← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال مالك في السليمانية: إذا استنجت؛ ليس عليها غسل ما بطن، بل ما ظهر، والبكر والثيب [في ذلك سواء] (١). والأحسن الجمع بين الماء والأحجار، وهو ظاهر قول مالك؛ فتستعمل الحجارة أولاً، والماء بعدها؛ لأن [المحل] (٢) يطهر بالإجماع؛ فكان أولى (٣). *** * ص: (ولا بأس بالاقتصار في الاستجمار على الأحجار). * ت: لما في «أبي داود»: أن النبي ﷺ قال: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب بثلاثة أحجار ليستطيب بهن، فإنها تجزئ (٤). وفي «الموطأ»: عن النبي ﷺ أنه سئل عن الاستطابة، فقال: أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟ (٥). [وظاهر هذا] (٦) جواز الاقتصار عليها، ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك؛ فجاز (٧). قال عبد الوهاب: إن اقتصر على أحدهما؛ فالماء أفضل، أو على الأحجار؛ جاز، ما لم يتعد المخرج، وما يقاربه (٨).

стр. 387

وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك إلا لمن لا يقدر على الماء (١). ونقل اللخمي عن مالك ترك العمل بالاقتصار على الأحجار (٢). قال اللخمي: وهو الحق؛ لأن أحاديث الاقتصار عليها إنما نقلت في السفر، وقياساً على طهارة الحدث لا يجوز العدول مع القدرة عليه (٣). قال سند: الأول أصح؛ وهو قول الجماعة، وأحاديث الاستنجاء وما حكي عن مالك في ذلك فهو ما وقع في كتب [الفتوى] (٤) وأصحابنا ينكرونه، ويقال إنه لا يخالف في ذلك أحد من المسلمين؛ إلا قوم من الزيدية والقاسمية. *** * ص: (ولا بأس بالزيادة على ثلاثة أحجار إذا لم تنق). لما تقدم من جواز الثلاثة (٥). * ت: لا خلاف في الزيادة إذا لم تنق الثلاثة؛ غير أنه يستحب الوتر، لقوله ﵇: من استجمر فليوتر، خرجه «أبو داود» (٦). فيتمادى إلى الخمسة، فإن لم تنق فإلى السبعة (٧). وعن مالك في «العتبية»: إذا أنقى حجر واحد أجزأه (٨).

стр. 388

فالمعتبر الإنقاء دون العدد (١). وقال أبو الفرج وابن شعبان: لا بد من ثلاثة أحجار (٢). فرع: في صفة استعمال الثلاثة أحجار؛ ثلاثة مذاهب: أحدها: أن المسح بكل حجر مستوعب للمخرج. قال الباجي: وهو قول أكثر العلماء. وثانيها: يمسح بالأول المصفحة اليمنى، وبالثاني اليسرى، وبالثالث المسروبة (٣)، اختاره أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وروى فيه أن النبي ﷺ قال: يكفي أحدكم إذا قضى حاجته أن يستنجي بثلاثة أحجار؛ حجرين للصفحتين، وحجر [ .. ] (٤). والأول أحسن؛ لأن الثالث يمكن خروجه نقياً، وفي الثاني لا يخرج نقياً؛ فلا يجزئ. وثالثها لبعض الشافعية: يبدأ بمقدم صفحته اليمنى، فإذا انتهى أداره إلى

стр. 389

مؤخر صفحته اليسرى، فيمر إلى مقدمها، ويأخذ الثالث فيديرها على جميعها. وروي أن النبي ﷺ كان يقبل بحجرين، ويلحق بالثالث. فرع: يستحب أن يبدأ بالاستنجاء لمخرج البول في قناة الذكر (١)، فلا فائدة في التعجيل حينئذ. ويكره أن يستنجي بيمينه إلا من ضرورة؛ لما في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: لا يمسك أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يمسح في الخلاء بيمينه (٢). قال عياض: إكراماً لليمنى من تخصيصها بأفعال العبادات والكرامات والأكل والشرب، وتنزيهها عن مباشرة الأقذار والعورات. ومذهب مالك وعامة العلماء أنه إن فعل؛ أساء، وصح بحصول المقصود. وقال بعض الشافعية وأهل الظاهر: لا يجزئ؛ لأن النهي يدل على الفساد. *** * ص: (لا بأس بالاستجمار بغير الأحجار؛ من المدر والطين والخزف والآجر، ولا بأس بالخرق والقطن والصوف، ولا بأس باستعمال التراب والنخالة والسخالة). * ت: المشهور أنه يقوم مقام الحجر كل جامد، طاهر، منق، وليس بمطعوم، ولا ذي حرمة، ولا سرف، ولا فيه حق للغير. فالطاهر؛ احترازاً من النجس.

стр. 390

والجامد؛ من المائع، سواء الماء والطين؛ فإنه يلوث المحل. والمنقي؛ احترازاً من الزجاج ونحوه مما يُلَطِّح ولا يزيل. والمطعوم؛ احترازاً من المطعوم. وذي الحرمة؛ احترازاً من جدارات المساجد ونحوها. والسرف؛ احترازاً من الذهب والفضة والياقوت وغيره. وحق الغير؛ احترازاً من العظام والروث واللحم للجان. وفي الدارقطني: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها، ثم ليتطيب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب (١). وقال أصبغ: لا يجوز إلا بالحجر (٢)، وما كان من جنس الأرض، دون الخرق والصوف والقطن والنخالة والسحالة قياساً على التيمم، لأن كليهما طاهرة بالماء والجامد؛ فيكون [جامداً في أحدهما جامداً في الأخرى] (٣)، فإن فعل؛ أعاد في الوقت. والفرق (٤) للمشهور من وجهين: * الأول: أن الاستجمار إنما يزول عين النجاسة دون أثرها؛ لأن غسالة

