← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهذه ركعة من العشاء (١). ومنشأ الخلاف: هل آخر الوقت لأول الصلاتين؛ فيكون مدركاً لهما، أو لأحدهما فيدرك العشاء فقط؟ وهذا أيضاً مبني على ملاحظة أن الصلاة الأولى يجب تقديمها لأجل الترتيب، فيكون آخر الوقت لها، أو هي تسقط عن رب العذر؛ فتكون الأخيرة. فرع: إذا طهرت المسافرة لثلاث ركعات قبل الفجر؛ فعلى القول بالاشتراك: قال ابن القاسم في المجموعة: يلزمها الصلاتان؛ ركعتان للعشاء، وركعة للمغرب، وقاله سحنون (٢). وعن مالك: ليس عليها إلا العشاء (٣). وقال أصبغ، وابن القاسم في «العتبية»: لأن آخر الأوقات لآخر الصلوات، ولا تجب المغرب وتسقط العشاء، فيتعين سقوط المغرب لئلا يطلع الفجر عند فراغها منها فتسقط العشاء، ولاحظ في القول الأول بقاء ركعة بعد الصلاة الأخيرة (٤). قال أصبغ: هذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم، وأخبرته أن ابن

стр. 492

عبد الحكم نازعني فيها، وقال: عليه الصلاتان، فقال: أصبت أنت، وأخطأ ابن عبد الحكم. وسئل سحنون فقال: أصاب ابن عبد الحكم، والوقت لآخر الصلاتين، وكذلك قبل الفجر ثلاث ركعات تسقط الصلاتان (١). قال ابن يونس: فيضرب هذا الأصل ثلاثة أقوال: قول: يراعي أنها تدرك الأولى، وركعة من الثانية، ويقدر الابتداء بالأولى. وقول: يراعي أنها تدرك صلاة وركعة من الأخرى، على أن الابتداء بالأولى أو بالآخرة؛ فأيهما بدأت صح لها ذلك صلاهما جميعاً، وتبتدئ بالأولى. وقول: يجعل الوقت كله للأخيرة، فما فضل جعله للأولى، وإن لم يفضل جعلها فائتة (٢). قال ابن حبيب: وتصلي الظهر والعصر بثلاث ركعات اتفاقاً؛ لأنها بأي صلاة ابتدأت بها بقي للأخرى ركعة، فإن طهرت لأربع ركعات من النهار ثم ذكرت منسية؛ فالوقت لها عند ابن القاسم، وتسقط غيرها؛ لأن المنسية تستحق الوقت، ومنع الشرع من إيقاع غيرها كمانع الحيض وغيره (٣). وقال أصبغ: تصلي معها العصر (٤)؛ قياساً على أرباب الاختيار إذا أخروا الصلاة حتى ضاق الوقت؛ لم يختلف أنهم يصلون ما حضر وقته بعد المنسية،

стр. 493

وعلى الفرق بأن المختار متعمداً، وصاحب العذر معذور، فناسب عذره السقوط. فرع: إذا طهرت لأربع ركعات بعد الاغتسال؛ فصلت العصر وبقيت ركعة: قال مالك أيضاً: تصلي الظهر والعصر (١)؛ لأنَّ أول الوقت الظهر، وقد تبين خطؤها في حذرها، فلو قدرت خمس ركعات فبدأت بالظهر فغابت الشمس بعد ركعة منها أضافت لها ركعة وصلت العصر؛ لأنه لا تسقط الصلاة الواجبة بخطئها أو بعد ثلاث ركعات جعلتها نافلة وصلت العصر. قال أصبغ: لو قطعت في الوجهين ولم تضف كان واسعاً (٢)، ويكون القطع بسلام، وخرَّجها اللخمي على الخلاف في ذاكر صلاة في صلاة؛ صلى منها ركعة أو ثلاثاً (٣)، وخرَّجها ابن يونس (٤) على الخلاف فيمن أقيمت عليه المغرب وهو في المغرب؛ قال: فعلى مذهبه في المدونة يقطع بعد [عقد] (٥) ركعة؛ فيلزمه هاهنا، [إذ] (٦) لا يجوز التنفل حينئذ، وعلى قوله يشفع الركعة [يشفع] (٧) هاهنا؛ لأنه يتعمد ابتداء [التنفل] (٨).

стр. 494

فرع: إذا قدم المسافر غير متوضئ قبل الغروب بخمس ركعات فلمّا توضأ بقي أربع ركعات فأقل؛ صلى الظهر سفرية، والعصر حضرية (١). فرع: فلو ابتدأت الصلاة قبل الغروب بركعة فغربت الشمس فحاضت: قيل: لا يجب عليها قضاؤها؛ لأن إدراك ركعة كإدراك أربع، فقد حاضت في وقتها. وقيل: تقضي؛ لأنَّ الثلاث في حكم ما يقضى لفواته، وقد حاضت بعد الفوات. قال اللخمي: الأول أشهر، والثاني أيسر، وليس الحائض تطهر كالطاهر تحيض؛ لأن تلك [لضرورة] (٢)، وهذه مختارة، وقد أمر ﵇ الحائض أن تأتي بالعصر إذا أدركت ركعة، ولا أعلم في هذا خلافاً بين الأئمة؛ أنَّ عليها أن تأتي بأربع ركعات قبل الغروب، وركعتين في الصبح قبل الشمس، فإذا أخرت أثمت. وقال بعض المتأخرين: الثلاث ركعات [قضاء] (٣)، ويلزم عليه إذا [سافر لركعة] (٤) قبل الغروب ولم يصل العصر أن يصلي أربعاً؛ لأنَّ الثلاث في الذمة، وهو في معنى القاضي؛ بخلاف الحائض تطهر بمقدار ركعة [ثم تسافر] (٥) (٦).

