← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وعن مالك: لا يعتد بها بوجه، كقيام القنوت إذا خرَّ من ركوعه ساجداً ولم يرفع (١). لنا: أمره ﵇ الرجل بالإعادة، وهي لا تكون إلا بترك واجب. ولأنها أركان مقصودة؛ فشرط فيها الطمأنينة؛ كالقيام، والجلسة الآخرة. احتجوا بأن القرآن إنَّما ذكر الركوع والسجود دون الطمأنينة، فالزيادة على النص نسخ، والقرآن لا ينسخ بخبر الآحاد. ولأنه ﵇ أقره على ترك الصلاة، والتمادي عليه، والفساد لا يقر عليه، ولا يجوز [تأخير] (٢) البيان [ .. ] (٣) واجبه، وقد أخره، وإنما قال ﵇ ذلك تغليظاً حتى لا يعود. جوابه: أن الصلاة في كتاب الله تعالى مجملة، وقد ينهى ﵇ بفعله وقوله، وليس في القرآن وضع الجبهة على الأرض؛ إنما هو الانحناء. سجد البعير؛ إذا خفض رأسه، وسجد الظل؛ إذا مال، وإنما علم ذلك من بيانه ﵇. ولأن الطمأنينة في صلاته ﵇ للمعلومة بالضرورة، وأفعاله في القرب على الوجوب، وأمره ﵇ على الوجوب، وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي (٤)، والواجب منها أقل ما يقع عليه اسم الطمأنينة، وله الزيادة ما أحب إذا كان فذاً.

стр. 632

وهل الزائد فرض؛ لأنه من جنس الفرض المخير؟ أو مندوب؛ لأنه لا يأثم بتركه؟ [ولأن نقلهما] (١) ابن شعبان (٢). قال اللخمي: الأحسن أنه نفل، وليس هو كالتخيير في الكفارة؛ لأنه مخير في أحدهما، وهاهنا مخير بين الفعلين؛ الترك لغير بدل. وكذلك إتمام المسافر قبل الركعتين الزائدتين: فرض. وقيل: تطوع؛ وهو أحسن (٣). *** * ص: (والمستحب من التشهد: التحيات لله، الزكيات الله، الطيبات الصلوات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وإن أتى بغير ذلك من التشهد أجزأه). * ت في «الموطأ»: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول على المنبر: قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (٤).

стр. 633

واستحسن مالك تشهد عمر ﵁ (١). قال ابن حبيب: وهو الذي علمه النبي ﷺ لعمر، وكان عمر يعلمه الناس على المنبر، والصحابة حوله لا يردونه، وكيفما تشهد أجزأه (٢). واختار (ش) تشهد ابن عباس ﵁ وهو: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات الله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (٣). وتشهد عمر أولى؛ لأنه يجري مجرى التواتر؛ لقوله إياه على المنبر بين الصحابة ﵃. وقوله: قولوا كذا، وهو إمام؛ فيجب اتباعه، ويستحيل أن يذهب عن عمر تشهد النبي ﷺ ، وعن المهاجرين والأنصار، ولو كان غيره مشتهراً لقالوا: ضيقت على الناس ما هو واسع عليهم مخيرون فيه (٤). ولأن فيه زيادة الزاكيات، والتسليم بالتعريف الموجب للاستقراء، ويخالف النكرة. واختلف؛ هل يبدأ في أوله باسم الله؟ ولم يعرفه مالك، وفقهاء الأمصار. وعن ابن عمر أنه كان يقول: بسم الله، التحيات الله (٥). وقال بعض الشافعية: بسم الله وبالله التحيات لله، لما في «النسائي» عن

стр. 634

النبي ﷺ : يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، بسم الله وبالله التحيات، لله وساق التشهد (١). لنا: ما رواه مالك: عن ابن عباس أنه سمع رجلاً يقول: بسم الله في تشهده فانتهره (٢). قال ابن المنذر: ليس في خبر ثابت ذكر [التسمية] (٣). واختلف في الصلاة على النبي ﷺ ؛ هل تجب في التشهد، أو تسن، أو تستحب؟ وهو المشهور (٤). وعدها القاضي في «التلقين» من السنن (٥)، وعلى هذا يسجد الساهي عنها؛ وهو خلاف المذهب. قال ابن المواز: وهي فرض (٦). قال أبو محمد: يريد فرضاً إسلامياً؛ لا أنها من فرائض الصلاة. واختلف أصحابنا في الصلاة على آل محمد ﷺ ؛ هل تجب أم لا؟ وجمهور العلماء على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست من واجبات الصلاة (٧).

стр. 635

قال ابن القصار: المشهور من قول أصحابنا: أن الواجب في الجملة المتقدم أنه ﵇ قال له: إذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك (١)، في معرض التعليم، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ، وقياساً على التشهد الأول. حجة الوجوب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والأمر للوجوب. جوابه: محمول على خارج الصلاة؛ لأنه لا عموم فيه (٢). قال المازري: وقد فسره النبي ﷺ لما قال له الساعدي: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل عل محمد، وآل محمد، كما صليت على إبراهيم. الحديث (٣). احتج (ش) بقوله ﵇: لا يقبل الله صلاة إلا بطهور (٤). [والصلاة على فوائد] (٥): سمي التشهد لتضمينه الشهادتين. قال ابن حبيب: التحيات جمع تحية؛ وهي السلام (٦)، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا

стр. 636

حُمِّيتُم بِتَحِيَّةِ﴾ [النساء: ٨٦]. وقيل: التحية الملك (١)؛ ومنه: حياك الله؛ أي: ملكك. وقيل: [ … ] (٢). وقيل: العظمة (٣). وقيل: تحيات الملوك، وهو المستحق لها. قال ابن حبيب: الزاكيات: صالحات الأعمال (٤). وقيل: الناميات، زكا الشيء إذا نما. والطيبات: القول الحسن، ضد الخبيث. قال ابن عباس: أي: الأعمال الصالحة (٥). والصلوات: الرحمة. قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس (٦)، لا تنبغي إلا لله تعالى، مثل قولك: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وقيل: الصلاة معناها الرغبة.

