← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لنا: الكتاب، والسنة، والمعنى. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقد وجد، [ولا] (١) ينافي ذلك دلالة على براءة الرحم في العدة؛ لأنها لا تحيض في الأغلب، ويكفي ذلك في البراءة، [وأيما] (٢) وقع النادر كان حيضاً (٣)، ونحن لا نقول: الحامل لا بد أن تحيض؛ بل نقول: إن حاضت ما حكمه؟ كما أن المشهور يدل على البراءة، مع أنها قد تكون حاملاً. وقال ﵇: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» (٤). وقوله ﵇: «دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة» (٥). فإذا وجدت هذه الصفة من الحامل؛ وجب الإمساك. وفي «الموطأ»: أن عائشة ﵂ كانت تفتي الحامل بترك الصلاة والصيام (٦). وقد صدق عمر ﵁ المرأة التي أخبرته عن المرأة التي هلك زوجها وتركها حاملاً، فأهريقت عليها الدماء ولم ينكر عليها. ولأن الحائض تحمل، والحامل تحيض؛ لتصور اجتماعهما معاً. ولو تزوج فوطئ والمرأة حائض لحق به الولد؛ إن جاءت به بعد ستة أشهر،

стр. 352

ولأن المرض والرضاع مانعان، وإذا حاضت فيها كان حيضاً، فكذلك الحمل؛ لأنه ليس نفاساً، لأنه لم يتقدم ولادة، ولا استحاضة لعدم تقدم حيض؛ فتعين أن يكون حيضاً. لا يقال: لوكان حيضاً لانقضت به العدة؛ لأنا نقول: الأشهر في الحمل لا تنقضي بها العدة؛ فكذلك الحيض. والمتوفى عنها زوجها لو رأت الأقراء في شهرها لم تنقض بها عدة، فليس كل حيض يحصل العدة، ولا كل الأشهر. فرع: قال مالك: الصفرة والكدرة منها كالحيض، ويستوي ما قرب من الموضع أو بعد منه. وقال مالك في «العتبية»: لا غسل عليها في الماء الأبيض، وأنه أول الحمل، أو وسطه، أو آخره، وليس عليها إلا الوضوء؛ لخروجه عن صفة الدم. والفرق: [أن] (١) الصفرة والكدرة أنهما خالطا الدم؛ فاصفر وكدر الماية (٢)، وهو يخرج عند والولادة، وشم الرائحة، وحمل الشيء الثقيل، ويسمى الهادي؛ فيجب الوضوء لأنه خارج من الفرج، فإذا لم يوجب الغسل وجب الوضوء، ويفارق المني يخرج بعد الغسل بخروجه عن العادة؛ لخروجه بغير لذة، فهو كدم الاستحاضة. ***

стр. 353

* ص: (إذا اتصل دمها، وزاد على مدتها التي كانت تحيض قبل حملها؛ فالقول فيها على الاختلاف الذي بيناه في الحائل التي لا حمل بها. وقد قال ابن القاسم عن مالك في الحامل تحيض: ليس أول الحمل كآخره، فإذا رأت الحامل الدم بعد شهرين أو ثلاثة من حملها؛ تركت الصلاة ما بين خمسة عشر يوماً إلى عشرين يوماً، وإن رأته بعد ستة أشهر من حملها، أو في آخر حملها؛ تركت الصلاة ما بين عشرين يوماً إلى ثلاثين يوماً). * ت: إن جاءها الحيض على عادته لم يتغير منه شيء، ولم ينحبس لأجل الحمل، ثم زاد في بعض الشهور عن العادة؛ جلست قدر حيضة قولاً واحداً. ويختلف في قدرها على الأقوال الخمسة في الحائل، فإن انقطع شهرين أو ثلاثة، ثم أتى وزاد على عادتها قد استرابت؛ فلا تستظهر بشيء، بل قدر أيامها فقط. قال مالك: إذا رأته أول الحمل أمسكت عن الصلاة بالاجتهاد من غير حد. قال أبو محمد: أول الحمل ثلاثة أشهر ونحوها. وكذلك قول ابن الجلاب: من عشرين إلى ثلاثين، أو من خمسة عشر إلى عشرين، إنما هو بحسب الاجتهاد. وعن ابن القاسم: أنها تجلس أول الحمل خمسة عشر يوماً، وآخره خمسة وعشرين يوماً. قال: ولا أحب أن أبلغ بها الثلاثين. وعنه: تجلس في آخره ثلاثين.

стр. 354

قال المازري: وسبب الاضطراب أن الحمل يحبس الدم، فإذا اندفع هل يقال الحمل يمنع من خروجه كله أم لا؟ فقال بعضهم: إنما تضاعف عادتها بقدر الشهور؛ لأن النجس اندفع. قال أبو العباس الإبياني: إذا رأته في شهر أو شهرين [فهي] (١) كمن رأته في ثلاثة أشهر، تحبس خمسة عشر يوماً؛ لأنه أقصر أيام الحيض. قال ابن يونس: والذي ينبغي على قول مالك الذي رجع إليه: أن تجلس في الشهر والشهرين قدر أيامها والاستظهار؛ لأن الحمل لا يظهر في ذلك، فيحمل على عدم الحمل حتى يظهر في ثلاثة أشهر. وعن ابن القاسم: إن رأته في أربعة أشهر، أو خمسة، أو ستة؛ جلست نحو العشرين، واختلف في الستة أشهر؛ هل حكمها حكم ما بعدها؟ قاله جماعة من الصقليين. أم لا؟ قاله ابن أبي زيد وغيره. واختار عبد الحق الأول؛ لأنها قد تضع في ستة كما تضع في تسعة، ولثبوت حجر المرض عليها في ذلك كله. وعن مالك: إن الحائل كغيرها تجلس عادتها. قال ابن يونس يريد والاستظهار استرابت عنده في هذا القول أم لا.

