← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قال سند: قول مالك: (ليس في صلاة خسوف القمر سنة)؛ يقتضي عدم [افتقارها] (١) لنية مخصوصة كسائر النوافل، بخلاف خسوف الشمس يفتقر لنية مخصوصة. فرع: إن طلع القمر مكسوفاً بدؤوا بصلاة المغرب اتفاقاً، فإن انكسف لطلوع الفجر لم يصلوها، وقاله (ش) في القديم، وفي الجديد: يصلونها. لنا: قوله ﵇: ﴿إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر﴾ (٢). ولأنه آية الليل، وقد خرج الليل. ولأن الصلاة للرغبة في رد ضوئه؛ فقد فات نفعه، فهو كما [طلعت] (٣) الشمس، وكسف القمر، وقد سلَّمه (ش)، وأجاز أشهب الجمع. قال اللخمي: وهو أبين؛ لأن المشقة تذهب بحضورهم في الجامع، فيجمعون كخسوف الشمس (٤). وأما الموضع: قال مالك: يصلونها في الجامع أفذاذاً ويكبرون ويدعون؛ لأن عادتهم في هذه الآيات أن يفزعوا إلى المساجد.

стр. 772

قال أنس: إن كانت الريح تشتد فيبادروا للمسجد مخافة القيامة خرجه «أبو داود» (١) وقال ابن الجلاب: (في منازلهم)، وهو المعروف. وقاله (ح). ص: (ومن أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى من صلاة خسوف الشمس؛ فقد أدرك الصلاة، ولا يقضي شيئاً منها، وإن فاتته الركعة الأولى والركوع من الركعة الثانية؛ قضى ركعة فيها ركوعان وقراءتان، وقد أدرك الثانية بإدراك ركوعها). ت: الأصل هو الركوع الثاني؛ لأنه بين قراءة وسجود، وهذا شأن الركوع في غير هذه الصلاة، بخلاف الركوع الأول؛ شرع في أثناء القراءة فكان هو الزائد فلا يضر فوته؛ لأنَّ القراءة يحملها الإمام. ولأن الركوعين في حكم الركوع الواحد، ولما كان مدرك بعض الركوع مع الإمام مدركاً للركعة؛ كان مدرك الركوع الثاني مدرك الركعة. قال ابن العربي: ولا أعلم خلافاً أن مدرك الثاني من [الأولى] (٢) مدرك الصلاة. وقال (ش): تفوت الركعة بفوات الركوع الأول. لنا: ما تقدم.

стр. 773

فرع: إن سها عن أحد [الركوعين] (١)؛ فإن كان الأول وركع بنية الثاني سجد بعد السلام؛ لأنَّ الأول مسنون لا ركن، وإن ركع بنية الأول، ثم رفع فقرأ وسها عن الثاني، أو القراءة الثانية والركوع الثاني؛ فهو كتارك الركوعين، فإن ذكر قبل أن يعقد الثانية رجع إلى ركعته الأولى، وإن عقد الثانية بنى عليها وسجد في الوجهين بعد السلام للزيادة.

стр. 774

باب صلاة الخوف أصلها الكتاب، والسنة. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. ت: قال ابن القصار: ذكر أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، استقر الفقهاء على ثلاثة: بطن النخيل، وعسفان، وذات الرقاع. والرقاع: جبل فيه بياض وسواد، يقال له الرقاع. واختلف في مقتضى الآية؛ هل يستمر بعد موت النبي ﷺ ؟ قاله مالك. والأئمة والجمهور أنه يختص به، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فشرط كونه فيهم، قاله أبو يوسف. وقال المزني: يجمع هؤلاء بإمام، وهؤلاء بإمام، ولا تغير هيئة الصلاة. لنا: ما خرجه «أبو داود»: أن سعيد بن العاص كان أميراً على الجيش في حرب طبرستان، فقال سعيد: أيكم صلَّى مع النبي ﷺ صلاة الخوف؟ قال حذيفة: أنا، فقدمه، فصلى بهم صلاة الخوف (١).

стр. 775

وصلاها عليٌّ ﵁ لما اشتدَّ القتال، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ﵃. ولو كانت الآية مخصوصة لما خفي ذلك عن الصحابة ﵃. إذا ثبت ذلك فهي رخصة لا سنة ولا فريضة؛ قاله ابن المواز: ولو صلوا بإمام واحد وبعضهم لنفسه لجاز (١). ولا خلاف أنها إذا وقعت على غير هذا الترتيب أنها تجزئهم. ولو كانت سنة لأعيدت في الوقت؛ كالمسافر يتم، ويجوز في كل قتال فرضاً أو مباحاً لأهل الكفر والبغي وقطاع الطريق، والواجب قتال أهل الشرك والبغي ومن يريد الدم، والمباح دفع من يريد المال. واختلف في دفع مريد الدم: فقيل: واجب لتحريم بدله، بخلاف المال يجوز بدله. وقيل: له ترك القتال كقضية عثمان ﵁، [إلا أن حكم] (٢) الواجب والمباح في هذه الرخصة [٩١/ ب] كقصر المسافر. والحرام قتال الإمام العادل، فلا يترخَّص فيه. ص: (وصلاة الخوف في السفر بأذان وإقامة، ويقسم الإمام من معه طائفتين، فيصلي بكل طائفة ركعة، ثم تتم الطائفة الأولى لأنفسهم ركعة أخرى، ثم يسلمون وينصرفون، والإمام قائم ينتظر إتمامهم وانصرافهم، ثم تأتي الطائفة