стр. 637

والسلام: اسم الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾ [الحشر: ٢٣]، أي: اسم الله عليك. [وقبل الله على حفظك، وقبل جمع سلامة] (١). *** * ص: (ولا بأس بالدعاء بعد التشهد، وليس في ذلك شيء مخصوص). * ت في «الصحيحين»: لما علمهم النبي ﷺ التشهد إلى قوله: أشهد أنه محمداً عبده ورسوله، قال: ثم يتخير من الدعاء ما أحب (٢). وهو يدل على مشروعية الدعاء، وأنه لا يتعين؛ خلافاً لقول (ح): لا يدعو المصلي إلا بما في القرآن، فإن قال: [ .. ] (٣) أو زوجني؛ فسدت صلاته، لشبهه بكلام الناس؛ لأن بعضهم يسأل بعضاً. وقوله ﵇: أما الركوع فعظموا في الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (٤)، ولم يعين دعاء. ولأنه ﵇ دعا بما ليس في القرآن، فقال: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد (٥).

стр. 638

وثبت أيضاً أنه قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام (١)، وعياش بن [أبي] (٢) ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين [كسنين] (٣) يوسف (٤). والمشهور: أنه لا يعيد التسليم على النبي ﷺ . وعن مالك: يستحب للمأموم إذا سلَّم إمامه أن يقول: السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم (٥). لأن عائشة ﵂، وابن عمر ﵄؛ كانا يقولان ذلك بعد التشهد، ثم يسلمان. *** * ص: (ولا بأس بالدعاء في سائر أركان الصلاة كلها سوى الركوع؛ فإنه يكره الدعاء فيه). * ت: لا يحمل قوله على عمومه؛ بل يكره قبل الإقامة، لقول النبي ﷺ للأعرابي: «كبر، ثم اقرأ»، ولم يجعل بينهما واسطة، ولا يدعو في أثناء الفاتحة. لأن حرمتها أكد من الدعاء، وله أن يدعو قبل السورة، وقد دعا الصديق قبل السورة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية،

стр. 639

ويكره في أثناء السورة في المكتوبة دون النافلة؛ لأن القراءة في المكتوبة سنة أكد من الدعاء، وقوله ﵇: فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء (١)، يقتضي كراهيته في الركوع دون السجود، وقوله ﵇: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه الدُّعاء» (٢)، ويدعو بين السجدتين، وهو مشروع بعد التشهد الثاني اتفاقاً، وقبله يكره؛ لأنَّ الثناء على الله تعالى ورسوله أهم، وفي الحديث المتقدم: «ثم يتخيَّر من المسألة ما أحب» (٣)، قاله بعد التشهد، ولأنَّ التشهد اختلف في وجوبه؛ فهو آكد. وفي «المجموعة»: يدعو بعد تشهده الأول، لفعل ابن عمر ذلك. وقيل: لا يدعو بعده بخلاف الثاني؛ لأنه فرغ من صلاته، ويمكن الجمع بين الروايتين؛ فحمل المنع على الكراهة، والأول على الجواز (٤). *** * ص: (ويدعو المرء في صلاته بما شاء من حوائجه من أمر دنياه ودينه، ويسمي من أحب أن يسميه ويستعيذ بالله تعالى من عقابه، ويسأله من رحمته وثوابه في فرضه ونفله). * ت: أصل ذلك قوله ﵇ في صلاته: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (٥).

стр. 640

وروى مالك عن عروة بن الزبير: إني أدعو الله في حوائجي كلها حتى في الملح (١). غير أنه يستحب التأدب في ذلك، لما في «مسلم»: أن رسول الله ﷺ رفع رأسه من الركوع، وقال: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصِيَّةُ عصتِ الله ورسوله، اللهم العن لحيَانَ، والعن رِعلاً، وذكوان» (٢). قال: لا بأس أن يدعو في صلاته على الظالم، فإن قال: اللهم افعل بفلان أو فعل الله بفلان لم تفسد صلاته اتفاقاً، ويقول: يا فلان فعل الله بك (٣). قال ابن شعبان: تفسد (٤). قال ابن أبي زيد في النوادر: لم يقله من أصحابنا غيره (٥). وعن مالك: لا أحب أن يقول المأموم فسبحان الله بكرة وأصيلاً، فإن فعل؛ فلا يعيد، وإن سمع آية جنة فسألها، أو عذاب فيستعاذ منه؛ فلا يكثر، وما خف من ذلك ففي نفسه، ولا يرفع صوته، وكذلك إذا صلى على النبي ﷺ عند سماع ذكره؛ فليخف ولا يكثر، وإن سمع: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: ذلك الله، لم تفسد صلاته (٦).