стр. 391

المحل بعده نجسة إجماعاً، وإذا عقل معناه تعدى لكل ذلك المعنى، والتيمم تعبد به؛ فيقتصر به على موارد النص الماء والصعيد؛ أي: أن الاستنجاء توسعة على المكلف؛ فيعم كل ما يحصل التوسعة، والتيمم تعبد؛ فلا يتعدى محل النص. فائدة: النخالة ما يخرج من الفأرة عند المسح، والسخالة ما يخرج عند النشر من الخشبة، وفي بعض النسخ: النخالة بالخاء المعجمة؛ لأنها لا ينتفع بها في المأكول، فلحقت بالجامدات، وإنما حرمتها الاختلاط؛ أما مع الانفصال فلا. *** * ص: (لا بأس بالاقتصار على حجر واحد إذا أنقى؛ كان ذا شعبة أو شعب عدة). * ت: في «البخاري»: أن رسول الله ﷺ أتاه ابن مسعود بحجرين وروثة، فرماها وقال: إنها رجس (١)، [والظاهر] (٢) الاقتصار على حجرين. وقال أبو الفرج وابن شعبان: من الثلاثة (٣). قال الأبهري: ليس يعرف عن مالك في العد نص، بل ما أنقى، وعليه شيوخنا. لأن الماء لم يراع فيه العدد؛ فكذلك بدله، ولو أنقى بحجرين أجزأه، فإذا لم يفي زاد حتى ينقي، كما أنه في الوضوء إذا لم يسبغ بمرة أعاد حتى يسبغ. احتجوا بأن الاستنجاء فيه إزالة النجاسة وتعبد من جهة العدد فلا بد من

стр. 392

الجمع بينهما، فإن لم يحصل الإنقاء زاد؛ كالمعتدة يبرأ رحمها بحيضة، وتزيد حيضتين تعبد، فإن ارتابت بعد الثلاثة زادت، ولا ينفرد التعبد في حقها، ولا البراءة. ولما في «مسلم»: عن سلمان الفارسي قيل له: لقد علمك رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (١). * والجواب عن الأول: أن العدة معقولة المعنى؛ بدليل غير المدخول بها لا عدة عليها في الطلاق، ولو كان تعبداً لوجب كما في الوفاة، وإنما زيادة الحيض لشرف الحرية، بدليل أن الأمة تستبرئ بحيضة، والأحجار هاهنا ليست معللة إلا بالإنقاء، وقد حصل بالواحد، ولم يحصل التفضيل للحرة بواحدة. * وعن الثاني: أنه معارض بما تقدم من الأحاديث. فرع: إذا جاز الاقتصار دون الثلاث؛ فإنه يستحب الثلاث لأن الموضع غير [مدرك] (٢) فيتوقع النقاء للنجاسة، وإنما اقتصر ﵇ لعدم الثالث، أو لأن حجراً له رأسان، وظاهر قول مالك أن الحجر ذا ثلاثة شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار، ومنعه ابن شعبان؛ بناء على التعبد في العدد (٣). قال ابن العربي: هذا خرق الإجماع؛ فإن كل من قال بالعدد اكتفى بحجر

стр. 393

له ثلاث شعب (١). *** * ص: (ومن ترك الاستجمار بالأحجار والاستنجاء بالماء حتى توضأ وصلى؛ فإنا نستحب له أن يستجمر، ثم يعيد وضوؤه في الوقت، فإن خرج الوقت؛ فلا شيء عليه). * ت: قال ابن القاسم في «العتبية»: يعيد في الوقت إن كان ساهياً (٢). قال ابن يونس: ويعيد الصلاة أبداً في تعمد الصلاة بالنجاسة (٣). وأما الوضوء: ففي الطراز: لا يلزمه؛ لأنه لا يتعلق الوضوء بالنجاسة. واستحبه ابن الجلاب؛ لأنه إذا استنجى فقد يخرج معه حدث من باطن الغضون، فيبطل الوضوء. وقيل: يختص ذلك؛ إذ الاستنجاء على الذكر، لأنه يمس ذكره؛ وفيه نظر. فرع: إذا نسي المتيمم الاستجمار فعليه إعادة تيممه. فإن لم يعده؛ [فالظاهر] (٤) بطلان صلاته؛ لأن من شرط التيمم اتصاله بالصلاة، وقد فصله بالاستجمار له.

стр. 394

ويحتمل الصحة، كما لو وطئ بنعله روثاً؛ فإنه يمسحه ويصلي. *** * ص: (وإن ترك استعمال الماء واقتصر على الأحجار؛ فلا إعادة عليه في وقت ولا في غيره). * ت: لما في «أبي داود»: قال رسول الله ﷺ : إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه (١). قال مالك: ويغسل ما هنالك لما يستقبله (٢). قال ابن بشير: إلَّا أن يفتقر إلى مس الذكر؛ فيعيد الوضوء (٣). *** * ص: (من عدت النجاسة أحد مخرجيه، فاستجمر وتوضأ ثم صلى، ثم ذكر بعد صلاته؛ غسل النجاسة عن موضعها، ثم أعاد صلاته، ولم يعد وضوءه ولا استجماره). * ت: قال عبد الوهاب: إذا انتشر عن ذلك الموضع؛ لم يجزه إلا الماء (٤). قال ابن القاسم: فإن قيل: من مضى كانوا [يبعرون] (٥) (٦)؛ قيل: كانوا يأكلون السمن واللبن وغيرهما مما يلين البطن، ونحن مثلهم في [الأحكام] (٧).

