← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وفرضا حتى يثاب على الجميع وأنتم لا تقولون به، وجوابه: أنه ينوي الفرض فيثاب على سننه لاندراجه في النية تبعا لأنه قد استقر أن لكل فرض سننا خاصة. ص: (ويرفع المصلي يديه مع تكبيرة الإحرام، ولا يرفعها مع غيرها من التكبيرات، وقد قيل: يرفعهما مع تكبيرة الإحرام والركوع ورفع الرأس منه). ت الكلام في أربعة مواضع: أصل الرفع، والموضع الذي يرفع فيه، وجواز الموضع الذي يرفع إليه، وصفة الرفع والإرسال. أما أصل الرفع: فقال مالك: لا يرفع إلا في الاستفتاح شيئاً خفيفاً (١). ونقل اللخمي: قال ابن القاسم: لم أر مالكاً يرفع يديه [إلا] (٢) عند الإحرام. وفي مختصر ما ليس في المختصر: لا يرفع في شيء من الصلاة (٣)، وأحب ترك رفع اليدين عند الإحرام. والمشهور ومذهب الجمهور: الرفع، لما في الصحاح: قال ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يكونا حذو منكبيه (٤). ولا في طرفي الصلاة، فيقترن به فعل كالسلام.

стр. 597

وعدم الرفع: لما روى عن أبي موسى الأشعري أنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ وبيّن لنا سنتنا، وعلّمنا صلاتنا (١)، فذكر الصلاة وما سنّ فيها من تكبير وتحميد وتشهد، ولم يذكر رفع اليدين. فلو كان مشروعاً لذكره. ولأنه تكبير شرع لانتقال من حال إلى حال، ولم يكن معه رفع اليدين؛ كالانتقال من الجلوس إلى السجود. وأما موضعه: فقال مالك و (ح): عند الإحرام فقط (٢). وعند الإحرام، ورفع الرأس من الركوع (٣). وعنه: ثلاثة مواضع؛ الإحرام، والركوع، والرفع منه (٤). وقاله (ش) (٥). لما في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعل ذلك في السجود (٦).

стр. 598

لنا: ما في «الموطأ»: أن أبا هريرة كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، وكان يرفع يديه حين يفتتح الصلاة ثم يقول: والله إني لأشبهكم بصلاة رسول الله ﷺ (١). قال المازري: وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في أول الصلاة، ثم لا يعيد (٢). وروى البراء أنه ﵇ كان إذا افتتح الصلاة، رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعيد (٣). وأما القول الثالث: أنه يرفع في موضعين، فلما في «الموطأ»، قال ابن عمر: رأيت النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، وكان لا يفعل ذلك في السجود (٤). قولان (٥). الرواية اختلفت في الانحطاط فسقطت، ولأنها حالة انحطاط كالانحطاط في السجود؛ لا يكبر له برفع يد (٦). وأما حد الموضع:

стр. 599

ففيه ثلاثة أقوال: يرفع إلى حذو المنكبين (١)، وهو المشهور (٢)، لحديث عبد الله المتقدم، هذا في حق الرجل، وأما المرأة؛ فدون ذلك بالإجماع. وقيل: حذو الأذنين (٣)؛ وقاله (ح) (٤)، لما في «الصحيحين»: أنه ﵇ رفع يديه حتى حاذا أذنيه (٥). وقيل: الصدر (٦)؛ لما في «أبي داود»: قال [وائل] (٧) بن حجر: رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة (٨). قال اللخمي: ويفعل أي ذلك (٩) أحب (١٠). وقد استعمل بعض المتأخرين اختلاف الأحاديث فقال: يحاذي بكوعيه صدره، وبكفيه منكبيه، وبأطراف أصابعه أذنيه. وأما صفة الرفع:

стр. 600

قال الباجي: الذي عليه العراقيون أن تكون يداه قائمتين، يحاذي كفاه منكبيه، وأصابعه أذنيه (١)، وهي صفة النابذ للدنيا وراء ظهره (٢). وقال سحنون: ظهورهما للسماء، وبطونهما إلى الأرض (٣)، وهي صفة [الراهب] (٤)؛ قاله ابن بشير (٥). واختار الباجي الأول، واختار اللخمي أن يكونا قائمتين لا مبسوطة ولا مضمومة، وأما بسطها فحالة الدخول رغبة تارة، ورهبة تارة، وليس هو المراد هاهنا، بل استعظام ما يدخل فيه (٦). قال عياض: وقيل: رفضه لكل شيء. وقيل: علم التكبير لي أدلك القريب والبعيد. وقيل: من تمام القيام؛ هذا على القول بنصبهما. وقيل: إشارة للخضوع والرهب على من وراء ظهورهما للسماء؛ وهو الرهب. وقيل: إظهار للفاقة، وعادة من بسطهما وبطونهما إلى السماء، فإذا أرسلهما مع التكبير قلبهما جميعاً بين الرغب والرهب (٧).