стр. 776

الأخرى فيصلي بهم الإمام الركعة التي بقيت من صلاته، ثم يسلم، ثم يقومون فيقضون الركعة التي فاتتهم، ثم يسلمون، وقد قيل: إن الإمام إذا انقضت صلاته انتظر الطائفة الثانية حتى يقضوا ما فاتهم ثم يسلم بهم). ت: أما الأذان والإقامة فلضرورة الجمع كسائر الصلوات. وفي «مسلم»، والموطأ»: أن رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صفت معه طائفة وطائفة صفت وِجَاهَ العدو، فصلّى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلّم بهم (١). وفي «الموطأ» أيضاً: ثم يسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلمون (٢). وروى [ابن عمر] (٣) ﵁: صلّى بأحد الطائفتين ركعة، والأخرى [مواجهة] (٤) العدو، ثم انصرفوا، وقاموا مقام أصحابهم، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة، ثم ﵇، وقضى هؤلاء ركعة (٥). وقاله: أشهب (٦).

стр. 777

وقال (ح): إذا صلت الأولى ركعة معه انصرفت إلى جهة العدو وهم في الصلاة، وأتت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعة وسلَّم، ثم تنصرف هذه للعدو، ثم تأتي الطائفة لموضع الإمام وتصلي ركعة، وتسلم (١). وأما (ش): فأخذ مرة في الطائفة الأولى بقول مالك أنهم يكملون، ومرة بقول (ح) لا يكملون إلا بعد الفراغ. وسبب الاختلاف اختلاف الأحاديث، فكل هذه الصفات رويت. لنا: الترجيح بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وظاهره أنهم يكونوا سجداً وراء الإمام، ولا يتصور ذلك إلا إذا كملوا قبل الانصراف. ولو كان المراد قول (ح)؛ لقال: فإذا سجدت بهم، وقوله: وإذا سجدوا معك، بل جعل سجودهم فينفردون به، ولو سجد بهم لقال: فإذا سجدت بهم. وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يقتضي أن طائفة أخرى صلت وقضت صلاتها. وقوله تعالى: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ يقتضي أن صلاة الثانية معه (٢). ولأنَّ [انصراف] (٣) الأولى، [ووقوفها] (٤) غير مصلية أمكن للحراسة (٥).

стр. 778

ولأنهم قادرون على تكميل الصلاة؛ فيزول حكمة صلاة الخوف ببطلانها. ورجَّح أشهب حديث ابن عمر أنَّ أصل قضاء المأموم إنما يكون بعد فراغ الإمام (١). قال سحنون: لم أعلم أحداً قاله غير أشهب، وهو ضعيف؛ لأنَّ صلاة الخوف غيرت عن أوضاع الصلاة، ولو ترجح أحد لغير القبلة في غير صلاة الخوف بطلت صلاته، وفيها لا تبطل. واختلف إذا قام الإمام إلى الثانية؛ هل يقرأ أو يدعو؟ فقيل: يقرأ بالفاتحة. وقيل: لا يقرؤها حتى يأتي الثانية. قال المازري: وهو أصوب، لقوله في الحديث: فجاءت الطائفة الثانية فصلى بهم. وظاهره القراءة معهم، وإلا لقال: فركع بهم (٢). ولأن الأولى [قرأ بها] (٣)؛ فيقرأ بالثانية تسوية بينهما. قال سند: فإن قرأ جاز؛ لأنَّ محل القراءة القيام، ولو ركع بهم إذا أتوا ولو ركع قبل أن يأتوا لأجزأه كصلاة الآمن. قال المازري: والإمام والمأموم سواء في عدد الركعات.

стр. 779

وقال الحسن وابن عباس وغيرهما: يصلي الإمام ركعتين، وكل طائفة ركعة. لنا: الأحاديث الماضية، ولأنَّ الأصل [التساوي] (١) في الصلاة. احتجوا بأن مشقة السفر أسقطت نصف صلاة الإقامة، فمشقت الخوف أسقطت نصف صلاة السفر. جوابه: يكفي بالخوف ما حصل من التغيير في الهيئة، فلا يزاد على ما ورد (٢). وهل يجب حمل السلاح في صلاة الخوف؟ قاله (ش) في الجديد. وقال مالك و (ح) وابن حنبل: لا يجب؛ لأنَّ [الإعادة بتركه] (٣) لا تجب كالطهارة، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] معناه: إحضارها، وقياساً على الرمح الطويل، والدرع الثقيل، والبيضة ذات الأنف. فرع: لو ظنوا سواداً عدواً فصلوها، ثم تبين أنه غير عدو: قال أشهب: تجزئهم (٤)؛ لأن السبب الخوف، وقد وجد. وقال محمد: أحبُّ إليَّ أن يعيدوا (٥)؛ لأنه ظن كذباً فاختل الشرط وهو