стр. 495

* ص: (وإدراك الحائض لطهرها وفراغها من غسلها، فأما المغمى عليه والكافر والمجنون فيحتمل أن يشترط في إدراكهم حصول الطهارة منهم، ويجوز أن يراعى إدراك الوقت). * ت: هل يشترط إدراك زمان الطهر والسترة أم لا؟ فاشترطهما محمد ومطرف وغيره. وعن مالك: يشترط زمان الطهر (١). قال ابن أبي زيد في النوادر: ولم يختلف في الحائض تطهر، بخلاف غيرها (٢). وقال ابن القاسم في «العتبية»: يراعى في المغمى عليه وقت الوضوء من غير تفريط (٣)، أي: الحائض والمغمى عليه معذوران لا يتمكنان من الفعل؛ إلا بعد شروطه. وقال عبد الملك: يكفي وقت الإفاقة (٤)؛ لأن المانع للحائض حدثها، وهي بعد انقطاع دمها محدثة، والمانع في المغمى عدم عقله، وقد حضر عقله؛ فيتوجه الخطاب. وأما الكافر: فقال ابن القاسم في العتبية: يكفي وقت الإسلام (٥)، لقول مالك: إنه لا

стр. 496

يُكفُّ عن الأكل إذا أسلم في بعض يوم، ويقضي يوماً مكانه، فالصلاة أولى؛ لأنه عذر له في تأخير الإسلام بخلاف غيره. وقال سحنون، وأصبغ: تعتبر مدة الطهارة في الجميع (١)؛ لأن الكافر بالإسلام يسقط عنه التغليظ والمؤاخذة بما تقدم. فرع: قال أبو محمد: ينبغي ألا يختلف في الصبي كالحائض (٢). يلزم من الاقتصار على وقت زوال العذر إذا بقي للمغرب مقدار ركعة؛ أن يتيمم ويصليها في الوقت، كالحضري يخاف خروج الوقت أن يستعمل الماء. فرع: إذا [أدركت] (٣) الصلاة فتوانت الحائض فيها حتى خرج الوقت: قال سحنون في المجموعة: تنظر لو اجتهدت ولم تفرط ما كان يبقى، ثم تبني عليه وتقضي ما يلزمها قضاؤه (٤). فإن لم تفرط وعاقها عائق: قال ابن القاسم في «العتبية»: إن طرأ حدث بعد الطهر للحائض أو المغمى عليه قضيا ما لزمهما قبل الحدث، ولو علما قبل الصلاة أن الماء نجس أعادت

стр. 497

الظهر، ثم تنظر الآن ما يبقى بعد هذا الطهر فيعملان عليه، ولو لم يعلما حتى صليا وغربت الشمس لم يعيدا الصلاة. وعن ابن القاسم وسحنون: التسوية بين الحدث ونجاسة الماء (١). ورجع ابن القاسم للفرق؛ نظراً للتفريط أو لعدم المكنة، وقد استمر حكم الإسقاط، ومن فرق بين الحدث والماء لأنَّ في الحدث زال حكم الحيض وارتفع حدثها بالغسل، وطرو الحدث عليها كطروه على من توجهت عليه الصلاة، وينبغي أن يتيمم إذا خاف فوات الوقت بخلاف نجاسة الماء؛ لأنه لا يرفع الحدث فيمنع توجه الفرض كما لو دام الحيض. وقال أشهب: إذا علمت بالنجاسة التي لا تتغير معها أحد الأوصاف وإن أعادت الغسل غربت الشمس؛ صلَّت بذلك الماء في الوقت أحب إليَّ من صلاتها بماء طاهر بعد الوقت (٢). فرع: فإن قدرت خمس ركعات؛ فلما أحرمت بالظهر تبين أنها أربع فدون؛ قطعت وصلت العصر، وإن صلَّت من هذه ركعة شفعتها إن كانت تدرك ركعة من العصر قبل الغروب، وإلا قطعت، فلو قدرت خمساً فغربت الشمس عليها في الظهر فعليها صلاة العصر؛ لأنها لا تسقط بخطئها واشتغالها بغير الواجب، ولو كان تقديرها صحيحاً لكن صلَّت العصر ناسية للظهر وجبت عليها الظهر، ولا تسقط بفعلها الخطأ، وإذا صلَّت الظهر؛ فهل تؤمر بقضاء العصر؛

стр. 498

لأنها أوقعتها في غير وقتها، لأن الأربع من الخمس البواقي مختصة بالظهر فيكون كموقع العصر عقيب الزوال، ولا إعادة عليها؛ لأن الصلاة لا تعاد لأجل المنسية إلا في الوقت؟ قولان. ولو قدرت أربع ركعات فصلتها ثم بقيت ركعة: قال مالك في الموازية: تصلي الصلاتين. وقال أشهب: الظهر فقط؛ إلا أن تبقى ركعة فأكثر، لأنها كالمنسية للظهر تصلي العصر ثم تذكر لأربع ركعات فأدنى، فإنها لا تعيد العصر إلا أن يبقى قدر ركعة. *** * ص: (لا قضاء على أحد منهم لما فات وقته). * ت: أما الحائض؛ فلقول عائشة ﵂: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١)، وذلك للمشقة في قضائها. والكافر؛ لقوله ﵇: الإسلام يجب ما قبله (٢). والصبي؛ لقوله ﵇: رفع القلم عن ثلاث، فذكر الصبي حتى يحتلم (٣). فرع: إن بلغ بعد أداء الصلاة في الوقت وجبت عليه إعادتها؛ لأن المتقدم نفل

стр. 499

لا يجزئ عن الفرض. وفي السليمانية: لا يعيد؛ لأن الزوال سبب لصلاة واحدة وقد أديت، وكذلك الخلاف لو بلغ بعد أداء الظهر وأقيمت الجمعة، ولو بلغ في الصلاة قطع وابتدأها ولا تجزئه إن أتمها، لأنه بناها على النفل. وأما المغمى عليه: فقال مالك: لا يقضي ولو صلاة واحدة، لما رواه مالك أن ابن عمر أغمي عليه فأفاق ولم يقض الصلاة. وقالت عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة فقال: ليس في ذلك قضاء؛ إلا أن يغمى عليه فيعين وقتها، فيصليها. ولا خلاف بين الأمة فيمن بلغ مطيقاً أنه لا يقضي، طال أو قصر، ولأن عدم العقل مؤثر في سقوط التكليف. والفرق بينه وبين النوم والسكران الأصل أن من زال عقله لا يكلف، وورد النص في النوم لقوله ﵇ فيمن نام عن صلاة أو نسيها: فليصليها إذا ذكرها (١)، فبقي الإغماء على هذا الأصل. وأجمعت الأمة على أن القضاء على السكران، ولأن النوم والسكر من كسبه؛ فلو اعتبر ذلك لكان وسيلة لإسقاط الصلاة بخلاف الإغماء. وقال عبد الملك في المجموعة: لا يقضي إلا إذا كان الإغماء متصلاً بمرض قبله أو بعده، وأما صحيح أغمي عليه في الفجر إلى الشمس سقطت الصلاة عنه. ***

