← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عند الشرب؛ فإنه [ينجس] (١)، فإن [منعها] (٢) من ذلك [يعسر] (٣) (٤). وقيل: إن كانت بموضع طاهر؛ فهو طاهر، أو نجس؛ فهو نجس. قال المازري ﵀: ما يغلب عليه أكل النجاسة ينهى عن سؤره. وهل على سبيل الوجوب؛ [نظرا] (٥) للغالب، أو الندب؛ لعدم التحقق؟ قولان (٦). *** * ص: (ويكره سؤر النصراني، وما أدخله يده فيه، وكذلك الصلاة في ثوبه إذا كان لبيسا، وما إذا كان جديدا؛ فلا بأس به). * ت: الكراهة لغلبة استعمالهم النجاسة؛ من الخمور والخنازير وغيرهما (٧). قال مالك: لا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يده فيه (٨)، ولا بأس بفضل [شربه] (٩)؛ لأن ما في فيه ينزل إلى بطنه، بخلاف ما أدخل يده فيه. وهذا إنما [يتمشى] (١٠) في إناء ضيق الفم، يدخل في فمه، ولا يدخل فمه

стр. 422

فيه؛ كالإبريق، وإلا فلا. قال القاضي عبد الوهاب: وامتنع الوضوء منع كراهة (١). قال ابن القاسم في «العتبية»: من لم يجد غيره يتيمم كالدجاج المخلاة (٢). قال بعض أصحابنا: وعلى القول: بأنه يتيمم؛ فإن توضأ به عامداً أو جاهلاً وصلى؛ أعاد أبداً، أو غير عالم؛ في الوقت. قال سند: إذا قلنا بطهارة سؤره؛ فهل يحكم بطهارة ما يغسل به؟ أصل المذهب أن الماء على الطهارة والطهورية إذا بقيت صفاته. وقال مطرف وابن حبيب وابن عبد الحكم: لا يتوضأ من الحياض [التي] (٣) [يغسلون] (٤) فيها لأنهم جنب (٥). ولأن أبدانهم لا تنفك [عن] (٦) النجاسة، ولا يدينون بغسلها؛ فتبقى، بخلاف الأفواه والأيدي؛ [فإنها] (٧) أقرب للنظافة عادة. فرع: من شرب الخمر من المسلمين، ومن لا يتوقى النجاسة والأطفال في

стр. 423

السؤر؛ كالذمي (١). قال سند: وأصل هذا كله الكراهة، بدليل الطعام والشراب لم يختلفان ما أدخل يده فيه، فهو طاهر حتى تتيقن النجاسة. وما ينجسه الكافر لا يختلف فيه؛ لأن من شعائر الصالحين لباس الصوف الذي كان نسج في بلاد الروم؛ فكان يجلب من الشام، وهي أرض كفر. قال اللخمي: وكان القياس ألا يلبس حتى يغسل لنجاسة أيديهم (٢). وفي «أبي داود»: أن رسول الله ﷺ صالح أهل نجران على [ألفي] (٣) حُلَّة، النصف في صفر، والنصف في رجب، يؤدونها للمسلمين (٤). ولم ينقل عن أحد غسلها. والفرق من ثلاثة أوجه: * الأول: أن الضرورة تدعو للتجارة معهم، فلو امتنع ما نسجوه لأجل أيديهم امتنع أكثر ما يتجر فيه معهم؛ بخلاف الملبوس. * الثاني: أن غسل الجديد يفسده، بخلاف الملبوس. * الثالث: أنهم يبالغون في صون الجديد حتى في طيه وصونه بخلاف الملبوس.

стр. 424

ومن لبسه من لا يصلي من المسلمين؛ لا يصلي فيه حتى يغسل، فإن شك في البائع؛ هل يصلي أم لا؟ قال مالك: يسأل عنه إن قدر؛ وإلا فهو في سعة، فإن شك في الثوب نضحه كما نضح رسول الله ﷺ الحصير (١). قال اللخمي: الاحتياط الغسل، وهذا في القميص ونحوه، وأما ما في الرأس من عمامة ونحوها؛ فأمره أخف (٢). قال سند: وما [يلبس] (٣) في الوسط أشد مما يلبس على الرأس، وما ينام فيه أشد مما يتجمل به، ولكل شيء وجه. فرع: إذا قلنا بالغسل؛ فمن باع ولم يبين ما ينقص بغسله؛ [كالعمامة] (٤)، والثوب الرفيع، والخمار، والخف، ونحوه؛ فهو عيب، وما لا؛ فلا. *** * ص: (والكلب والخنزير طاهران، وسؤرهما من الماء مكروهان، وسؤرهما من الطعام والشراب وسائر المائعات مباح غير مكروه). * ت: تقدم الجنب في طهارته. وأما سؤر الكلب؛ فالأقل يغسل الإناء من ولوغه، وأقل [درجاته] (٥) الكراهة.

стр. 425

قال الأبهري: لم يأمر رسول الله ﷺ بإراقة الماء من ولوغه؛ لأنه نجس، بل استقذاره على البصاق ونحوه. قال سحنون: الكراهة إنما هي مع وجود غيره؛ وإلا فلا. قال القاضي عبد الوهاب: والحكم أنه طهور؛ لأنه حي، غير أن غيره أفضل منه (١). وهذا إذا كان الماء قليلاً، فأما الكثير فلا، لقوله ﵇ في الحياض تردها السباع والكلاب: لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً (٢). ومشهور المذهب: مساواة الخنزير (٣). وعن ابن القاسم: إنما غلظ لكثرة مباشرته للنجاسة، ولأنه نهي عن اتخاذه مطلقاً؛ فلا ضرورة للرخصة في أثره (٤). وأما الطعام والشراب فإراقتهما إضاعة مال، والماء خفيف؛ فيراق استحساناً. وقال عبد الملك عن أبي زيد: يطرح اللبن الحضري دون البدوي؛ لأن البدوي [يلابس] (٥) الكلاب. وفرق بينه وبين الماء ولغ فيه كلب فيعجن به، [فإنه] (٦) يطرح على كل حال.

стр. 426

قال مطرف البدوي والحضري سواء، وإنما يفرق بين القلة؛ فيطرح، والكثرة؛ فلا يطرح (١). قال سحنون: الهر أيسر من الكلب، والكلب أيسر من السباع؛ نظراً لمشقة التحرز (٢). *** * ص: (ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً إذا كان فيه ماء؛ للحديث، وكذلك يغسل من ولوغ الخنزير). * ت: لما في «مسلم»: قال رسول الله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات (٣). وفي بعض الطرق: وعفروه بالتراب (٤). وخرج أيضاً: طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (٥). وقال «أبو داود»: السابعة بالتراب (٦). ووافقنا (ش) (٧)، وخالف في نجاسته (٨).