стр. 641

قال ابن القاسم: إن أخبر بخبر؛ فحمد الله، أو بمصيبة؛ فاسترجع، أو قال: الحمد لله على كل حال؛ لم يعجبني، وصلاته مجزية (١). قال أشهب: إلَّا أن يريد بذلك قطع صلاته. قلت: الدعاء على الظالم أحوال: أحدها: أن يدعو بعزله لزوال ظلمه فقط، فهذا أحسن. وثانيها: أن يدعو عليه بذهاب أولاده، وهلاك أهله، ونحو ذلك مما يتعلق به حق الغير، فينهى؛ لأذيته من لم يجن. وثالثها: أن يدعو عليه بالوقوع في معصية؛ نحو اللهم ابتله بالغيبة، أو القذف، أو شرب الخمر، فينهى عن ذلك؛ لأن إرادة المعصية [للغير] (٢) معصية. ورابعها: أن يدعو عليه بمؤلمات تحصل له في نفسه وجسمه أعظم مما يستحقه في عقوبة جنايته فيحرم؛ لأن الزيادة حرام. وخامسها: أن تكون مثل جنايته، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ويحض على تركه، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، ﴿وَادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] ونحوه، ففعله جائز، وتركه أحسن (٣) وعليه يحمل قول مالك ﵀ فهذا يجب على مقتضى القواعد تقيد

стр. 642

هذا الإطلاق. وقول ابن شعبان مبني على أنه وطأ كلامه على نداء ليسير من الدعاء فقد أبطل صلاته قبل الشروع في الدعاء، بخلاف إذا ابتدأ بالدعاء معه النداء. * ص: (ويستقبل المصلي القبلة في صلاته، وليس عليه أن ينظر إلى حيث يسجد في صلاته، ولا إلى موضع بعينه). * ت: قال الله تعالى: ﴿فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَةً﴾ [البقرة: ١٤٩]. وأجمعت الأمة على وجوب استقبالها مع القدرة، وإن انحرف المعاين عنها لم تجزه صلاته، وغير المعاين إن كان بمكة فعليه استقبالها على وجه القطع دون اجتهاد؛ لقدرته على الصعود إلى موضع يتعلم منه حال بيته مع الكعبة. فإن صلى بالاجتهاد مع القدرة على اليقين؛ أعاد أبداً، ويستقبل مسجد المدينة؛ لأنه مقطوع به، لأن جبريل ﵇ نصبه، وفي غير هذين يجتهد في أدلة القبلة. فإن صلى بغير اجتهاد؛ لم يجزه. وإن وافق القبلة؛ فإن خفيت الأدلة صلى حيث يغلب على ظنه أن القبلة في تلك الجهة. فإن استدبرها؛ أعاد في الوقت استحباباً، لما روي عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فصلى كل واحد منا إلى جهة، وعلمنا

стр. 643

علماً، فلما أصبحنا؛ فإذا نحن صلينا إلى غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مضت صلاتكم» (١). ويعيد في الوقت؛ لاحتمال التقصير في الاجتهاد. وقال ابن المغيرة، وابن سحنون: يعيد أبداً (٢)، كالأسيـ سير يجتهد في رمضان فتبيّن أنه شعبان، أو تبين أنه صلى قبل الوقت عند الغيم (٣). والفرق أنه في الوقت ينتقل إلى يقين، وفي القبلة إلى اجتهاد بعد اجتهاد، وأما ليس عليه بموضع سجوده باتفاق عندنا (٤). قال اللخمي: واستحب بعض العلماء إذا كان قائماً جعل بصره موضع سجوده؛ لأنه ضرب من الخشوع، وحياء ممن وقف بين يديه (٥)، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. قال بعض المفسرين: هو غض البصر، وخفض الجناح، وحزن القلب (٦). قال مالك في المدونة: يضع بصره في قيامه موضع سجوده، وفي جلوسه

стр. 644

إلى حجره. لنا: أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت في عرض هذا الحائط الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» (١)، فدل على أنه كان ينظر أمام قبلته. ولأن المصلي مأمور باستقبال القبلة في قيامه بوجهه ويديه، وبصره من وجهه فينتقل به. وثبت أنه ﵇ كان يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه (٢). ويكره تعمد ذلك؛ لئلا يظهر على جوارحه من الخشوع ما لا يظهره. وقال أبو هريرة: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل: وما هو؟ قال: أن يرى الجسد خاشعاً، والقلب غير خاشع (٣). ويكره تنكس الرأس لتنقصه كمال الاستقبال، وقد قال عمر ﵁: ارفع رأسك، فإن الخشوع في القلب (٤). قال أبو هريرة: وما التفت عبد قط في صلاته إلا قال الله له: أنا خير لك مما التفت إليه (٥).

стр. 645

*ص: (ولا بأس أن يتصفح يميناً وشمالاً بخده، ما لم يلتفت في صلاته). * ت: وفي «الترمذي»: عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ يلحظ في الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره (١). ولأنه عمل يسير لا يخل بالاستقبال، ولتعذر الاحتراز منه، وهو مباح إن كان لحاجة، ففي «الموطأ»: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف، ليصلح بينهم، فحضرت الصلاة، فصلى أبو بكر بالناس، فجاء النبي ﷺ والناس في الصلاة، فوقف في الصف، فصفّق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت أبو بكر، فرأى النبي ﷺ فتأخر، ثم قال النبي ﷺ : «من نابه شيء في صلاته فليسبح، [فإنَّه إذا سبح] (٢) التفت إليه» (٣)، فقد أقر الصديق عليه. قال النبي ﷺ : «لا يزال الله تعالى مقبلاً على العبد ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» (٤). ولأن الالتفات عن القبلة مكروه لذهاب الشرط. *** *ص: (ويكره أن يقنع رأسه، وهو أن يشخص ببصره رافعاً به إلى السماء). *ت في «البخاري» قال النبي ﷺ : «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم.