стр. 500

* ص: وأما المسافر يحضر، والحاضر يسافر؛ فإنه إذا سافر الحاضر في آخر النهار، وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات قبل غروب الشمس؛ فإنه يقصر الصلاتين جميعاً الظهر والعصر، وإن كان أقل من ذلك أتم الظهر، وقصر العصر. * ت: لقوله ﵇: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (١)، ولأنه بقي له ركعة بعد صلاة الظهر سفرية فيدرك بها العصر فيكون سافر في وقتها فيقصرها، وكل صلاة سافر بعد خروج وقتها مرتبة حضرية فيتمها. قال اللخمي: واختلف هل يبتدئ بالظهر وإن كان فيها قاضياً، أو بالعصر؛ لأنها أداء؟ (٢). قال سند: وهل يكون الظهر قضاء أو أداء؟ يجري على الخلاف في اختصاص العصر بآخر الوقت. واختلف إذا خرج مقدار ركعتين وقد صلى العصر ونسي الظهر ثم ذكرها هل يصلي الظهر سفرية أو حضرية؟ قال سند: سفرية. وقال اللخمي: حضرية؛ لعدم المشاركة حينئذ. ولو نسيها في السفر ثم ذكرها في الحضر؛ فإن كان وقت قدومه خمس ركعات صلاهما حضريتين لبقاء وقتهما، أو دون ذلك صلى الظهر سفرية لفوات وقتها، والعصر حضرية لبقاء وقتها (٣).

стр. 501

* ص: (إن سافر ليلاً وقد بقي عليه من الليل قبل الفجر قدر أربع ركعات قصر العشاء وإن كان أقل من ذلك ففيها روايتان: إحداهما: أنه يقصر العشاء، والأخرى: أنه يتمها). * ت: لأنه يبقى لما بعد المغرب ركعة يدرك بها العشاء فيقصرها ويبدأ بالمغرب. أما أقل؛ فهل ينظر لأنه يبدأ بالمغرب فلا يبقى للعشاء وقت فيتمها ويقال: خرج في وقتها، وإنما قدمت المغرب للترتيب فيقصرها، وهل يبدأ بالمغرب لأن آخر الوقت لأول الصلاتين أم لا؛ لأنه يصير قاضيا للعشاء؟ قولان. *** * ص: إن قدم المسافر وقد بقي من النهار قدر خمس ركعات أتم الصلاتين جميعاً الظهر والعصر، وإن كان أقل من ذلك قصر الظهر وأتم العصر. * ت: لأن كل صلاة قدم في وقتها أتمها، وما لم يقدم في وقتها قصرها. قال القاضي إسماعيل في المبسوط: آخر الوقت من الأربع فأقل يختص بالعصر، وخرج وقت الظهر فتكون قضاء، أو يقال بالاشتراك إلى المغرب فيقصر الظهر. *** * ص: إن قدم ليلا فأدرك من الليل قدر أربع ركعات أتم العشاء، أو أقل من ذلك فإنها تخرج على روايتين: إحداهما: أنه يتم العشاء والأخرى: أنه يقصرها.

стр. 502

* ت: أما في الأربع فلبقاء ركعة يدرك بها العشاء فيتمها لقدومه في وقتها، وأما أقل؛ فهل يلاحظ أنه يبدأ بالمغرب فلا يبقى للعشاء شيء فيكون في السفر، أو يقال قدم في وقتها، وإنما قدمت المغرب لضرورة الترتيب؟ ***

стр. 503

باب الأذان والإقامة ت: أصل الأذان: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]. وفي «أبي داود»: قال [أري] (١) النبي صلى الله عليه في الأذان شيئاً، وأري عبد الله بن زيد الأذان في النوم، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ألقه على بلال، قال: فألقاه على بلال، قال عبد الله: أنا رأيته، وأنا كنت أريده، قال: فأقم أنت (٢). وأجمعت الأمة على مشروعيته، إنما الخلاف في تفاصيله. ص: والأذان والإقامة سنتان للصلوات المفروضات، والإقامة أكد من الأذان. ت: قال عياض: الأذان: الإعلام في اللغة، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧].

стр. 504

وهو في الشرع: إعلام بدخول الوقت، والاجتماع للصلاة، وأن الدار دار إيمان. وهو خمسة: سنة، ومختلف فيه؛ هل هو واجب أو سنة؟، ومستحب، ومختلف فيه هل هو مستحب أم لا؟، وممنوع. فالأول؛ في المواضع التي هي مجمع الصلاة؛ كالمساجد، وعرفة، ومزدلفة، ومنى، والعدد الكبير يكون في السفر، وإمام المصر يخرج للجنازة فتحضر الصلاة، وهو في الجوامع أكد حفظاً للأوقات وإمام الجماعات فلا يجوز تركه. وقال مالك في «الموطأ»: إنما يجب الأذان في مساجد الجماعات (١). وظاهر كلامه الوجوب. وقال أبو محمد: هو واجب في مساجد الجماعات الراتبة (٢). ونقل العراقيون عن المذهب عدم الوجوب، خلافاً لداود، وعطاء، ومجاهد؛ أوجبوه في الجماعة (٣). لنا: القياس على الفوائت والإقامة. ونقل جماعة من المتأخرين أنه فرض كفاية في كل بلد، فإن تركوه؛ أثموا، وقوتلوا عليه إن امتنعوا من فعله، ويسقط بفعل أحدهم عن سائرهم. قال المازري: اختلف في تأويل اختلاف هذا النقل عن المذهب:

стр. 505

فقيل: يحمل على الوجوب أنه سنة مؤكدة؛ قاله القاضي أبو محمد. وقال بعض المشايخ: معنى أنه سنة؛ أنه ليس شرطاً في الصلاة. احتج للوجوب بالأمر به، وبأن معرفة الوقت فرض، ووسيلة واجبة (١). واختار الباجي أنه فرض كفاية في الجماعة والمساجد الراتبة (٢)، لوجوب إقامة شعائر الإسلام، ولأنه لولا الأذان لم يعرف أكثر الناس دخول الوقت. * والثاني: الأذان للجمعة؛ قيل: سنة؛ لأن ما لا يجب لغير الجمعة لا يجب لها كالإقامة وغيرها من الصلوات (٣). قال اللخمي: الأحسن وجوبه لتعلق الأحكام به؛ من وجوب السعي، وتحريم البيع وغيره بخلاف غيره (٤). * الثالث: أذان [١/ ٥٦] الفذ في السفر، ففي مختصر ما ليس في المختصر: لم يستحب مالك للمصلي وحده الأذان؛ إلا أن يكون مسافراً، لما في «الموطأ» أن رسول الله ﷺ قال: فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس؛ إلا شهد له يوم القيامة (٥). قال المازري: قيل: إن المعنى فيه لما كان معتزلاً عن المصر افتقر إلى