стр. 780

العدو، كما إذا تبين عدم الطهارة. إذا ثبت هذا فاختلف في مواضع بعد الاتفاق على انقسامهم: هل تجزئهم جميعاً أو بواحدة والأخرى وجاه العدو؟ وإذا صلى بالأولى ركعة في السفر ورفع من السجود؛ هل يقضي من معه الركعة الباقية؟ أو يذهبون تجاه العدو، وتأتي الطائفة [الثانية] (١) وتصلي معه، فإذا فرغ قضى كل طائفة الباقي عليها؟ الثالث: إذا قام إلى الثانية هل يقرأ أو يدعو؟ الرابع: إذا انقضت صلاته؛ هل يسلم، أو ينتظر الثانية حتى يسلموا بسلامه؟ قال الثوري (٢): إذا كان العدو من القبلة أحرم بالجميع وصفهم صفين، وركع بالجميع، ويسجد بالصف الذي يليه، ويحرس الآخر، ويسجد بعد سجود الإمام السجدتين، ويقدم الصف الآخر، وتأخر المتقدم فصلى بالجميع، ويسجد بالذي يحرس وحرس الآخرون، فإذا جلس والصف الذي يليه يسجد الآخرون، وجلسوا جميعاً، وسلَّم بهم. وقاله (ش) بشرط أن يكون في المسلمين كثرة، ولا يحول بينهم وبين العدو حائل يمنعهم النظر إليهم (٣).

стр. 781

وهذه صلاته - ﵇ بعُسْفانَ (١)، ومهما فعله الإمام مما جاء في الأخبار أجزأه، ولا يعترض عليه، غير أن مذهبنا أرجح بظاهر القرآن، وأحوط للصلاة والحرب، بخلاف من قال: ينصرفون وهو في الصلاة، ففيه العمل في الصلاة، واستدبار القبلة، ويتفرغون الحرب فتكمل الصلاة وقد تقدم تقديره. * وأما الموضع الثاني: فقيل: إن الطائفة الأولى تصلي الباقي عليها، وتتم صلاتها، وتمضي تجاه العدو. وقال أشهب: تنصرف للعدو وقبل الإتمام، فإذا سلم الإمام رجعت الطائفة الثانية تجاه العدو وهي في الصلاة، وتأتي الأولى بموضع الإمام فتتم منفردة، ثم تنصرف تجاه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى إلى موضع الإمام فتصلي تمام صلاتها منفردة (٢). وقاله (ح)، ورواه مالك عن نافع ولا أرى ابن عمر حدثه إلا عن النبي ﷺ (٣)، وخرجه البخاري (٤)، وقد تقدم رد سحنون على أشهب (٥).

стр. 782

* وأما الموضع الثالث: فقال جماعة، وابن القاسم: يتحرى بين السكوت والدعاء، أو يقرأ بما يعلم أنه لا يتمه (١). وهو ظاهر قول ابن حبيب؛ لأنه قال: يقرأ إن شاء قراءة طويلة [يعلم] (٢) إدراكهم له فيها (٣). ولا يقرأ في قيامه للمغرب؛ لأنه لا يقرأ بغير أم القرآن (٤). وقيل: إذا كانت القراءة بالفاتحة فقط؛ يسبح، وحيث يقرأ السورة مع الفاتحة يقرأ الفاتحة؛ لأنهم يدركون بعضها (٥). وقال ابن مسلمة: لا يقرأ؛ لأنَّ من فاتته الفاتحة فاته خير كثير، فإن قرأ جاز القيام محل القراءة. * وأما الموضع الرابع: فكان مالك يقول: يثبت الإمام جالساً حتى يتموا، ويسلم بهم، للحديث المتقدم (٦)، ثم رجع إلى الحديث الأخير (٧)، ألا ينتظرهم (٨).

стр. 783

قال ابن القاسم: هو أحب إليَّ. وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] يقتضي ترجيح الأول، لقوله تعالى: ﴿مَعَكَ﴾، ولأنَّ الطائفة الأولى حازت الإحرام؛ فتحوز الأخرى السلام حتى يستويان. ويرجح الثاني بأنه قاعدة [من يقضي] (١) بعد السلام، وهؤلاء مسبوقين، وتأثير الخوف فيما تدعو إليه الضرورة من القسمة، أما هذا فلا. ص: (وإن كان الخوف في صلاة المغرب، صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، ثم جلس وتشهد، فإذا انقضى تشهده أشار إليهم بالقيام، فقاموا فأتموا صلاتهم، ثم سلموا وانصرفوا، وأتت الطائفة الثانية فصلى بهم الإمام الركعة الباقية [٩٢/ ب] من صلاتهم ثم سلم، وكان قضاؤهم للركعتين بعد سلامه، وقد قيل: بل ينتظرهم حتى يقضوا ويسلم بهم، وقد قيل: إن الإمام ينتظر الطائفة الأولى قائما إذا قضى تشهده حتى يتموا وينصرفوا). ت: أما صلاته بالأولى ركعتين فقاله (ح)، ومشهور (ش)، والجمهور. وعنه: يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين. قال سند: صلاة الخوف مبنية على التخفيف، فإذا صلى بالأولى ركعة احتاجت الثانية لثلاث تشهدات في كل ركعة تشهد، وعندنا يحتاج إلى اثنين، ولأنَّ وقوفه لانتظار ركعة أولى من وقوفه لانتظار ركعتين.

