرأة، ولكن يُنزع عنها من الثياب ما يقيها ألم الضرب، مثل الحباب والفراء وما أشبه ذلك من الثياب). لأن جسدها عورة. ت ولا تكشف عورة الرجل، وتقعد المرأة في قُفَّة، ويُجعل فيها تراب.

стр. 3130

ص: (يُضرب الرجل والمرأة قاعدين، ويُترك لهما أيديهما، ولا يُشدَّان ولا يُمَسَّكان، إلا أن يهربا ولا يمكنا من إقامة الحد). لأنَّ الله تعالى أمر بالحد، ولم يأمر بالإمساك ولا القيام، ويُخشَى مع القيام انكشاف العورة. وقد قال عليٌّ ﵁: اضرب ودع له يديه يتقي بهما (١). ص: (إذا وجب على المرأة حد أو قتل، وهي حامل حملا ظاهرًا (٢)؛ أُخِّرت حتى تضع حملها، فإن ادعته أُخِّرت حتى تحيض أو يظهر حملها). ت في «الموطأ»: أنَّ امرأةً أخبرت رسول الله ﷺ وهي حامل أنها زنت، فقال لها ﵇: «اذهبي حتى تضعيه»، فلما وضعته [جاءته] (٣) فقال لها ﵇: «اذهبي حتى ترضعيه»، فلما أرضعته جاءته، فقال لها ﵇: «اذهبي فاستودعيه»، قال: فاستودعته ثم جاءت، فأمر بها فرُجمت (٤). ولأنه لا يجوز قتل الجنين بجناية الأم، كان الحد رجما أو جلدا؛ لأنَّ الجلد يُخشى منه الطَّرح. فإذا وضعت أُخِّرت مدَّةِ نِفاسها - لأنها مريضة - إن كانت بكرًا، وإلا رُجمت ولم تُؤخّر، إلا أن لا يوجد لولدها من يرضعه، فتؤخّر حتى ينفطم، وإن

стр. 3131

عُلم براءتها من الحمل لم تؤخر، وإن شُكَّ أُخّرت ثلاثة أشهر من يوم زنت، هذا إن مضى لها من يوم الزنا أربعون يوماً، فإن لم يمض لها أربعون يوماً جُلِدت أو رجمت ولم تؤخر؛ لأنَّ النطفة تقيم نطفة أربعين يوما، إلا أن تكون ذات زوج فيسأل (١)، فإن قال: استبرأتُها حُدَّت، وإن قال: لم أستبرئ فله الخيار في حقه في الماء، فيطلب التأخير حتى يظهر حمل أم لا، أو يُسقط حقه فتحَد. * * *

стр. 3132

كتاب السرقة (من سرق ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو عَرْضًا يساوي [ذلك] (١)؛ قُطع إذا سرقه من حرزه، وأخرجه إلى غيره). ت: أصل ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» (٢). وكانوا يرون البيضة بيضة الحديد، والحبل ما يساوي دراهم. وأجمعت الأمة على القطع في السرقة، وإنما الخلاف في التفاصيل. وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ : «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» (٣). وفيه أيضا: «قطع ﵇ في مِجَنِّ قيمته ثلاثة دراهم» (٤).

стр. 3133

وفي «الموطأ»: سرق سارق أترُجَةً، فأمر عثمان بها فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار، فقطع يده (١). واتفق العلماء على اشتراط الحرز، ولقوله ﵇: «لا قطع في ثمر معلق، ولا في حَرِيسة جبل، فإذا آواه المُراح أو الجَرِين؛ فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» (٢). قال مالك: يعتبرون وزن الذهب دون قيمته، فإن كان ربع دينار؛ قُطع، وإن كان قيمته درهم، وإلا فلا، وكذلك الفضة، وإنما يقوم غير النقدين (٣). قال ابن دينار: الحُلِيُّ كالنقدين يُعتبر وزنه دون قيمته (٤)؛ لأنَّ النقدين رؤوس الأموال وقِيمُ المتلفات. وإذا سرق ثلاثة دراهم، فإن نقص كل درهم ثلاث حبات، وهي تجوز بجواز الوازنة، فلا قطع حتى يتم الوزن. قال مالك: إنما يُقطع بتقويم عدلين أن قيمتها ثلاثة دراهم، لا بمقوم واحد. قال بعض أصحابنا: إنما تقوم بالدراهم إذا كان البلد إنما تباع فيه العروض بالدراهم خاصةً، أما بها وبالدنانير فإذا بلغت ثلاثة دراهم أو ربع دينار؛ فإنه يقطع وإن لم تساوي ربع دينار.