стр. 601

وقال سند: أما إرسالهما؛ لم أر لأصحابنا فيه شيئاً. وقال (ش): يثنيهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير. والأظهر عندي إرسالهما حال التكبير؛ ليكون مقارناً للحركة كما شرع حال الخفض والرفع مقارناً للحركة، ويرسلهما بوقار لا يرفع بهما إلى قدام، ولا ينصبهما عند الإرسال، ولا يخبطهما لمنافاة ذلك للخشوع، ويستحب كشفهما عند الإحرام؛ فإن رفعهما من تحت ثوب كسلاً كان ذلك مذموماً، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، فإن وقع جاز. وفي «أبي داود»: عن وائل بن حجر: أتيت النبي ﷺ في الشتاء ورأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم في الصلاة (١). *** * ص: (ومن أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة، ولا يضره فوت قراءتها، ويكبر تكبيرتين؛ إحداهما للإحرام، والأخرى للسجود، فإن اقتصر على تكبيرة واحدة ونوى بها الإحرام أجزأه، وإن أدركه قائماً أو جالساً في أحد التشهدين أو بين السجدتين كبر تكبيرة واحدة، وليس عليه تكبير لجلوسه). * ت: في «أبي داود» و «البخاري»: أن أبا بكرة جاء ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: أيكم ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال رسول الله ﷺ : زادك الله حرصاً، ولا تعد (٢) إلى الذنب، ولم يأمره بإعادة

стр. 602

الركعة لفوت قراءتها. وروي: من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة (١)، وإدراكها بأن يمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، ويكبر تكبيرتين؛ الأولى فرض، والثانية مستحبة. وقوله: (تجزئه واحدة إذا نوى الإحرام)، يعني: إذا كبر وهو قائم، أما وهو منحط فلا تجزئه؛ لأنَّ المأموم عليه من فرض القيام للإحرام، وما زاد سنة؛ لأنَّ الإمام يحمل القراءة فيحمل قيامها، ولا يحمل الإحرام فلا يحمل قيامه؛ قاله ابن المواز. قال الباجي: ظاهر «المدونة» بخلافه، لقوله: إذا كبر للركوع ونوى به الإحرام أجزأه (٢)؛ لأنه لما ابتدأه في آخر القيام أجزأه. قال سند: هذا ينبني على أن المصلي يدخل بأول حرف من التكبير؛ وفيه خلاف. قال المازري: إن قلنا يحمل الإحرام سقط القيام، وإن قلنا لا يحمله أمكن سقوطه؛ لأنه غير مقصود في نفسه، بل تبع، وقد أتى بالمقصود وهو التكبير. قال بعض القرويين: إن لم ينو بها الإحرام وكبر قائماً؛ تمادى على صلاته مع الإمام وأعاد، أو راكعاً قطع، كمن لم يكبر مطلقاً (٣). وإن نوى بها الإحرام والركوع معاً صح؛ كالغسل للجنابة والجمعة في نية

стр. 603

واحدة، وكذلك التكبيرتان إذا أدركه ساجداً، الأولى فرضه، والثانية سنة، وتجزئه الواحدة للإحرام إن كبرها قائماً؛ لأن القيام للإحرام فرض. قال مالك: يكبر ويسجد ولا يرفق في مشيه حتى يرفع رأسه، لقوله ﵇: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١)، فقوله: فصلوا يقتضي الوجوب على أي حالة وجده. وفي «أبي داود»: قال رسول الله ﷺ : إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة (٢). وأما الجلوس والقيام وبين السجدتين فلم يشرع فيه تكبير الإمام ولا مأموم، وإنما شرع التكبير للدخول في الأركان والخروج منها، وهي: الركوع والسجود في ابتدائها وفي انتهائها، فلذلك لا يكبر المأموم في غير الركوع والسجود؛ إلا واحدة. ***

стр. 604

باب في صفة القراءة في الصلاة (ويستحب تطويل القراءة في الصبح والظهر، وتخفيفها في العصر والمغرب، وتوسطها في العشاء الآخرة). * ت: لم يختلف في الصبح والظهر؛ لعمل السلف به (١). وكان الصديق ﵁ يقرأ في الصبح بالبقرة في الركعتين [كليهما] (٢) (٣). قال الباجي: اللفظ يحتمل تجزيئها على الركعتين، وإعادتها في الثانية. وكان عمر ﵁ يقرأ في الأولى بسورة يوسف، وفي الثانية بسورة الحج (٤). وكان عثمان ﵁ كثيراً ما يردد سورة يوسف فيها (٥). وفي كتاب عمر لأبي موسى الأشعري: صل الصبح والنجوم بادية مشتبكة، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصل (٦). وأما الظهر: ففي «مسلم»: كانت الظهر تُقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي

стр. 605

حاجته، ثم يتوضأ، ثم يأتي رسول الله ﷺ في الركعة الأولى، مما يطولها (١). والتطويل فضيلة، فمن تركه فلا سجود عليه. وفي «مسلم» أنه ﵇ قرأ في صلاة الغداة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ (٢) [الزلزلة: ١]. وروي عنه ﵇ أنه قرأ في الصبح بالمعوذتين (٣). وأنه قرأ في الظهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٤) [الليل: ١]، إلا أن العمل على تطويل القراءة في الصبح والظهر. قال عبد الوهاب التطويل فيهما، والتخفيف في العصر والمغرب، والتوسط في العشاء، مما نقلته الأمة بالعمل (٥). واختلف هل هما في الطول سواء، أو الصبح أطول؟ بالأول؛ قال أشهب (٦)، و (ش)، و (ح)، لما في «مسلم»: قال أبو سعيد الخدري: كنا نحزُرُ قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر «السجدة» (٧). وفي «الصحيحين»: أنه ﵇ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم

стр. 606

(١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] (١). وقال يحيى بن عمر: الصبح أطول (٢). لما في «أبي داود»: كان النبي ﷺ إذا [دحضت] (٣) الشمس صلى الظهر، فقرأ بنحو ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، والعصر كذلك، وكذلك الصلوات؛ إلا الصبح فإنه كان [يطيلها] (٤). ولأن الحاجة تدعو لذلك في المساجد للحوق الجماعة، ولأنها ركعتان فقط، ويدرك الناس نياماً، فمدت القراءة ليدركوا، والظهر تدركهم متأهبين وهي طويلة، وينبغي مراعاة جيرة المسجد، فقد يكون في السوق، فيزيد جمعه. وفي «أبي داود»: كان ﵇ يقوم في الركعة الأولى من الظهر حتى لا يسمع وقع قدم (٥). فرع: اختلف هل تطويل الأولى أكثر من الركعة الثانية؟ وقاله أكثر العلماء، والشافعية، وهو في «الواضحة» (٦). وقال (ح): ذلك في الصبح، لما في «الصحيحين»: قال أبو سعيد الخدري:

стр. 607

كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية في كل ركعة، وفي الركعتين الأوليين من العصر قدر خمسة عشر آية (١). فسوى بين الركعتين. وأما الصبح فلما يخشى فيها من الفوات، وعدد غيرها أكثر، ولا تفوت في الأغلب. لنا: ما في «الصحيحين»: كان رسول الله ﷺ يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر [في] (٢) الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحياناً، وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب (٣)، ولأنه لما كان تطويلها في الأولى لإدراك المسبوق؛ شرع. وأما التخفيف في العصر والمغرب؛ فلأنه الذي استقر عليه العمل (٤)، مع أنه قد روي أن النبي ﷺ في الصحاح غير ذلك؛ أنه قرأ (الطور) في المغرب (٥)، وروي (المرسلات) (٦)، وروي (الأعراف) (٧).

стр. 608

وفي «النسائي»: قرأ (الدخان) (١). وفي «البخاري»: قال زيد بن ثابت لمروان بن الحكم: ما لك تقرأ في المغرب بالقصار، وقد سمعت رسول الله ﷺ قرأ فيها بأطول الطويلتين؟ (٢). وفي «النسائي»: [ .. ] (٣). وروي أن أبا بكر ﵁ قرأ فيها في الركعتين الأوليين بقصار المفصل (٤). وفي «مسلم»: كان ﵇ يقرأ في الظهر والعصر بـ ﴿السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١]، و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] (٥). وكان ﵇ بخلاف عادته ليعلم الناس جواز ذلك، ثم استقر العمل على ما تقدم؛ التخفيف في العصر والمغرب. واختلف هل هما سواء: قال الباجي: هما سواء عند مالك (٦). وقال (ش) و (ح): بالفاتحة، وعشرين آية (٧).

стр. 609

وقال ابن حنبل: بخمسة عشر. وهذا مبني على اختلاف الأحاديث. والتوسيط في العشاء استقر عليه العمل (١). وفي «الموطأ»: أنه ﵇ قرأ فيها بـ ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] (٢). وفي «الصحيحين»: أن معاذ بن جبل قد قرأ في العشاء الآخرة بسورة البقرة، فشكي ذلك للنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : أفتان أنت يا معاذ؟ إذا أممت بالناس فاقرأ بـ ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (٣). *** * ص: (فإن ابتدأ في الصبح أو الظهر بسورة قصيرة، تركها وشرع في طويلة، ولا يقرأ في ركعة ببعض سورة، ولا يقسم سورة في ركعتين). * ت: استقر العمل في التطويل في الصبح (٤)، ولأنها تأتي في وقت نوم وعدم تأهب؛ فطول فيها حتى يدركها النائم، والتقصير يسبب فواتها. واتفقوا على أن القارئ ببعض سورة لا شيء عليه، والمشهور الكراهة (٥)، لما روي عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يصلي الرجل مختصراً.

стр. 610

قال المازري: قيل: يقرأ من السورة آية (١). ولأن العمل مضى على إكمال السورة، ولأنه لا يجوز بعض الفاتحة؛ فكذلك غيرها قياساً للنفل على الفرض. وعن مالك: لا بأس أن يقرأ بأم القرآن وآية (٢)، لما في «أبي داود»: أن رسول الله ﷺ افتتح بمكة في الصلاة سورة المؤمنين، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون وعيسى ﵇ أخذت النبي ﷺ سعلة فركع (٣). وجوابه: أن هذا عذر. وفي «الموطأ»: أن الصديق ﵁ صلى الصبح بالبقرة في [الركعتين] (٤) (٥). وروى عنه ﵇ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بأم القرآن فصاعداً (٦). ولم يجز، فأجزأ أي شيء قرأ، والأول المعروف من عمل النبي ﷺ وأصحابه. *** * ص: (ويقرأ القرآن على ترتيب السور في المصحف، ولا يقرأ بالآخرة قبل الأولى، فإن فعل فلا شيء عليه؛ مراعاة، ولأنه العمل لا بأس أن يفتح المأمون على إمامه إذا توقف في قراءته).