стр. 506

إظهار شعائر الإسلام، وفي المصر يقوم به أهل المصر (١). وفي «الموطأ»: قال سعيد بن المسيب: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإن أذن وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة (٢). ومثله لا يقوله إلا عن توقيف. الرابع: أذان [العبد] (٣) في غير سفر، وأذان الجماعة التي لا يحتاجون إلى إعلام غيرهم؛ فقيل: حسن؛ لأنه ذكر من الأذكار، وإظهار شعائر الإسلام (٤). وقال ابن حبيب: لا أذان للفذ ولا جماعة في غير مسجد؛ إلا المسافر (٥)، لأن أصله للدعاء، وهؤلاء لا يدعون أحداً، وقد كانت صلاة النبي ﷺ أولاً بغير أذان، فلما كثروا أذن، وإنما المسافر يؤذن؛ لما جاء من صلاة الملائكة خلفه لأجل الأذان. الخامس: للفوائت والسنن؛ كالعيدين، والاستسقاء، وركعتي الفجر، وأذان النساء [للفرائض] (٦)، [ولا ينادي الصلاة جامعة] (٧)، [فذلك مكروه] (٨). أما الفوائت فلا يدعى لها، [وتزيد] (٩) فواتاً، ولم يكن عليه السنن.

стр. 507

وصوت النساء عورة (١). وأما الإقامة؛ فسنة مؤكدة لكل مصر على العموم، كانت الصلاة جامعة أو فذاً في وقتها أم لا؛ لأنه أشبه للصلاة في الفائتة. وفي المبسوط: أنها مستحبة للفذ؛ لأنها دعاء فكانت بمعنى الأذان، وقد يسمعه أحد فيأتيم به. وفي «مسلم»: أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في الحج بإقامة واحدة (٢)، وأسقطها في الثانية للمعنى عنها بحصول الاجتماع بالأولى، فكذلك المنفرد، ولما كانت يؤمر بها المنفرد ويصلي الفوائت؛ كانت أكد من الأذان، ومن شرطها أن تعقب الصلاة، فإن تراخت أعيدت الإقامة. ص: ومن صلى جماعة أذن وأقام، ومن صلى وحده اقتصر على الإقامة وحدها. ت: أما الأذان فمن سنة الصلاة، ولو اجتمع جماعة على تركه أثموا، والمصلي وحده لا يقصد اجتماعاً؛ فلا يؤذن، والإقامة أهبة للصلاة للاجتماع. ص: (وليس على النساء أذان ولا إقامة). قاله ابن عبد الحكم (٣).

стр. 508

كتاب الصلاة وقال ابن القاسم: إن أقامت فحسن (١). ت: قال (ح): يجوز أن يؤذن للرجال. لنا أن صوتهن عورة؛ فيكره رفع الصوت منها، لكن تسمع من يليها قراءتها، وتلبيتها، والإقامة أهبة للصلاة، فافترقا. وقال أنس بن مالك: ليس عليها أذان ولا إقامة. فرع: يشترط في المؤذن أن يكون بالغاً، مسلماً، عاقلاً، ذكراً، فلا يعتد بأذان كافر، ومن اختل عقله، أو امرأة، أو صبي. وعن أشهب: لا يؤذن ولا يقيم إلا أن يكون مع النساء، وبموضع لا يكون فيه غيره، فيؤذن ويقيم (٢). قال المازري: في أذانه المنع؛ لأنه أمانة، وهو ليس من أهلها، والجواز؛ لأنه ذكر، وفي الحضر لا يؤذن؛ إلا من يؤم (٣). قال أشهب: إن أذنت لقوم وصليت معهم فلا تؤذن لآخرين، فإن فعلت ولم يعيدوا حتى صلوا أجزأتهم صلاتهم، ويستحب الطهارة فيه، والكراهية الشديدة للجنب، وفي الإقامة أشد. وقال سحنون: لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد؛ لأنه ذكر كالتسبيح.

стр. 509

وليكن صيتا حسن الصوت، ويكره التطريب، والتحزين بغير تطريب، وإمالة حروفه، والتغني فيه؛ وهو إفراط المد، وليكن عدلاً، عارفاً بالمواقيت؛ ليصح الاعتماد عليه (١). ص: (لا يؤذن لشيء من النوافل كلها ولا بأس بأذان مؤذن وإقامة غيره). ت: قال الأبهري: لا خلاف في أذان النوافل؛ لأنه ﵇ لم يفعله، ولأنه ليس لهم وقت يعلم به. وكره (ش) إقامة غير الذي أذن. لنا: ما في «أبي داود»: أن عبد الله بن زيد لما رأى الأذان أمره رسول الله ﷺ أن يلقيه على بلال ففعل، فأذن بلال، فقال عبد الله بن زيد: أنا رأيته، وكنت أريده، فقال له رسول الله ﷺ : فأقم أنت (٢). ولأنها عبادة منفصلة عن الأذان لا تشرع في الفوائت؛ فجاز تعدد ما عليها كما في صلاتين، أو قياساً على الأذان والإقامة. وحديث [الصدائي] (٣) ليس بصحيح (٤)، ولعله ﵇ خشي على الذي أذن أن يجد في نفسه.

стр. 510

ص: (لا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح). ت: لما رواه «مالك» و «البخاري» أن النبي ﷺ قال: إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قال: وكان رجلاً أعمى، لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت (١). ولأن وقت الصبح يدرك الناس في غفلة وجنابة ونوم، وشأنها التغليس؛ فقدم الأذان فيها بخلاف غيرها، ولأنه عمل المدينة؛ فجمع عليه في الحبرين، وقاله (ش)؛ لأنه يؤمر بتغليس الصبح، ولأنه لا يرى به، وأن الإسفار أفضل، فلم ير بتقديم الأذان. وأجمع الناس في غير الصبح. وما مقدار التقديم؟ قال ابن حبيب: من حين يخرج وقت العشاء (٢)؛ لأنه متعلق بالفجر كنية الصوم، لكن لما كان النصف الأول مما لا يجوز فيه الأذان لغيرها امتنع فيه الأذان لها بقياس اللبس. وقال ابن وهب: سدس الليل الآخر (٣)؛ لأنَّه المقدار الذي يتأهب به الناس، ومتى قدم قبل ذلك لا يتحرك الناس له بغسل ولا قيام لورد.