стр. 3134

وقاله الأبهري (١)، وابن يونس. قال عياض في «التنبيهات»: قول مالك: إنما الأشياء تقوم (٢) بالدراهم، كانت العادة الدراهم أم لا أوَّلَه بعضُهم - وهم الأكثر - بما إذا كانت المعاملة بها، وإن كانت المعاملة بالدنانير فبالدنانير، وإن كانت المعاملة بهما جميعاً فالتقويم بأكثرهما معاملةً؛ كسائر التقويمات (٣). وقاله الباجي (٤). قال اللخمي: ويؤيد هذا قول مالك إذا سرق دهنًا فدهن به لحيته، فقال: يُقطع إذا كان قيمته إن سُلتَ رُبع دينار (٥). فهذا تسليم منه أن القيمة تكون بالذهب. ص: (أول ما يُقطع من السارق يده اليمنى، وتكوى بالنار، ثم الرّجلُ اليسرى). ولا خلاف في هذا. ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، فإن سرق بعد ذلك ضُرب وحبس. ت: وقاله الشافعي.

стр. 3135

وقال أبو حنيفة: لا تُقطع في السرقة إلا رجل واحدةٌ ويد واحدة. لنا: «أنَّ رسول الله ﷺ أُتِيَ بسارق سرق ثالثةً، فَقَطع يده اليسرى، ثم أُتِيَ به رابعةً، فَقَطَع رجله اليمنى» (١). وقال ﷺ : «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله». ولأنها أعضاء يدخلها القصاص فيدخلها قطع السرقة؛ كاليد اليمنى. وقطع الصديق ﵁ اليدين والرجلين في السرقة من خلاف. ولأنَّ الله تعالى أمر بقطع أيدي المحاربين وأرجلهم من خلاف؛ لسعيهم في الأرض بالفساد، والسرقة من الفساد في الأرض، وإنما تُقطع اليد من الكوع إجماعاً، والرّجلُ من المَفصِل الذي في أصل الساق عند الجمهور. وقال أبو مصعب من أصحابنا: يُقتل في الخامسة. وروي في ذلك حديث غير صحيح، وقد قال ﵇: «لا يَحِلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» (٢) (٣). وقياسًا للخامسة على الأولى في عدم القتل. وإنما حسمت بالنار لئلا [يُفضي] (٤) إلى قتله؛ لأنها إذا تركت تعدى ضررها.

стр. 3136

فإن كانت اليمنى قد قُطعت في قصاص أو غيره: قال مالك وابن القاسم: تُقطع رجله اليسرى (١). ورجع مالك إلى يده اليسرى (٢). وقاله ابن القاسم في «الموازية»؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (٣). ولأنَّ اليد هي الجانية، ويُقتصر بالرجل على مورد السنَّة. ثم اختار ابن القاسم الأوّل (٤). فإن كانت اليمنى شلاء: قال مالك: تُقطع اليد اليسرى (٤). ووقف مرة (٤). وقال ابن القاسم: الرجل اليسرى (٥). وقال أبو مصعب: تُقطع الشلاء. وقال ابن وهب: تُقطع إن كان ينتفع بها. فإن ذهب من يده إصبع؛ قُطعت كما في القصاص (٦).

стр. 3137

فإن ذهب منها ثلاثة أصابع؛ قُطعت الرجل اليسرى (١). واختلف في إصبعين: فعن مالك: تُقطع رجله اليسرى (٢). وعنه: إن ذهب أكثرها؛ لم تُقطع (٣)، أو بقي أكثرها؛ قُطعت، فعلى هذا تُقطع. فإن أخطأ الإمام فقطع شماله مع وجود يمينه: قال مالك: أجزأه (٤). وقال عبد الملك على الإمام عقلُ الشِّمال في ماله إن كان هو المخطئ، أو في مال القاطع إن كان هو المخطئ. وإليه رجع مالك بعد أن كان يقول: ما بلغ الثلث حملته العاقلة (٥). * ص: ([المراعى] (٦) في قيمة السرقة يوم أخذها لا يوم حدها). ت: لأنه وقتُ الجناية، كما لو زنا عبداً ثم عتَقَ، أو بكرًا ثم أُحصن. وقال أبو حنيفة: يوم القطع.