стр. 611

* ت: وقاله (ش) و (ح). قال الباجي: لا يبطل ذلك الصلاة اتفاقاً. وروى ابن وهب: أن النبي ﷺ : صلى بالناس يوماً الصبح، فقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، فأسقط آية، فلما فرغ قال: أفي المسجد أبي بن كعب، قال: نعم، ها أنا يا رسول الله، قال: ما منعك أن تفتح علي، قال: خشيت أنها نسخت يا رسول الله، قال: إنها لم تنسخ (١). وفي «أبي داود»: أمرنا رسول الله ﷺ أن يرد بعضنا على بعض. وفي «الموطأ»: أن النبي ﷺ ترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله أتركت آية كذا وكذا، فقال: هلا إذا ذكرتنيها (٢). وعن علي ﵁: إذا استطعمكم الإمام فأطعموه (٣). يريد: لقنوه إذا تعايا. ولأنه معونة للإمام؛ فأشبه التسبيح به إذا سهى، ولأن صلاته مرتبطة بصلاته؛ فهو ساع في إصلاح صلاة نفسه. قال اللخمي: يخير بين الانتقال لغيرها، وبين أن يركع إن كان في غير الفاتحة (٤)

стр. 612

قال ابن القاسم: أحب إليَّ أن يقرأ غيرها (١). قال مالك: لا يفتح عليه؛ وإن تعايا، [أو] (٢) خرج من سورة إلى سورة، حتى يقف [ينتظر التلقين] (٣) (٤). فرع: هل يستخلف؟ قال سحنون: إن ضعف عن القراءة استخلف (٥). وقاله (ح)، خلافاً لمحمد، ولأبي يوسف فقالا: لا تفسد على الجميع. لنا: أنه إذا استخلف مع الحدث المفسد فهاهنا أولى. قال سحنون: إذا فتح عليه فلم [يهتد] (٦)، فتقدم إلى جنبه، فقرأ بهم بقية السورة والإمام [منصت] (٧) حتى يركع الفاتح هذه الثانية، ثمَّ سلم بهم الإمام؛ فسدت صلاة الجميع (٨). *** * ص: (ولا بأس أن يفتح من ليس في صلاة على من هو في الصلاة، ولا يفتح من هو في صلاة على من هو في صلاة أخرى).

стр. 613

* ت: أما من ليس في صلاة؛ فلأنه معاونة على البر والتقوى، وفعل حسن. واتفق أرباب المذاهب على أن المصلي لا يشتغل عن صلاته بصلاة غيره، وربما دخل عليه السهو بإعراضه عن صلاته. فإن فتح على من هو في صلاة، أو ليس في صلاة: قال ابن القاسم وسحنون: تفسد صلاته (١)، كالمتكلم في صلاته متعمداً، وقياساً على تشميت العاطس ورد السلام؛ لأنه مخاطب لآدمي، كما لو كلمه بغير القرآن. وقال أشهب لا تفسد (٢)؛ كما لو فتح على إمامه، وقد يجوز يستفتح به ليدعوه، وقد استأذن رجل على ابن مسعود وهو يصلي فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، ولأن القرآن لا يبطل الصلاة. *** * ص: (ويؤمن المأموم والمنفرد بعد فراغ أم القرآن، ولا تأمين على الإمام، قاله ابن عبد الحكم، وروي عن مالك أن الإمام يؤمن). * ت في الصحاح: أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٣). وفي حديث آخر: إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين (٤).

стр. 614

قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين (١). وفي «الموطأ»: أنه ﵇ لما افتتح الصلاة كبر، ورفع يديه، ثم قرأ بفاتحة الكتاب، فلما فرغ منها قال: آمين، يرفع بها صوته (٢). فائدة: قال عياض: المعروف في آمين المد وتخفيف الميم، ومعناه: استجب لنا دعاءنا. وقيل: عبراني أعرب، وهو مبني على الفتح، وحكى ثعلب: آمين بالقصر. وقيل: اسم الله تعالى؛ معناه: يا آمين استجب لنا، [والصلاة] (٣) عوض من يا النداء، وحكى الداودي المد والتشديد في الميم؛ لغة شاذة (٤). إذا ثبت ذلك؛ قال ابن العربي: لم يختلف أصحابنا أن الإمام يؤمن في صلاة السر (٥)؛ لأنه دعاء [عرا] (٦) عن مؤمن. وفي الجهر ثلاثة أقوال: - منع ابن القاسم (٧)؛ لما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: إذا قال

стр. 615

الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال من خلفه: آمين، فوافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١). وفي «الموطأ»: إذا قال الإمام ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين (٢)، فقد بين ما يقول وما يقولون، ولأن الإمام داع والمأموم مستمع، وشأن المستمع التأمين. - وروى عبد الملك الجواز (٣)، لقوله ﵇: إذا أمن الإمام فأمنوا (٤)، والمراد الجهر؛ لأنه في السر لا يسمع. وعن ابن شهاب أنه ﵇ كان يقول: آمين (٥). ولأنه ذكر؛ فسن له كسائر الأذكار، ولأن يشبه المنفرد. - وخيره ابن بكير جمعاً بين الأخبار (٦). قال المازري: سبب الخلاف اختلاف الأحاديث والتأويلات، فالمانع يقرأ: إذا أمن، معناه: بلغ موضع التأمين، والداعي يسمى مؤمناً، والمؤمن داعياً، قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]، وأحدهما داع، والآخر يؤمن، والتخيير جعل قوله إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ علماً على التأمين؛ لأن الإمام قد يخفيه (٧).