стр. 511

ص: (من أذن قبل الوقت لغير صلاة الصبح أعاد الأذان بعد دخول الوقت). ت: عن مالك: من أذن قبل الوقت لا يعيد (١). قال أشهب: وكذلك الإقامة (٢). وعنه: إن تقدم بقليل لم يعد لخفته؛ وإلا أعاد الأذان (٣). وقال ابن القاسم: يعيد مطلقاً؛ لأنه قبل وقته كالصلاة، ولما فيه من مخالفة السنة، ولأنه إعلام بدخول الوقت ولم يدخل؛ فهو كاذب (٤). ص: (من أراد الأذان فأقام أو الإقامة فأذن، أعاد حتى يكون على نية لفعله). ت: اتفقوا على أن من أراد أن يؤذن فأقام أنه لا يجزئه، ويعيد؛ لأنه لم يوجد منه، والإقامة لم يقصدها. واختلف في عكسه: قال مالك في «المختصر»: أعاد الإقامة حتى يكون على نية لفعله (٥)، لقوله ﵇: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ (٦)، ولأنه لو شرع يذكر الله بالتكبير فأراد أن يتم عليه

стр. 512

الأذان لم يكن له ذلك اتفاقاً. وقال أصبغ: يجزئه (١)؛ لقول من قال: إن الإقامة تسمع. ص: (لا بأس أن يؤذن في سفره راكباً، وفي إقامته في سفره راكباً روايتان، إحداهما: أنه يقيم راكبا والأخرى: أنه يقيم نازلاً). ت: لأن سالم بن عبد الله كان ينادي بالصلاة على البعير، وكان ابن عمر يفعله، ولأنه أبلغ في سماع الناس، ولذلك عملت المنابر، ولأن المسافر يرتفق بأذانه راكباً ليتوفر عليه النزول والركوب، وكذلك الإقامة بالقياس، والنزول عمل يسير فلا يقدم في الفصل بينها وبين الصلاة؛ كبسط الثوب ليصلي عليه، أو يلاحظ أنه يحتاج لنزوله وربط دابته، وذهابه لموضع الصلاة. قال الأبهري: فإن أقام نازلاً ثم تراخت الصلاة أعاد الإقامة؛ لأن شأنها الاتصال (٢). قال ابن بشير: إن كان يصلي للضرورة على الراحلة أقام على حاله، فإن أقام قبل نزوله ثم نزل وأحرم من غير كبير شغل أجزأه. قال ابن القاسم في المجموعة: إن أقام خارج المسجد أو على المنار أو على ظهر المسجد لا بأس، وإن كان يسمع رجلاً بعينه؛ فداخل المسجد أحبُّ إليَّ .. قال أشهب: أحبُّ إليَّ أن يرفع الصوت بالإقامة (٣).

стр. 513

قال في «العتبية»: من أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد فلا يقيم الصلاة في نفسه (١). ص: (ولا يتكلم مؤذن في أضعاف أذانه، ولا يرد سلاماً، ولا يأكل ولا يشرب، ولا يقطع أذانه بشيء غيره، فإن فعل شيئا من ذلك وكان يسيرا بنى على أذانه، [١/ ٥٧] وإن كان كثيرا ابتدأ الأذان من أوله). ت: لا خلاف أن الكلام يكره لما فيه من التخليط أنه أذان، فيفوت مقصود الأذان، ولأنه قربة يكره الإعراض عنها حتى يتمها. فإن اضطر للكلام خوفاً على صبي أو أعمى أو دابة أو تلف شيء من ماله أو ضرر: قال ابن حبيب في «الواضحة»: يتكلم لذلك في أذانه وتلبيته ويبني ولا يبتدئ (٢). وقاله ابن القاسم في المجموعة (٣)؛ كالخطبة لا يتكلم فيها إلا لضرورة. ومنع مالك، ولم يفصل (٤). وأما رد السلام: ففي المدونة: لا يرد على من سلم عليه، وظاهره: منع السلام والإشارة (٥).

стр. 514

وقاله ابن أبي زيد؛ لأنه يخل نظام الأذان. وفي مختصر الوقار: يرد بالإشارة دون الكلام (١). قال ابن يونس: وكذلك المصلي. والفرق بين المصلي والمؤذن في الإشارة أن المؤذن لو رد بالكلام لما بطل أذانه، والمصلي ممنوع من الكلام مطلقاً؛ فاضطر للإشارة، أو الأصل فيها عدم السلام عليهما، وعدم رده لما هما فيه من القربة، فخصت السنة المصلي في الإشارة، وبقي المؤذن. ولأن الكلام من المؤذن مكروه؛ فإذا سلم عليه أحد فقد أدخله في الكراهة، فيعاقب بنقيض قصده فلا يرد عليه؛ كقاتل العمد. ولأن المصلي حرم عليه الكلام؛ فشرعت له الإشارة بدلاً، والمؤذن لم يحرم عليه بل كره؛ فلا ضرورة تدعو للإشارة، والكراهة تمنع الكلام؛ فلا يرد مطلقاً. واختلف في السلام عليه: فكرهه عليه مالك، وعلى الملبي (٢). قال أبو إسحاق: على القول بالرد إشارة يجوز السلام عليه كالمصلي. قال سند: الفرق أن الصلاة لها موقع عظيم، والأذان عبادة دونها، فالكراهة فيه أخف، وإذا منعناه من رد السلام مع عدم وجوبه وخفته؛ فالأولى الأكل والشرب الذي هو أكثر، ولا رتبة له، واليسير من ذلك كله لا يخل بالنظام؛