стр. 395

* ص: (وما قارب المخرجين ممّا لا بدَّ منه ولا انفكاك عنه؛ فحكمه عندي في العفو عن غسله حكم المخرجين، وقال ابن عبد الحكم: هو في الحكم بخلافه). * ت: قال سند: المعروف من المذهب أن ما قارب المخرج مثله. وقال المازري: وما بعد عن المخرجين فكالجسد؛ لا بد فيه من الماء، وابن عبد الحكم منع من القياس على الرخص، وهي مسألة خلاف (١). ***

стр. 396

باب المنع من استقبال القبلة للغائط والبول (قال مالك ﵀: يكره استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول في الأفضية كالصحراء والسطوح التي ليست عليها ستر، ولا بأس بذلك في الأبنية). * ت في (مسلم): أن النبي ﷺ قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا (١). وتقدمت أحاديث في ذلك. وفي الأبنية يكون الحائل بينه وبين القبلة؛ فيجوز، لما في «مسلم» و «الموطأ»: قال ابن عمر ﵁: رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ قاعداً لحاجته، مستقبل الشام، مستدبر القبلة (٢). وفي رواية: مستقبلاً بيت المقدس (٣). فيتعين حمل تلك الأحاديث على الأفضية جمعاً بينها. قال المازري: فاتفق المذهب في الفلوات بالمنع (٤). واختلف في الجواز في القرى والمدائن فالجواز؛ [لأن الستر] (٥).

стр. 397

[يحول] (١) دونهم، ومنع؛ لأن علة الجواز في المدائن مشقة الانحراف، فمتى قدر على [إجلال] (٢) القبلة فعل، وظاهر المذهب خلافه (٣). ويلاحظ في الخلاف معارضة فعله ﵇ لقوله؛ فيخصص به، أو يقدم القول، أو يتأول بأن الستر [ … ] (٤)، أو اختلاف العلة، فمن علل بالمصلين منع في الفلوات [والمدائن] (٥)، أو لحرمة القبلة منع مطلقاً؛ لأنه حائل دون جهة الكعبة، لأنها داخل المرحاض، والحائل دون المصلي؛ لأنه لا يدخل ذلك الموضع. قال اللخمي والمنع أحسن؛ ويلزم من علل بحرمة المصلين أن يجيز إذا ستر نفسه في الصلاة بثوب، وهو خلاف النص (٦). قال المازري: قال ربيعة وعروة وغيرهما بالجواز مطلقاً في الفلوات وغيرها، لحديث ابن عمر، ومنعه بعضهم مطلقاً للحديث المتقدم، وجمع مالك بينهما؛ لأن المراحيض قد يشق بناؤها في بعض الدور لغير القبلة، فسومح في ذلك، وهذا مفقود في الصحاري (٧). وفي «الترمذي» عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن استقبال

стр. 398

القبلة لبول أو غائط، فرأيته قبل موته بعام يستقبلها. قال «البخاري» في كتابه: هذا حديث صحيح. وفي الدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: ذكر النبي ﷺ أن قوماً يكرهون أن يستقبلوا القبلة لغائط أو بول، فأمر النبي ﷺ موضع خلائه أن يستقبل به القبلة، والصحيح؛ قال بعض أصحابنا: إن العلة حرمة المصلين، ولو كانت حرمة القبلة لاحترمها ﵇؛ لأنه سيد ولد آدم، وأشرف الناس تعظيماً لشعائر الله. قال عياض: وبالتفرقة بين الأبنية والفيافي: قال (ش) ولمالك قول بالمنع فيها إلا حيث يشق الانحراف في كنف. ومنع (ح) في مشهوره وابن حنبل مطلقاً لظاهر الحديث. وعن (ح) جواز الاستدبار دون الاستقبال؛ لأنه حديث ابن عمر، ولم ير الاستقبال في حديث ابن عمر. والفرق؛ أن الاستقبال يمتد معه النجاسة من الإحليل إلى جهة الكعبة والاستدبار تنزل النجاسة إلى الأرض. ومنع النخعي وابن بشير من استقبال القبلتين واستدبارهما بجامع التعظيم فيهما (١). قال سند: لا يكره استقبال بيت المقدس؛ لقوله عليه والسلام: لا تستقبلوا القبلة، وهو ظاهر في الكعبة، وقد خصصها بالنهي، وما روي أنه ﵇ نهى عن

стр. 399

استقبال القبلتين يحتمل أنه ﵇ نهى عن بيت المقدس لما كان قبلة فجمع الراوي بينهما ولأن هذا شأن المدينة أن من استدبر فيها بيت المقدس استقبل الكعبة. وأشار الباجي إلى منع استقبال بيت المقدس لغائط أو بول لما يحدث عن حديث ابن عمر، قال: الصلاة وإن نسخت بحرمة باقيها؛ فيكون المنع في بيت المقدس باقياً في الصحاري. فائدة: كيف جاز لابن عمر النظر إلى رسول الله ﷺ في هذه الحالة؟ قيل: كان ذلك من غير قصد اتفاقا أو يكون نظر أعلى جسده ﵇ لينظر كيف جلوسه ولم ينظر عورة ليستفيد الحكم. فرع: قال ابن القاسم: لا أحفظ عن مالك في استقبال القبلة في الجماع شيئاً، وأراه جائزاً؛ لما الرمي إنما ورد في الحديث وليس هذا مثله. وكرهه ابن حبيب؛ لأنه استقبال القبلة بنجاسة. وقال اللخمي: إن استتر؛ جاز في المدائن والقرى، أو انكشف؛ منع في الصحاري والقرى، ويختلف فيه في المدائن، وقد قال ﵇: إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد العيرين (١) (٢).