стр. 355

وقال أشهب: لا تستظهر؛ كالمريضة والمرضعة ينقطع دمها ثم يأتيهما، فإنهما يجلسان قدر العادة، ولا يستظهران عنده؛ لأن المانع قائم في الكل، ومنهم من فرق بأن المرض والرضاع يقل معهما الدم، والحمل يحبسه فقط. قال ابن العربي: معنى قول ابن القاسم: إذا رأته بعد ثلاثة أشهر تركت الصلاة إلى عشرين يوماً؛ أن ذلك ثلث الحمل، فتقعد ثلث النفاس، وبعد ستة أشهر وهو نصف الحمل فتقعد نصف النفاس ثلاثين، وضعف هذا بأن النفاس يقع بعد الولادة، وهذا قبلها مع المانع، وإنما التعليل أنه رأى غالب حيض النساء من ست إلى سبع، وذلك في ثلاثة أشهر نحو العشرين، وأيضاً فيسقط بعض الأيام أنه لا ينحبس؛ فيخرج أسرع، وكذلك التعليل إذا رأته بعد ستة أشهر، ووجه الاجتهاد نفاد الدم عن نمط العادة؛ فيجتهد فيه. قلت: قال الأطباء: دم الحيض ينقسم ثلاثة أقسام: ثلث يتولد منه لحم الجنين. وثلث يتولد منه لبنه. وثلث ينحبس حتى يخرج وقت الولادة. وهذا يقتضي أن يقال: الدم عن عادة الشهر، فتأكد الاجتهاد، وتنقص الأيام. *** * ص: (ولا يجوز وطء الحائض في فرجها، ولا في ما دون فرجها). * ت: الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب:

стр. 356

قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وكان سبب هذه الآية ما في الحديث الصحيح: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، فسأل بعض أصحاب النبي ﷺ النبي ﵇ عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي ﵇: اصنعوا كل شيء إلا النكاح (١). وروي عن مالك عن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: تشد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها (٢). وفي «مسلم»: أن النبي ﷺ كان يباشر نساءه وهن حيض من فوق الإزار (٣). وانعقد الإجماع على تحريم الوطء في الفرج، حكاه عبد الوهاب (٤). وما دون الفرج حرمه مالك (٥) لظاهر الآية، بناء على أن الحيض اسم زمان، أو مصدر، أو سد للذريعة، أو للأحاديث السابقة. وعن أبي داود: كان رسول الله ﷺ يباشر المرأة من نسائه وهي حائض؛ إذا كان عليها إزار يبلغ أنصاف الفخذين أو الركبتين. وجوز ابن حبيب، وأصبغ (٦) إذا اجتنبت الفرج، لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ

стр. 357

حُرُثٌ لَّكُمْ﴾، وهو يقتضي الإباحة مطلقاً. وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهو اسم مكان كالمبيت والمقيل، وكالبيات والإقالة، فيختص التحريم بالفرج لأنه موضع الحيض. ولأن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾، يقتضي الاعتزال لأجل الأذى، فحيث لا أذى؛ يجوز ما عدا الفرج، لا أذى فيه؛ فيجوز، وأما إباحة أعلاها فما علمت فيه خلافاً. قال مالك في المجموعة: والنفساء أيضاً يباشرها ما فوق [الإزار] (١). *** * ص: (ولا يجوز وطؤها بعد طهرها، وقبل غسلها). * ت: وافق مالك (ش)، وعامة السلف، والفقهاء. وقال (ح)، وابن نافع، وابن بكير: يجوز بعد انقطاع الحيض قبل الغسل (٢). وأصل المسألة قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قرأت الأخيرة بالتشديد والتخفيف، فالتخفيف ظاهر في انقطاع الدم، والتشديد ظاهر عن فعل تفعله وهو الغسل بالماء؛ نحو تعلّم، وتكلم؛ هذا الوزن أبداً للفعل المكتسب. وقولهم: تقطع الحبل، وتكسر الكوز، وتقطع السحاب، فقليل.

стр. 358

وبما قلناه فسر [الصحابة] (١) الآية والتابعون؛ كابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم، والقراءتان منزلتان فيجب اعتقاد [ .. ] (٢)؛ فيكون الانقطاع للدم، والغسل بشرطين، المباشرة وهو المطلوب، احتجوا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فجعل التحريم إلى غاية انقطاع الدم، وشأن ما بعد الغاية أن يكون مخالفاً لما قبلها؛ فلا يحرم، وتحمل قراءة التشديد على غسل موضع الأذى خاصة، ويؤكده قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾، فنبه على الأذى خاصة، فيدور الحكم معه وجوداً وعدماً؛ لأنه شأن الأعمال الشرعية، ولأنه غسل لا يمنع؛ كغسل الجنابة، لاشتراك الحدين في منع القراءة، والمسجد، ومس المصحف. قال الأوزاعي: إن غسلت فرجها جاز وطؤها وإلا فلا. وقاله طائفة من المحدثين؛ حملاً للطهارة على اللغوية. وقال آخرون: الطهارة الصغرى؛ إن توضأت حل وطؤها، وإلا فلا؛ كالجنب لا ينام حتى يتوضأ، نقله عياض في الإكمال. وإذا قلنا: لا بد من الطهارة الكبرى فعدمت الماء: لا يباح التيمم عند مالك. قال في المدونة: لأن التيمم يبطل لأول الملاقاة؛ فتوطأ وهي غير متطهرة، ولأنه لا يرفع الحدث، وإنما ذلك مبيحاً للصلاة لضرورة حفظ الوقت، ولا ضرورة هاهنا. وفي كتاب ابن شعبان: توطأ به؛ لأنه يرفع الحدث، وقياساً على الصلاة.