стр. 515

بخلاف الكثير، وسواء فيه العمد والسهو؛ قاله سحنون. قال المازري: مقصود الأذان إنما يحصل إذا وقع على النظام المعتاد أو قريباً منه، وقد قال بعض أصحابنا: لو قدم شهادة الرسالة على التوحيد أعاد شهادة الرسالة؛ لأن ما قدم في حكم العدم، ولا يمنع الاتصال لخفته، بل ليحصل الترتيب. ص: (لا بأس أن يستدير في أذانه عن يمينه وشماله وخلفه). ت في المدونة: لا يدور في أذانه، ولا يلتفت؛ إلا أن يريد إسماع الناس، فيدور كيف تيسر عليه؛ لأن مقصود الأذان الإعلام (١). أما الالتفات في نفسه فليس بقربة. ولأن البعيد يحتاج في التوجه إليه ما لا يحتاجه القريب. قال الأبهري: وقد نقل ذلك عن مؤذني رسول الله ﷺ . وقال ابن نافع، وعبد الملك: يلتفت؛ لأن ذلك من حد الأذان، ولا يفعل ذلك حتى يبلغ حي على الصلاة. وفي «أبي داود»: أن بلالاً كان يفعل ذلك حين يبلغ حي على الصلاة، وحي على الفلاح، فيلوي عنقه حينئذ يميناً وشمالاً ولم يستدر. وعنه أيضاً: أنه يدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وأصبعه في أذنه (٢).

стр. 516

قال «الترمذي»: هو حديث صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم. ص: (ولا بأس أن يؤذن إلى القبلة وغيرها مبتدئا وفي أضعاف أذانه، ولا بأس أن يجعل إصبعه في أذنه أو يترك ذلك). ت: اختلف في الاستقبال: ففي المجموعة عن مالك: ليس عليك ذلك (١). وعنه في «الواضحة»: عليه ذلك؛ لأنه من آداب الأذان (٢). قال ابن القاسم: رأيت المدنيين بين ظهورهم القبلة، وهم ينقلون ذلك عن آبائهم وأجدادهم، ويقيمون عرضا وأذانهم لا يجعلون أصابعهم في آذانهم، وقد تقدم أن بلالا يفعله، ولأنه أعون لرفع الصوت؛ فلذلك قال مالك: كله واسع. واستحسنه (ش). لنا: أنه لو كان مستحبا لكان في مسجده ﷺ . ص: وإن ترك الأذان فلا شيء عليه، وإن نسي الإقامة فصلاته تامة، وإن تعمد تركها استغفر الله ولا شيء عليه. ت: لا أعلم خلافا في ترك الأذان أن الصلاة صحيحة؛ لأنه ليس من شروطها كسائر الأركان، إلا ما روي عن مالك: أن من صلى بالجماعة بغير أذان أنه يعيد.

стр. 517

وترك الإقامة ناسياً: لا يضر؛ قاله مالك. أو عمداً: روى ابن القاسم لا يعيد (١)، وروى عنه زياد يعيد. قال ابن بشير: وهو على الخلاف في ترك السنن متعمداً؛ هل يعد آثماً فتبطل عبادته، أو غير آثم فلا تبطل؟ فرع: وعن ابن كنانة: يعيد في الوقت (٢). إن اعتقد أن ذلك نقص في الصلاة فسجد له بعد السلام لم يضر، أو قبل السلام ففي مختصر الطليطلي: يعيد الصلاة للزيادة فيها عمداً. فرع: إن تركها [جهلاً] (٣) حتى أحرم: قال مالك في المجموعة: لا يقطع، ولو أقام بعد إحرامه فقد أساء واستغفر الله (٤). قال سحنون: ذلك إذا أحرم بعد الإقامة، وإلا انتقضت صلاته. فرع: إن خاف فوات الوقت ترك الإقامة، فإن الوقت واجب.

стр. 518

قلت: مالك يقول بعدم وجوب الإقامة، وصرّح بالاستغفار في تركها، مع أن طلب المغفرة لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم، ومالك لا يحرم؛ فكيف يأمر بالاستغفار؟ والجواب: أن الله تعالى يعاقب على الذنب بالمؤلم كالنار وتيسير السيئة، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٨ - ١٠]، وهو في القرآن، وبتفويت الخيرات، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا … لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. مفهومه: أن غيرهم لا ييسر الله تعالى له سبل الخير، وهو ليس في القرآن، وكذلك سيئة على الحسنة باللذات كالحية، والصرف عن المعاصي، وتيسيره الحسنات، وهو كله في الكتاب العزيز، على قول مالك يستغفر؛ أي من الذنب الذي أوجب تفويت هذا المندوب، لا أن الاستغفار ترك هذا المندوب؛ فتأمله. ص: (والأذان لغير الصبح سبع عشر كلمة، وللصبح تسع عشر كلمة، وهو أن يكبر مرتين، ويهلل مرتين، ويشهد بالرسالة مرتين، ويقول حي على الصلاة مرتين، وحي على الفلاح مرتين، ويكبر مرتين ويهلل مرة واحدة ويزيد في أذان الصبح بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين). ت: اختلف في ثلاثة مواضع: التكبير هل أربع أو مرتان؟ والترجيع هل هو سنة أم لا؟ والتثويب هل هو مشروع أم لا؟

стр. 519

فقاله (ش) (ح). لنا: ما في «مسلم» أن رسول الله ﷺ علم أبا محذورة هذا الأذان الذي ذكره ابن الجلاب بعينه من غير زيادة ولا نقص، ولأن الأذان في المدينة هكذا ينقله الأبناء عن الآباء، والأخلاف عن الأسلاف عن رسول الله ﷺ والخلفاء بعينه. قال الأبهري: وهذا من الإجماع الذي يلزم جملة الناس العمل به؛ لأنه ليس من الأشياء التي حدثت بعد النبوة حتى يكون طريقه الاجتهاد، بل النقل الصرف، ولذلك رجع أبو يوسف عن مذهب صاحبه لمذهب مالك لما قال له: الأذان بالكوفة عندنا أربع. فقال مالك: لا أدري ما أذان القوم، هذا مسجد رسول الله ﷺ يؤذن فيه بين أولاد المهاجرين والأنصار بالليل والنهار خمس مرات (١). وكذلك استدل على مقدار الصاع والمد والزكاة في الخضراوات؛ لأن هذه منقولة نقل التواتر؛ لأن عددهم غير محصور فيقدم على على الآحاد، وحديثهم غير معمول به في المدينة. وأما الترجيع: فقال مالك و (ش): إنه سنة (٢). وخالف (ح) (٣).