стр. 400

قال سند الظاهر مخالفته للحديث؛ لأنه مع السترة غالباً. قلت: قوله ﵇: غربوا أو شرقوا مخصوص بالمدينة، وما والاها من جهة الشمال واليمن وما والاها من جهة الجنوب للكعبة؛ لأن هذين القطرين إذا شرقوا أو غربوا بقيت الكعبة على أحد جنبي الجالس. أما من كانت قبلته للشرق نحو التكرور، أو الغرب نحو بلاد السند؛ فإن الحكم ينعكس في حقهم، ويمتنع التشريق والتغريب في حقهم، ويستقبلوا الشام أو الجنوب، [وأكثر] (١) أهل مصر من فقهائها لا يدري كيف يصنع بمصر؛ لأن قبلتها بين المشرق والجنوب، فيستقبل الجالس بها ما بين المغرب والجنوب، أما ما بين المشرق والشمال فيكون جهة الكعبة على جنبه، وكذلك المصلون، وعلى هذا القانون يحمل الحديث، ويعتد بالاستقبال في البلاد، وقد استوفيت هذه المباحث في كتاب الذخيرة (٢). ***

стр. 401

باب في مس المصحف (ولا يجوز لمحدث حدث الوضوء أو ما فوقه أن يمس المصحف ولا يحمله بعلاقته، ولا على وسادته، ولا بأس أن يحمله في خرجه وعدله وعيبته، وكذلك النصراني وغيره؛ لأن قصده حمل ما فيه المصحف لا المصحف). ت: لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]. قال اللخمي: اختلف فيه: فقيل: عنى مس الملائكة كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفِ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامِ بَرَرَة﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. وقيل: نهي لنا بلفظ الخبر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وروى مالك ﵀ أن في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهر (١) (٢). والاتفاق عليه؛ إلا قول داود: يحمله كل مسلم جنب أو حائض (٣).

стр. 402

ولا يعتد بخلافه. وحمل الآية على الخبر في الملائكة [يوهم من ليس مطهراً من الملائكة] (١)؛ وذلك إنما يصح في الأرض، فتعين حينئذ أن يكون أمراً؛ لأن خبر الله تعالى يجب أن يكون مطابقاً، ونحن نجده يمسه من ليس بطاهر، وأيضاً فإن إخبار الله تعالى عن تعظيمه في السماء يفيد أمرنا بتعظيمه في الأرض بذلك التخويف والتعظيم، فلا يمسه إلا طاهر وهو المطلوب، ولما منع الجنب من القرآن في المصحف إن لم يباشر لحرمة القرآن منع غير المتوضئ أن يقرأ في المصحف، ولأن المحدث ممنوع من الصلاة فيمنع من مس المصحف كالكافر، ويجوز حمله ونحوه لأنه ليس مقصوداً بالحمل، ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك في السفر وغيره (٢). فرع: لا يكره مس التوراة والإنجيل ولا الزبور؛ لأن النص إنما ورد في القرآن (٣). وما كان من غير لغة العرب لا يسمى قرآناً؛ بل لو كتب القرآن بالقلم الأعجمي؛ جاز للمحدث مسه؛ لأنه ليس بقرآن، بل تفسيراً للقرآن، مع أن هذه بدلت فلا تعلم أنها هي (٤).

стр. 403

فرع: قال مالك في «العتبية»: لا بأس أن يُعلّق الحرز من القرآن على الحائض والجنب والصبي في العنق إذا احترز عليه، أو جُعل في شيء يُكنّه ولا يُعلّق، وليس عليه شيء، ولا بأس أن يكتب ذلك للحُبلى يُعلّق عليها (١). قال سَند: لأنه خرج عن حِلية المصحف، وضاماً كُتُب التفسير والفقه، [فيحمله] (٢) المُحدّث؛ وإن فيه آيات من القرآن. قال مالك: يكتب الجنب الصحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم، ومواعظ وآيات من القرآن، ويقرأ الكتب التي تعرض عليه وفيها آيات من القرآن، وأرجو أن يكون خفيفاً. *** * ص: (لا بأس بحمل الصبيان المصاحف على غير طهارة، وكذلك كُتبهم القرآن على غير وضوء). * ت: قال الأبهري: لأنهم لو مُنعوا من حمل المصحف الجامع إلا بوضوء لشَقّ ذلك عليهم (٣)؛ لأنهم محتاجون لمسه لمداومة القرآن، كما أن المُحدّث محتاج للقرآن في غالب أحواله بل هم أشدّ، ولأن الصبيان لا تلزمهم عبادات الأبدان؛ فلا يلزمهم الوضوء للمصحف. قال ابن حبيب: يُستحب لهم حمل الأجزاء، ويكره المصحف الجامع إلا

стр. 404

بوضوء؛ لأن الضرورة لا تدعو إليه كالأجزاء (١). قال مالك في «العتبية»: يستحب للرجل المعلم إمساك اللوح في القرآن على غير وضوء لضرورة التعليم (٢). قال ابن القاسم وكذلك الحائض، وكذلك المعلم للصبيان، يشكل ألواحهم على غير وضوء (٣). وكرهه ابن حبيب (٤)؛ لأنه غير محتاج إلى مسه؛ لأنه حافظ، وإنما هذه صناعة وتكسب، ويمكنه أن يجعل ذلك في وقت مخصوص؛ بخلاف المتعلم. *** * ص: (لا يجوز للجنب أن يقرأ الكثير من القرآن، ولا بأس بقراءة الآيات اليسيرة مثل الآية والآيتين). * ت: في «النسائي»: عن علي ﵁ أنه قال له رسول الله ﷺ : اقرأ القرآن على كل حال ما لم تكن جنباً (٥). وخرج أيضاً: قال علي ﵁: كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء إلا [الجنابة] (٦).