стр. 616

وإذا قلنا يؤمن: قال الباجي و (ح): لا يجهر (١)؛ لأن أصل الدعاء الإخفاء. وقال (ش) (٢)، واللخمي: يجهر؛ ليقتدي به من خلفه (٣)، ولأنه حكمه حكم القراءة. قال اللخمي: وكان أصحاب النبي ﷺ يؤمنون حتى يسمع لهم رجة. ويؤمن المأموم في صلاة السر عند فراغه من الفاتحة؛ إذا قلنا يقرأها على الخلاف، وفي الجهر عند فراغ الإمام منها إذا سمع قراءته. قال ابن يونس: لا يختلف في ذلك (٤). واختلف إن كان بموضع لا يسمع: قال مالك في «العتبية»: ليس ذلك عليه؛ لأن التأمين إجابة، وهو فرع السماع. وقال ابن عبدوس: يتحرى وقت ذلك ويؤمن؛ كالمريض يتحرى وقت الرمي عنه فيكبر. ومنع يحيى بن عمر، وهي رواية لابن نافع. والفرق أن هذا في صلاة لا يتكلم إلا في موضع الكلام، والمريض ليس في صلاة.

стр. 617

ويؤمن الفذ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ اتفاقاً؛ قاله ابن ونس (١). *** *ص: (يقول الإمام سمع الله لمن حمده، ويقول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد، ويقول المنفرد: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد). *ت: في «مسلم»:: قال رسول الله ﷺ : إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد (٢). قال عياض: معنى سمع الله لمن حمده: أجاب الله دعاء من حمده. وقيل: حث على التحميد (٣). ونقل الباجي عن أبي إسحاق أنه دعاء؛ تقديره: اسمع لمن حمدك، فيقول المأموم: اللهم ربنا ولك الحمد، كالداعي والمؤمن (٤). قال الباجي: الأظهر أنه ترغيب في التحميد (٥). وأما جمع المنفرد بينهما فباتفاق؛ إلا ما روي عن (ح) أنه لا يجيب نفسه. لنا: أن ما يقوله المأموم يقوله المنفرد كالتأمين، ولأن التحميد شكر الدعاء فيجمع بينهما وأما الإمام فالمشهور أنه لا يجمع بينهما للحديث المتقدم فخص الإمام بلفظ، والمأموم بلفظ، ولأنه ﵇ كان يفعل.

стр. 618

وقال ابن نافع: يجمع (١)؛ لما في «البخاري»: أن النبي ﷺ كان إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: اللهم ربنا ولك الحمد (٢). ولأنه ذكر؛ فلا يختص به المأموم كالتكبير، قال مالك: لا يجهر المأموم بسمع الله لمن حمده، ولا بالتكبير، فإن أسمع من يليه فلا بأس (٣)، ولم يذكر الإمام. قال بعض أصحابنا: الشأن أن يجهر بذلك وبالتكبير؛ ليقتدي به في الركوع والسجود (٤). وهل يقال بالواو، أو اللهم؟ (٥). خلاف عن مالك وغيره (٦)، واختيار ابن الجلاب اختيار ابن القاسم، والكل مروي في الحديث (٧). ولأن زيادة اللفظ يقتضي زيادة الثواب، ولأن العطف يقتضي معطوفا عليه؛ تقديره: اللهم استجب لنا، ولك الحمد. وقيل: واو ابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. قال الداودي: ولك الحمد اللهم ربنا (٨).

стр. 619

قال عياض: الخلاف ينبني على الخلاف في معنى «سمع الله لمن حمده» مع اختلاف الأحاديث، فإن قلنا: حث على الحمد، وحذفت الواو ليطابق ما حث عليه، ويمتثل ما ندب إليه، وعلى التأويل الأول؛ يثبت لتضمنها تأكيد الدعاء فتثبت الواو، والتقدير: اللهم استجب لنا، ولك الحمد على استجابتك (١). وقيل: خبر؛ معناه اللهم سامع لمن حمده، فتسقط الواو. وفي «الموطأ»: لما رفع النبي ﷺ رأسه من الركعة وقال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما انصرف النبي ﷺ قال: من المتكلم آنفاً؟ قال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال ﵇: لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها، أيُّهم يكتبها أول (٢). قال الباجي: قال مالك: ليس العمل على هذا. قال ابن بشير: كرهه مالك خشية أن يعتقد فرضاً في الصلاة. وقول ابن شعبان قائل ذلك تبطل صلاته (٣)؛ لا معنى له، وقد ورد في الحديث. *** *ص: (وإذا سجد المرء في صلاته جافى مرفقيه عن جنبيه، ولا يرفعهما على ركبتيه في الفرائض، ولا بأس بذلك من طول السجود في النوافل). * ت: في «البخاري» أن النبي ﷺ كان إذا سجد فرج بين يديه حتى يُرى

стр. 620

بياض إبطيه (١). وقال رسول الله ﷺ للبراء بن عازب: إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك (٢). وروي أنه ﵇ كان إذا سجد مكن جبهته من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه (٣). ولأن ذلك أبلغ في التذلل والتمكين، ومناف للكسل، ولا خلاف فيه، وجاز إبعادهما عن الجنبين يسيراً. قال ابن القاسم: يرفع بطنه عن فخذيه، ويجافي بضبعيه تفريجاً متقارباً (٤). ومن أهل المذهب من لا يستحبه لامرأة؛ لأن تركه أستر بها (٥). قال ابن بشير: لا يختلف في رفع بطن الرجل، إنما يختلف في المرأة (٦). وفي «الموطأ»: قال ابن عمر منكراً لما له من الذين يصلون على أفخاذهم (٧). قال عياض: السجود التضامن والميل، سجدت النخلة إذا مالت، وهو في