стр. 359

* ص: ولا كفارة على واطئها في حالة حيضتها؛ سواء وطئها في فرجها، أو فيما دون فرجها. * ت: ووافقنا (ح)، (ش) أخيراً. وقال أحمد: إن شاء تصدق بدينار، أو نصف دينار. وقال ابن عباس: إن وطئها في أول الدم تصدق بدينار، أو في آخره تصدق بنصف دينار، وقاله (ش) في القديم؛ لأنه لا يقدر في آخره لطول مدته. قال النخعي: إن كان الدم غليظاً فبدينار، أو صفرة فنصف دينار. وقال الأوزاعي: إن وطئها أول الدم فبدينار، أو بعد انقطاعه وقبل الغسل؛ فنصف دينار. وقال سعيد بن جبير: عليه عتق رقبة. وقال الحسن البصري: عليه كفارة من وطئ في صوم رمضان (١). قال عبد الحق في الأحكام ولا يصح في وطئها إلا التحريم. لنا: أنه وطء؛ فلا يجب به كفارة، أصله وطء المسبية قبل استبرائها، والوطء في الدبر، وكالزنا. *** * ص: (ولا بأس بمباشرتها، ومضاجعتها، والاستمتاع بها؛ فيما فوق فرجها). لما في «مسلم»: قالت عائشة ﵂: كانت إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها

стр. 360

رسول الله ﷺ أن تأتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها (١). وفيه أيضاً: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض (٢). وفي «الموطأ»: عن عائشة ﵂ قالت: كنت مضطجعة مع رسول الله ﷺ فوثبت وثبة شديدة، فقال لي ﷺ : ما لك؟ لعلك نفست، يعني: الحيضة، قلت: نعم، قال: شدي عليك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك (٣). قال الهروي: نفست؛ إذا ولدت، وإذا حاضت؛ بفتح النون لا غير (٤). قال القاضي: روايتان في الأم بضم النون، وهي رواية أهل الحديث. وأصل ذلك كله الدم؛ لأنه يسمى نفساً، لقول الشاعر: خير النفوس السائلات جهرة … على ظبات المرهفات والقنا وفيه من الفقه: نوم الرجل مع امرأته؛ وهي سيرة أهل الفضل، خلاف سيرة بعض الأعاجم (٥). وفي [«الموطأ»] (٦) أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال له: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: شد عليها إزارها، وشأنك بأعلاها (٧).

стр. 361

ولأن الممنوع الفرج؛ لأجل الأذى، وتحت الإزار سد الذريعة، وما [فوقه] (١) سالم من ذلك. قال ابن القاسم: ومعنى قوله: شأنك بأعلاها: إن شاء جامعها في [أعكانها] (٢)، أو في بطنها (٣). *** * ص: (ويستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، ولا تقدم وضوءها على صلاتها تقديماً كثيراً، وإن شقّ عليها الوضوء فلا بأس أن تجمع بين الصلاتين أو أكثر من ذلك بوضوء واحد). * ت: في «مسلم»: عن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : إن ذلك عرق وليست بحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي (٤). زاد «الترمذي»: وتوضئي لكل صلاة (٥). وذلك محمول على الاستحباب؛ لأنه دم لا يجب به غسل؛ فلا يجب به وضوء، كسائر دم الجسد، وقياساً على سلس البول؛ بجامع العلة والمرض (٦). وقال اللخمي: اختلف عن مالك في الاستحباب:

стр. 362

فعنه: لا يستحب الوضوء. وفي الموازية: إن جمعت بين الصلاتين بوضوء واحد؛ أعادت الآخرة في الوقت. واختلف أيضاً في غسلها لفرجها: فقال ابن حبيب: يستحب؛ قياساً على الوضوء. وقال سحنون: لا يستحب (١)؛ كسائر القروح السائلة إلا أن يتفاحش. فرع: هل تستتر بخرقة إذا دخلت في الصلاة؟ قاله ابن القاسم والأ .. أن تجعل على فرجها خرقة، ثم تتلجم من فوقها بأخرى، وهو مستحب؛ لأن الدم يسيل [ .. ] (٢) فلم يجب بل يستحب؛ لئلا ينتشر الدم في الصلاة في الجسد والثوب. وأوجب الوضوء عليها (ش)، (ح)، وقول لمالك؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب، غير أنه لم يخرج الأمر بالوضوء أحد ممن اشترط [ .. ] (٣). قال الطبري: وهو موقوف على عروة. وقال «أبو داود»: وهو موقوف على عائشة، وأنكره [ .. ] (٤) عدم الوجوب

стр. 363

أن دم الاستحاضة لا يوجب الوضوء اتفاقاً، وإذا خرج في الصلاة لا يبطلها. فرع: وإذا استحب الوضوء؛ فهل يستحب الغسل لكل صلاة؟ كما جاء أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة، وعندنا لا [ … ] (١) ذلك. قال مالك: وما روي عن ابن المسيب: أنها تغتسل من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة إنما أظنه قال: من طهر إلى طهر بالطاء المهملة. قال الخطابي: قول مالك صحيح؛ فإن أحداً من العلماء لا [يشترط] (٢) ذلك؛ إلا أن يعلم أن دم أيام عادتها انقطع، ولعل ابن المسيب سئل عمن هذه حالها، ولم [ينقله] (٣) الراوي، وأما أم حبيبة فكانت تفعل ذلك من نفسها. وقول ابن الجلاب: لا تقدم وضوؤها على صلاتها تقديماً كثيراً؛ فمعناه حتى لا يخرج بعد الوضوء، وهذا في حق ما ينقطع عنها الدم، أما من لا ينقطع دمها فلا تندب للوضوء لعدم الفائدة فيه؛ كالسلس الدائم. قال الباجي قال ابن القصار: إن كان دم الاستحاضة مرة بعد مرة وجب الوضوء؛ لأنه ليس بمرض، وإن تكرر في الساعات استحب. قال سند ومراد ابن الجلاب بالجمع أن تؤخر الظهر إلى الوقت الذي يجوز