стр. 3138

ص: (إذا ساوت ثلاثة دراهم ولم تساو ربع دينار قُطع). ت: إن كان المسروق ذهبًا أو وَرِقًا نُظر لوزنهما دون قيمتهما من النقد الآخر، وقد تقدم الكلام على هذا. ص: (من نبش قبراً فسرق منه (١) كفنا يساوي ربع دينار فصاعداً؛ قُطع إن أخرجه من القبر). وقالت عائشة ﵂: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا. وقاله عمر بن عبد العزيز. ولأن القبر حرز للكفن عادةً، ولا يُنسب أحد لتضييع الكفن بتركه في القبر. وقال أبو حنيفة: لا يُقطع. ص: (ومن سرق من المغانم أو بيت المال فعليه القطع). لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ولأن الغنيمة إنما تُملك بالقسم، ولو كان في الغنيمة من يعتق عليه لم يعتق ما يَخُصُّه حتى يُقسَمَ ويصير في ملكه، ولو ورث بعض مَنْ يَعتق عليه لعتق قبل قسم الميراث؛ لِتَقَرُّرِ ملكه قبل القسم. وقال عبد الملك: لا قطع عليه حتى يسرق زيادة ربع دينار على سهمه؛ لأن له في الأصل شبهة الاستحقاق، كما لا يُقطع إذا سرق من مال أبيه.

стр. 3139

ص: (ومَنْ سرقَ أعجميًّا أو صبيًّا من حرزهما قُطِع). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يُقطع. لنا: ما في الدارقطني: «أنَّ رسول الله ﷺ أُتِيَ برجلٍ يسرق الصبيان ويبيعهم في أرض أخرى، فأمر به ﵇ فقُطِعت يده» (١). ولأنه غير مميز، فأشبه البهيمة، ولأن ضرر ذلك أشدُّ من ضرر المال، وإباحة للفروج بغير حق إن كانت صبيَّةً، وقاله الفقهاء السبعة. قال ابن القاسم وأشهب: إنما ذلك في الصبي الذي لا يميز ما يراد منه، والذي يعقل ذلك لا قطع فيه (٢). وقال عبد الملك: لا يُقطع في الصبي؛ لأنه لا يتقوم ولا هو مال (٣). قال مالك: إن سرق عبدًا صغيرًا، قطع (٤)، قياسًا على البهيمة. وكذلك العجمي، دون الكبير الفصيح. قال أشهب: هذا إذا كان الأعجميُّ لا يعرف ما يراد منه، وإلا فلا يُقطع (٥). وقال ابن نافع: إن راطنه بلسانه حتى خرج طوعاً؛ لم يُقطَع (٦). قال اللخمي: يريد: إذا وافقه على الذهاب، أما لو قال له: سيدك بعثني

стр. 3140

لآتيه بك؛ لقطع (١). ص: (لا قطع في تمر معلَّق ولا حريسة جبل، فإذا آواها المراح أو وضع التمر في الجرين؛ فعلى من سرق منه قيمة (٢) ربع دينار القطع). ت: لقوله ﵇: «لا قطع في تمر معلَّق ولا في حَرِيسَةِ جبل، فإذا آواها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن»، خرَّجه مالك (٣). وفي النسائي: قال ﵇: «لا قطع في تمر ولا كَثَر»، والكَثَر: الجُمَّار (٤). قال ابن المواز: إنما ذلك في الحوائط والبساتين، أما نخلة في دار ففيه القطع إذا بلغ قيمة التمر - على الرجاء والخوف - ربع دينار (٥). ولأنَّ الدار حرز لما فيها، بخلاف البستان، ولم توضع البساتين لحفظ الثمار، ولا لحفظ الشجر، وإنما الله تعالى يخلق الثمار فيها، والجرين والمراح يُقصد بهما الحفظ، والغنم في المراعي منتشرة في غير حرز؛ لأنه موضع مشترك. قال ابن القاسم: وحَرِيسةُ الجبل: كلُّ شيء يسرح للرعي من الأنعام كلها، الإبل وغيرها (٦).