стр. 621

[الشرع] (١) الخضوع (٢). وأما أنه لا يضعهما على ركبتيه في الفرائض؛ فللأحاديث المتقدمة، وأما طول السجود في النوافل فإن الضرورة تؤتى في الواجب، فأولى المستحب. قال مالك: يوجه يديه إلى القبلة في السجود، ولم يحد أن يضعهما (٣). واستحب ابن مسلمة حذو أذنيه (٤). وفي [مسلم] (٥): أنه ﷺ سجد بين كفيه (٦). ولا ينبغي بسط الذراعين، بل يجعل كفيه على الأرض، ويبعد عنها ذراعيه. وفي «مسلم»: قال النبي ﷺ : اعتدلوا في الركوع والسجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب (٧). وفيه: نهى ﵇ أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع (٨). *** * ص: (والجلوس في الصلاة كلها في الجلسة الأولى والآخرة بين السجدتين على هيئة واحدة، وهو أن يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض، وينصب

стр. 622

قدمه اليمنى على صدرها، ويجعل قدمه اليسرى تحت ساقه الأيمن، ويبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويطلق سبابته منها ويشير بها). ت: قال: السنة أن يفترش رجله اليسرى فيقعد عليها، وينصب اليمني، ويوجه أصابعه نحو القبلة (١). ووافقه (ش) في ذلك بين السجدتين، وفي التشهد الأول. وقال في الجلسة الآخرة: يخرج رجليه من جانب وهو الأيمن، ويفضي بإليتيه إلى الأرض (٢). لما في «الموطأ»: عن [عبد الله بن] (٣) عبد الله بن عمر أنه قال: كنت أرى أبي يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته حينئذ وأنا حديث السن، فنهاني عبد الله؛ فقال: إنما السنة في الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسرى، قال: فقلت له: وأنت تفعل ذلك، فقال: إن رجلي لا يحملاني (٤). وفي «الموطأ»: أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس، فنصب رجله اليمنى، وثنى اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أراني هذا عبد الله [بن عبد الله] (٥) بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك (٦).

стр. 623

قال الباجي: معنى جلس على وركه الأيسر؛ أي: على طرف وركه، لقوله: ولم يجلس على قدميه، فلا بد أن يُفضي بإليته إلى الأرض (١). وفي «الموطأ»: أن المغيرة بن حكيم رأى عبد الله بن عمر يرجع في سجدتين في الصلاة، على ظهور قدميه، فلما انصرف ذكر له ذلك، فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك لأجل أني [أشتكي] (٢) (٣). وروي أن رسول الله ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وآخرها متوركاً. ولأنه مما يتكرر في الصلاة، فتتحد صفته؛ كالقيام والجلوس. قال سند أخبارهم مختلفة المتون، فيرجح ما استقر عليه العمل من الصحابة ﵃. ومن سنة الجلوس؛ أن يرفع يديه من الأرض على فخذيه (٤). فإن تركهما في الأرض: ففي النوادر عن بعض الأصحاب: يعيد الصلاة، لما روى ابن عمر في «أبي داود»: إنَّ اليدين يسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه، فليضع يديه، وإذا رفع فليرفعهما (٥). قال سند: الأصح أن ذلك تخفيف، والأصل الوجه، والتابع لا يضر تركه،

стр. 624

والمعروف أنه يقبضهما إلى المسبحة. وقال في «المختصر»: يضع كفيه على فخذيه بين الجلستين (١). قال بعض الفقهاء: ظاهره يبسط كفه اليمنى. وفي «مسلم» و «الموطأ»: عن علي بن عبد الرحمن قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث في الصلاة بالحصى، فلما انصرف نهاني وقال لي: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، قلت: وكيف كان يصنع؟ قال: كان إذا جلس في الصلاة، وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابع يده كلها، وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى (٢). وفرق اللخمي بين جلوسه بين السجدتين، وبين جلوسه للتشهد؛ فقال: يبسطهما على ركبتيه بين السجدتين ويقبض اليمنى، ويمد السبابة في التشهد (٣). قال ابن بشير: يجعل جانب المسبحة مما يلي السماء، [ويمد] (٤) الإبهام على الوسطى، كالعاقد ثلاثاً وعشرين (٥). واختلف في تحريك السبابة: ففي «العتبية»: كان مالك يحركها؛ لأن ذلك يطرد الشيطان ويقمعه (٦).