стр. 364

تأخيره، وتقدم العصر إلى الوقت الذي يجوز تقديمه إليه، وتصلي ذلك بطهارة كاملة. وفي حديث حمنة أن النبي ﷺ أمرها أن تجمع بين الصلاتين؛ فإن كثر ذلك سقط الاستحباب. *** * ص: (يستحب للمستحاضة إذا انقطع دمها أن تغتسل، فإن تركت تجديد الغسل فلا شيء عليها). * ت عن مالك: لا يستحب الغسل؛ لأنه يستحب منه الوضوء، فلا يستحب منه الغسل كسلس البول والمذي، ورجع إلى استحبابه، وقاله ابن القاسم. لأن الأصل استحباب الغسل فيه؛ كما يستحب الوضوء في السلس. قال عبد الحق في النكت عن القرويين: إنما قال مالك ذلك؛ لأنَّ بعض الناس منع وطأها، فراعى الخلاف (١). [قال] (٢) عياض: نقل منع وطأها عن عائشة ﵂ وبعض السلف (٣). ونحن نقيسه على الصلاة. ***

стр. 365

باب في غسل الجمعة (وغسل الجمعة مسنون غير مفروض). * ت: اختلف في وجوبه، ولا خلاف أنه شرط في الأجزاء. لنا الكتاب، والسنة، والنظر. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فذكر ما يتوقف عليه من وضوء [وغسل جنابة] (١)، فلو كان غسل الجمعة واجباً لذكره. وفي «مسلم»: عن النبي ﷺ أنه قال: من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه؛ غفر الله له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام (٢). وفي «أبي داود»: أن النبي ﷺ قال: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل (٣). قال الأصمعي: (فبها)؛ أي: بالسنة أخذ، (ونعمت)؛ أي: ونعمت الفعلة. قال ثعلب: (نعمت)؛ بالتاء، والعامة تقف عليها بالهاء.

стр. 366

وفي «مسلم»: بينما عمر ﵁ يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل عليه عثمان بن عفان ﵁، فعرض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت، ثم أقبلت، فقال عمر: الوضوء أيضاً ألم تسمع رسول الله ﷺ يقول: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل (١). ولو كان واجباً لما تركها عثمان، ولا أقره عمر، وذلك بحضرة الصحابة. وفي «البخاري»: قالت عائشة ﵂: كان الناس يأتون الجمعة من منازلهم ومن العوالي، فيأتون الجمعة فيصيبهم الغبار، ويظهر منهم العرق، فتخرج منهم الروائح، فأتى النبي ﷺ رجل وهو عندي، فقال النبي ﷺ : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (٢). ولأنه غسل لاجتماع الناس؛ فأشبه غسل العيدين، لأنه لو وجب لاستوى فيه الذكر والأنثى والأحرار والعبيد، لكنه لا يلزم العبيد والإناث اتفاقاً، ولو وجب لما صحت الجمعة دونه. قال الأبهري: قيل: هو سنة مؤكدة، وقيل: مستحب؛ قولان في المذهب (٣). ولم يقل بوجوبه؛ إلا الحسن، وأهل الظاهر (٤). قال اللخمي: من لا رائحة له؛ فهو حسن في حقه، ومن له رائحة كالقصاب، والسماك، فواجب، وعلى كل من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أن يستعمل ما يزيل

стр. 367

ذلك؛ لقوله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا. وفي بعض الروايات: فإن الملائكة تتأذى بما يتأذى به بنو آدم، فأسقط حقه من المسجد؛ لأجل المصلين والملائكة. وظاهر المذهب افتقاد الغسل للنية؛ لأنه غسل يعم الجسد، ولا يختص بموضع الروائح؛ ففيه شائبة التعبد؛ كالجنابة. قال الباجي: وعن أشهب وابن شعبان: لا يفتقر للنية؛ لأنه شرع لإزالة الأوساخ؛ فأشبه إزالة النجاسة (١). *** * ص: (لا يغتسل للجمعة قبل الفجر). * ت: إن اغتسل قبل الفجر وأخر الرواح لوقت الجمعة؛ لم يجز عند الفقهاء (٢)؛ إلا الأوزاعي (٣)، شبهه بغسل العيدين. لنا: ما في «مسلم»: قال ﵇: من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة (٤). الحديث. والرواح لا يكون قبل الفجر؛ فلا يكون الغسل قبل الفجر. ولأن الغسل إنما هو ليوم الجمعة، وما قبل الفجر ليس يوم الجمعة؛ فلا يصح ليوم الخميس.

стр. 368

فإن راح من وقته: قال ابن القاسم في «العتبية» (١): من اغتسل للجمعة في الفجر؛ لا يجزيه (٢). وقال مالك: لا يعجبني (٣). وقال ابن وهب: يجزيه إن راح حينئذ (٤). قال ابن يونس: لاتصال الغسل بقصده (٥). *** * ص: (لا بأس أن يغتسل لها في صدر النهار إذا غدا في الحال، فإن اغتسل في صدر النهار، وأخر غدوه إلى الجمعة؛ أعاد غسله عند مضيه إليها). * ت: الكلام في وقت الغسل، واتصاله بالرواح. أما الوقت: فاستحب مالك في «العتبية» (٦) التهجير (٧). وابن حبيب التبكير، وقاله (ش) (٨)، واختلف أصحابه؛ هل من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر؟ لما في (مسلم): أن رسول الله ﷺ قال: من اغتسل

стр. 369

يوم الجمعة غسل الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى؛ فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية؛ فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة؛ فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (١). وإذا كان الرواح في الساعة الأولى مندوباً كان الغسل حينئذ أفضل. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، والغدو [أوله] (٢)، لقوله تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. وثانيها: أنه عقب الخامسة لخروج الإمام واستماع الذكر؛ فلا يكون في السادسة، وراح وقتَ قعود الإمام على المنبر، والخصم لا يقول به بل بالساعة؛ لأنه قسم الساعات على قسمة أصحاب الفلك، وعند مالك قسم السادسة أو السابعة على الخلاف؛ فيصح قوله (٣). وكره مالك التبكير؛ لأن الصحابة ﵃ لم تفعله، قال: وأخاف على فاعله أن يدخله شيء، ويعرف بذلك (٤). وورد الحديث: من غسل واغتسل (٥).