стр. 520

لنا: ما في «مسلم»: أن رسول الله ﷺ [١/ ٥٨] لقن أبا محذورة الأذان مرجعاً (١)، وهو عمل الحرمين سلفاً وخلفاً. واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد، وأنه لا ترجيع فيه (٢). ولنا: الترجيح في خمسة أوجه: * أحدها: أن زيادة العدل مقبولة. * الثاني: أن خبرنا تلقين من النبي ﷺ ، وخبرهم مأخوذ بالراوي. * الثالث: أن خبرنا متأخر فيقدم. * الرابع: أنه على وفق عمل الحرمين. * الخامس: ما روي عن سعد القرظ (٣) أنه ﵇ أمر بلالاً بالترجيع (٤). إذا ثبت هذا؛ قال المازري: لا بد أن يكون صوته مسمعاً ولا يخفيه؛ لأن مقصود الأذان الإعلام (٥). واختلف في التكبير الأول؛ هل هو مساوياً لما يليه من الشهادتين؟ وهو ظاهر قول مالك ورفع قال في سماع أشهب: رأيت الأول من المؤذنين إذا كبروا وشهدوا بالرسالة مرتين يخفضون أصواتهم بالتهليل والتشهد، ثم

стр. 521

يرفعون أصواتهم بالتهليل والتشهد. قال المازري: رفعه أحسن (١)، لقوله ﵇: لا يسمع نداء صوت المؤذن (٢)، الحديث، فيرجع التكبير لجواز أن يكون أحد في البعد فيسمع له، ويشهد له يوم القيامة. وأما التثويب؛ فاختلف فيه في أربعة مواضع: هل هو مشروع؟ وهل يقوله مرة أو مرتين؟ وهل يقوله من صلَّى لنفسه؟ وهل هو قول النبي ﷺ أو عمر ﵁؟ فقال مالك (٣)، وأحمد (٤) بمشروعيته. ووافقنا [الشافعي في القديم] (٥) (٦). وكره في الجديد (٧). ومشهور (ح): أنه لا يقوله إلا بعد فراغه من الأذان (٨).

стр. 522

وعنه قولنا. لنا: ما في «أبي داود»: أن النبي ﷺ لما علم أبا محذورة الأذان قال له: (١) فإن كانت صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم. ويعضده عمل أهل المدينة، وفي زمانه ﵇، والخلفاء بعده، ولو جاز عليهم ذلك لجاز تحويل قبره ومسجده ﵇. وقال مالك وأكثر أصحابه بقوله مرتين للحديث المتقدم، ولأنه ذكر في الأذان كالتكبير. وقال ابن وهب: مرة واحدة؛ لقوله: قد قامت الصلاة (٢). والظاهر من المذهب أنه يقوله كل مؤذن لصلاة الصبح؛ وإن أذن لنفسه (٣). قال مالك: ويقوله المنفرد في السفر (٤). وعن مالك في مختصر ما ليس في المختصر: أن المنفرد من الناس في سعة. قال اللخمي: وهو أحسن؛ لعدم الفائدة فيه (٥). قال سند: هذا لا يصح؛ لأن هذا من الأذان كما يقول: حي على الصلاة، وإن لم يكن هنالك من يأتي.

стр. 523

فرع: (إن سها عن بعض أذانه؛ فإن ترك جل أذانه وذكر في موضعه؛ بنى [من] موضع [نسي]، وإن كان مثل حي على الفلاح [مرة] وإن تباعد لم يعد بما قلّ ولا جل؛ قاله ابن القاسم، وأصبغ) (١) فرع: واختلف فيمن وضع التثويب في نداء الصبح: فقيل: عمر ﵁ أمر به، لما في «الموطأ»: أن المؤذن جاء يؤذن عمر بالصلاة فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم، فقال له عمر: اجعلها في نداء الصبح (٢). وقد تقدم حديث «أبي داود»: أنه ﵇ أمر أبا محذورة يجعلها في صلاة الصبح (٣). ويحمل قول عمر على الإنكار على من جعلها في غير نداء الصبح، فكأنه قال: اجعلها في موضعها. فرع: يؤمر بحكاية الأذان إلى آخر الشهادتين في ظاهر المذهب؛ لأنه تهليل وتكبير فيندب إليه، وحي على الصلاة والفلاح لم يؤمر السامع بالدعاء إليها فلا يحكيها.

стр. 524

وقيل: إلى آخر الأذان، ويعوض الحيعلتين بالحوقلتين؛ لأن ابن عمر كان يقول ذلك، وكانت عائشة ﵂ تقول: شهدت، وآمنت، وصدقت، وأيقنت، وأجبت داعي الله، [وكفيت من أتى ليجيبه] (١). قال ابن حبيب: والكل حسن (٢). قال المازري: والحيعلة دعاء للصلاة، والأجر في الدعاء يحصل لمن لم يسمع بها، فيصح أن يكون ﵇ أمر بالحوقلة ليحصل بها من الأجر ما فات السامع الإسماع والدعاء للصلاة (٣). ويحكى التشهد مرة واحدة في رواية ابن القاسم؛ لأن المؤذن إنما أعاد التشهد لتعلق صوته، [ب/ ٥٨] فلا سماع بالعذر، والسامع غير محتاج لذلك. وقال الداودي: يعاود التشهد إذا عاوده [ .. ] (٤) تتكرر الحكاية بتكرر المؤذنين، لقوله ﵇: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول (٥)، فعم المؤذنين. ولأن حكاية الأول إنما كانت لأنها ذكر والثاني كذلك، ولا يتكرر؛ لأن اللام للعهد، قولان (٦). فرع: فإن كان السامع في صلاة:

стр. 525

فروى ابن القاسم: يحكيه في النافلة دون الفرض (١). وروى أبو مصعب يحكيه فيهما، وقاله ابن وهب، واستحسنه ابن حبيب (٢). وقال سحنون في المجموعة: لا يختلف فيهما (٣). قال المازري: من رأى الصلاة لم يحك فيهما، ومن لاحظ الحديث حكى فيهما (٤). ولأنه ذكر شرع في الفرض والنفل؛ كالتسبيح وغيره، ورخص النفل لخفته، لترك القيام فيه، وللقبلة وغير ذلك؛ بخلاف الفرض، وحيث قلنا يحكيه؛ فلا يتجاوز التشهدين، فإن حكاه فيهما في الحيعلتين فروي: تبطل صلاته؛ لأنه كالمتكلم (٥)، وقاله بعض القرويين؛ حكاه عبد الحق عن مالك: أساء ولا تبطل صلاته، وقاله الأصيلى لأنه متأول. وقال ابن بشير: فإن أبطأ المؤذن فيجعل قبله فذلك واسع (٦). ص: (والإقامة عشر كلمات وهو أن يكبر مرتين ويهلل مرة ويشهد بالرسالة مرة ويقول حي على الصلاة مرة وحي على الفلاح مرة وقد قامت الصلاة مرة ويكبر مرتين ويهلل مرة واحدة).