стр. 646

عند الدعاء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم» (١). فائدة: اقنع الرجل رأسه إذا رفع، قال: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. وقيل: ناكسي رؤوسهم، يقال: أقنع البعير؛ إذا نكس رأسه في الحوض يشرب. ولما كان مشتركا بين ابن الجلاب مراده. *** * ص: (ولا يفرقع أصابعه في الصلاة، ولا يتخصر، ولا يرفع إحدى رجليه، ولا يجعل رجلا على رجل). * ت: قال [شعبة] (٢) مولى ابن عباس: صليت خلف ابن عباس، ففرقعت أصابعي، فلما صلى قال لي: لا أم لك، تفرقع أصابعك وأنت في الصلاة (٣). وقد جاء النهي في أخف من ذلك؛ وهو تشبيك الأصابع. ولأنه يشغل عن الصلاة. واختلف في التشبيك في غير الصلاة: قال مالك: يكره كونه في المسجد، وما به بأس، إنما يكره في الصلاة (٤).

стр. 647

في «أبي داود»: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم (١). وفي «أبي داود»: قال رسول الله ﷺ : إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبك يديه، فإنَّما هو في صلاة (٢). وكره في الصلاة لما فيه من قلة الخشوع، والاشتغال عن الصلاة. وفي «مسلم»: نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً (٣). قال «أبو داود»: معناه أن يضع يده على خاصرته (٤). ولمنافاته للوقار، وداع للكبر، ومن فعل الأعاجم إذا وقفوا بين يدي ملوكهم. وأما رفع أحد الرجلين وجعلها على الأخرى؛ فلما فيه من عدم التمكن، والاعتماد في الصلاة، وتنافي الطمأنينة، ويقرب من الوقوع. *** * ص: (ولا يستند إلى جدار، ولا يتكئ على عصا، في مكتوبة ولا غيرها، إلا من ضرورة، ولا بأس بذلك في التنفل). * ت: لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال ﷺ لعمران بن حصين: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٥).

стр. 648

والمتكئ والمستند في حكم الملقى على الحائط لا حامل لنفسه، وما خف منه كره … القيام، وما كثر فغير مجزئ. قال اللخمي: إن كان بحيث إذا أزيل الحائط فسقط وكان عامداً غير جاهل؛ بطلت صلاته الفرض، أو ساهياً؛ أعاد تلك الركعة، وقد يقال: تجزئه؛ للخلاف في القيام، والظاهر الإجزاء؛ لحصول القيام (١)، ولذلك يقال قام متكئاً، ولو حلف ألا يقوم حنث بهذا القيام، أو [ .. ] (٢) مرَّ به، والمحمل صفة القيام لا صورته. وقال في «المختصر»: للضعيف التوكؤ على العصا في المكتوبة والنافلة، والتوكؤ وهو قائم أفضل من الجلوس، فهو أقرب لفرضه فلا يترك مع الصلاة. وأما النافلة؛ ففي «أبي داود»: إن النبي ﷺ لما أسن وحمل اللحم، اتَّخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه (٣). ولأن القعود فيها جائز مع القدرة. قال اللخمي: كان مالك لا يكره الاعتماد فيما طال من النوافل (٤). *** * ص: (والمرأة في الصلاة كلها مثل الرجل، إلا في اللباس، ويستحب لها في جلوسها أن تضم فخذيها، وتجعل اليمنى على اليسرى).

стр. 649

* ت: يستويان في السترة كالوضوء وغيره، غير أنها أحوج إلى السترة منه، وضم الفخذين من هيئة التجمع الفرجها، وأستر في الصلاة، وأحوط. قال سند: وقيل: إنما يؤمرون بذلك إذا صلين مع الرجال في بيت واحد كالعهد الأول، وإلا أكملن الهيئات. وعن مالك: الرجل والمرأة سواء في ذلك (١). ***

стр. 650

باب في سترة المصلي (ولا بأس بالصلاة في الصحاري وعلى السطوح وحيث يؤمن من المرور من غير سترة، ولا يصلى في مواضع المرور إلا بسترة). * ت: يؤمر بها كل من لا يؤمن المرور بين يديه، لما في «الصحيحين»: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرَّحْل فليصل، ولا يبال ما وراء ذلك (١). وثبت أنه ﵇ كان يركز العنزة أو الحربة فيصلي إليها (٢)، ولا خلاف في ذلك؛ إذا خشي المرور بين يديه. واختلف إذا لم يخش: فقال مالك: لا يصلي الحاضر إلا إلى سترة بخلاف المسافر (٣). قال ابن القاسم: إن أمن الحضري المرور ترك السترة (٤). وعن مالك: لا يصلي مسافر أو حاضر إلا إلى سترة أمن أم لا؛ لأن السترة