стр. 370

فقال ابن قتيبة: أكثر العلماء يقولون: معناه أنه جامع أهله؛ ليأمن أن يرى في طريقه ما يفتنه، فدلك وتنظف، ثم اغتسل بقدر ذلك للجمعة (١). هذا وقت الغسل. وأما اتصاله: فاشترطه مالك؛ فإن نام أعاده (٢). واستحبه ابن وهب (٣). لنا: قوله ﵇: إذا جاء أحدكم الجمعة، فربط بينهما بالفاء ليبقى أثره في الحضور. ولأنه تحدث أعراق وأوساخ تبطل معنى الغسل (٤). وعن مالك: إن يقضي حوائجه لا بأس به إن كان خفيفاً (٥). وعن ابن القاسم في المجموعة: إن تعمد النوم أعاد؛ وإلا فلا، كنوم المحتبي (٦). ولو انتقض وضوءه بعد مضيه للجمعة خرج وتوضأ، ولا يعيده؛ لأنه

стр. 371

قريب، ولأن الحديث لا يبطله، ولأن الحدث غسل الجمعة، ثم يتوضأ (١). *** * ص: (إن أتى الجمعة قبل أن يغتسل، فإن كان الوقت واسعاً رجع فاغتسل، ثم عاد، وإن ترك الغسل فلا شيء عليه). لأنه إذا أمكنه حصل الفضيلتين، ومع ضيق الوقت يخشى فوات الصلاة. * ت قال: ولذلك أقر عمر عثمان بن عفان ﵄ على ترك الغسل، كما تقدم الحديث (٢)، خوف ضياع الجمعة لضيق الوقت. *** * ص: (إن كان جنباً فاغتسل لجنابته، وقصد بنيته نيابته عن غسل الجمعة؛ أجزأه). لأن مقصود غسل الجمعة النظافة، وقد حصلت. * ت: ليس هذا بمنزلة من اغتسل لهما غسلاً واحداً؛ لأنه شرك في النية، وهاهنا جعلها تبعاً. قال بعض شيوخنا: وهذه المسألة مبنية على أن الغسل للجمعة يفتقر إلى نية (٣). *** * ص: (فإن كان ناسياً لجمعته وذاكراً لجنابته، فاغتسل لها؛ لم يجزه عن غسل جمعته، ولا يجزئه غسل جمعته عن غسل جنباته.

стр. 372

وقال محمد بن مسلمة: يجزئه غسل جمعته عن غسل جنابته، وإن اغتسل لجمعته وجنابته غسلاً واحداً وخلطهما في نيته لم يجزئه عن واحد منهما، ويحتمل أن يجزئه عن جمعته، لا يجزئه عن جنابته. وهذه المسألة مخرجة غير منصوصة، ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري، وبقوله أقول). * ت: قد تقدم الكلام في هذا أول الكتاب. وأما خلطهما في نية واحدة: ففي المدونة لمالك: لا بأس أن يغتسل غسلاً واحداً للجنابة والجمعة، ينويهما جميعاً (١). وقاله سحنون، وابن عمر (٢)، وأكثر أهل العلم (٣). وقال ابن الجلاب: لا يجزئه عن واحد منهما (٤)، وحكاه الباجي عن محمد بن مسلمة (٥). وقال أبو عمر في الاستذكار: أجمعوا على أنه يجزئه عنهما؛ إلا شيئاً روي عن مالك أنه لا يجزئ عنه، وأخذ به أهل الظاهر.

стр. 373

وجه المشهور: أن ابن عمر كان يغتسل لهما غسلاً واحداً، ولأنهما عبادتان محل السنة منهما محل الفرض، وصورة الفعل واحدة؛ فأشبه الحج والعمرة، وأن مقصود غسل الجمعة إنما هو النظافة؛ وهي حاصلة، وإضافة القصد إليها لا يضر، والشاذ مقيس على الصلاتين، ولأنه اشترك مع الفرض وغيره؛ فلا يصح قياساً على ما إذا صام لنذره، وفرضه أرجح كذلك، وبطريق الأولى؛ لأن الناذر أقرب للفرض من المندوب، وانعقد الإجماع على أنه لا يجزئ في هاتين المسألتين عنهما، وإنما الخلاف في الإجزاء عن إحداهما، وكذلك من رمى عن الصبي وعن نفسه لا يجزئ عنهما اتفاقاً، والخلاف في أحدهما، وكذلك المصلي في ضيق الوقت يحرم بالحاضرة وقضاء الفائتة؛ لا يجزئ عن واحد منهما، ويقصد الأول غسل الجنابة والحيض ويريد بقوله: مخرجة؛ على من صام رمضان، ينوي فرضه ونذره، أو مسألة الحج، فأقول يجزئ عن النذر فقط على الفرض فقط، لا يجزئ عنهما. قال بعض شيوخنا: ليس مرادنا أن المسألة بجملتها مخرجة؛ بل قوله: يجزيه عن جمعته دون جنابته، وإلا فالكل منصوص عليه. قال بعض أصحابنا: أو يحكى الفرق ومنع التخريج؛ لأن غسل الجمعة فضيلة، ولا يثبت في النذر مع الحدث، كما [ … ] (١) المحدث بخلاف المخرج عليه لا يشترط تقديم أحدهما على الآخر. ***

стр. 374

باب في الاستنجاء والاستبراء (والاستبراء واجب مستحق، وهو استفراغ ما في المخرجين من الأذى). * ت: لما في «مسلم»: عن ابن عباس أنه قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين، وقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول (١). وفي «البخاري»: وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير (٢). قال القاضي عياض (٣): ومعنى لا [يستتر] (٤): أي: لا يجعل بينه وبينه سترة، ولا يتحفظ منه، وفيه أنَّ قليل النجاسة غير معفو عنها، وعليه مالك والفقهاء؛ إلا في الدم. وجعل (ح) مقدار الدرهم من كل نجاسة معفو عنه قياساً على المخرج. قال الثوري: كانوا يُرخصون في قليل البول (٥). قال عياض: ومعنى يستنزه؛ أي: يبعد منه، ومنه النزاهة [عن] (٦) الشيء.