стр. 405

وهو قول الفقهاء السبعة. قال اللخمي: المشهور عن مالك منعه من القراءة، ولم يفرق بين قليل ولا كثير (١). وفي سماع أشهب: يقرأ اليسير (٢). وفي «المختصر» ما ليس في «المختصر»: القليل والكثير (٣). قياساً على ذكره تعالى، ولقوله ﵇ في «مسلم»: إن المؤمن لا ينجس، وإذا لم يكن نجساً جاز له القراءة. قال ابن يونس: لا يقرأ إلا [الآية و] (٤) الآيتين عند أخذ مضجعه، ويتعوذ عند الارتفاع لا على وجه التلاوة (٥)؛ لأنه محتاج عند الخوف لذلك، وعند النوم. وقد نهى ﵇ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٦) [بكتاب] (٧) إليهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآية. قال: لم يجز (ح) إلا بعض الآية؛ لأنه ليس بمعجز (٨).

стр. 406

وهذا لا يسلم له؛ لأنَّ الإعجاز لا يدخل ها هنا، والحرمة ثابتة بجميع القرآن؛ ما قل وما كثر، بل المدركة الضرورة فقط، وقد تكون آية فقط كاملة وليست بمعجزة، كقوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]. ويؤكد المنع؛ أن ابن رواحة اتهمته امرأته بالجارية وجحدها، فطلبته بقراءة القرآن، فتخلص منها بإنشاده شعراً فصدقته، فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: امرأتك أفقه منك، فلولا اشتهار المنع حتى علمته النساء ما طلبته بالقراءة، ولو كانت مباحة لما احتاج هو إلى الإلغاز عليها، وكما منع من الصلاة تعظيماً لها منع من القراءة تعظيماً له، وإنما أبيح لغير المتوضئ؛ لئلا يؤدي إلى المنع العام لعموم الحدث الأصغر، بخلاف الأكبر. وبالمنع مطلقاً قال: (ش). *** * ص: (وقد اختلف قوله في قراءة الحائض للقرآن ظاهراً، فروى ابن القاسم وابن عبد الحكم إباحتها، وروى أشهب عنه منعها). * ت: المنع؛ قياساً على الجنب، لقوله ﵇: لا تقرأ جنب، ولا حائض شيئاً من القرآن (١). والإباحة؛ لطول أمرها، فيتوقع لنسيانها (٢) لمحفوظها بخلاف الجنب؛ [فإنه] (٣) قادر على رفع حدثه.

стр. 407

وقال ابن مسلمة: تقرأ في المصحف نظراً وغيرها يقلب [لها] (١) الورق (٢). قال ابن يونس: فإذا زال الدم لا تقرأ؛ لأنها قادرة على الطهر حينئذ كالجنب (٣). ***

стр. 408

باب الوضوء من الملامسة *** * ص: (ومن قبل امرأته أو جسّها؛ فعليه الوضوء وعليها إذا كانا ملتذّين بذلك، فإن التذ أحدهما دون الآخر فعليه الوضوء دونه؛ إلا أن يقبلها في فيها فيجب الوضوء عليه وعليها في كل حال). * ت: إن كانت قبلة على غير الفم؛ فلا خلاف في المذهب أنه يراعى فيها اللذة، أو على الفم؛ فخلاف (١). قال أكثر أصحابنا: يشترط فيها اللذة. وعن مالك في المجموعة: لا يشترط (٢). ونحوه لأصبغ في [النوادر] (٣) لما جاء في القبلة في الفم الوضوء، ولم يفصل اكتفاء بالمظنة (٤). وقال الله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، فمتى مسها أو مسته؛ فعليهما الوضوء إن وُجدت [اللذة] (٥)، وإلا فلا وضوء عليهما. وقاله ابن مسعود وابن عمر: أن اللمس ما دون الجماع، وأن القبلة من

стр. 409

الملامسة، ولأن الواجب حصول اللذة بالمباشرة؛ والكل في ذلك سواء (١). وإنما ذكر ابن الجلاب الزوجة؛ لأن عطاء خصص ذلك بالأجنبية واللمس المحرم فيه على الخلاف، وليس المراد الجماع كما قاله المخالف؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الجنابة، فلو حمل هذا عليها لزم التكرار، فيحمل على اللمس باليد؛ لأنه الظاهر، ونفياً للتكرار (٢). *** * ص: (لا وضوء عليه من مسه إياها لحكة أو مداواة أو في طهارة، وكذلك هي إذا دهنت رأسه أو لحيته فلم تلتذ بلمسه (٣)). * ت: في «الصحيحين»: قالت عائشة ﵂: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (٤). فلو كان مجرد اللمس ينقض الوضوء لبطلت صلاته ﵇، فتكون اللذة شرطاً جمعاً بين السنة والآية. وفي «مسلم»: عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة في الفراش فالتمسته فوقعت يدي على باطن قدمه وهو في السجود وهما منصوبتان (٥). [فدل] (٦) على أن اللمس وحده لا يكفي.

стр. 410

ولما فرق (ش) بين ذوات المحارم [وغيرها] (١) دل على أن اللمس وحده لا يكفي، وأنه لا بد من اللذة. ولأن المرأة لو مست المرأة لم تتوضأ لاندراجها في عموم الآية، ولو مست رجلاً لكان عليها الوضوء عندنا؛ إذا التذت، وعندهم؛ وإن لم تلتذ (٢). واشترط (ح) الانتشار، وهو تحريم على اللذة، فالتصريح بها أولى. *** * ص: (ومن مس شعر امرأته التذاذاً فعليه الوضوء، وإن [مسه] (٣) بغير لذة فلا وضوء عليه، وكذلك إن مس ظفرها أو سنها فعليه الوضوء). * ت: قال الأبهري: لأنه لو طلق شعر امرأته، أو ظاهر منه لزمه ذلك، كما لو فعل ذلك في عضو من أعضائها. ووافقنا (ش) على ذلك؛ مع قوله بعدم الوضوء في مس الشعر والسن والظفر وإن [التذ] (٤)، وهو ينقض أصله؛ لأنه يسمى مساً، لأنه لو قال: إن مسست امرأتي فهي طالق، أو عبدي فهو حر فمس ذلك؛ حنث [فيهما] (٥) (٦). *** * ص: (ولا وضوء عليه من مس ذوات محارمه، مثل: أمه أو ابنته أو أخته).