стр. 3141

والكثر لأنه ليس مما أحرزه الإنسان وإنما هو شيء أخرجه الله تعالى، والقطع إنما يكون فيما أحرزه الآدمي وقصد به في ذلك الموضع الحرز. فإن وضع التمر أو الحَبُّ في الجرين، وغاب عنه ربُّه، وليس عليه باب ولا حائط: قال ابن القاسم: فيه القطع (١)؛ لأن ظاهر الحديث لم يفرق. وقال أشهب: إن كان في صحراء ولا حارس عليه؛ فلا قطع (٢)؛ لأنَّ غالب الجرين أن لا يكون في الصحراء، وإنما يكون بحضرة الحوائط، فكأنه بحضرة أهله، وفيه ورد الحديث. فإن عُلِّق التمر بعد قطعه على النخلة: فقيل: يُقطع؛ لأنه وضع باختيار الآدمي؛ كالجرين. وقيل: لا يُقطع؛ لأنَّ النخلة ليست موضع حرز؛ كالماشية في المرعى. فإن جمع الراعي الغنم من المرعى، فسرق منها وهو يسوقها لمُراحِها شاةٌ: قال مالك: القطع (٣)؛ لأنها بالخروج من المرعى ليست حريسة جبل. وقال أصبغ: لا يُقطع (٤)؛ لأنها لم يؤوها المراح.

стр. 3142

ص: (من دخل حرزًا ليسرق منه، فأُخِذ فيه قبل أن يخرج منه؛ فلا قطع عليه). لأنه لم يُخرج شيئًا من الحرز. ت: إذا جمع المتاع وحمله ولم [يَخرُج به] (١) لم يُقطَع. قاله ابن القاسم. وحكى ابن الحارث الاتفاق في ذلك؛ لأنَّ هتك الحرز لم يتم. ص: (من سرق من بيت من دارٍ فيها منازل مفترقة لناس شتّى، فأخرجه لساحة الدار؛ فعليه القطع، وإن كانت الدار لواحد فلا قطع عليه، حتى يخرج به من الدار كلها). ت: الدور ثلاثة: مشتركة مأذون فيها لساكنيها خاصَّةً، كدور مصر، كلُّ مَسكَن مستقل بنفسه، ويجمعهم الباب. ومأذون لجميع الناس، وهي مشتركة السكنى. ومأذون فيها لمن يدخلها وليست مشتركةً. فيقطع في الأولى إذا أخرجه للساحة؛ لأنه أخرجه من حرزه. وقال سحنون: وذلك إذا كان السارق من سكانها، وإلا لم يُقطع حتى يخرج

стр. 3143

به من الدار كلّها (١)؛ لأنَّ السكان يقصدون التحفظ ممن معهم بباب البيت، ومن الأجنبي بباب البيت وباب الدار، فلا يُقطع الأجنبي حتى يخرج من باب الدار. وقال ابن القاسم: إن نشر أحد من أهل هذه الدار ثوبه على ظهر بيته، وهو محجور عليه من الناس؛ قطع سارقه (٢)؛ لأن ظهر بيته كداخل بيته. وإن كان الثوب في صحن الدار: قال ابن القاسم: لم يُقطع إن كان السارق من أهل الدار، وإن خرج به من جميع الدار؛ لأنه أخذه من موضع مأذون له فيه، أو أجنبيًا؛ قُطِع إذا خرج به من جميعها (٣)؛ لأن جميعها حرز من هذا السارق. والدار الثانية كدار الأنماط بمصر، ينبغي أن يكون من سرق من بيوتها المحجورة عن الناس، وأخذ في قاعة الدار أن يُقطع، كان من سكانها أم لا، أو سرَقَ من قاعتها لم يُقطع، كان من أهل الدار أو غيرها. والقياس: إذا سرق منها ليلا أن يُقطع؛ لأنها تُغلق حينئذ ويرتفع الإذن. والدار الثالثة كدارِ العالم والطبيب، مَنْ سَرَقَ منها من بيت مغلق عن الناس، فأُخِذ في الدار قبل أن يخرج منها، لم يقطع، أو بعد الخروج؛ قطع. قال ابن المواز: لا يُقطع وإن خرج به من جميع الدار؛ لأنه ممن أُذن له في الدخول، فهو خائن (٤).