стр. 651

من سنة الصلاة. وفي «أبي داود»: قال ﵇ في [«الصحيحين»] (١): إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته (٢). والشيطان ملازم؛ فتلزم السترة، وأبان ﵇ أنه إذا دنا منها لا يقدر الله تعالى الشيطان على الجواز. ووجه جواز تركها قوله ﵇: إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان (٣). وإذا كان في فيافي الأرض فلا معنى للسترة، وهو فعل السلف لأمن المرور، وهو مفهوم قوله ﵇: إذا صلى أحدكم (٤)، ولم يحرم بالسترة. وكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، خرجه «البخاري» (٥). قال ابن بشير: سبب الخلاف؛ هل شرعت حريماً للصلاة يقف البصر عندها أو للمرور فيشغل به المار؟ فإن صلى على مرتفع؛ [فإن قلت لا تجب] (٦)، فإن كان لا يظهر من

стр. 652

أشخاصهم شيء للمصلي لا تجب، وإلا وجبت. ولا يؤمر بها المأموم اتفاقاً. وقد ثبت أن ابن عباس ﵁ مر بين يدي الصفوف راكباً أتاناً، ولم ينكر عليه أحد، والإمام النبي ﷺ [لأصحابه] (١) (٢). *** * ص: (وأقل ذلك ما علو ذراع في غلظ الرمح). * ت في «مسلم»: قال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل (٣). قال عطاء: مؤخرة الرحل ذراع فما فوقه (٤). ولأن ما دونه لا تحصل به السترة؛ للطافته. وفي «الصحيحين»: كان ﵇ إذا خرج يوم العيد أمر بحربة توضع، فيصلي إليها، والناس من ورائه، وكان يفعل [ذلك] (٥) في [السفر] (٦). وكره مالك السترة [بالسوط] (٧) لرقته، وعدم ثبوته (٨).

стр. 653

قال اللخمي: إن فعل أجزأ (١). قال سند: طرحه بين يديه ليس بسترة كالخيط، أو قائماً فهو أيضاً حقير، وإنما يظهر للمار ما هو مثل الحربة. قال ابن حبيب له السترة بقلنسوة، ووسادة، إن كان ذلك مرتفعاً، وقاله مالك (٢). وصفة الاستتار: إن كانت شيئاً منفرداً كحجر أو عود؛ جعله على جانبه الأيمن، لقوله ﵇: إذا قام أحدكم إلى عود أو خشبة؛ فلا يجعله نصب عينيه، ولكن على جانبه الأيمن (٣). قال المقداد: ما رأيت رسول الله ﷺ مصلياً إلى عمود، أو عود، أو شجرة؛ إلا جعلها إلى جانبه الأيمن والأيسر، [لا يصمده] (٤) صمداً (٥). وإنما كرهه خوفاً من مشابهة عبدة الأصنام. *** * ص: (ولا بأس بالصلاة إلى أهل الطواف بالكعبة من غير سترة، وسترة الإمام سترة لمن خلفه). * ت في «أبي داود»: أن النبي ﷺ صلى مما يلي باب بني [شيبة] (٦)

стр. 654

والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة (١). ولأن الطائفين مصلون، لقوله ﵇: الطواف بالبيت صلاة (٢). ولاشتراط الطهارة والستارة فيه؛ فصار كمصلي وراء صفوف المصلين. وفي «البخاري»: قال ابن عباس: أقبلت على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس، فمررت بين يدي الصف، فنزلت وأرسلت الأتان يرتع ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد (٣). وهو يدل على أن سترة الإمام سترة المأموم. وكان سعد بن أبي وقاص يدخل فيمشي بين الصفوف والناس في الصلاة حتى يقف في مصلاه، ويمشي عرضاً بين يدي الناس (٤). قال مالك: وكذلك الراعف أو من أصابه حقن؛ يخرج عرضاً، وليس له الرجوع إلى عجز المسجد. قال مالك: ولا أكره المرور بين الصفوف؛ لأن الإمام سترة لهم وهذا يحتمل أن يمر بين الصف الثاني والأول فلم يمر بينهم وبين سترتهم (٥). قال الباجي: ويحتمل أن يكون أجاب عمن لم يجد طريقاً (٦).

стр. 655

وإنما كان الإمام سترة؛ لأن المار إذا رآهم كذلك علم أنهم في صلاة؛ فلم يمر. واختلفت العبارات في هذا: فقال جماعة: سترة الإمام سترة لمن خلفه. وقال مالك في المدونة وغيره: الإمام سترة لمن خلفه (١). واختلفوا هل العبارتان سواء، أو معنى الأول: أن سترة الإمام ساترة للمأموم، فإذا سقطت؛ صار مصلياً لغير سترة، ومعنى الثاني: الإمام هو السترة، فإذا سقطت سترة الإمام؛ بقي المأموم مستوراً؟ وقال بعض المتأخرين: مقتضى الأول جواز المرور بين يدي الصف الأول وبين إمامهم؛ لأن سترة الإمام سترتهم. ومقتضى المدونة المنع؛ لأن الإمام هو السترة، فلا يمر بينها وبين المصلي في الصف الأول. *** * ص: (ويستحب للمصلي أن يدنو من سترته ولا يبعد عنها). * ت: روى بلال أن النبي ﷺ صلى [في الكعبة] (٢)، وجعل بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع (٣).