стр. 411

* ت: لما في «مسلم»: عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وأمامة بنت أبي العاص - وهي بنت زينب بنت رسول الله ﷺ - على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها (١)، ولو وجب بلمسها وضوء؛ لبطل وضوؤه ﵇. فإن كان لشهوة: قال ابن العربي: ينقض لظاهر النص (٢). وقيل: لا ينقض؛ لأن مالكاً قال: لمسهن لا ينقض، ولم يفصل. ولأنهن غير محل الشهوة غالباً؛ كالرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة (٣). ونبه ابن الجلاب على خلاف بعض الشافعية فقال: يجب الوضوء؛ [لأن غايته] (٤) أن يعرى عن اللذة، ونحن لا نشترطها، وأسقطه بعضهم. ***

стр. 412

باب الصلاة *** * ص: (ولا بأس بالصلاة بالجرح السائل دمه أو قيحه، وليس على صاحبه غسل ثوبه منه؛ إلا أن يكثر فيه، فيكون عليه غسله، وكذلك دم البراغيث). * ت: لأن عمر بن الخطاب ﵁ وجرحه يثعب دماً، خرجه مالك في «الموطأ» (١). قال الباجي: أي: يسيل (٢). وفي «أبي داود»: عن عمران بن حصين أنه قال: يا رسول الله إن بي الناسور يسيل مني، قال: إذا توضأت وسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك (٣). فمن به جراح أو قروح تسيل [فليداوها] (٤) بخرقة، ويمضي في صلاته، ولا يلزمه الإزالة للمشقة في ذلك، كالمستحاضة تصلي كما تستطيع، وكالخائف يصلى كما تيسر له؛ ماشيًا وراكباً وإلى القبلة وغيرها، وقد قال ﵇ في المستحاضة: تصلي ولو قطر الدم على الحصير (٥). وكذلك الثوب لا يغسل للمشقة إلا أن يكثر، فغسله مع الكثرة لا مشقة فيه،

стр. 413

وشدة عظم التفاحش في النجاسة. قال الأبهري: وقد خفف من المشقة [في] (١) الأكلة من اللحم؛ فيها يسير الدم، والكبد والطحال فيها الدم. وأما حد الكثرة في الثوب: فقال ربيعة: [إذا تفاحش] (٢) مظهره، أو تغير ريحه (٣). قال بعض أصحابنا وهذا أحسن؛ [لأنه يستقذر] (٤) صاحبه، وينفر منه، وهذه حالة لا تكون إلا بعد أيام؛ فلا مشقة في إزالتها. وهل هذا الغسل واجب أو مستحب؟ قال مالك في مدونته القرحة لاتزال تمصل؛ يدارها بخرقة، ولا يقطع لذلك صلاته، ولا يغسل ثوبه؛ إلا أن يتفاحش، ويستحب له غسله (٥). قال سند: يحتمل الندب؛ لأن أصل ذلك وقع معفواً عنه، ويحتمل الوجوب؛ لأنه إزالة نجاسة. *** * ص: (ولا يؤم المجروح بأحد من الأصحاء لنجاسة ثيابه، ولا يصلي

стр. 414

في ثوبه غيره، فإذا انقطع دمه أو قيحه؛ فليس عليه أن يعيد شيئاً من صلواته في الوقت، ولا بعده). ت: لا يؤم لنجاسة ثيابه عفي عنها في حقه للضرورة، ولا ضرورة تدعو للإمامة. قال سحنون: فإن أمّهم أجزأهم؛ لأنه صحت صلاته، فتصح الصلاة المرتبطة بها، بخلاف الصلاة في ثوبه لعدم الضرورة في حق غيره للباسه. والفرق بينه والقاعد يصلي بالقيام، والأمي [بالقراء] (١)، والمومئ بالساجد، ولا يصح في هذه الصور مع صحة صلاته؛ لأجل الارتباط، والطهارة ليس المأموم يتبع الإمام فيها فلم تقدح عدم طهارة الإمام في طهارة المأموم الحاصلة، ولا يعيد إذا صح؛ كالمريض إذا صح، والمتيمم إذا وجد الماء، فكلهم قاموا بفرض الوقت؛ فلا إعادة عليهم. ***

стр. 415

باب في سؤر الحيوان وولوغه في الآنية (والحيوان طاهر كله، ما أكل لحمه، وما لم يؤكل لحمه). * ت: وافق مالك في هذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم (١). وقال (ش): الكلب نجس (٢)، يغسل الإناء من ولوغه، لقوله ﵇: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات (٣). [والطهارة إذا أطلقت] (٤) تشعر بتقدم النجاسة، ودعي ﵇ إلى دار فأجاب، ودعي إلى أخرى فامتنع، فقيل له في ذلك، فقال: إن فيها كلباً (٥)، فقيل له: أما دخلت دار فلان وفيها هرة؟ فقال: إنها ليست بنجس (٦)، وهو يشعر بنجاسة الأول (٧). ولنهيه ﵇ عن ثمنه (٨)، وليس ذلك لشرفه؛ لأمره ﵇ بقتله، ولا يعدم