стр. 784

ولأنها لما ثبتت على المساواة والركعة لا تنقسم؛ فإضافتها للأولى أولى كالقراءة والجهر (١). قال بعض المتأخرين: تعليل سند بثلاثة تشهدات فيه نظر؛ لأنه من ثلاث جلسات، صلى بالأولى ركعة أو ركعتين. وقد صرح هو بذلك فقال: يصلي مع الإمام الركعة الأخيرة، ثم تأتي بركعة ويجلس، فتكون صلاته كلها جلوساً (٢). قال الأبهري: إنَّما صلَّى بالأولى ركعتين؛ لأنه ينتظر في التشهد فراغ الأولى من ركعة. قال الباجي: ولأن أول الصلاة أولى بالكمال، [فكذلك] (٣) زيادة السورة، والجهر، وإطالة الركعة الأولى دون الثانية، فكان تكميل الركعة الوسطى للطائفة الأولى أولى من آخر الصلاة. فَرْع: اختلف إذا وقعت الصلاة على ما قاله المخالف: ففي المجموعة: إن صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين جهلاً أو عمداً؛ فسدت صلاته وصلاتهم لمخالفته المشروع، ولزيادة غير الشارع من العمل (٤).

стр. 785

وأما قوله: (أشار إليهم بالقيام فأتموا)؛ هو على قول مالك. وعلى قول أشهب يخرجون وجاه العدو، وتأتي الثانية فيتم بهم الإمام بقية صلاته، ثم يقضوا جميعهم بعد سلامه. وإذا قامت الأولى لتمام صلاتها صلوا أفذاذاً وقرؤوا بأم القرآن وحدها سراً؛ لأنها آخر صلاتهم، وهذا متفق عليه. فإن أمهم أحد فسدت صلاتهم دونه؛ قاله ابن حبيب. ورجع مالك إلى أنه ينتظر الأولى قائماً حتى يقضوا وينصرفوا، وقاله ابن القاسم (١)؛ لأنَّ قيامه إشعار لهم بالنهوض من غير زيادة يزيدها في الصلاة، ولا يعلم مقدار تشهده إلا بالإشارة؛ وهي زيادة، ووجه الجلوس أن هذه الصلاة مبنية على المساواة، والجلوس أقرب له؛ لأنهم [يدركون] (٢) الركعة من أولها. فإذا قلنا به: قال الباجي: يخير بين السكوت والذكر؛ لأن ذكر الجلوس قد انقضى، وإنما هذا جلوس الانتظار؛ فجاز السكوت كالجلوس بين السجدتين، أو يذكر؛ لأنه متصل بالشهادة (٣). ومتى يقوم؟

стр. 786

قال سند: إن سبق الاثنان أو الواحد لم يقم، [فإن] (١) جاءت جماعة قام فكبر ثم أحرم من خلفه، ويتلاحق الناس بهم. وإن قلنا: قائماً؛ فهل يقرأ؛ لأنه افتتاح ركعة، أو لا يقرأ؛ لأنه يفوت الثانية القراءة؛ قولان. فرع: إن جهل الإمام فصلى في المغرب بكل طائفة ركعة: قال سحنون في المجموعة: بطلت صلاته وصلاتهم، فعله جهلاً أو عمداً؛ لتركه سنتها، وقيامه في [غير] (٢) موضع قيام، وانتظر انتظاراً غير مشروع (٣). وقال عبد الملك وجماعة: [لا تفسد صلاته] (٤). وعند (ش) قولان؛ لأنَّ الزائد في صلاة كما لو طول القراءة في الأمر، فكذلك هاهنا. وقال ابن حبيب: تصح للإمام وللثانية والثالثة، وتفسد صلاة الطائفة الأولى؛ لأنها فارقت الإمام في غير موضع تجوز المفارقة فيه قبل كمال ركعتين، وصلوا الركعة الثانية أفذاذاً، والواجب أو يصلوها مع إمام، وأما الثانية؛ فهي كمن فاتته ركعة مع الأولى فيصلون ركعة البناء والقضاء أفذاذاً، والثالثة وافقت