стр. 656

وعن النبي ﷺ أنه قال: إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها (١). وفي «مسلم»: كان بينه ﷺ وبين مصلاه ممر شاة (٢). واختلف في المقدار: فقيل: شبر؛ لأنه قدر ممر الشاة (٣). وقيل: ثلاثة أذرع (٤)؛ لحديث بلال (٥)، وهو يرجع للأول؛ لأن الفاضل من ثلاثة أذرع عند السجود شبر (٦). قال الداودي: كله واسع، وأكثره ثلاثة أذرع، وأقله ممر شاة (٧). وقال أبو الطيب بن خلدون: معنى الحديثين: أنه ﵇ إذا قام كان بينهما شبر، وإذا ركع بعد عنها حتى يكون بينهما ثلاثة أذرع (٨)؛ لأن الدنو للسترة أجمع للقلب، وأحفظ للصلاة (٩)، والتأويل الأول أولى؛ لنفي الحركة في الصلاة. والصواب أن يكون أقل من ثلاثة أذرع؛ ليتمكن من رد المار إذا مر في جلوسه.

стр. 657

* ص: (ولا بأس بالصلاة إلى البعير والبقرة والشاة، ولا يصلي إلى فرس ولا بغل ولا حمار). * ت: في «أبي داود»: أن النبي ﷺ كان يعرض راحلته، ويصلي إليها (١). وفي «الموطأ»: كان [﵇] (٢) يستتر براحلته إذا صلَّى (٣). ولأن البعير يثبت، والبقرة والشاة بولهما طاهر؛ كالبعير والإبل، أو لأنها أقل حركة، وأبطأ مشياً، والخيل والبغال والحمير نجسة الأبوال والأرواث، ولا يؤمن ذلك منها، [ولقلة] (٤) ثبوتها. قال سند: التعليل بالنجاسة أولى؛ لأنها لو قيدت ما صلَّى إليها. *** * ص: (ولا يستتر الرجل بالمرأة؛ إلا أن تكون من ذوات محارمه، ولا بأس بالصبي إذا كان غير متحرك يثبت في مكانه، ولا ينصرف عنه). * ت: المرأة تثير من فكره ما يشغل عن الصلاة، وقد يحدث ما تنزه الصلاة عنه، وهو أشد ما اندفع بالسترة [ .. ] (٥) افتتن بنظرها، ولذلك جعلت صفوف النساء بعد صفوف الرجال؛ إلا أن يكون ممن لا يأمن عليه ذلك. قال ابن بشير: ألحقوا بالمرأة المأبون في دبره (٦).

стр. 658

وفي المجموعة: لا يصلي الرجل وبين يديه امرأة، ولو كانت أمه أو أخته؛ إلا أن تكون دونها سترة (١). وفي «مسند ابن سنجز»: أن النبي ﷺ صلى إلى النائم، والمحدث، وإلى ظهر امرأة. والصبي إذا ثبت صار كالخشبة والكبير، فإن لم يثبت فقد عرض نفسه للمرور. ويستتر بالرجل الكبير بظهره؛ إذا رضي أن يثبت إلى آخر الصلاة. واختلف قول مالك إذا استتر بجنبه، فمنعه مرة، وخففه أخرى (٢). أما بوجهه فلا؛ لأن ذلك يشغله (٣). *** *ص: (ويدفع المصلي ما يمر بين يديه دفعا خفيفا لا يشغله عن الصلاة). * ت في الصحاح: قال النبي ﷺ : إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى؛ فليقاتله، فإنَّما هو شيطان (٤). فإذا ثبت؛ فإن كان بعيداً منه لم يذهب إليه؛ لأنه عمل كثير، ولأن البعيد لا يعد ماراً بين يديه. قال أشهب: يرده بالإشارة ولا يمشي إليه، فإن فعل وإلا تركه (٥)؛ لأن

стр. 659

الإشارة عمل يسير (١). وقوله ﵇: فليدرأه (٢)، يقتضي قربه؛ لأنَّ الدرء الدفع. قال أشهب: إذا قرب ودرأه فلم يفعل فلا ينازعه، فإن [مشى] (٣) إليه أو نازعه لم تفسد صلاته. قال مالك: يدرؤه بالمعروف، وذرأ رجلاً فكسر أنفه، فقال له عثمان بن عفان ﵁: لو تركه يمر كان أهون من هذا (٤). قال ابن شعبان: في مثل هذا تكون الدية على العاقلة (٥). قال عبد الحق: يجري على القولين فيمن عض يد [رجل] (٦) فجذبها فقلع أسنانه، قال (٧): الجاذب يضمن. وقال غيره: لا شيء عليه. وفي الحديث: أن النبي ﷺ أهدر أسنانه (٨). فرع: إن ظن أن المرور يقطع فابتدأ بإحرام.

стр. 660

قال أبو العباس الإبياني: لا يضره؛ لأنه إنما زاد تكبيراً وقراءة. يريد: أنه ما عمل من الصلاة شيئاً، [ولو عمل] (١) بقدر ركعة فأكثر يبطل ما تقدم، ويصير قد زاد فيها جهلاً؛ لأنه يلغي ما تقدم من غير سبب. ويدرأ المصلي في قيامه دون سجوده؛ لأنه هيئة تمنع المدافعة. واختلف في قوله ﵇: فليقاتله (٢): قيل: بعد الصلاة بغلظ. وقيل: يدعو عليه. وقيل: يلعنه، لقوله تعالى: ﴿قُتِلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، أي: لعنهم (٣). *** * ص: (ولا يمر أحد بين يدي المصلي، ولا يتناول من أحد شيئاً بين يديه). * ت: في «الصحيحين»: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه. قال أبو [النضر] (٤): لا أدري؛ قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة (٥).