стр. 3144

وقوله: إذا كانت لواحد لا يُقطع حتى يُخرجه من الدار كلّها؛ لأنَّ إخراجه للساحة كإخراجه من زاوية في البيت إلى زاوية. ص: (إن أدخل يده إلى حرز فأخرج منه نصابًا، قُطع). لأن القطع لخروج المال، لا لخروج السارق. ولظاهر الآية. ولأنه هتك الحرز. ت: سواء أخرجه بيده أو عود (١). فإن استدعى الدابَّة بالعلف فخرجت له، فأخذها: فعن مالك (٢): لا يُقطع (٣). وعن ابن القاسم: يُقطع (٤). وكذلك الصبي الصغير يدعوه، فيخرج إليه (٥). وعن ابن القاسم أيضًا وأشهب: لا يُقطع في الدابة إذا نصب لها العلف (٦).

стр. 3145

ص: (إن دخل الحرز ورمى منه نصابًا إلى خارجه، وأُخذ في الحرز قبل خروجه؛ قطع). لأنَّ المطلوب خروج السرقة، لا خروج السارق. ت: وقال المغيرة: لا قطع عليه حتى يُخرجه هو بيده، أو يكون هو خارج الحرز ويُخرجه منه. قال اللخمي: والقطعُ أَبينُ. ص: (إذا كان أحد السارقين في الحرز، والآخَرُ خارجه، فأخرج الداخل للخارج المتاع؛ قطع الداخل دون الخارج). لأنه المنتهك للحرز. فإن أدخل الخارج يده فأخرج المتاع من حرزه؛ قطع الخارج دون الداخل. لأنه المخرج. ت: قال مالك في الأوَّل: يعاقب الخارج (١)؛ لإعانته على المعصية، بخلاف الجماعة يُخرجون الشيء جُملةً؛ لأنَّ أفعالهم متصلة، وهذان فعلاهما منفصلان. فإن أدخل الخارج يده للحرز فأعطاه الداخل المال فأخرجه: قال ابن القاسم: يُقطع الخارج وحده (٢)؛ لأنه المخرج، وفعل الداخل إنما

стр. 3146

هو كنقل المتاع من زاوية لزاوية أخرى. وقال أشهب: يُقطَعان (١)؛ لأنَّ الخارج لم يتمكن إلا بالداخل، فقد اشتركا. فإن اجتمعت أيديهما في وسط النَّقْب قُطِعا جميعًا (٢)؛ لتساويهما، كالجماعة إذا أخرجوا المتاع. ص: (إذا كان أحدهما على ظهر البيت، والآخَرُ أسفل، فناول الأسفل له المتاع فأخرجه من حرزه؛ قطع الأعلى، وأحسب في الأسفل روايتين). ت: لقوله تعالى: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣٨]، والأعلى هو المخرج للمتاع. قال الباجي: ولأنه ما دام على ظهر البيت فهو كما هو في سفله، وإنما الإخراج من الحرز بطرحه للطريق (٣). ومعنى قول ابن الجلاب: أخرجه من الحرز: أخرجه عن سقف البيت. قال مالك في «النوادر»: يُقطع الأعلى إذا رمى به للطريق (٤). وجه عدم قطع الأسفل: أن يده باينت السرقة قبل خروجها، وهو كالمناول