стр. 787

سنة الصلاة؛ فلم يفارقوا إلا موضع المفارقة (١). ص: (فإن اشتد خوفهم فلم يقدروا على أن يجتمعوا للصلاة صلوا وحداناً على قدر طاقتهم رجالاً وركباناً، مشاة وسعاة، وراكضين إلى القبلة وغيرها، وإشارة وإيماء، ثم لا إعادة عليهم إذا أمنوا في الوقت ولا بعده). ت: يكون إيماؤهم للسجود أخفض من ركوعهم، وقاله (ش)، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وفي «الموطأ»: قال ابن عمر: إن اشتد خوفهم صلُّوا رجالاً قياماً على أقدامهم، أو ركباناً مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها (٢). قال نافع: لا أرى عبد الله ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (٣). ولقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا أَطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، فأمر تعالى أن تصلى الصلاة في وقتها على حسب الحال. ولقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاوةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لأن الصلاة تأكد أمرها؛ فتفعل على كل حال، كالمغمور بالنجاسة والمريض. وقال [(ش)] (٤): يصلون ركباناً لا مشاة، ويضربوا الضربة والضربتين،

стр. 788

والطعنة والطعنتين، فإن [والوا] (١) بين ثلاث طعنات أو ضربات بطلت، وإذا كانت المضاربة بينهم والمسابقة بينهم لا يصلون بحال (٢). لنا: ما تقدم. فرع: إذا لم يقدروا أن ينزلوا بالأرض: قال أشهب: يصلي بطائفتين على الدواب (٣). وقال (ح): لا تجوز صلاتهم جماعة (٤). لنا: عموم الآية، [ولأن كل] (٥) ركوب لا يمنع فعل الصلاة في الانفراد؛ لا يمنع من الجماعة، كالسفينة. وأما عدم إعادة صلاة الخوف؛ فقاله مالك، وابن القاسم. وقال المغيرة: يعيدون في الوقت (٦). وكذلك صلاتهم حالة المسايفة والمطاعنة تجزئهم؛ لأنهم فعلوا طاقتهم كالمريض إذا عوفي لا يقضي (٧)

стр. 789

ورأى المغيرة دخول الخلل في سائر الأركان من التوجه والسجود وغيرهما؛ فاستحب الإعادة. ص: (فإن أمنوا في أضعاف صلاتهم أتموا على الهيئة فبنوا ولم يبتدئوا صلاتهم). ت: كما لو ابتدأ المريض قاعداً ثم قوي على القيام؛ فإنه يبني. ومراده بالهيئة: هيئة الأمن؛ لأن هيئة الخوف انقطع حكمها. قال سند: الإجماع على أن المريض لا يتم جالساً، ولم يخالف في البناء إلا محمد بن الحسن من أصحاب (ح)؛ فقال: يبتدئ الصلاة. فإن صلى على دابته من الخوف ركعة، ثم أمن؛ نزل وأتمها. [وقاله] (١) (ش) في المريض الجالس يقوى على القيام. فرع: لو زال الخوف والناس في صلاة؛ أتمُّوها صلاة أمن. قال ابن القاسم: إذا صلى بالطائفة الأولى ركعة، وزال الخوف؛ أتم الصلاة بمن معه، وتصلي الطائفة الأخرى بإمام غيره؛ لأنه عقد إحرامه بصلاة الخوف، كمن أحرم جالساً ثم صح [بعد] (٢) ركعة فقام؛ لا يحرم أحد خلفه قائماً إذا وجد غيره، ثم رجع فقال: لا بأس أن يدخلوا معه (٣)؛ لأن الجميع كان يعمهم حكم

стр. 790

العذر فيعمهم عدمه. ص: (وإذا نزل الخوف في الحضر؛ لم يجز قصر الصلاة، وجاز تفريقهم فيها، فيصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعتين ويجلس ويتشهد، ثم أشار إليهم بالقيام للإتمام. وقد قيل: إنه يقوم إذا قضى تشهده فينتظر إتمامهم وانصرافهم، ثم يصلي بالطائفة الثانية الركعتين الباقيتين، ثم يسلم ويقضون ما فاتهم بعد سلامه. وقد قيل: بل ينتظرهم حتى يقضوا ثم يسلم ويسلمون بسلامه). ت: المشهور إقامتها بالحضر (١). قال سند متفق عليه بين أرباب المذاهب. وحكى بعض الشافعية عن مالك: لا يصلي في الحضر، قال: وهو لا يعرف من قول مالك؛ إلا ما وقع لعبد الملك في المبسوط؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أخر الصلاة يوم الخندق حتى خرج الوقت (٢)، وكان يصلي صلاة الخوف في غزواته المشهورة. وجوابه: أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢] لم يفرق بين سفر ولا حضر، ولأنه عذر يستوي فيه الحضر والسفر

стр. 791

كالمريض، [ولأن المقصود بذلك] (١) المحافظة على الصلاة مع حراسة المسلمين، لأجل الخوف و [ .. ] (٢) وجود، وآية الخوف نزلت بعد الخندق. وقد [تقدم] (٣) الخلاف؛ هل ينتظر الثانية جالساً أو قائماً؟ وهل يسلم أو ينتظر الثانية حتى يسلم بهم؟ ص: (ومن كان راكباً في سفر فخاف إن نزل للصلاة لصاً أو سبعاً؛ فلا بأس أن يصلي على دابته إلى القبلة وغيرها، إذا كان عذره بيناً متيقناً، فإن كان مشكلاً أعاد إذا هو أمن). ت لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، والخوف أعم من الخوف من العدو، ولأن اللصوص والسباع أعداء، ولأن نزوله ربَّما أدى لقتله، وعلى الإنسان أن يصلي على حسب ما يمكنه. قال سند: فقد صلى النبي ﷺ الفريضة على راحلته لضرورة منعته من النزول. في «الترمذي» أنَّ النبي ﷺ كان في سفر، [فمطروا] (٤) السماء من فوقهم، والبلل من أسفلهم، فصلى بهم ﵇ على راحلته (٥). ويعيد مع الإشكال في تحصيل اليقين.