стр. 427

وحكي ذلك عن سحنون، وعبد الملك (١). ووافق (ح) (ش) في النجاسة، وخالف في العدد؛ وقال: يغسل حتى ينقى (٢). وقال أحمد: يغسل سبعاً، والثامنة بالتراب (٣). وهل يغسل عندنا عند ولوغه؛ لأنه تعبد، أو عند استعماله؛ لأنه نجس؟ وقال بعض البغداديين: أصل مالك عند إرادة الاستعمال لا وقت الولوغ. قال سند ﵀: وجهه أن الإناء إنما يغسل ليستعمل؛ لأنه إن كسر لم يغسل أشقافه. وهل يشترط في غسله نية؟ قال الباجي: لا. وقال سند: يحتمل أن يتخرج فيه قول [آخر، بناءً على] (٤) مسألة النضح، أو يفرق؛ فإن غسل الإناء معلل بإزالة اللعاب، والنضح تعبد صرف؛ لأنه لا يزيل خبثاً (٥). ودليل أن الغسل تعبد تحديده بالسبع، والنجاسة لا تحد، وجمع فيه بين

стр. 428

الماء وغيره، [ولأنهم] (١) نهوا على اقتناء الكلاب فاقتنوها؛ فشدد عليهم بذلك. وأما التراب: فظاهر قول مالك: عدم اعتباره؛ لأنه كان يضعف العمل بالحديث، فكيف [بزيادة] (٢) التراب. واعتبره (ش)، وبعض المتأخرين منا. وهل يعم الكلاب، أو يخص غير المأذون في اتخاذه؟ قولان لمالك، مبنيان على أن الألف واللام للعمد؛ فيخص، أو للنجس؛ فيعم، وهو ظاهر المدونة؛ لقوله: وكان يرى الكلب من أهل البيت، إشارة إلى المأذون. قال ابن رشد: أراه معللاً بالسبع، فيستعمل سؤره؛ فيكلب مستعمله، وقد ظهر أن السبع لها مدخل في التداوي من السم وغيره، فقال ﵇: من يصبح على سبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر (٣) (٤) قيل: لو صح قول مالك بالتعبد لغسل الإناء كله، ولما اقتصر على موضع الولوغ؛ [دل على أن ذلك للنجاسة] (٥). قيل: الغسل يبيح لنا الاستعمال، وهو إنما يكون بباطن الإناء دون ظاهره.

стр. 429

واختلف في معنى قول مالك في الحديث: فكان يضعفه (١). قال أبو عمران: يضعف الوجوب، أو يضعف الحديث نفسه؛ لأنه آحاد عارضه القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. وقيل: [يضعف] (٢) العدد (٣). *** * ص: (وإن كان فيه غير الماء من الطعام والشراب؛ فقد اختلف قوله في غسل الإناء من ولوغه بعد الانتفاع بالطعام والشراب الذي فيه، فروى ابن القاسم عنه نفي غسله، وروى ابن وهب عنه إثباته). * ت: منشأ القولين عموم الحديث، أو هو مخصص بالعادة، والغالب أنهم إنما يهملون الكلاب فتصل إلى الماء، فيحمل الحديث عليه؛ لا سيما في فلات الحجاز. قال عبد الوهاب: الأقيس رواية ابن وهب؛ لأن العرف الفعلي لا يخصص العموم؛ بخلاف العرف القولي، وكونها لا تلغ غالباً إلا في الماء عرف فعلي، وهو لمعنى. وإذا قلنا بالغسل مطلقاً، أو من الماء؛ فهل على الوجوب؛ لتسويته في رواية ابن وهب بين الماء والطعام، أو على الاستحباب؛ لقوله في المدونة: إن كان يغسل ففي الماء وحده؟.

стр. 430

ولفظ (إن) يقتضي عدم الملزوم. وعنه: ليس غسل الإناء سبع مرات بالأمر القوي؛ بناء على أن الكلب طاهر لا حدث ولا خبث؛ فيضعف الوجوب. أو يقال: الأصل في الأمر الوجوب، ولأن المقصود التغليظ وهو يناسب الوجوب. فإن ولغ كلب في إناء ولغات؛ فهل يغسل لكل واحد منها سبعاً؛ قياساً على حالة الانفراد، ولأن الأصل عدم تداخل الأسباب، ولأن المقصود التشديد، أو يكتفى بسبع للكل؛ كأسباب الطهارة إذا تكررت؟ ويستحب أن يغسل بغير الماء الذي فيه الأمر بإراقته، والخلاف: فإن فعل أجزأ؛ لأنه لو تطهر به أجزأ، وما صلح للوضوء صلح لغسل الإناء. *** * ص: (والظاهر من قوله نفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير سبعاً؛ لعدم الأثر الذي فيه، وقد روى بعض المدنيين عنه غسله اعتباراً بالكلب). * ت: قال ابن القصار عن مالك: يغسل سبعاً كالكلب (١). ولأنه يباشر النجاسات ويأكلها، فهو أولى بالغسل. ولأن الكلب ينتفع به، والخنزير لا ينتفع به، [فالغسل] (٢) منه أولى. ولأنه أغلظ في التحريم من الكلب وأشدُّ استقذاراً؛ فكان أحق بتكرير الغسل.

стр. 431

ووجه الرواية الأخرى: أن غسل الإناء من الكلب تعبد؛ وهو يمنع القياس، فإن استخرج معنى يشبهها فينبغي لغيرها لو وجد ذلك المعنى، وليس هو مذهبه (١). ولأن سائر النجاسات المجمع عليها ليس فيها عدد. ثم إن التغليظ وقع في الكلب تنفيراً من اقتنائه، والخنزير لا يقتنيه المسلمون [فيما] (٢) يحتاجون [إليه] (٣). ***

стр. 432

باب في المسح، وفي العصائب والجبائر *** (ومن كانت به شجاج أو قروح أو جراح في أكثر جسده وهو جنب، أو في أعضاء وضوئه غسل ما صح من جسده، ومسح على العصائب والجبائر المشدودة على جراحه وقروحه). * ت في «أبي داود»: عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصابت رجلاً منا حجر فشجته في رأسه، فاحتلم، فقال لأصحابه هل تجدون لي من رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إن لم يعلموا، فإنَّما شفاء العي السؤال، وإنما كان يكفيه أن يتيمم [ويعصر] (١) أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده (٢). وفي الدارقطني: عن علي ﵁ أنه قال: انكسرت إحدى [زندي] (٣)، فأمرني رسول الله ﷺ أن أمسح على الجبائر (٤). وقال به كافة الفقهاء، وقياساً على الخفين، بل مشقة النزع هاهنا أكثر (٥).