стр. 625

وفي الحديث: إنها مدية الشيطان، فلا يسهو أحدكم مادام يشير بها بأصبعه (١). قال الباجي: قال ابن القاسم: يمدها من غير تحريك (٢). لما في «أبي داود»: كان ﵇ يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها. ولأنه أقرب للوقار، ولسكون [ .. ] (٣) بالصلاة إشارة إلى الإخلاص. قال الباجي: كان يحيى بن عمر يحركها عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (٤). ليقرر على نفسه جميع ما يلزمه الإيمان به، كما أن الإنسان إذا حدث صاحبه حرك أصبعه؛ كالمقرر لحديثه. وعن رسول الله ﷺ أنه كان يحرك المسبحة في التشهد (٥). واختلف قول (ش) في صفة القبض؛ فعنه: يقبض الخنصر والبنصر ويحصل الوسط مع الإبهام حلقة، ويشير بالمسبحة، خرجه «أبو داود» أيضاً (٦). وعنه ما قاله مالك. *** * ص: (والجلسة الأولى مسنونة غير مفروضة، والجلسة الآخرة مفروضة). * ت: لما في «البخاري» أن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر، ولم

стр. 626

يجلس بينهما، فلما [تم] (١) صلاته سجد سجدتين ثم سلم (٢). فلو كانت مفروضة؛ لما ناب عنها سجود السهو بل تفسد الصلاة، ولا يقال لم يعلم فيرجع؛ لأنه ورد في الحديث أنهم سبحوا به، وقد علم سهوه. وفي «أبي داود»: قال رسول الله ﷺ : إذا قام الإمام في الركعتين؛ فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس، وإن استوى قائماً فلا يجلس؛ وسجد سجدتي السهو (٣). والواجب عند مالك في الأخيرة بدل السلام. وقول ابن الجلاب فيه تحرز. قال القاضي عبد الوهاب في «التلقين»: الواجب قدر ما يعتدل (٤)؛ لأنه ﵇ فعله، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥)، ولأن السلام إنما شرع في الجلوس، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. * ص: (والتشهد في الجلستين مستحب). * ت: هذا هو المشهور (٦)، وقاله (ح) (٧).

стр. 627

وعن مالك وجوب الآخر، وقاله (ش) (١). لقوله ﵇ في «أبي داود»: إذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله (٢)، وذكر التشهد، والأمر للوجوب. قال المازري: قال ابن مسعود: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده (٣)، فجعله فرضاً. لنا: كما تقدم في قيامه ﵇ من اثنتين، ولأنه ذكر سري؛ فلا يجب كالتسبيح في الركوع، ولقوله ﵇ للأعرابي: ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل في صلاتك كلها كذلك، فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك (٤). ولم يشترط تشهداً؛ فلو كان فرضاً عليه لبينه كما نبه على غيره. قال سند: ولا خلاف أنه لا يتعين، ولو كان واجباً لتعين كالفاتحة والسلام. وهل يشرع بعده دعاء قليل؟ لما روي عنه ﵇ كان يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف (٥).

стр. 628

وعن مالك: يدعو ما شاء؛ قاله المازري (١). وقاسه مالك في أحد قوليه على التشهد الثاني في جواز الدعاء، والفرق أنه في الثاني أكمل الصلاة، وأن يحسن الدعاء (٢). *** * ص: (والتسبيح في الركوع والسجود فضيلة، وليس بسنة ولا فريضة) (٣). * ت: وافقنا (ش) و (ح). وقال أحمد بن حنبل، وداود: بوجوبه. لنا: حديث الأعرابي المتقدم، قال له النبي ﷺ لما قال له علمني: اركع حتى تطمئن راكعاً، إلى أن قال له: فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك (٤)، ولم يذكر تسبيحاً في سياق التعليم؛ وهو دليل عدم الوجوب. ولأنه جاءت فيه إذا كان مختلفة، والواجب لا بد أن يتعين؛ كالفاتحة والسلام، فدل ذلك على عدم وجوبه، وليس بسنة لعدم المداومة عليه. وفي «مسلم»: قالت عائشة ﵂: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في السجود وهما [منطويتان] (٥)، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ

стр. 629

بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك (١). وفي «مسلم»: قال رسول الله ﷺ : ياأيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً، فأما الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فيه بالدُّعاء، فقمن أن يستجاب لكم فيه (٢). معناه: أن يستجيب لكم من الركوع، ومثل قمن قمين، وجدير، وحري، وأحرى. وفيه: كان رسول الله الله يقول إذا ركع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، [ولك] (٣) أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ولحمي، وعظمي، وعصبي. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين (٤) وهو فضيلة؛ لأمره ﵇ به، ففي أبي داود: قال ﵇: إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى (٥). قال عياض والتسبيح: التنزيه، فسبحان الله تنزيه الله عن كلام ما لا يليق به، والتحميد: أن يحمده سبحانه على استعمالنا لذلك. ***

стр. 630

*ص: (والطمأنينة في جميع أركان الصلاة كلها واجبة في قيامها وركوعها، ورفع الرأس منه، وفي سجودها وبين السجدتين). *ت وفي «مسلم»: أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى، ثم جاء فسلم عليه فقال له: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل مرتين أو ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق بشيراً ونذيراً ما أحسن غيره، فعلمني، قال له: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). والأمر ظاهره الوجوب، لقوله ﵇: فإنك لم تصل، والصلاة لا تنفى إلا بترك واجب. ووافقنا (ش). وحكى اللخمي أن ابن القاسم قال: إذا لم يعتدل حتى رفع، ورفع من السجود فلم يعتدل جالساً حتى [سجد] (٢): فليستغفر الله تعالى، ولا [يعود] (٣) (٤)، فلم يوجبها، وقاله (ح). وعنه: لا يعتد بتلك الركعة، واستحب له أن يتمادى، ويعيد (٥).