стр. 661

قال الباجي: لو يعلم المار ماذا عليه من الوزر لاختار وقوفه أربعين على مروره. وقد بين ﵇ موضع المنع؛ وهو المرور بين المصلي وسترته في الأحاديث المتقدمة (١). وفي «الصحيحين»: قال النبي ﷺ : إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي بما وراء ذلك (٢). فإن عمل سترة؛ فالإثم على المار بينه وبينها (٣). وإن لم يعملها: قيل: الإثم على المار. وقيل: إنما نهي أن يمر بين يدي من صلَّى إلى سترة؛ إن لم تكن له سترة و [ليس] (٤) للمار [مندوحة] (٥) إلا بين يديه، ويشق عليه الصبر إلى الفراغ؛ فالإثم على المصلي، إلا أن يكون الغالب [أنه] (٦) لا مرور بذلك الموضع فلا إثم عليهما، وإن كان للمار مندوحة عن المرور كان الإثم على المار (٧). قال ابن بشير: إن صلى إلى حيث لا يؤمن المرور، وللمار مندوحة أثما

стр. 662

جميعاً، وإن كان يأمن المرور وليس للمار مندوحة لم يأثما، وإن كان لا يأمن وليس للمار مندوحة أثم المصلي، أو بحيث يأمن وللمار مندوحة؛ أثم المار (١). قيل لمالك ﵀: هل يجب وعظ من صلَّى إلى غير سترة؟ قال: هو [حسن] (٢)، وما أدري ما يجب، ومن العلماء من يقدر أن يعظ، ومنهم من لا يقدر (٣). والتناول في معنى المرور؛ لأنه يشغل. وكذلك يكره للمصلي أن يناول شيئاً من عن يمينه لمن عن يساره وبالعكس؛ لأنه مأمور بحفظ صلاته أولاً من المار، فإن دعت الضرورة لذلك؛ فعله من خلفه، كما أدار النبي ﷺ ابن عباس (٤). ويكره أن يكلم من عن يمينه؛ لأنه يشغل المصلي. *** * ص: (وإن مر عليه لم [يرده] (٥) من حيث جاز ويتركه). * ت لأن رده مروران. وهل يقطع المار صلاته؟ قال مالك و (ش) و (ح): لا يقطع.

стр. 663

وقال ابن حنبل: يقطعها الكلب الأسود. ففي «الموطأ» قال عبد الله بن عمر: لا يقطع الصلاة شيء (١). وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان (٢). وقياساً على مرور الهوام والطير. *** * ص: (ولا يصلي إلى حلق المتكلمين في الفقه أو غيره، ولا يصلي إلى النيام). * ت: في «مسند ابن سنجر»: قال النبي ﷺ : نهيت أن أصلي إلى نائم أو [متحدث] (٣)، ولأنه يشغل باله. قال اللخمي: اختلف في الصلاة إلى الحلقة فأجيز؛ لأنَّ الذي يليه ظهر أحدهم، وكره؛ لأن وجه الآخر مقابلته. ويختلف على هذا إذا كان وراء السترة رجل يستقبله بوجهه (٤). وفي «الواضحة» قال مالك: له الصلاة وراء [المتحدثين] (٥). قال ابن حبيب: إذا لم يعلنوا حديثهم (٦). وأما النائم فقد ينقلب فتبدو عورته، وقد لا يثبت، وقد يحدث فيضحك (٧).

стр. 664

باب صلاة الجمعة * ت: وجوبها الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاوةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وهو يدل [على] (١) وجوه: * الأول: أن الأمر للوجوب، ولا يجب السعي إلا لواجب. فإن قلنا: إنها عوض من الظهر؛ دل عليها ما دل على الظهر. وقد قيل: إنها الصلاة الوسطى. ولأنه نهى عن البيع، ولا يمنع المباح إلا الواجب (٢). ولذمه تعالى من تركها بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. فيها ست فوائد (٣): * الأولى: النداء للجمعة.

стр. 665

والسعي إليها. والنهي عن البيع؛ وفي معناه: كل ما يشغل عن السعي، وخص البيع؛ لأنه الغالب. * الرابع: وجوب الخطبة؛ لأنها هي الذكر. * الخامس: أن الذكر هي خطبة. * السادس: أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمَا﴾ [الجمعة: ١١] يدل على وجوب الخطبة (١). ولم يرد بالسعي الإسراع؛ قاله عمر ﵁. قال مالك: السعي في كتاب الله العمل والفعل (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]، وليس المراد الإسراع، لقوله ﵇: إذا نودي للصلاة ﴿فَلَا تَأْتُوهَا﴾ (٣) وأنتم تسعون (٤). وأما السنة: ففي «مسلم»: قال ﵇: لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم بالنار (٥). وفي «الموطأ»: قال ﵇: الرواح حق على كل مسلم (٦).

стр. 666

وأجمعت الأمة على وجوبها في الجملة، والجمهور أنها على الأعيان؛ لأنه ظاهر النصوص (١). وعن بعض الشافعية وبعض أهل الظواهر: على الكفاية. وهو باطل بقوله ﵇: لينتهين أقوام عن تركهم الجمعات، أو ليختم على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين (٢). ولو كانت على الكفاية؛ لسقط الفعل عن هذه الطائفة بفعل غيرهم. وعندنا أن الواجب بالزوال صلاة الجمعة لا الظهر، وهو أحد قولي (ش)، وعنه الظهر، وتسقط بالجمعة، يبنى على الخلاف في صلاة الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة (٣). *** * ص: (وشروط الجمعة أربعة: إمام، وجماعة، ومسجد، وخطبة). * ت: ترك الاستيطان: قال سند: اتفق أرباب المذاهب على اعتباره. وقال أبو ثور: هي كسائر الصلوات؛ إلا في الخطبة (٤). لنا: ما في «الترمذي»: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشهد الجمعة من قباء (٥).