стр. 3147

في الحرز. وجه القطع: إعانته للأعلى، ولولاه لم يقدر الأعلى على الإخراج (١). ص: (إذا اشترك جماعة في سرقة قيمتها ربع دينار فصاعدًا قُطِعوا، وكلُّ واحد ضامن لجميعها إذا وجب الغُرم، فإن أداها واحد سقطت عنه وعنهم، هذا إذا كانت لا يمكن أحدهم الانفراد بها، نحو الخشبة والعدل، وإلا فلا يُقطع إلا أن يكون في نصيب كل واحد ربع دينار فصاعدا. وقال بعض أصحابنا: يُقطعون مطلقًا). ت: القطع لظاهر الآية، وقياسًا على اشتراكهم في القتل. ولو لم يقطعوا لكان ذريعةً للسرقة بالشركة، فيسقط القطع كما قلناه في القتل، وقطع الأيدي باليد الواحدة. فإذا أمكن استقلال كلّ واحدٍ: قال ابن القاسم: لا يُقطع إذا كان قيمة الجميع نِصابًا (٢)؛ لِما في مسلم: قال ﵇: «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» (٣). وقياسًا على انفراده بدون النصاب. أما إذا تعذر إخراجه إلا بهم صار كلُّ واحدٍ كالمخرج له.

стр. 3148

وحكى ابن القصار: أنه لا فرق بين الخفيف والثقيل (١)؛ لأن اشتراكهم في إخراج السرقة من الحرز يقتضي قطع الجميع. ص: (إن رجع عن إقراره بالسرقة إلى شُبهة سقط القطع، ولم يسقط الغرم) (٢). لقوله ﵇: «ادرؤوا الحدود بالشُّبهات» (٣). أو إلى غير شُبهة وأكذَبَ نفسه؛ فروايتان. ت: الشبهة أن يأخذ مالا اختلاسًا، أو غصبًا، أو خيانة، أو تعديًا، فيعتقد أنه سرقة. والاختلاس: كلُّ ما أُخِذ بحضرة صاحبه على غفلة وفَرَّ به آخِذُه. والخيانة: في الأمانة. والغصب: ما أخذه ذو القدرة ممن لا قدرة له على مدافعته (٤). والتعدي: ما أخذه بحضرة صاحبه أو غيبته، لا على وجه القهر. والغُرم لا يسقط بالرجوع، كالإقرار بالمال. وجه عدم القطع إذا لم يرجع: لشبهة أنَّ رسول الله ﷺ أُتِي بلص اعترف ولم يوجد معه متاع، فقال له ﵇: «ما إخالُكَ سرقت»، قال: بلى، فأعادها عليه

стр. 3149

مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقُطِع (١). وإنما فائدةُ التَّكرار أنْ لو رَجع لقُبِل منه. وجهُ القطع: أنَّ أصلَ الإقراراتِ اللُّزوم، حتّى يأتي بعُذرٍ بَيِّن، وهذا لم يُعيِّنها. قال ابن القاسم: إذا أقَرَّ بها وعيَّنها عند غير السلطان قُطع وإن أنكر، أو أقرَّ بها بالضرب وعيَّنها ثم أنكر؛ فلا قطع عليه (٢). وقال أشهب: إذا أخرجها؛ قُطع، وإن كان بعد السِّجن والقيد والوعيد، ولا يُقبل رجوعه، وإن لم يعيّن فلا يُقطع وإن ثبت على إقراره؛ لأنه يُخاف أن يعود لمثل الأول (٣). قال ابن القاسم ولا يدخل التعيين في الدنانير، وإنما يدخل فيما يُعرَف بعينه، فأما العين والمكيل والموزون فلا يثبت فيهم تعيين (٤) (٥) ص: (إذا قطعت يده ووُجدت السرقةُ عندَه؛ رُدَّت لمالكها، وإن أتلفها وله مال غرمها، وإلا فلا). ت القطع ليس بدلاً عن المسروق، وإنما هو لانتهاك حرمة الحرز، فيرد المسروق إن كان باقيا.