стр. 792

فاختلف الشراح في مسألة «المدونة»؛ لأنَّه لم يُفصل فيها [كما] (١) فصل ابن الجلاب، قال: إن خاف من سبع أو غيره؛ صلَّى حيثما توجهت به راحلته، فإن أمِنَ؛ أحبُّ أن يعيد؛ بخلاف العدو (٢). قال سند: يحتمل أن يكون هذا على أحد القولين فيمن صلَّى ثم زال عذره أنه يعيد؛ لأنَّ الإيماء لا ركوع فيه ولا سجود، فكثر الخلل واستثنى صلاة العدو لما فيها من إظهار فضيلة الجهاد ترغيباً فيه. وقال الباجي: إنَّما فرق؛ لأنَّ خوف هؤلاء غير متيقن؛ بخلاف العدو، ولو استوى تيقنهما أو ظنهما استوى حكمهما (٣). وقال عبد الحق: إنَّما فرق؛ لأنَّ العدو مراده النفوس، واللصوص في الغالب مرادهم المال، وحرمة النفوس أعلى، والعدو يقاتل تديناً، ويرى نفسه [صواباً] (٤)، فالخوف منه أشدُّ، واللصوص تعتقد فساد ما اعتمدته، والسباع ربما ذهبت ونفرت، وربما انحرف عنها فلا [تتبعه] (٥)، والعدو يتبعه.

стр. 793

باب صلاة الاستسقاء (وإذا تأخر عن الناس المطر واحتاجوا إليه؛ فلا بأس أن يخرجوا إلى المصلى مع إمامهم، متواضعين مشاة متخشعين، فيستسقوا ربهم ، ويصلي بهم الإمام ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، ويقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة نحو: ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وما أشبههما من السور). ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ لقوله: ﴿أَضْرِب بَعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [نوح: ١٠ - ١١]. وفي مسلم: خرج رسول الله ﷺ فاستسقى، فجعل إلى الناس ظهره ودعا الله، واستقبل القبلة، وحوّل رداءه، وصلى ركعتين (١). زاد (البخاري): وجهر فيهما بالقراءة (٢). وفي أبي داود: خرج رسول الله ﷺ [متبذلاً] (٣) متواضعاً متضرعاً حتى أتى

стр. 794

المصلَّى فرقي على المنبر، ولم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد (١). ولا خلاف بين الأئمة في مشروعيتها، وهي مشروعة عند الحاجة؛ وهي المحل، فيستسقوا لإحياء الزرع وغيره، أو لشرب الإنسان أو البهائم، في سفر أو سفينة أو بلد، أو جاء من الماء ما لم يكف؛ فلهم طلب السعة بالاستسقاء، أو يستقي من هو في خصب لمن هو محل؛ فهذه أربعة أسباب (٢). * قال اللخمي: القسمان الأولان لا ينبغي تركهما، لما في المحل من هلاك النفوس، وفساد الدين. * والثالث: مباح؛ لأن عندهم ما يؤمنهم هذه المفاسد. * والرابع: مندوب، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقوله ﵇: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل (٣)، وقوله ﵇: دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة (٤)، [أخرجهما] (٥) في الصحيحين (٦). قال اللخمي: يستسقي لنهر أمسك (٧). قال المازري: يأمر الإمام الناس قبل الاستسقاء بالتوبة، [١/ ٩٤] والخروج

стр. 795

من المظالم مخافة أن تكون المعاصي سبب المحل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَبَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وقد تمنع المظالم من إجابة الدعاء، ففي مسلم: قال رسول الله ﷺ : يطيل أحدكم السفر أشعث أغبر، ثم يقول بيده إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، فأَنَّى يُستجاب له بذلك (١). ويأمرهم بالتقرب بالصدقة لعلهم إذا أطعموا فقراءهم أطعمهم الله تعالى (٢). قال ابن بشير: فإذا فعلوا ما أمروا به برزوا إلى المصلى في غير المسجد وهي السنة (٣). قال ابن حبيب: مشاة في بذلتهم لا في ثياب الجمعة، في سكينة ووقار خاشعين خاضعين، فإذا ارتفعت الشمس خرج الإمام في بذلته (٤). قال في المدونة: يصلي ركعتين يجهر فيهما (٥)؛ لأنَّ العبد إذا رأى مخايل العقوبة لم يأت مولاه بصفة الذل، بخلاف صلاة العيدين؛ لأنَّ مقصودها إظهار الشعائر، والقوة على المشركين. والمشهور: أن الإمام لا يكبر في طريقه؛ لأنَّ التكبير لإظهار الشعائر. والشاذ: يكبر؛ قياساً على العيدين.