стр. 416

الانتفاع به؛ لأنه يشفع به في الزرع والصيد، فتعين أن يكون لنجاسته. لنا: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولم يأمرنا بغسل مواضع الأفواه؛ فهي طاهرة. وسئل ﵇ عن الحياض التي بين مكة والمدينة، فقيل له: يا رسول الله إنها تردها الكلاب والسباع، فقال ﵇: لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهورا (١). فسوى بين السباع والكلاب في الطهارة. ولأنه علل طهارة الهر بالطواف، والكلب يطوف علينا؛ فوجب أن يكون طاهراً. ولأن الحياة دارت معها الطهارة وجوداً وعدماً، والدوران دليل علة المدار للدائر، فوجب أن يكون كل حي طاهر عملا بالعلة، فأما الدوران فلأن بهيمة الأنعام ما دامت حية فهي طاهرة، وإذا ماتت حتف أنفها فهي نجسة، والعلة يجب طردها؛ فيكون كل حي طاهراً، وإنما كانت الذكاة طاهرة لأن الذكاة أخلفت الحياة، وعلل الشرع يعلل بعضها بعضاً؛ كعلل الغسل، والحد وغيرهما، ولأن الجنين يتبع أمه في الذكاة وغيرها، فإذا ماتت وبقي هو حي؛ لم يتبعها، فلولا أن الحياة منعت التبعية، ولا تنجس لأنه تابع [لدليل] (٢) ظاهر في علة الحياة، فيكون السؤر طاهراً من كل حيوان. والجواب عن أمره ﷺ بغسل الإناء: أنه تعبد؛ بدليل العدد، ولو كان

стр. 417

للنجاسة لما حده بسبع، ولما دخل الثواب فيه. وعن قوله ﵇: طهور إناء أحدكم (١) الحديث: أن الطهارة قد تذكر مع التعبد كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وهو تعبد أيضاً في هذه الآية، وقد رد [الحصر] (٢) به كقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله: ﴿يَمَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: ٤٢]، فلا تتعين النجاسة. وحديث الهرة إنما رواه الدارقطني؛ وهو لم يصح. وإنما نهيه ﵇ عن ثمن الصور وهي طاهرة إجماعاً، بل النهي لمكارم الأخلاق. ولأنه لما جازت الوصية به كان طاهراً كسائر الطاهرات، عكسه النجاسات. *** * ص: (وفضل الحيوان كله وسؤره طاهر مطهر، تجوز الطهارة به، ويجوز شربه والانتفاع به من جميع وجوهه). * ت: في الدارقطني: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ تمر به الهرة، فيضع لها الإناء فتشرب منه، ثم يتوضأ بفضلها (٣). وقالت أيضاً: كنت أتوضأ أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، قد أصابت

стр. 418

منه الهرة قبل ذلك (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يتوضأ بسؤر البعير والبقرة والشاة والبرذون والفرس. وقد قال [عمر بن الخطاب] (٢) لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا، قاله مالك في «الموطأ» (٣). وفي الدارقطني: سئل رسول الله ﷺ عما أفضلت الحمر أنتوضأ به؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع (٤). وروى سحنون في المدونة: سئل رسول الله صلى الله عليه سلم عن الحياض تردها السباع والكلاب فقال: لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً (٥). فرع: فإن وجد معه غيره من الماء: قال ابن القاسم: هما سواء؛ كسؤر الآدمي (٦). وقال مالك: غيره أحب إلي منه (٧).

стр. 419

لأنه مقطوع بطهارته، والسؤر مختلف فيه. *** * ص: (ويكره سؤر ما أكل الجيف منه). * ت: قال اللخمي: اختلف هل يبقى الحيوان يصيب النجاسة على حكمه؟ قيل: الإصابة في آسارها، وأعراقها، ولحومها، وألبانها، [وأبوالها] (١) (٢)؛ لأنَّ النَّجاسة استحالت كالخمر يصير خلاً، ولقوله تعالى: ﴿تُسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنَا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فدلت الآية على أن مخالطة الفرث والدم لا يمنع الطهارة بعد ذلك. وقيل: ينجس جميع ذلك؛ لنهيه ﵇ في «الترمذي»: عن أكل الجلالة وألبانها (٣). قال بعض المتأخرين: السؤر طاهر من كل حيوان على أصل خلقته ما لم يستعمل نجاسة (٤)، فإن اعتاد استعمالها (٥): فلا يقدر على الاحتراز منه إلا بمشقة ظاهرة؛ [كالفأرة] (٦)، والكلب المأذون في اتخاذه؛ فهو طاهر حتى تتيقن النجاسة فيه (٧).

стр. 420

أو يحترز منه بغير مشقة: فإن تيقنا طهارة فيه؛ فطاهر. أو نجاسة فيه؛ فنجس ما أكل أو شرب كالنجاسة إذا دخلت في ذلك المباشر (١). أو شك، فثلاثة أقوال: طاهر للأول. ونجس للغالب. وفرق ابن القاسم بين الماء ينجس، والطعام فلا ينجس لشربه (٢)، ويتيمم من لم يجد غير ذلك الماء، فإن صلى به ولم [يعلم] (٣)؛ أعاد في الوقت. قال سند: وهذا يدل على أنه طاهر عنده، وإنما يطرح لخفة المؤنة. وفرق بينهما بفرق آخر: وهي أنها إذا جاءت تشرب فالغالب أنها أكلت قبل ذلك نجاسة، وإذا أكلت الغالب عدم أكلها قبل ذلك. واختلف في الدابة تأكل روثها: فكره سؤرها بعض العلماء (٤). ولم ير ابن القاسم به [بأساً] (٥) واستحسن تركه؛ إلا أن [يرى] (٦) ذلك