стр. 433

وأما قوله: يسقط استعمال الماء منه؛ وقد تقدم في التيمم. وأما قوله: إن كانت في يسير جسده أو أعضاء وضوئه؛ غسل ما صح من جسده؛ فلأنه من غسل الأكثر يُقال اغتسل، بخلاف اليسير؛ ولهذا كان فرضه الغسل، ومن كان [أقله صحيحاً] (١) تقدم فيه التيمم، وإذا اغتسل في الكثير لم يكن إهمال البقية؛ لوجوب غسل الجميع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، فمسح الباقي على العصائب. وهل هو واجب؟ قاله مالك؛ فإن لم يمسح أعاد الصلاة أبداً (٢). أو سنة؟ قاله (ح) (٣)؛ لأن التطهير لم يحصل. لنا بالقياس على الخفين. والمسح على جميع الجبيرة، فإن ترك بعضها لم يجزه؛ قياساً على مبدلها الذي هو الغسل. والفرق بين الجبيرة والخف؛ أنها ضرورة، ومسح الخفين رخصة؛ لجواز إمكانه، بدليل جواره، والرخصة مبنية على التوسعة؛ بخلاف الضرورة. وبينها وبين التيمم [أنه] (٤) عبادة [لها] (٥) حكم الاستقلال؛ … ... …

стр. 434

[فنابت] (١) بأصلها عن الوضوء والغسل، وسقط بقية الجسد، والمسح على الجبيرة بدل عن الوضوء؛ فيناسب أن ينوب مناب المبدل في موضعه (٢). فرع قال أبو إسحاق: إن ربط على الجبيرة؛ مسح على جملة الرباط، وإن كان على الموضع الصحيح؛ للضرورة لذلك، وهذا إذا كان متى حلّ ذلك ومسح على الجبيرة نفسها شق ذلك [عليه] (٣)، وربما أضر بالجروح، وإلا؛ حل الرباط، ومسح على الساتر للجروح خاصة، وغسل السالم، وأعاد الرباط (٤). قال اللخمي: وكذلك [الفصادة] (٥) يحل العصابة ويمسح ما تحتها، فإن أفسد الحل أمر الجبائر مسح على العصابة، وإن كان تحتها صحيحاً. فرع: فإن سقطت العصابة العليا التي مسح عليها؛ وجب عليه أن يمسح ما تحتها، كخلع الخف من فوق خف، قاله ابن القاسم في «العتبية»: يقطع، ويعيد، ويمسح عليها (٦). قال عبد الحق: إن عجز عن المسح والغسل وأن يربط على العضو شيئاً

стр. 435

[للمادة] (١) انتقل للتيمم، ولا يؤمر بغسل ذلك الموضع، ولو صلى بالغسل صلى بطهارة غير تامة، والتيمم طهارة تامة، فإن كانت في موضع للتيمم فتعذر المسح والغسل والتيمم غسل السالم من جسده؛ لأن الغسل الناقص أولى من التيمم الناقص. *** * ص: (سواء شدَّها على طهارة، أو على غير طهارة، بخلاف المسح على الخفين؛ لأنها طهارة ضرورية، فلم يشترط فيها رفع الحدث). * ت: لأن رسول الله ﷺ أمر علياً ﵁ بالمسح في الحديث المتقدم، ولم يسأله عن تقدم الطهارة؛ فدل على جوازه مطلقاً. ولأنها تأتي بغتة يتعذر فيها استعمال الماء على الجرح، ويشق ويتعذر فيه دفع الجرح عنه، بل يقع كرهاً، بخلاف الخف؛ يقع اختياراً، يمكنه تقدم الطهارة عليه قبل لبسه، ويتعذر قبل الجرح. قال (ش): إن شدَّ الجبيرة على غير طهارة أعاد الصلاة (٢). لنا: أنه أتى بما أمر به؛ فلا يعيد، كالمتيمم إذا فقد الماء، والمكفر يصوم عند عدم الرقبة. قال اللخمي: من [خشي] (٣) أن يمسح برأسه في الوضوء؛ جاز له أن يمسح على العمامة، وإن لم يكن لبسها على الوضوء، وكذلك الجنب يخشى

стр. 436

كشف رأسه (١). *** * ص: (إذا صحَّتْ تلك المواضع والأماكن وهو على طهارة نزع العصائب والجبائر عنها؛ وجب عليه غسل أماكنها في الفور). * ت: لأن المسح كان للضرورة، وقد زالت؛ فتعين الغسل، كالخف إذا نزعه فيغسل على الفور، على قاعدة الموالاة والخلاف فيها، وقد تقدمت. فإن لم يغسل ويمسح ما تحت الجبيرة: قال سند: بطلت صلاته اجماعاً. والفرق بين الجبيرة والخف يجب تطهير ما تحتها بعد زوالها، بخلاف الشعر يحلق، وقد زال الحائل في الجميع. قال عبد الحق: إن المسح على الرأس أصل، ولذلك لو كان لا شعر له مسح [وسمي] (٢) هذا بدلاً، فرجع المبدل. قال سند: وهذا ينتقض بجبيرة الرأس؛ فإنه يمسح قبلها وبعدها، بل الفرق: أن الشعر رأس؛ لأنه من الترأس وهو العلو. ولأن [قصد الماسح] (٣) إنما هو [الرأس] (٤) لا الشعر، بخلاف الخف وهو المقصود؛ لأن الرجل حكمها الغسل، فلما تلقى الخف الحدث عنها شرع

стр. 437

فيه، وله طهارة تليق به؛ وهو المسح. وكذلك الجبيرة عندنا لا يعيد- إذا غسل ما تحت الجبيرة- الصلوات الماضية، خلاف (ش). لنا: [قياس] (١) المسح على الخفين والتيمم؛ لأنه لم يرد في النصوص المتقدم ذكرها الأمر بالإعادة، ولأنه مأمور بالصلاة إجماعاً حالة المسح، وقد أتى بما أمر به، ولو كان في صلاته خلل لم يؤمر بها؛ كالمحدث ونحوه من فاقد ركن أو شرط، وطريان الصحة كطريان الأمر على [المسابقة] (٢)، والماء بعد التيمم. وقد قال (ش): إنما أمر بالصلاة تنوينا، ويلزمه ذلك في المريض وغيره. *** * ص: (قال فإن أخر ذلك عامداً ابتدأ الطهارة، وإن أخره ناسياً غسل وبنى). * ت: هذا يتخرج على الخلاف في الموالاة. قال ابن القاسم: ويُعيد الصلوات، كمن نسي بعض وضوؤه الواجب، أو بعض غسله. إلا أن يغتسل لجنابة أخرى، فيعيد ما قبلها. قال ابن رشد: يجزئه غسل الوضوء فيه عن غسل الجنابة؛ لأن الفعل لهما واحد وهما فرضان، كالحائض تنسى الجنابة؛ إلا أن تكون في الرأس (٣)، فإنه فرضه الغسل، وصح الوضوء، [ولا] (٤) ينوب فيه، بخلاف من تيمم للوضوء.