стр. 796

وليس لها أذان ولا إقامة؛ لأنه ﵇ لم يفعله، وقياساً على العيدين والخسوف. والجهر؛ لأنها صلاة ذات خطبة كالعيدين والجمعة. ولأنه عمل المدينة. قال مالك: لا يخرج لها بمنبر وأول من أحدث المنبر عثمان بن عفان، بني له من طين (١). وقال أشهب: ذلك واسع (٢). وقال (ش): يقرأ في الأولى بـ ﴿ق﴾، وفي الثانية بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٣). ويترجح قول مالك، وابن حنبل؛ لأنَّ الغرض الدعاء فكان [الإيجاز] (٤) في القراءة أولى. * ص: (ويكبر في كل ركعة تكبيرة واحدة كسائر الصلوات، بخلاف صلاة العيدين. ويخطب بعد الصلاة، ويُكثر الاستغفار في خطبته، فإذا فرغ من خطبته استقبل القبلة، وحوّل رداءه، وجعل ما على إحدى كتفيه منه على الآخر، وإن شاء قلبه فجعل أسفله أعلاه، واستسقى الله ، ودعا بما تيسر له). ت: قال (ش): يكبر فيها كالعيدين.

стр. 797

لنا: أنه لم ينقل في الحديث. قال الباجي: قال مالك: يخطب قبل الصلاة (١). لنا ما في أبي داود: أنه ﵇ قال الراوي (٢): لم يخطب كخطبتكم هذه، لكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين (٣). وقياساً على الجمعة، ثم رجع إلى بعد، وقاله جماعة من الفقهاء. قال المازري: الذي خرجه أصحاب الصحاح: أنه ﵇ قدم الاستسقاء، ولأن تقدمته الصلاة أنجح في الدعاء (٤)؛ فإنها أعظم الوسائل، وكان ﵇ إذا أراد حاجة توضأ وصلَّى، ثم سأل (٥). ولأنه حق الله تعالى، والدُّعاء حق للعبد، فيقدم حق الله تعالى كما قدم الثناء في الفاتحة وفي التشهد قبل الدعاء، وقياساً على العيدين. ويخالف الجمعة من وجهين: أنَّ الخطبة شرط في الجمعة فشابه التقديم، وهاهنا لو أسقطها لم تفسد الصلاة إجماعاً، ولأنَّ الجمعة وقتها ضيق فيبدأ بالخطبة ليتكامل الناس. قال مالك: ويخطب خطبتين بينهما جلسة، ويتوكأ على عصا.

стр. 798

قال المازري: هو المشهور عند القائلين بالخطبة (١). ويستريح من القيام في الخطبة الأولى، والاتكاء على العصا لحمل التعب عنه. وهل يجلس أولها كالجمعة؟ قال ابن القاسم: ذلك واسع؛ لسكون نفسه من حركة الصعود على المنبر. وفي المبسوط: لا يجلس في غير الجمعة، لما فيها من انتظار المؤذن. وهل يستسقي على المنبر؟ منعه مالك مرة؛ لأنه ﵇ لم يكن له منبر كما تقدم (٢). وأجازه أخرى (٣)؛ لما في أبي داود: شكا الناس إلى النبي ﷺ قحط المطر، فأمر بالمنبر، فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج ﵇ حين بدا حاجب الشَّمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله تعالى، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا [قوَّة] (٤) وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب رداءه،

стр. 799

ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابة، فأمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتَّى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنه على كل شيء قدير، وأن محمداً عبد الله ورسوله (١). قال اللخمي: الأرض أصوب لقربها من التواضع، و [لما] (٢) يحاول من نفسه (٣). (ويكثر الاستغفار) لقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية [نوح: ١٠]، فجعل المطر حين الاستغفار. وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]. وروي أن عمر ﵁ لما استسقى لم يزد على الاستغفار حتى انصرف (٤)؛ لأنَّ إمساك الغيث بسبب الذنوب، فإذا غفرت زال العذاب. قال عبد الملك: ليس في الغدو إليها جهر بالتكبير ولا استغفار؛ إلا في الخطبة، يستغفر ويأمرهم بذلك (٥)، فيستغفرون باستغفاره، كما يكبرون بتكبيره في خطبة العيد.

стр. 800

المشهور أنه يستقبل القبلة عند فراغه من خطبته (١)؛ لأنَّ الخطبة لا يسنُّ قطعها لغيرها كالعيد والجمعة. وفي المجموعة: يحول بين الخطبتين (٢). وقال أصبغ: إذا أشرف على فراغ الثانية استقبل القبلة، ثم يحول رداءه، ثم يكثر من الاستغفار والدعاء، ثم يحول وجهه للناس، ويتم خطبته وينصرف (٣). ولأن سنة الخطابة خطبتان لا زيادة عليهما، فإذا دعا في خلالها لم تكن زيادة، وهو وجه قول مالك الشاذ. واختلف في التحويل وصفته فأجازه (ش) والجمهور، ومنعه (ح). لنا: أنه في الصحيحين (٤). [قال] (٥): إنما يفعل تفاؤلاً لتحول حالهم من الشدة إلى الرخاء، وكان ﵇ يحب الفأل الحسن. وأما صفته: فقال مالك: يجعل ما على يمينه على يساره، وما على يساره على يمينه، ولا يقلبه فيجعل الأسفل الأعلى (٦).