стр. 3150

قال مالك: فإن استهلكه وهو موسر من يوم السرقة إلى يوم القطع غرمها، إذا اتصل يساره (١). وقال أبو حنيفة: لا يجتمع الغُرم والقطع، ويُخيَّر المالك: إن شاء قطعه ولم يُغرمه، أو يغرمه ولم يقطعه. لنا: قوله ﵇: «لا يحِلُّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه» (٢). وقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (٣). والقطع حق الله تعالى، كما يُجلد في الزنا، ويغرم مهر المثل في الإكراه، والدية والكفَّارة في قتل الخطأ، والمحرم يتلف صيدا مملوكًا، عليه الجزاء الله تعالى، والقيمة لمالكه. قال عبد الوهاب: قال بعض شيوخنا: أخذ القيمة مع القطع استحسان، والقياس أن لا يلزمه؛ لأنه لو كان واجبًا لَوجَبَ مع العُسر، وإنما غَرِمَها لاحتمال أن يكون أخَذَ لها عِوَضًا أو ثمنًا واختلط بماله (٤). وقال ابن القاسم: لا يتبع إذا كان معسرا (٥). وفي النسائي: قال ﵇: «إذا أقيم على السارق الحد فلا غُرمَ عليه» (٦)، وهو

стр. 3151

وجه قول ابن القاسم: لا يتبع إذا كان معسرا. وحكى ابن شعبان اتباعه في الذمة إذا كان معسراً؛ لأنَّ القطع حق الله تعالى (١). فإن باع السرقة ثم قطع ووجدت عند المشتري أُخِذت منه، واتَّبع السارق بثمنها. فإن هلكت عند المشتري بسببه، وأجاز المسروق منه البيع لم يتَّبع السارق بالثمن عند مالك وابن القاسم، إلا أن يكون متصل اليُسر من يوم السرقة إلى يوم القطع. وإن لم يُجز البيع أغْرَمَ المشتري القيمةَ، واتبع المشتري السارق في اليُسر والعسر، فالمسروق منه يأخذ المشتري بوجه الاستحقاق، والمشتري يرجع على السارق على أحكام البياعات؛ لأنه لم يسرقه وإنما بايعه. فإن كان المشتري عديما رجع المسروق منه على السارق؛ لأنه غريم غريمه. فإن كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من الثمن الذي باع به السارق أخذَ المسروقُ منه القيمة والفضل للمشتري يتبعه به، أو أكثر من الثمن أخذ الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده، واتبع المشتري بفضل القيمة. فإن باع المشتري السرقة أخذ المسروق منه الثمن الذي باع به، فإن وجده عديما رجع على السارق بالأقل من الثمن الثاني أو الثمن الأول، ويتبع بفضل الثاني المشتري الأول. فإن هلكت بأمر من الله تعالى فلا شيء على المبتاع (٢).

стр. 3152

ص: (من سرق شيئًا من حُلِيّ الكعبة لم يُقطع، أو من فرش المسجد أو قناديله أو آلته التي تكون فيه؛ لم يُقطع، وقال بعض أصحابنا: إن سرق ذلك نهارًا لم يُقطع، أو ليلا وقد غُلّقت المساجد قُطع). ت: يريد: إذا سَرَقَ من الكعبة وقت فتحها؛ لأنه حينئذ مأذون له في الدخول، فيكون خائنا لا سارقًا، أما في وقت لم تُفتح فيقطع. وقال عبد الملك: يُقطع إذا سرق من ذهب بابها (١). وعن مالك: يُقطَع مَنْ سرق من حُصُرِ المسجد أو آلته أو قناديله، ليلًا أو نهارًا، كان على المسجد غَلَقٌ أم لا، وإن لم يخرج به من المسجد (٢)؛ لأنَّ حِرزَها موضعها التي وضعت فيه. وعن ابن القاسم: الفرق بين النهار والليل، فقال: يقطع في الليل دون النهار (٣). وقال سحنون: إن خيط بعض الحُصُرِ ببعض قطع، وإلا فلا (٤). وقال أشهب: لا يُقطع مطلقا (٥)؛ لأنه موضع مأذون فيه، كالضيف يؤذن له فيسرق من الموضع الذي أذن له فيه. وقول أشهب هو الذي حكاه ابن الجلاب.