стр. 438

ناسياً للجنابة لا يجزيه؛ لأن التيمم للوضوء نائب عن أعضاء الوضوء، و [التيمم] (١) للجنابة نائب عن جميع الجسد، فلا تجزي النيابة عن البعض النيابة عن الكل، والغسل في الجرح لم ينب عن غيره؛ لأن الحكم فيه [في] (٢) الوضوء والغسل غسل موضعه خاصة، فأجزأ أحدهما عن الآخر. و [قال] (٣) محمد بن مسلمة في التيمم أيضاً: ينوب عن تيمم الجنابة؛ لأن فعلهما واحد (٤). *** * ص: (وإن نزع الجبائر المداواة الجرح، ثم أعادها؛ لزمه إعادة المسح عليها في الحال). * ت: لأن المسح بطل بالنزع؛ فيعيده، بخلاف الخف ينزع ثم يرد قبل غسل الرجل؛ لا يمسح عليه، لاشتراط الطهارة في مسحه دون الجبيرة. فرع: قال سند: إن [حلّها] (٥) للمداواة وأمكن أن يمسح نفس الجرح فقال: لأن مسح الأصل أولى من مسح الفرع، ويجب عليه ذلك. وإن كان المسح على الجبيرة وطال بعد ردها، فهل يُعيد الوضوء أو يبني، وهو ظاهر كلام ابن الجلاب؟

стр. 439

قال سند: يتخرج فيها قول عن من نسي عضواً من أعضاء وضوءه ثم ذكر بحيث لا ماء، وطال أمره في طلبه، وكذلك من أعد له من الماء قدر كفايته فأريق من غير تفريط، هل يبني فيما بعد؟ خلاف؛ منشؤه النظر إلى التفرقة، أو العذر. ولو سقطت الجبيرة، وطال من غير عذر، ولا ردها، ولا مسح الجرح؛ بطلت طهارته للتفرقة، ولا فرق بين وقوعها ابتداء، وبين وقوعها بعد الوضوء. ***

стр. 440

باب في الماء وما ينجسه *** (ودواب الماء كلها طاهرة، حية كانت أو ميتة، وكلب الماء وخنزيره طاهران، وإذا سقط شيء من ميتات الماء في ماء أو مائع فغيره لم ينجسه، وما وقع في الماء منه فغيره بطول مكثه فيه منعه التطهير، فكان طاهراً غير مطهر). * ت لنا: الكتاب، والسنة، والقياس. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] الآية. قال عمر بن الخطاب ﵁: صيده ما [اصطيد، وطعامه ما رمى به] (١). قال (ح): تحرم ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقياساً على ميتة البر. جوابه: إنما [خصص] (٢)، فتخصص بها الأولى، وعن الثاني؛ الفرق أنَّ الاستقذار في ميتة البر أشدُّ، ويتأكد التخصيص بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ فيحمل على فائدة أخرى غير الصيد، ويؤكد قوله ﵇: هو الطهور ماؤه الحل ميته، وهو في «الترمذي»، وقال حديث: صحيح (٣).

стр. 441

والقياس: أنه ليست له نفس سائلة، فيجوز ميتته؛ كالجراد (١). وخالف ابن نافع مالكاً في الضفدع؛ فقال: ينجس، وينجس الماء الذي وقع فيه؛ لأن له لحماً ودماً كحيوان البر (٢). وإنما ذكر ابن الجلاب: الماء والمائع لئلا يكون اقتصاره على الماء أن المائع يخالف؛ لأن الماء لا ينفك عن دوابه، ولأن الماء يدفع عن نفسه. *** * ص: (وما ليس له نفس سائلة من دواب البر كالبعوض والذباب والعقارب وما أشبه ذلك فلا ينجس ما وقع فيه من الطعام والشراب وما سقط في الماء منه وكثر فغيره فهو طاهر غير مطهر). * ت: لما في «البخاري»، و «أبي داود»: أن النبي ﷺ قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه (٣). في أحد الروايات: إن في أحد جناحيه داء وفي الأخرى دواء (٤). زاد الأبهري: وأنه يقدم الداء ويؤخر الدواء، والذباب مع ضعفه إذا غمس مات لاسيما في الطعام الجاري لا يعيش غالبا ولو كان الطعام ينجس بالموت لما أمر ﵇ بذلك مع نهيه ﵇ عن اضاعة الأموال، ولا خلاف في الخل يموت فيه دوده والفول يموت فيه سوسه لا ينجس ولأن ميتة ما له نفس سائلة إنما

стр. 442

نجست لأجل الدم بدليل إنما أمرنا بذكاته لإخراجه من أيسر الجهات فيكون هو سبب التنجيس وعدم العلة علة لعدم المعلول فيكون ما لا دم فيه لا نجاسة فيه إذا مات وهو المطلوب. وروى القاضي في «الإشراف»: قوله ﵇: كل شراب أو طعام وقعت فيه دابة ليس لها نفس سائلة فماتت فيه؛ فهو [حلال] (١) أكله وشربه والوضوء [منه] (٢) (٣). وقال (ش): علة التنجيس الموت؛ فيجب طرده حتى في دود الخل، لكنه لم يقل بنجاسة الخل (٤). وعندنا: العلة الدم (٥). وألحق ابن القصار البرغوث بما له نفس سائلة؛ لوجود الدم فيه (٦). وخالفه سحنون (٧). وقاله (ح) في الفرض مع أن فيه دماً (٨).