стр. 375

وأما يستبرئ فلا يتوضأ حتى يبرأ من خروج البول؛ لئلا ينتقض وضوءه، فيكون الإثم لأجل الصلاة بغير وضوء (١). وقوله: في كبير، يحتمل أن يكون في كبير عليهم تركه، وإن كان كبيراً عند الله تعالى كما قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقيل: في كبير؛ أي: في أكبر الكبائر وإن كان كبيراً، وهو يدل على عذاب القبر (٢). قال الهروي في الغريبين الرواية: يستنثر؛ من الاستئثار والجذب (٣). ومعناه: أنه [يقول] (٤): ولا يبالغ في إخراج البول، فخرج منه البول بعد الوضوء فيصلي بلا وضوء. وروى ابن المنذر: أن رسول الله ﷺ قال: إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاثاً (٥)، ويجعله بين أصبعيه السبابة والإبهام فيمرهما من أصله إلى سرته. قال عبد الوهاب: أن يقوم ويقعد ويتنحنح (٦) (٧).

стр. 376

و [قاله] (١) ابن أبي زيد في «مختصره»، وزاد: ولا يمشي، ولكن يستبرئ نفسه بالنفض والسلت الخفيف (٢). لأن غيره قد يشق، لكن إذا غلب على ظنه أنه فرغ كفاه ولا يخرج إلى الوسوسة. وقد روى ابن كعب أن النبي ﷺ قال: إن لهذا الوضوء شيطاناً، يقال له الولهان فاحذروه (٣). قال اللخمي: الناس تختلف؛ فليس المربوط كغيره، فمن كان يظن من نفسه الانقطاع عند فراغه كفاه ذلك، وإن كان ينزل ذلك منه بعد قيامه كان عليه أن يقوم، وكان ربيعة أسرع الناس في الوضوء والبول، وكان أبو هريرة بطيء الوضوء والتنظف، وكل أحد على عادته. *** * ص: (والاستنجاء مستحب، وهو إزالة النجاسة عن مخرج الأذى السفرة والبسرة). * ت: قال (ش) (٤) وأحمد: يجب الاستنجاء وإزالة سائر النجاسات، فإن لم يفعل بطلت الصلاة (٥). لنا في الدارقطني: قال ﵇: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا

стр. 377

يستقبلها ولا يستدبرها، ثم ليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب (١). وقال (ح): الاستنجاء ليس بفرض، دون سائر النجاسات (٢). وفي الجلاب: مستحب. وأجراه ابن القصار واللخمي مجرى النجاسات على البدن والثوب (٣). وعلى القول بأنها سنة؛ إذا لم يستنج أعاد الصلاة في الوقت، وعلى أنها فرض ينبغي أن يعيد أبداً (٤). قال ابن أبي زيد ليس هو من سنن الوضوء، ولا من فرائضه؛ إنما هو من باب إزالة النجاسة، فيجزئ بغير نية (٥)، ويجري فيه الخلاف الذي في إزالة النجاسة. ووجه أنه سنة ما في «مسلم»: قال رسول الله ﷺ : عشر خصال من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء (٦). قال أبو مصعب راويه ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء الاستجمار، والفطرة السنة.

стр. 378

وقال ﵇: من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. خرجه «أبو داود» (١). فائدة: قال الجوهري: البرجمة بضم واحدة البراجم، وهي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع والرواجب من السلاسيات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه انتشرت وارتفعت، والبراجم قدم من غيم. قال المازري: الفرض بالاستنجاء ذهاب النجس وتطهير البدن. قال عبد الوهاب: له ثلاثة عبارات؛ الاستنجاء، والاستجمار، والاستطابة، فالاستنجاء: الذهاب للنجو؛ وهو المكان المرتفع، لأنه يقصد عند ذلك، فقالوا لمن (٢) يلتمس ذلك: ذهب ينجوا ثم استنجوا منه يستنجس كما قالوا: ذهب يتغوط أي: يطلب الغائط وهو المكان المنخفض، لأنه يقصد ذلك، فيسمى الحدث باسم الموضع (٣) وقال الخطابي: أصله نزع الشيء من موضعه نجوت العود إذا قشرته. قال عبد الوهاب: الاستجمار مسح موضع الحدث بالحجارة، مشتق من الجمار، والجمار الحجارة الصغرى، والاستطابة تطييب الجسد. *** * ص: (ويستنجى من الغائط والبول، ولا يستنجى من الريح). * ت: لقوله ﵇: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار

стр. 379

يستطيب بهن (١). وقال ﵇: ليس منا من استنجى من الريح (٢). وقاله كافة الفقهاء؛ إلا شذوذ قاله القاضي في الإشراف؛ ولو استنجي منه (٣) وجب غسل الثوب (٤). قال العراقيون: لا يستنجي من المذي لما فيه من اللزوجة تشده عند ذلك (٥). والودي لم أر فيه خلافاً، والظاهر أنه كالبول. وقال اللخمي: يستنجى من الغائط والبول والمذي والودي (٦). قال القاضي في الإشراف: يستنجى من الدم والقيح. وهو ظاهر الجلاب، وهو إزالة النجاسة الظاهرة؛ فيندرج فيه الغالب والنادر؛ كالحصى بغير بلة والدود. قال الباجي: لا يستنجى منهما لأنهما بغير بلة فلا شيء يزال (٧). فرع: فلو خرج المعتاد من غير المخرج المعتاد؛ فلا بد من الغسل، لأن الرخصة

стр. 380

في الحجر مختصة بالمخرج لعمومه؛ إلا أن يستمر فيصير كالعادة. وقد قال عبد الوهاب: يستنجى من النادر؛ فهذا أولى. *** * ص: (ويكره الاستجمار بالعظام وسائر الطعام، ويكره بالروث وسائر النجاسات). * ت: المستنجى به خمسة (١): جائز، وممنوع، ومختلف فيه إذا [ترك] (٢)، وثلاثة مختلف فيها (٣). * الأول: الأرض على اختلافها من زرنيخ وكبريت وغير ذلك؛ لأنها طاهرة بالمائع والجامد كالحدث؛ فيكون جامد الحدث جامد الخبث (٤). * الثاني: ما فيه سرف؛ كالذهب والفضة والياقوت (٥). وما له حرمة؛ كالطعام والملح (٦). فإن فعل؛ فظاهر المذهب أنه أساء؛ ويجزيه لحصول الإنقاء (٧). ونقل اللخمي قولاً بعدم الإجزاء؛ لأنه غير الصنف الذي أمر به (٨)، كما صح لو ذبح بسكين مغصوبة أجزأه، ولو ذبحها مجوسي لم تؤكل.