стр. 421

عند الشرب؛ فإنه [ينجس] (١)، فإن [منعها] (٢) من ذلك [يعسر] (٣) (٤). وقيل: إن كانت بموضع طاهر؛ فهو طاهر، أو نجس؛ فهو نجس. قال المازري ﵀: ما يغلب عليه أكل النجاسة ينهى عن سؤره. وهل على سبيل الوجوب؛ [نظرا] (٥) للغالب، أو الندب؛ لعدم التحقق؟ قولان (٦). *** * ص: (ويكره سؤر النصراني، وما أدخله يده فيه، وكذلك الصلاة في ثوبه إذا كان لبيسا، وما إذا كان جديدا؛ فلا بأس به). * ت: الكراهة لغلبة استعمالهم النجاسة؛ من الخمور والخنازير وغيرهما (٧). قال مالك: لا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يده فيه (٨)، ولا بأس بفضل [شربه] (٩)؛ لأن ما في فيه ينزل إلى بطنه، بخلاف ما أدخل يده فيه. وهذا إنما [يتمشى] (١٠) في إناء ضيق الفم، يدخل في فمه، ولا يدخل فمه

стр. 422

فيه؛ كالإبريق، وإلا فلا. قال القاضي عبد الوهاب: وامتنع الوضوء منع كراهة (١). قال ابن القاسم في «العتبية»: من لم يجد غيره يتيمم كالدجاج المخلاة (٢). قال بعض أصحابنا: وعلى القول: بأنه يتيمم؛ فإن توضأ به عامداً أو جاهلاً وصلى؛ أعاد أبداً، أو غير عالم؛ في الوقت. قال سند: إذا قلنا بطهارة سؤره؛ فهل يحكم بطهارة ما يغسل به؟ أصل المذهب أن الماء على الطهارة والطهورية إذا بقيت صفاته. وقال مطرف وابن حبيب وابن عبد الحكم: لا يتوضأ من الحياض [التي] (٣) [يغسلون] (٤) فيها لأنهم جنب (٥). ولأن أبدانهم لا تنفك [عن] (٦) النجاسة، ولا يدينون بغسلها؛ فتبقى، بخلاف الأفواه والأيدي؛ [فإنها] (٧) أقرب للنظافة عادة. فرع: من شرب الخمر من المسلمين، ومن لا يتوقى النجاسة والأطفال في

стр. 423

السؤر؛ كالذمي (١). قال سند: وأصل هذا كله الكراهة، بدليل الطعام والشراب لم يختلفان ما أدخل يده فيه، فهو طاهر حتى تتيقن النجاسة. وما ينجسه الكافر لا يختلف فيه؛ لأن من شعائر الصالحين لباس الصوف الذي كان نسج في بلاد الروم؛ فكان يجلب من الشام، وهي أرض كفر. قال اللخمي: وكان القياس ألا يلبس حتى يغسل لنجاسة أيديهم (٢). وفي «أبي داود»: أن رسول الله ﷺ صالح أهل نجران على [ألفي] (٣) حُلَّة، النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها للمسلمين (٤). ولم ينقل عن أحد غسلها. والفرق من ثلاثة أوجه: * الأول: أن الضرورة تدعو للتجارة معهم، فلو امتنع ما نسجوه لأجل أيديهم امتنع أكثر ما يتجر فيه معهم؛ بخلاف الملبوس. * الثاني: أن غسل الجديد يفسده، بخلاف الملبوس. * الثالث: أنهم يبالغون في صون الجديد حتى في طيه وصونه بخلاف الملبوس.

стр. 424

ومن لبسه من لا يصلي من المسلمين؛ لا يصلي فيه حتى يغسل، فإن شك في البائع؛ هل يصلي أم لا؟ قال مالك: يسأل عنه إن قدر؛ وإلا فهو في سعة، فإن شك في الثوب نضحه كما نضح رسول الله ﷺ الحصير (١). قال اللخمي: الاحتياط الغسل، وهذا في القميص ونحوه، وأما ما في الرأس من عمامة ونحوها؛ فأمره أخف (٢). قال سند: وما [يلبس] (٣) في الوسط أشد مما يلبس على الرأس، وما ينام فيه أشد مما يتجمل به، ولكل شيء وجه. فرع: إذا قلنا بالغسل؛ فمن باع ولم يبين ما ينقص بغسله؛ [كالعمامة] (٤)، والثوب الرفيع، والخمار، والخف، ونحوه؛ فهو عيب، وما لا؛ فلا. *** * ص: (والكلب والخنزير طاهران، وسؤرهما من الماء مكروهان، وسؤرهما من الطعام والشراب وسائر المائعات مباح غير مكروه). * ت: تقدم الجنب في طهارته. وأما سؤر الكلب؛ فالأقل يغسل الإناء من ولوغه، وأقل [درجاته] (٥) الكراهة.

стр. 425

قال الأبهري: لم يأمر رسول الله ﷺ بإراقة الماء من ولوغه؛ لأنه نجس، بل استقذاره على البصاق ونحوه. قال سحنون: الكراهة إنما هي مع وجود غيره؛ وإلا فلا. قال القاضي عبد الوهاب: والحكم أنه طهور؛ لأنه حي، غير أن غيره أفضل منه (١). وهذا إذا كان الماء قليلاً، فأما الكثير فلا، لقوله ﵇ في الحياض تردها السباع والكلاب: لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً (٢). ومشهور المذهب: مساواة الخنزير (٣). وعن ابن القاسم: إنما غلظ لكثرة مباشرته للنجاسة، ولأنه نهي عن اتخاذه مطلقاً؛ فلا ضرورة للرخصة في أثره (٤). وأما الطعام والشراب فإراقتهما إضاعة مال، والماء خفيف؛ فيراق استحساناً. وقال عبد الملك عن أبي زيد: يطرح اللبن الحضري دون البدوي؛ لأن البدوي [يلابس] (٥) الكلاب. وفرق بينه وبين الماء ولغ فيه كلب فيعجن به، [فإنه] (٦) يطرح على كل حال.
следующие страницы →