стр. 443

فائدة: النفس لفظ مشترك بين الدم؛ لقوله (١): خير النفوس السائلات جهرة … على ظباة المرهفات والقنا والذات تقول: رأيت زيداً نفسه. وبمعنى الروح، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. ونفست المرأة من الأول؛ أي: سال منها دم. قال ابن يونس: إذا وقع الخشاش في طعام، وتفرقت أجزاؤه حتى لا يتميز؛ فلا يؤكل الطعام؛ إلا أن يكون كثيراً، أو الخشاش يسيراً؛ كالقملة تقع في ثريد. قال عبد الحق: هذا إذا قلنا الخشاش لا يؤكل إلا بالذكاة وهو الصحيح. قال أبو عبيدة: الخشاش بفتح الخاء، وبرفعها. قال عبد الوهاب: الزنبور والعقرب والصرار وبنات وردان ونحو ذلك مما لا نفس له كدواب البحر؛ لا ينجس في نفسه، ولا ما مات فيه، فعلى هذا يستعمل الماء، ويؤكل الطعام؛ وإن طال مكثه فيه، وتفرقت أجزاؤه، وتغير الطعام؛ لأن المخالط له طاهر (٢). وإن تغير الماء؛ كان طاهراً غير مطهر. وهذه مسألة مبنية على الجراد؛ هل يفتقر إلى ذكاة في أكله فيكون الخشاش

стр. 444

كله كذلك؟ أم لا، فيكون أيضاً مثله؛ كالخنافس والعقارب ونحوها إذا أراد التداوي بها قطف رؤوسها. وإذا قلنا لا بد من هذه الذكاة فوقع ذباب أو شيء من الحشرات في شيء [٠٠] (١) قال عبد الحق [ .. ] (٢) الحشرات بالجراد إذا لم يرد، وأبيح على القول بإباحته فيه نظر؛ لما في بعض الآثار: أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان الجراد والحوت (٣). وقال كعب: الجراد نثره جرت، وإن كان عمر ﵁ لم يرض قوله. والخشاش لا أصل له في الماء، ولا في جواز أكله أمراً إذا مات. وأما نجاسة الطعام؛ فإنما ذلك بما له لحم ودم، وإلا فلا يضر سقوطه وموته؛ وقاله الأبهري. قال عبد الحق: إذا بيع طعام وقع فيه خشاش لا بد من بيانه للمشتري، إما لنفور النفوس منه، وإما لنجاسته. *** * ص: (وإذا وقعت دابة مما لها نفس سائلة كالفأرة والدجاجة وما أشبه ذلك من سائر الحيوان في بئر ماتت فيه؛ فإن لم يتغير لون الماء ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر؛ إلا أنا نكره استعماله مع وجود غيره). * ت: أصل ذلك: الكتاب، والسنة، والقياس. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله

стр. 445

تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، فجعل الطهر صفة لما يطلق عليه اسم الماء، فإذا لم يتغير بقي الاسم على إطلاقه؛ فيطهر. وفي «الترمذي»: قيل لرسول الله ﷺ : أيتوضأ من بئر بضاعة وهو بئر يلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب والأتن فقال ﵇: خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، حديث حسن. وفي الدارقطني: إلا ما غلب على ريحه أو طعمه، فوجب بقاء الماء على الطهورية حتى يرد عليه ما يرفع حكمه. والنظر هو أن الطهورية إن كانت لصفة من صفات الماء فصفاته باقية أولى من لوازمه، وهو باق يوجب بقاء الطهورية قياساً على سائر الصور التي فيها علة الحكم، ولأن الأولين كانوا يردون الحياض والغدران، ويعلمون أن السباع تردها والطير فيتوضؤون منها، [ .. ] (١) الاستعمال. وأصل المذهب وقاعدة ما حكاه أبو مصعب عن مالك: أن الماء طهور كله؛ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه، لنجاسة حلَّت فيه، كان معيناً أم لا (٢). وقال بعض أصحابنا: الماء خمسة أقسام: مطلق (٣)؛ وهو طاهر مطهر، وهو ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض؛ كالأنهار، والآبار، والغدران، والملح، والعذب، والبارد، والحار (٤).

стр. 446

والمطلق هو الذي لم يضف له شيء غيره، مما ليس له صفة له؛ من تربة، أو خلقة، أو متولد منه، أو ما لا ينفك غالباً. قال اللخمي فإن تغير بما يتولد فيه؛ كالطحلب وخز الماء والضريع، أو يحدث عن قراره؛ كالحمأة، أو من قراره؛ كالكبريت والزرنيخ والشب والنحاس وحديد؛ فهو طاهر مطهر، تغير منه وهو في قراره، أو صنع منه إناء فتغير الماء منه. وقد فرق بعضهم بين تغير هذه الأشياء حال كونها قراراً أو طرحت فيه، وهما سواء. ولم يكره أحد ممن مضى الوضوء بالدلو الجديد على سرعة تغير الماء فيه منه، وقد ثبت أنه ﵇ كان يتوضأ من إناء صفر (١) (٢). * الثاني: الماء النجس؛ وهو ما تخالطه نجاسة؛ فغيرت أحد أوصافه الثلاثة، قليلاً كان أو كثيراً، فلا يشرب ولا يباع. وقال اللخمي: والخلاف إنما هو في تغير الريح؛ لقول مالك وغيره: إنه نجس، للحديث المتقدم. وقال عبد الملك: طاهر؛ لأن الرائحة لم تذكر في بعض طرق الحديث، ولو كانت تؤثر لذكرت (٣). قال اللخمي: إن كانت الرائحة عن المجاورة دون الحلول لم ينجس؛ لأنها

стр. 447

بغير جسم [حلّ] (١) في الماء، وكذلك لا يجب غسل الثوب من رائحة النجاسة (٢). واختلف فيما يستقر به؛ بالجواز والمنع [ .. ] (٣) بماء المضاف إلى شيء طاهر مما ينفك عنه غالباً، فغير أحد أوصافه، فهو طاهر غير مطهر لنجاسة ولا حدث، يجوز بيعه وشربه ويبين البائع؛ لأنه عيب. قال المازري: القليل فيه كالكثير، وخرج بعض المتأخرين أنه كره كالقليل إذا حلته نجاسة، وهو غير صحيح؛ لأنه إذا حلَّت النجاسة لم تغيره بنجاسة ماء [ندرة] (٤) للخلاف، وإذا لم يتغير بها لم يتغير حكمه اتفاقاً؛ فلا يكره للخلاف (٥). * الرابع: في الماء المشكوك فيه لوقوع الخلاف فيه (٦). قال بعض أصحابنا: نجس؛ وظاهره أنه سلب الطهارة والتطهير، لقوله ﵇: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً. مفهومه: أن دون القلتين يحمل. وظاهر قول مالك أن وصفيه باقيان، لقوله ﵇: الماء طهور الحديث. ولأن الأنهار العظيمة تبعث إليها النجاسات من جهات كثيرة، وهو طهور