стр. 381

قال الأبهري: إذا استنجى بما فيه سرف أجزأه؛ وقد أساء. ولا أعرف لأحد من أصحابه نصا، لكن أصول مالك تقتضيه. * الثالث: العود والخرق والفحم ونحوه، مما هو طاهر ولا حرمة له، ولا يتعلق به حق الغير وليس من أنواع الأرض؛ فعن مالك وفقهاء الأمصار جوازه (١). ومنعه أصبغ وقال: إن فعل أعاد في الوقت (٢)؛ لأنه ﵇ لم يستعمل مثل هذا، ففي الدارقطني قال ﵇: إذا أتى أحدكم البراز إلى قوله: ثلاثة أعواد (٣)، الحديث المتقدم. * الرابع: الطاهر الذي لا حرمة له؛ لكنه يتعلق به حق الغير؛ كالعظام والبعر (٤): فروى ابن القاسم عن مالك: الكراهة (٥). وروى ابن وهب عنه: لا أرى به بأسا، وما رأيت فيه نهيا عاما (٦). حجة الأول: قوله ﵇: ابغني أحجارا ولا تأتي بعظم ولا روثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى جنبي، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت: ما بال العظم والروثة؟ فقال: هما من طعام الجن فإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله أن لا يمروا بعظم ولا

стр. 382

روثة إلا وجدوا عليها طعاماً، أخرجه «البخاري». قال الأبهري: في بعض الآثار: أما العظم فزاد إخوانكم الجن، والروث زاد دوابهم (١). وقيل: علة العظم أنه مطعوم. وقيل: لملوسته. وقيل: لا [يُعرى] (٢) عن بقية دسم ينجس المكان (٣). وقيل: الروثة تزيد النجاسة (٤). وفي «أبي داود»: قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة فإن الله جاعل لنا فيها رزقاً، قال: فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك (٥). والحمم والفحم واحدهما حممة؛ ذكره أبو عبيد. وأما الفحم: فظاهر المذهب: جوازه؛ لأنه يزيل عين النجاسة (٦). وعن مالك التردد فيه؛ لأنه يسود المحل (٧).

стр. 383

وَتَعلُّقُ حَقِّ الغيرِ لا يَمنع؛ كما لو استنجى بِحجارةٍ مَغصوبة، وظاهرُ المذهب إِجزاءُ العَظمِ والرَّوث؛ إذا أنقى لحُصولِ المقصود. والمشهور عن مالكٍ النَّهيُ عنه للأثر، ولأنه يلوث؛ والإسلامُ مبنيٌّ على النظافة، وعنه عدم النهي عنه (١)، وقال: ما سمعت فيه نهياً عاماً، وبإجزائه إذا وَقَع (٢). قال (ح) وقال (ش) وابن القصار: لا يجزئ؛ لأنه غيرُ مشروع (٣). قال ابن حبيب: لا يُعيد صلاته إذا استنجى بِعظم، أو جلد، أو بعرة، أو روثة، أو حممة، أو بِحجرٍ واحد (٤). وقال أصبغ: يعيد في الوقت (٥)؛ لأن الاستجمار رخصةٌ بغير الماء، فلا يشرع بالمعاصي، وهذه منهي عنها. الخامس: ما كان من النجاسة جامداً أو روثاً أو غيره: كَرِهَه مالك، رواه ابن القاسم (٦). وقال في رواية ابن وهب: ما سمعت فيه نهياً عاماً، ولا أرى به بأساً (٧)، ومتى كان الذي يستنجى به ينجس المحل فلا يجزئه، ويؤمر بغسل المحل، فإنها

стр. 384

نجاسة طارئة، وليست محل الرخصة. قال اللخمي: لا يجوز الاستنجاء بالروث؛ لأن ابن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، فالتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذا رجس (١) (٢)، فإن فعل أجزأه لأنه قد أنقى. وقال الدارقطني: فألقى بالروثة وقال: إنها رجس اتي بحجر. فرع: فلو كان نجساً بالمجاورة كالحجر، وباشر الاستجمار بالموضع النجس؛ فكما تقدم، أو بالطاهر جاز. *** * ص: (والاختيار غسل المخرجين بالماء). * ت: الكتاب، والسنة، والمعنى. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. قال أبو هريرة نزلت في أهل قباء؛ كانوا يستنجون بالماء. رواه «أبو داود» (٣). وفي «البخاري»: أنه ﵇ دخل الخلاء، قال ابن عباس: فوضعت له وضوءاً،

стр. 385

فلما خرج قال: من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس، قال: اللهم فقهه في الدين (١). وخرج أيضاً عن أنس أنه قال: كان النبي ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معي بإدارة من ماء، يعني: يستنجي به (٢). قال عياض: الميضأة: إناء يستعمل للوضوء، يسع قدر ما يتوضأ به (٣). وأما المعنى: فهو أن الأصل في النجاسة إزالة عينها وأثرها، وذلك لا يحصل إلا بالماء، وغيره يزيل العين دون الأثر؛ فكان أفضل، ولأنه فعله ﷺ ، وكان يواظب على الأفضل. قال أبو عمر: أجمع الفقهاء على أنه أفضل، وأن غيره توسعة ورخصة في السفر والحضر (٤). وعن بعض السلف كراهة الاستنجاء بالماء، وكرهه بعض المتأخرين؛ لأنه نوع من الطعام. وقال ابن المسيب: هو وضوء النساء (٥). فأعابه، يعني: أن المرأة لا يجزئها الحجر؛ [لتعدي] (٦) البول المخرج، وكذلك الحصى.