стр. 526

ت: قال مالك: الإقامة وتر (١)، لما في «مسلم»: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين والإقامة مرة (٢). وفيه: أنه ﷺ أمر بلالاً: أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة (٣). ولأنه عمل المدينة؛ الخلف عن السلف. قال الأبهري: وهو من الإجماع الذي يلزم الناس العمل به؛ لأنه ليس من الأشياء التي حدثت بعد رسول الله ﷺ حتى يقال طريقه الاجتهاد؛ وإنما هو نقل، ومن المحال أن يذهب عنهم صفة الأذان والإقامة مع تكررها في اليوم والليلة مراراً وهذا أولى من الاعتماد على نقل الآحاد. واختلف في «قد قامت الصلاة»: المشهور إفرادها، والشاذ تثنيتها (٤)، لما في «أبي داود»: كان الأذان في عهد رسول الله ﷺ مرتين والإقامة مرة، غير أنه كان يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة (٥). وقاله ش (٦).

стр. 527

باب في الإمامة في الصلاة ص: والفقيه أولى بالإمامة من القارئ. ت: في «مسلم»: أن رسول الله ﷺ قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء؛ فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء؛ فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء؛ فأقدمهم إسلاماً» (١). وفي رواية: «سناً» مكان «إسلاماً» (٢). وفي الدارقطني: قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفد بينكم وبين الله تعالى» (٣)، فقدم رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان إمامهم. ولأنهم كانوا يتعلمون الأحكام من القرآن، فمن كان أقرأ كان أعلم، كما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: كان أحدنا إذا حفظ سورة لم يخرج إلى غيرها حتى يحكم علمها، ويعرف حلالها وحرامها. وفي «الموطأ»: أن ابن عمر مكث في البقرة ثماني سنين يتعلمها (٤).

стр. 528

ومنه: قوله ﵇: إنكم في زمان قليل قراؤه، كثير فقهاؤه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، وسيأتي زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده (١). إذا ثبت هذا فيقدم الأفقه، فإن استووا قدموا لأنفسهم من شاءوا، فإن ترجح أحدهم بعلم أو صلاح أو صيانة أو كبر سن أو حسن الهيئة قدم فإن اختلفت صفاتهم. قال مالك و (ش) وأكثر الفقهاء: يقدم العالم على القارئ والعابد وذوي السن (٢). وقال (ح) وابن حنبل وغيرهما من أهل الحديث: يقدم القارئ إن كان يحسن الصلاة. لنا أن الصلاة لها أحكام وعوارض من سهو وغيره؛ فلا يقدم على العارف بذلك، كما لا يقدم في القضاء من لا يدري الأحكام، ولا في الشهادة من لا يدريها. وقد روى ابن وهب: أنه ﵇ قال: يؤم القوم أفقههم (٣)، وهو نص. ولقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، فقدم العالم على غيره. وقدم رسول الله ﷺ المتفقهة في القرآن على المتفقهة في السنة؛ لأن القرآن

стр. 529

أصل علم الله في أرضه، ثم أقدمهم هجرة؛ لفضيلة السبق، وكذلك بقدم الإسلام، وكبر السن؛ لأجل سبق الإسلام. وقال ﵇ في حديث حويصة ومحيصة: كبر كبر (١)، ومعناه: يتكلم من هو أكبر منك. واختلف في فضيلة القراءة والسنن: قال مالك في «العتبية»: لا أرى الرجل يؤم عمه وإن كان أصغر منه؛ لأنه كالوالد (٢)، وهو يقتضي تقديم الوالد على الولد؛ وإن كان أعلم. قال سحنون: إنما ذلك إذا استوى العم وابن أخيه في العلم والفضل (٣). وفي المستخرجة: إلا أن يأذن له الأب أو العم يؤمهما، وهو قول سحنون؛ يقدم الابن الفقيه على أبيه إن كان غير فقيه (٤). وفيه نظر؛ لأنه شرط ألا يقدم إلا الأفضل، فقد كان سالم مولى أبي حذيفة يوم أصحاب رسول الله ﷺ في مسجد قباء، ومنهم المهاجرون والأولون أبو بكر، وعمر، وإنما أمهم؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً. خرجه «البخاري» (٥). قلنا: القاعدة الشرعية: أن يقدم في كل ولاية من هو أقوم بها، فيقدم في الجهاد من هو أعلم بالحروب وسياسة الجيش، وفي القضاء من هو أضبط

стр. 530

بحجاج الخصوم، ووجوه الريب، وللفتيا من هو أكثر نقلا وأحسن تخريجا، وكذلك بقية الولايات، وقد يقدم في باب من هو في غيره مؤخر؛ كما يقدم النساء في الحضانة؛ لأنهم أقوم بمصالح الصبيان، وأصبر عليهم من الرجال، ويؤخرون في الحروب والإمامة، وعلى هذه القاعدة ترتيب الإمامة. ص: (ورب المنزل أولى بالإمامة ممن حضره؛ إلا أن يأذن في الإمامة لغيره). ت في «مسلم» أن النبي ﷺ قال: لا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته، على تكرمته إلا بإذنه (١). وفي «الترمذي»: قال رسول الله ﷺ : من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم، قال: هذا حديث حسن (٢). ولأن صاحب البيت في بيته كالإمام في الرعية لا يتقدم؛ قاله الأبهري. وقال سند: ولأنا نمنع التقديم على إمام المسجد الراتب؛ إلا بإذنه وسلطانه على داره أعظم فأولى بالمنع. قال اللخمي: هو أولى ممن هو أفضل منه في فقه أو صلاح أو دين، ويستحب له أن يقدمه؛ وإن كان عبدا (٣). قال مالك: هو أحق؛ لأنه إنما يكره إماما راتبا، أما في داره فلا، وتولي
следующие страницы →