стр. 448

إجماعاً، فدل على أن التطهير التغيير؛ علته الفساد، فحيث لا يتغير يبقى الحكم فيطرد في القليل والكثير، وهذا كالماء الذي شرب منه الدجاج المخلاة، أو ولغ فيه كلب، أو وقعت فيه نجاسة لم تغيره (١). * الخامس: الماء المستعمل. قال ابن القصار: هو أن يجمع ما توضأ به من الحدث، أو اغتسل به من الجنابة، فيكره عند مالك استعماله في الطهارة مرة أخرى. وقال ابن القاسم: لا يستعمل؛ وإن لم يجد غيره تيمم. وقال الأبهري: يتوضأ به، ويتيمم احتياطاً (٢). والجواب عن حديث القلتين: أن رواية الوليد بن كثير وهو إباضي صاحب بدعة لا يقلد في الرواية، وابن إسحاق؛ قد ضعف مالك، وابن حنبل وغيرهما. سلمنا صحته؛ لكن قوله ﵇: لم يحمل خبثاً، أي: يضعف عن حمل النجاسة تظهر عليه فتغير أحد أوصافه، فهذا إشارة إلى أن التغير سبب التنجيس، فيدور التطهير معه وجوداً وعدماً. وقال اللخمي: في اليسير إذا لم يتغير بنجاسة؛ أربعة أقوال: طهور، نجس، يستحب تركه مع وجود غيره، مشكوك فيه (٣). وقال (ح): ما حلته النجاسة نجس؛ إلا أن يعلم أن النجاسة لا تعمه، وضابطه

стр. 449

أن لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر. لنا: النصوص المتقدمة؛ وهي تدل بمنطوقها، والحديث وإن صح؛ إنما يدل بمفهومه، فيقدم المنطوق عليه. فرع: قال المازري: تثبت النجاسة بخبر الواحد العدل، وإن كان امرأة أو عبداً؛ لأنه باب رواية؛ وهو ظاهر قول عمرو بن العاص: هل ترد حوضك السباع؟ أنه يقبل قوله في ذلك (١). تقدم الحديث. وكراهة ابن الجلاب مراعاة للخلاف؛ ولأن النفوس تنفر من ذلك، فيكره في القرب [ .. ] (٢) مع وجود غيره. فلم يجد غيره؛ فخمسة أقوال: * أحدها: المشهور؛ يصلي به؛ لأنه واجد للماء فلا يتيمم. * الثاني: يرفعه حتى يضيق العدم؛ قاله سحنون. * الثالث: يتركه ويتيمم؛ قاله سحنون أيضاً. * الرابع: يجمعه مع التيمم في صلاة واحدة؛ قاله عبد الملك، ويقدم الوضوء به لتحقق العدم. الخامس: يصلي صلاتين ويبدأ بالتيمم ليسلم من النجاسة؛ قاله سحنون.

стр. 450

قلت: هاهنا بحثان: * الأول: الاستدلال بظاهر القرآن على جواز استعمال الماء المستعمل مشكل؛ بسبب أن قوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ فعل في سياق الثبوت فلا يقتضي التكرار؛ بل المرة الواحدة، وقد جعلت [ .. ] (١) وجوب النص. * الثاني: أن العلماء اختلفوا في الموجب للمنع في الماء المستعمل؛ هل كونه مزيلاً للمانع، أو أديت به عبادة؟ فعلى الأول؛ يختص بالمرة الواحدة في الوضوء دون الثانية والثالثة؛ لأن المانع إنما أزيل بأوله فقط، ومخرج الأخريان وتجديد الوضوء؛ لأنه لم يزل مانعاً من الصلاة. ويندرج غسل الذمية من الحيض؛ لأنه أزال مانعاً. وعلى التعليل الثاني؛ تندرج الثلاث في الوضوء، والتحديد دون غسل الذمية؛ لأنها لم ترد عبادة، وإلى الأول أشار بقول مالك: ولا يتوضأ بما يتوضأ به مرة، ولا خير فيه. فقوله: مرة؛ أشار إلى ما ذكرناه. *** * ص: (ويستحب أن ينزح من البئر شيء بغير حد على قدر كثرة الماء وقلته، وصغر الدابة وكبرها). * ت: التحديد يتوقف على السمع؛ قال ذلك في آبار المدينة، فيستقى

стр. 451

منها [حتى] (١) [تطيب] (٢) إلى التيقن أنه لم يبق شيء من الساقط. قال بعض أصحابنا: قوله: آبار المدينة؛ يقتضي الآبار الصغار؛ بخلاف الكبار لا يؤثر فيها ذلك [ … ] (٣) الدجاج ونحوها (٤). قال عبد الملك في «الواضحة»: الآبار الصغار تفسد بما مات فيها، وإن لم يتغير، وآبار [السواني] (٥) لا تفسد ولو مات فيها شاة؛ إلا أن يتغير (٦). قال مالك في المجموعة: إذا ترامت الدابة، أو سال فرثها، أو دمها، ولم يتز لع نُزْف ذلك؛ إلا أن يغلبهم (٧)، وهو يقتضي أن ينزح جميعه؛ إلا أن يغلبهم؛ فينزح حتى لا يبقى من النجس شيء في اعتقادهم، وهذا إذا كان يتجدد غير [المنزوح] (٨)، والقليل ينزح كله، فإن لم يتز لع ولا سال دمها ولا فرثها فلا بد أن تخرج رطوبات دهنية فينزح بقدر ما يطيب به النفس استحباباً؛ لأن الماء لا يتغير فهو طهور (٩). قال بعض المشايخ: ينبغي للنازح ألا يملأ الوعاء؛ لأن الدهنية تعلو فترجع

стр. 452

مع ملئه إلى البئر، فإن أروحت نزحت حتى تذهب الرائحة من غير تحديد؛ قاله مالك (١). وقال عبد الملك: خمسون دلواً. قال أحمد بن المعذل: استفتى عبد الملك قوم في بئر وقعت فيها فأرة فقال: انزحوا أربعين، خمسين، ستين، سبعين دلواً، ثم قال: إنما قلت ذلك؛ ليعلموا أن أقل هذا يجزئهم، وأكثره أحب إليَّ، فلو قلت: خمسين لأبطلت عليهم تسعة وأربعين؛ وهي مثلها، ومنعتهم من ستين؛ وهي أبلغ. قال ابن أبي زمنين: هذا في الكثير والقليل ينزح كله إذا لم يشق؛ قاله مالك. وأصل النزح [الإسحار] (٢) لبقاء الماء على أوصافه، ويستحب تطهير الآنية وغيرها التي يصيبها الماء، هذا في الآبار، أما المواجن فينزح كلها، وتغسل بعد ذلك لعدم مادتها. قال عبد الملك: إذا وقعت ميتة في بئر لم يضرها وإن تغيرت رائحتها؛ حتى يتغير اللون أو الطعم، ولا يؤمر أهلها بنزحها، وإن ماتت فيها؛ نزح منها ما يطيب النفس (٣). وقال أصبغ: سواء ماتت فيها أو وقعت (٤)، بل الواقع أشد؛ لأنه إذا ماتت خارج البئر ثم وقعت انحل من جسدها ما يحمل عليه وبرز، والأولى يقال: إذا ماتت