стр. 386

قال مالك في السليمانية: إذا استنجت؛ ليس عليها غسل ما بطن، بل ما ظهر، والبكر والثيب [في ذلك سواء] (١). والأحسن الجمع بين الماء والأحجار، وهو ظاهر قول مالك؛ فتستعمل الحجارة أولاً، والماء بعدها؛ لأن [المحل] (٢) يطهر بالإجماع؛ فكان أولى (٣). *** * ص: (ولا بأس بالاقتصار في الاستجمار على الأحجار). * ت: لما في «أبي داود»: أن النبي ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب بثلاثة أحجار ليستطيب بهن، فإنها تجزئ (٤). وفي «الموطأ»: عن النبي ﷺ أنه سئل عن الاستطابة، فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟ (٥). [وظاهر هذا] (٦) جواز الاقتصار عليها، ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك؛ فجاز (٧). قال عبد الوهاب: إن اقتصر على أحدهما؛ فالماء أفضل، أو على الأحجار؛ جاز، ما لم يتعد المخرج، وما يقاربه (٨).

стр. 387

وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك إلا لمن لا يقدر على الماء (١). ونقل اللخمي عن مالك ترك العمل بالاقتصار على الأحجار (٢). قال اللخمي: وهو الحق؛ لأن أحاديث الاقتصار عليها إنما نقلت في السفر، وقياساً على طهارة الحدث لا يجوز العدول مع القدرة عليه (٣). قال سند: الأول أصح؛ وهو قول الجماعة، وأحاديث الاستنجاء وما حكي عن مالك في ذلك فهو ما وقع في كتب [الفتوى] (٤) وأصحابنا ينكرونه، ويقال إنه لا يخالف في ذلك أحد من المسلمين؛ إلا قوم من الزيدية والقاسمية. *** * ص: (ولا بأس بالزيادة على ثلاثة أحجار إذا لم تنق). لما تقدم من جواز الثلاثة (٥). * ت: لا خلاف في الزيادة إذا لم تنق الثلاثة؛ غير أنه يستحب الوتر، لقوله ﵇: من استجمر فليوتر، خرجه «أبو داود» (٦). فيتمادى إلى الخمسة، فإن لم تنق فإلى السبعة (٧). وعن مالك في «العتبية»: إذا أنقى حجر واحد أجزأه (٨).

стр. 388

فالمعتبر الإنقاء دون العدد (١). وقال أبو الفرج وابن شعبان: لا بد من ثلاثة أحجار (٢). فرع: في صفة استعمال الثلاثة أحجار؛ ثلاثة مذاهب: أحدها: أن المسح بكل حجر مستوعب للمخرج. قال الباجي: وهو قول أكثر العلماء. وثانيها: يمسح بالأول المصفحة اليمنى، وبالثاني اليسرى، وبالثالث المسروبة (٣)، اختاره أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وروى فيه أن النبي ﷺ قال: يكفي أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثة أحجار؛ حجرين للصفحتين، وحجر [ .. ] (٤). والأول أحسن؛ لأن الثالث يمكن خروجه نقياً، وفي الثاني لا يخرج نقياً؛ فلا يجزئ. وثالثها لبعض الشافعية: يبدأ بمقدم صفحته اليمنى، فإذا انتهى أداره إلى

стр. 389

مؤخر صفحته اليسرى، فيمر إلى مقدمها، ويأخذ الثالث فيديرها على جميعها. وروي أن النبي ﷺ كان يقبل بحجرين، ويلحق بالثالث. فرع: يستحب أن يبدأ بالاستنجاء لمخرج البول في قناة الذكر (١)، فلا فائدة في التعجيل حينئذ. ويكره أن يستنجي بيمينه إلا من ضرورة؛ لما في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: لا يمسك أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يمسح في الخلاء بيمينه (٢). قال عياض: إكراماً لليمنى من تخصيصها بأفعال العبادات والكرامات والأكل والشرب، وتنزيهها عن مباشرة الأقذار والعورات. ومذهب مالك وعامة العلماء أنه إن فعل؛ أساء، وصح بحصول المقصود. وقال بعض الشافعية وأهل الظاهر: لا يجزئ؛ لأن النهي يدل على الفساد. *** * ص: (لا بأس بالاستجمار بغير الأحجار؛ من المدر والطين والخزف والآجر، ولا بأس بالخرق والقطن والصوف، ولا بأس باستعمال التراب والنخالة والسخالة). * ت: المشهور أنه يقوم مقام الحجر كل جامد، طاهر، منق، وليس بمطعوم، ولا ذي حرمة، ولا سرف، ولا فيه حق للغير. فالطاهر؛ احترازاً من النجس.

стр. 390

والجامد؛ من المائع، سواء الماء والطين؛ فإنه يلوث المحل. والمنقي؛ احترازاً من الزجاج ونحوه مما يُلَطِّح ولا يزيل. والمطعوم؛ احترازاً من المطعوم. وذي الحرمة؛ احترازاً من جدارات المساجد ونحوها. والسرف؛ احترازاً من الذهب والفضة والياقوت وغيره. وحق الغير؛ احترازاً من العظام والروث واللحم للجان. وفي الدارقطني: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها، ثم ليتطيب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب (١). وقال أصبغ: لا يجوز إلا بالحجر (٢)، وما كان من جنس الأرض، دون الخرق والصوف والقطن والنخالة والسحالة قياساً على التيمم، لأن كليهما طاهرة بالماء والجامد؛ فيكون [جامداً في أحدهما جامداً في الأخرى] (٣)، فإن فعل؛ أعاد في الوقت. والفرق (٤) للمشهور من وجهين: * الأول: أن الاستجمار إنما يزول عين النجاسة دون أثرها؛ لأن غسالة
следующие страницы →