стр. 3153

فرأى مالك أنَّ الإذن لم يكن من المالك، وإنما هو شيء أوجبه الحكم. ورأى ابن القاسم أنها إذا أُغلقت بالليل تصير غير مأذون فيها. ورأى سحنون الفرق بين ما يخف نقله وما لا يخف، فعلى قوله: لا يُقطع في القناديل، ويُقطع في الحصر. ص: (مَنْ سرق خلخال صبي أو قُرطَه أو شيئًا من حليه فروايتان: إحداهما: يُقطع إذا كان في دار أهله وفنائهم. والأخرى: لا يُقطع. وإن كابره ولم يستَسِر بسرقته؛ لم يُقطع). ت: لأنَّ الدار والفناء حرز للصبي وما معه معه، كما لو سرقه بنفسه من الحرز. وقيل: لا قطع؛ لأنَّ الصبي ليس حرزًا لما معه، ولأنَّ الصبي لا يمكن أخذُ الشيء منه على وجه السرقة، وإنما يؤخذ منه ذلك على وجه الخلسة والخديعة لا السرقة. أما إذا كابَرَه فهو غصب، ويُحكم له بحكم الحرابة. فإن لم يكن في دار أهله ولا فنائهم ومعه من يحفظه قُطِع من سرق منه؛ لأن حفظ الحافظ حرز للصبي ولما معه، وإلا لم يُقطع. ص: (إذا سرق عبد الرجل من مال امرأته من حرز لا يؤذن له في دخوله؛ قطع، أو عبد المرأة من مال زوجها من حرز لا يدخله قُطع).

стр. 3154

لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]. أما موضع الإذن فلا قطع فيه؛ لأنه اختلاس. أو مال سيده أو سيدته لم يُقطع، وكذلك الأمة؛ لأنَّ رجلاً جاء لعمر بن الخطاب ﵁ فقال: اقطع يد غلامي هذا فإنه سرق، فقال له: ما سرق؟، فقال: مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهما، فقال: أرسله؛ فليس عليه قطع؛ خادمكم سرق متاعكم، خرجه مالك (١). * ص: (إذا أقر العبد بسرقة مالٍ في يده، وأنكر ذلك سيده؛ فعليه القطع، والمال للسيد دون المقرّ له به، فإن أقرَّ بالقتل، أو القذف، أو الزنا، أو شرب الخمر، أو نحوه، مما يوجب العقوبة عليه في جسده لزمه ما أقر به من ذلك وإن أنكر ذلك سيده، وإن أقر بغصب، أو جناية، أو مداينة، أو نحوه، مما يكون غُرما في رقبته، أو دينًا في ذمته لم يُقبل قوله إلا أن يصدقه سيّده). لأنه إقرار على السيد، فلا يُسمَع. ت بخلاف الاعتراف بالعقوبات؛ لانتفاء تهمته في أمر نفسه. قال مالك: إذا أقر العبد أو المدبّر أو أم الولد بسرقة؛ قطعوا إذا عينوا السرقة وأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه على البت (٢). وإن ادعى أنها [لعبده] (٣) حلف أنه ما يعلم أنَّ لهذا فيه حقًا (٤).

стр. 3155

قال ابن يونس: فإن قال: هو بيد عبدي، لا أدري أهو له أم لا؛ فلا يمين عليه، إلا أن يدعي المقر له أنها له، فيحلف السيد أنه لا يعلم له فيها حقا، قاله بعض فقهائنا (١). قال بعض القرويين: قوله: إذا عَيَّنوا السرقة؛ يريد: لا يُقبل رجوعهم بعد تعيينهم لها، كالبينة تقوم عليها، فإن لم يعينوها وتمادوا على الإقرار قطعوا، وإن رجعوا لم يقطعوا (٢). وإن أقر أنه جرح عبداً عمدا فليس لسيد العبد المجروح إلا القصاص وليس لسيده أن يستحييه على أن يأخذه؛ لاتهام العبد أن يكون أراد الخروج لهذا الملك. قال شيخنا الإقرار بالغصب ونحوه إنما يُرَدُّ من العبد المحجور عليه، أما المأذون له فإنه يُقبل إقراره (٣). قاله مالك في «المدونة»، إلا أن يقرّ بعد قيام غرمائه، كالحر في الوجهين (٤)، ويجوز إقراره بالدين فيما بيده من مال وإن حَجَر السيد عليه فيه، ما لم يُفلس (٥). وهذا يدل على أن ابن الجلاب إنما يتكلم في المحجور عليه. * * *
следующие страницы →