стр. 453

خارجها تلامست رطوبتها بالهواء فخف أمرها، وإذا ماتت في البئر اجتمعت تلك الرطوبات كلها في الماء، وعند زهوق النفس تنفتح المسام، وتخرج الرطوبات، وربما فتح فاه في الماء لطلب الفرج فيمتلئ جوفه ماء ثم يسيل في الماء. *** * ص: (ومن لم يجد إلا ماء ولغ فيه كلب توضأ به ولم يتيمم عند مالك، وقال عبد الملك، ومحمد: يتوضأ به ويتيمم ويصلي صلاة واحدة). * ت: قال في المدونة: لا يعجبني أبداً الوضوء إن كان قليلاً (١). وقال في المجموعة: غيره أحبُّ إليَّ (٢). قال عبد الحق: القليل ينحصر فيه لعاب الكلب فيصير مضافاً، وهو أخف من الدجاجة المخلاة؛ لأن نجاستها تبقى في فيها، والكلب يلحس ذلك بلسانه، والجمع بينه وبين التيمم؛ لأنه ماء مشكوك فيه؛ فيزول بالجمع. وعن ابن القاسم: فيطرحه ويتيمم؛ لأمره ﵇ بإراقته، كما تقدم الحديث (٣). قال ابن العربي: وهذا خارج عن الأصل؛ لأنه إن كان طهوراً توضأ به، أو مشكوكاً فيه لم يفسده. قال مالك: إن توضأ به مع وجود غيره لم يعد؛ ولا في الوقت. وعن ابن وهب يعيد في الوقت كالماء اليسير تقع فيه نجاسة لم تغيره. قال سند: قال عبد الملك: الكلب نجس (٤).

стр. 454

* ص: (ومن لم يجد إلا ماء وقعت فيه نجاسة لم تغيره؛ فإنا نستحب له أن يتوضأ به ويتيمم، فإن اقتصر على الوضوء وترك التيمم أجزأه، والاختيار ما ذكرناه، ويبدأ بالوضوء قبل التيمم، ثم يتيمم ويصلي صلاة واحدة، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: يتيمم ثم يتوضأ ويصلي صلاتين إحداهما بالتيمم والأخرى بالوضوء ليسلم من وجود النجاسة على جسده). * ت: فيه خمسة أقوال: * قال الباجي: المشهور أنه طهور لظاهر القرآن المشترط في التيمم عدم الماء، وهذا واجد له، ولأن التيمم لا يرفع الحدث وهذا يرفعه. * الثاني: يريقه؛ قال الباجي: قاله سحنون؛ لأنه يرجع بإراقته حتى يتحقق العدم، ولا يستعمله؛ لأن فيه احتمال النجاسة. * الثالث: يتوضأ ويتيمم، قاله سحنون؛ لأن المصلي به لا يأمن النجاسة، فأشبه من ببدنه نجاسة ومعه ما يزيلها به، فإنه يزيلها ويتيمم (١). * الرابع: قال عبد الملك: يتوضأ ويتيمم لصلاة واحدة، ويقدم الوضوء لتحقق العدم، ولو اقتصر عليه لخلاف ألا يجزئه، والجمع بينهما يحصل اليقين؛ فإن اقتصر على الماء أعاد، ولو قدم التيمم لوقع باطلاً؛ لأن أصلها أن هذا الماء طهور (٢). * الخامس: يصلي صلاتين؛ قاله سحنون، ويقدم التيمم ليصلي سالم

стр. 455

الأعضاء من النجاسة (١). قال اللخمي: إن اقتصر على التيمم أعاد؛ وإن ذهب الوقت (٢). *** * ص: (من كان معه إناءان أحدهما طاهر والآخر فيه نجاسة لم تغيره، ولم يتميز له الطاهر من النجس فأشكل ذلك عليه فالحكم في ذلك أنه يتوضأ بأيهما شاء لأن ما لم يتغير من الماء بنجاسة حلت فيه فهو طاهر مطهر، والاختيار أن يتوضأ بكل واحد ويصلي صلاتين ويغسل أعضاءه من الإناء الثاني قبل أن يتوضأ به، ثم يتوضأ ويصلي). * ت: قال ابن العربي: فيها خمسة أقوال: * أحدها: أنه يصلي بكل واحد منهما صلاة؛ قاله سحنون (٣)، ليحصل اليقين، ولو اقتصر على أحدهما جاز أن يكون انتجس، وإن تركهما لم يتغير عدم الماء الذي هو شرط التيمم، وكمن نسي صلاة من خمس ولا يغسل أعضاء وضوئه؛ لأن الوضوء من الثاني يتضمن رفع الحدث، وإزالة النجاسة، فهي لا تفتقر لنية. * الثاني: يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يغسل أعضاءه من الإناء الثاني ويتوضأ به؛ قاله ابن مسلمة، وابن الجلاب (٤). * الثالث: يتركهما ويتيمم؛ لأن التحري لا يسقط الفرض بيقين، وإلزام

стр. 456

وضوءين وصلاتين خلاف الأصول، والتيمم طهارة متيقنة، ولأنها لما لم يصح الاقتصار على أحدهما، ولا الجمع بينهما؛ صار في حكم العدم، فإن انقلب أحدهما قبل الوضوء بهما فلا أعلم نصا لأصحابنا في ذلك، وعندي؛ يتيمم عند من قال به عند وجودهما؛ لأن الواجب هو الشك وهو حاصل، ويتوضأ بالباقي عند من يقول يتوضأ بهما ويتيمم؛ لأن جمعهما إنما كان ليحصل اليقين وهو حاصل ها هنا. وهل يقدم التيمم؟ يتخرج على القولين في يسير الماء خالطته نجاسة، فيقدم؛ ليسلم من النجاسة، أو يقدم الوضوء؛ لأن التيمم لا يجوز مع وجدان الماء (١). * الرابع: يتحرى أحدهما، قاله ابن المواز؛ قياساً على القبلة إذا تساوت الأدلة. وفرق بعضهم بأن جهات القبلة كثيرة جداً، وتعين شيء من شيئين أسس من تعيين كثير من أشياء، ولأن القبلة يجوز تركها مع القدرة في تطوع السفر والمسايفة، ولا يجوز الوضوء بالنجس على حال. * الخامس: قال ابن القصار: إن كانت كثيرة شتى تحرى وإلا امتنع التحري؛ لأنَّ استعمال الأواني اليسيرة يخف أمرها، وربما كان أخف من التحري؛ فيتوضأ من كل إناء ويصلي (٢). فرع: قال سحنون: لو كان معه مع ذلك ثوبان أحدهما نجس، توضأ بأحد هاذين،