стр. 667

وفي «الصحيحين»: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من [العوالي] (١) (٢). ولأن قبائل العرب كانت حول المدينة، ولم ينقل أنه ﵇ أمرهم بالجمعة، ولا أقاموها؛ بل أمر بعض أهل البوادي بإتيان الجمعة، فلو كانت تقام عندهم لما كلفهم ذلك، ولأنه ﵇ وقف بعرفة ولم يجمع، فدل على أن من شرط إقامتها موضع استيطان. والتي ذكرها ابن الجلاب شروط أدائها لا شروط وجوبها. والشروط قسمان: شروط وجوب، وشرط أداء. فالأولى؛ ستة: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والحرية، والإقامة. فالإسلام إن قلنا: الكفار غير مخاطبين، وإلا كان شرط أداء، وكذلك عده عبد الوهاب (٣). قال المازري: وهو مذهب الحذاق (٤). والبلوغ والعقل بالإجماع. وأما الذكورية؛ فلأن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الجمعة: ٩]، خطاب تذكير، فلا يتناول [النساء] (٥).

стр. 668

ولقوله ﵇: الجمعة حق على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض (١). والإجماع على ذلك (٢). وأما الحرية؛ ففقهاء الأمصار على سقوطها عن العبد (٣). وأوجبها داود، وابن حنبل في أحد قوليه عليه. قال اللخمي: وهو قول عندنا [لفضل] (٤) بن شعبان: المشهور سقوطها، ولقوله: من قدر عليها من العبيد ألزموا بها، وأقيموا من [حوانيت] (٥) ساداتهم؛ لأنهم إذا لحقوا بها كانوا من أهلها (٦). وقال ابن وهب: ليس ذلك عليهم. قال أبو إسحاق: وهو المشهور من قول مالك. وبقي على اللخمي تتمة النقل: إذا لحقوا بها كانوا من أهلها، فإنه يدل على عدم وجوبها بالأصالة، وقد تقدم الحديث في العبد، وقياساً على الحج والجهاد؛ بجامع مراعاة حق السيد. فإن أسقط السيد حقه:

стр. 669

قال ابن القصار: لا تجب. وقيل: بوجوبها؛ لأنها واجبة أصالة سقط بحق السيد، وقد انتفى فيلزمه. وقيل: لا يلزمه؛ لأنه غير مخاطب بالأصالة، ويلزم على الأول الحج؛ ولا يقوله مالك، ولا واحد من أصحابه، وإنما أجزأته الجمعة؛ لأنها بدل الظهر لا أصل، والحج لا بدل له. وأما الإقامة: فأجمع الفقهاء على سقوطها عن المسافر. وشروط الأداء خمسة: إمام، وجماعة، وجامع، وخطبة، وموضع استيطان. فالإمام؛ لأنه ﵇ صلى بأصحابه، وقال ﵇: صلوا كما رأيتموني أصلي (١). ولأن الأذان مشروع لها، وهو لا يكون إلا لجماعة، والجماعة لهم إمام. ولا خلاف في اشتراطه فيها، وأما الجماعة فلقوله ﵇: الجمعة على كل مسلم في جماعة (٢)، الحديث المتقدم. ولأنه ﵇ وأصحابه لم يفعلوها إلا في جماعة، ولأنها سميت جمعة لاجتماع الناس فيها. قال عياض: تقال: بضم الميم، وفتحها، وإسكانها، فلعل الفتح والضم لكونها جامعة، والسكون لجمعهم فيها (٣). قال ابن بشير: لا خلاف في اشتراطها في الجملة، بل الخلاف في قدرها (٤).

стр. 670

ولأن حكمة الجمعة إظهار الشعائر، وهو يناسب الجمعة، ولذلك جهر فيها دون صلاة النهار؛ لمناسبة الجهر لظهور الشعائر. ومن صفة الجماعة أن تكون ممن تتعين عليهم الجمعة، فلا تنعقد بالمسافرين، ولا العبيد. وقال أشهب: إذا انفضوا عن الإمام إلا العبيد والنساء؛ صلى بهم الجمعة. فيحتمل أنهم لما حضروا وسعوا إليها صاروا من أهلها. فإن حضروا وعقدوا ركعة معه ثم تفرقوا أتمها ركعتين. وقال سحنون: لا تصح جمعة، ولو تفرقوا في التشهد إذا لم يبق من الأحرار المقيمين أحد ويجعلها نافلة، وانتظر الجماعة. * وجه الأول: قوله ﵇: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (١)، واعتباراً بالمسبوق إذا أدرك ركعة بنى عليها. * ووجه الثاني: القياس على الطهارة وغيرها من الشروط (٢). قال المازري: وجد الجماعة شرط في الأداء، فلا بد من دوامها (٣). وقال محمد بن الحسن، وأبو يوسف شرط في الانعقاد، [فبقيت] (٤) جمعة إذا تفرقوا بعد الإحرام، وهو قول أشهب، وتعقب القياس على المسبوق؛
следующие страницы →