стр. 631

وعن مالك: لا يعتد بها بوجه، كقيام القنوت إذا خرَّ من ركوعه ساجداً ولم يرفع (١). لنا: أمره ﵇ الرجل بالإعادة، وهي لا تكون إلا بترك واجب. ولأنها أركان مقصودة؛ فشرط فيها الطمأنينة؛ كالقيام، والجلسة الآخرة. احتجوا بأن القرآن إنَّما ذكر الركوع والسجود دون الطمأنينة، فالزيادة على النص نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد. ولأنه ﵇ أقره على ترك الصلاة، والتمادي عليه، والفساد لا يقر عليه، ولا يجوز [تأخير] (٢) البيان [ .. ] (٣) واجبه، وقد أخره، وإنما قال ﵇ ذلك تغليظاً حتى لا يعود. جوابه: أن الصلاة في كتاب الله تعالى مجملة، وقد ينهى ﵇ بفعله وقوله، وليس في القرآن وضع الجبهة على الأرض؛ إنما هو الانحناء. سجد البعير؛ إذا خفض رأسه، وسجد الظل؛ إذا مال، وإنما علم ذلك من بيانه ﵇. ولأن الطمأنينة في صلاته ﵇ للمعلومة بالضرورة، وأفعاله في القرب على الوجوب، وأمره ﵇ على الوجوب، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (٤)، والواجب منها أقل ما يقع عليه اسم الطمأنينة، وله الزيادة ما أحب إذا كان فذاً.

стр. 632

وهل الزائد فرض؛ لأنه من جنس الفرض المخير؟ أو مندوب؛ لأنه لا يأثم بتركه؟ [ولأن نقلهما] (١) ابن شعبان (٢). قال اللخمي: الأحسن أنه نفل، وليس هو كالتخيير في الكفارة؛ لأنه مخير في أحدهما، وهاهنا مخير بين الفعلين؛ الترك لغير بدل. وكذلك إتمام المسافر قبل الركعتين الزائدتين: فرض. وقيل: تطوع؛ وهو أحسن (٣). *** * ص: (والمستحب من التشهد: التحيات لله، الزكيات الله، الطيبات الصلوات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإن أتى بغير ذلك من التشهد أجزأه). * ت في «الموطأ»: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول على المنبر: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (٤).

стр. 633

واستحسن مالك تشهد عمر ﵁ (١). قال ابن حبيب: وهو الذي علمه النبي ﷺ لعمر، وكان عمر يعلمه الناس على المنبر، والصحابة حوله لا يردونه، وكيفما تشهد أجزأه (٢). واختار (ش) تشهد ابن عباس ﵁ وهو: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (٣). وتشهد عمر أولى؛ لأنه يجري مجرى التواتر؛ لقوله إياه على المنبر بين الصحابة ﵃. وقوله: قولوا كذا، وهو إمام؛ فيجب اتباعه، ويستحيل أن يذهب عن عمر تشهد النبي ﷺ ، وعن المهاجرين والأنصار، ولو كان غيره مشتهراً لقالوا: ضيقت على الناس ما هو واسع عليهم مخيرون فيه (٤). ولأن فيه زيادة الزاكيات، والتسليم بالتعريف الموجب للاستقراء، ويخالف النكرة. واختلف؛ هل يبدأ في أوله باسم الله؟ ولم يعرفه مالك، وفقهاء الأمصار. وعن ابن عمر أنه كان يقول: بسم الله، التحيات الله (٥). وقال بعض الشافعية: بسم الله وبالله التحيات لله، لما في «النسائي» عن

стр. 634

النبي ﷺ : يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، بسم الله وبالله التحيات، لله وساق التشهد (١). لنا: ما رواه مالك: عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: بسم الله في تشهده فانتهره (٢). قال ابن المنذر: ليس في خبر ثابت ذكر [التسمية] (٣). واختلف في الصلاة على النبي ﷺ ؛ هل تجب في التشهد، أو تسن، أو تستحب؟ وهو المشهور (٤). وعدها القاضي في «التلقين» من السنن (٥)، وعلى هذا يسجد الساهي عنها؛ وهو خلاف المذهب. قال ابن المواز: وهي فرض (٦). قال أبو محمد: يريد فرضاً إسلامياً؛ لا أنها من فرائض الصلاة. واختلف أصحابنا في الصلاة على آل محمد ﷺ ؛ هل تجب أم لا؟ وجمهور العلماء على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست من واجبات الصلاة (٧).

стр. 635

قال ابن القصار: المشهور من قول أصحابنا: أن الواجب في الجملة المتقدم أنه ﵇ قال له: إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك (١)، في معرض التعليم، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ، وقياساً على التشهد الأول. حجة الوجوب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والأمر للوجوب. جوابه: محمول على خارج الصلاة؛ لأنه لا عموم فيه (٢). قال المازري: وقد فسره النبي ﷺ لما قال له الساعدي: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل عل محمد، وآل محمد، كما صليت على إبراهيم. الحديث (٣). احتج (ش) بقوله ﵇: لا يقبل الله صلاة إلا بطهور (٤). [والصلاة على فوائد] (٥): سمي التشهد لتضمينه الشهادتين. قال ابن حبيب: التحيات جمع تحية؛ وهي السلام (٦)، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
следующие страницы →