стр. 457

وصلى في كل ثوب صلاة، ثم يتوضأ بالأول، ويصلى في كل ثوب صلاة، فإن حضرت صلاة أخرى، وعرف ما توضأ به آخراً صلى في كل ثوب صلاة، ثم يتوضأ بالأول، ويصلي في كل ثوب صلاة، فإن لم يعرفه؛ صلى بوضوئين، في كل ثوب صلاتين مع كل وضوء. *** * ص: (وإن كان معه ثلاثة أواني طاهران ونجس؛ فإنه يتوضأ باثنين ويترك واحداً، وإن كان نجسان وطاهر؛ توضأ منهما ثلاث مرات وصلى ثلاث صلوات، وعلى هذا ترتيب حكم الأواني إذا كثرت). * ت: ضابط هذا أن يزيد على عدد النجس واحدة؛ لأن أسوأ أحواله أن يستعمل الخبيثة كلها، فبالزائد عليها يحصل يقين الطهارة. فرع: إذا قلنا يتحرى فيتوضأ بواحد مجتهداً، وحصل فيه ما استحب له أراقه؛ لئلا يلزمه الاجتهاد في الصلاة الأخرى، فإن تركه لزمه الاجتهاد كالقبلة لا يرد من إعادة الاجتهاد فيها، فإن أراه اجتهاده لطهارة الثاني؛ توضأ به وصلى كالقبلة إذا تعين اجتهاده فيها، ثم إذا وجد الماء أعاد الصلاتين جميعاً؛ لأن إحداهما باطلة، كما إذا نسي المنسي بعينها. قال المازري: إن قطع بخطئه في الأولى يغسل ما أصابه منه وأعاد الصلاة، كالحاكم إذا أخطأ النقض؛ ينقض، فإن ظن خطأ يخرج على القولين في نقض الظن بالظن في القضاء، فإن كان مع [ .. ] (١) يتبين الطهارة توضأ به وتركها (٢).

стр. 458

فرع: رجلان اجتهدا في إناءين، فإن اتفقا صح أن يؤم أحدهما الآخر، وإلا فلا؛ لأنه يعتقد بطلان صلاة إمامه، فإن فعل؛ صحت صلاة الإمام. وإن كانوا ثلاثة، والأواني نجسان وطاهر؛ لم يأتم أحدهما بالأخر، أو طاهران ونجس جاز أن يؤمهم أحدهم؛ لأن كل واحد منهم توضأ بطاهر، وأما متى لم يتعين لهما النجس؛ فإن صلى بهم آخر صلاته ثانية صحت صلاة الإمام الثاني والإمام الأول؛ لأنه مخطئ أمامه، وبطلت صلاة الثالث في هذه الثانية؛ لأنه وإن لم يحتط الأول أخطأ الثانية، وقد حكمنا بصحة الأولى تبطل الثانية، فإن صلى بهم الثالث صلاة ثالثة صحت صلاة الإمام دون صلاتهما؛ لأن كل واحد منهما صلى خلف الآخر فتعين النجس. * الثالث: وإن كانت أربعة والطاهر واحد؛ فقد تقدم حكمه. أو طاهران ونجسان فصلى كل واحد منهم بهم صلاة واحدة؛ صحت الأولى للكل، والثانية لإمامهما وإمام الأولى والثالثة والرابعة صحيحتان لإمامهما دون المأموم. أو ثلاثة طاهرة وأم كل واحد منهم صاحبه صحت الأولى والثانية للكل، والثالثة للإمامين الأولى والثانية ولإمامهما ولا يصح الآخر. قال ابن العربي: وعقد هذا متى كان الطاهر واحداً امتنع ائتمام أحد من الجماعة بصاحبه أو كان لكل واحد أن يصلى خلف واحد، أو ثلاثة كان لكل واحد أن يصلي خلف اثنين، أو أربعة صار لكل واحد أن يصلي خلف ثلاثة،

стр. 459

وكذلك فيما كثر (١). فرع: إن شك هل وقع في إنائه نجاسة أم لا؟ توضأ به؛ لأن الشك لا يغير حكماً. فإن كان معه طاهر طهر والآخر مستعمل؛ توضأ بهما جميعاً، لأنهما طهوران عندنا. قلت: المجتهدون في الإناءين والثوبين والكعبة لا يؤم أحدهما الآخر إجماعاً، والمجتهدون في مسح الرأس والتدليك في الغسل ونحوهما يجوز أن يؤم أحدهما الآخر على الصحيح. وذكر هذا للشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ فقال: ذكر هذا للشافعي من ثلاث مائة سنة فلم يجب عنه. قال: والجواب عنه: أن هذه صورة نادرة في الاجتهاد؛ فمنع الائتمام فيها لا يؤدي إلى تعطيل الجماعات، بخلاف مسائل الاجتهاد لا يكاد تعرى منها عبادة، فلو منعنا الائتمام أدى ذلك إلى عدم الجماعات، وهو مطلق به الحصول في الشرع، ووقع بعد وفاته ﵀. جواب حسن من قاعدة حسنة؛ وهي: أنَّ قضاء القاضي ينقض إذا خالف أربعة أشياء؛ الإجماع، والنص، والقياس الجلي، والقواعد. وما لا يقره شرعاً إذا تأكدهما القاضي أولى أن لا يقره إذا لم يتأكد، فلا يصح التقليد فيه ولا الفتوى، ففي الأواني والقبلة ونحوهما؛ المأموم يعتقد أن

стр. 460

إمامه خالف أمراً مقطوعاً، أما القبلة، فلأنها مجمع عليها، أو غيرها من هذه المسائل، فلأن من قدَّر في مسألة اجتهاداً تأملا فيها فذلك حكم الله في خصمه بالإجماع، فصلاة من صلى بنجاسة وهو يقلد من يعتقد بطلان الصلاة بها صلاته باطلة إجماعاً، أما في مسح الرأس ونحوها واتباعه مثلا إنما يعتقدون أن [من] (١) خالف ظاهراً محتملاً للتأويل، ومثل هذا لا تنقض به الأقضية، فلم يخالف قاطعاً، ولا ظنياً ذلك في حقه؛ فصح تقليده كما أنا لا نقضي به الأقضية (٢). ويوضحه: فرع: إذا وقع في إناء ورق عصفر يتوضأ به المالكي، جاز للشافعي أن يأتم به؛ لأنه لم يظن أنه خالف قاطعاً، ولو كانا معاً يقلدان من يعتقد نجاسته ما ألبس بعده فاجتهاداً فيهما لم يؤم أحدهما الآخر؛ بسبب أنَّ المأموم يعتقد ويظن أنَّ إمامه مخالفاً للإجماع المنعقد على اشتراط النجاسة في حقه، لأجل أنه قلد من يقول بذلك، فهذا سؤال آخر، وجواب آخر، وقد بسطت هذه المباحث في كتاب الإحكام في الفرق بين الفتوى والأحكام (٣). ***
следующие страницы →