стр. 801

قال [ابن الماجشون] (١): يبدأ بيمينه، فيأخذ ما على عاتقه الأيسر، ويُمره من ورائه، [فيضعه] (٢) على منكبه الأيمن، وما على الأيمن على الأيسر (٣). وفي الحديث: جعل عطاف ردائه الأيمن على عاتقه [الأيسر] (٤) (٥). قال سند: ولم يحفظ عنه ﷺ [قلبه] (٦)، ولا عن أحد بعده. ووجه قول ابن الجلاب ما في أبي داود ﵇: أنه استسقى وعليه خميصة، فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها، فلما [ثقلت] (٧) عليه جعل ما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن، وما على عاتقه الأيمن على الأيسر (٨). وصفته: أن [يخفض] (٩) الحاشية التي على رأسه، ويردها على ظهره من ورائه إلى السماء، وما يلي السماء إلى ظهره (١٠). والجمهور أنَّ الناس يحولون مع الإمام؛ لأن الأصل اتباعه ﷺ .

стр. 802

ولأنه ليس من هيئة الخطبة؛ بل من هيئة الدعاء، فيستوون فيه، ولا يلزم القيام؛ لأنه من هيئة الخطبة بخلاف الاستقبال. وقال ابن عبد الحكم: لا يحول إلا الإمام (١). وقاله ابن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو يوسف (٢)؛ لأنَّ الأحاديث إنَّما وردت بتحويله ﵇ الخاصة. وإذا حوَّلوا فجلوس؛ لأنهم يدعون جلوساً، ويحول الإمام قائماً؛ لأنه يدعو قائماً (٣). قال عبد الملك: لا يحول النساء لئلا [يتكشفن] (٤)، ويدعو كل أحد بما تيسر له؛ لأنَّ الجمع كثير، فقد لا يسمعون دعاءه. ويستحب لمن قَرُبَ منه أن يؤمن على دعائه؛ لأنه موضع شرع فيه الدعاء، فلا يشرع فيه الإنصات كيوم عرفة. وهل يرفع يديه في الدعاء؟ ضعفه مالك. وروي عنه أنه رئي رافعاً يديه في الاستسقاء حين عزم عليهم الإمام، وجعل بطونهما مما يلي الأرض (٥).

стр. 803

وقال: إن كان الرفع فهكذا. قال ابن القاسم: يريد في مواضع الدعاء (١). واستحسن الرفع في الاستسقاء في المجموعة وفي الواضحة: يرفع وظهورهما إلى السماء، [ويبتهلون] (٢) بالدعاء، يجهرون به (٣). وقال بعض الشافعية: يدعو الإمام وهم سراً. وقد سمع دعاء النبي ﷺ ونقل، فقال: اللهم اسق عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت. [خرجه] (٤) في «الموطأ» (٥). وروى ابن عمر ﵁، عنه ﵇ أنه كان يقول إذا استسقى: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم بالعباد والبلاد من الجهد والبلاء ما لا يشكى إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، اللهم إنا نستغفرك فإنك كنت ولم تزل غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً (٦). واختلف؛ هل يطيلون الدعاء؟ قال ابن القاسم: لا أحفظ عن مالك في ذلك شيئاً (٧).

стр. 804

وقال ابن حبيب يتهللون بالدعاء - وأكثر ذلك استغفار - حتى يطول ذلك ويرتفع النهار (١). وعن موسى بن نصير أنه دعا، ودعا الناس معه بإفريقية إلى نصف النهار (٢). وخير الأمور أوسطها؛ ولأن قراءتها وسط وخطبتها؛ فيكون الدعاء كذلك. ص: (ولا بأس بالتنفل في المصلى قبل صلاة الاستسقاء وبعدها). ت: هذا هو المشهور، وكرهه ابن حبيب، وابن وهب؛ قياساً على صلاة العيد (٣). والفرق أن الاستسقاء يقصد فيه التقرب وتكفير السيئات بالحسنات لترتفع العقوبات؛ بخلاف العيد، ولهذا استحب فيه العتق والصوم. ص: (ولا بأس بخروج النساء المتجالات - وهن المسنات - في الاستسقاء). ت: النساء ثلاث: متجالة يباح خروجها. وشابة طاهر يكره خروجها. وحائض يمنع.

стр. 805

فالأول: لقوله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (١). والمقصود التقرب، وهو هاهنا. ولأن دعاءها مندوب إليه؛ كالرجل، والشابة يخشى فتنتها، ولا تمنع؛ كصلاة الجمعة، والحائض ممتنعة من الصلاة؛ فمنعت. ويخرج من يعقل الصلاة من الصبيان كسائر الصلوات. ومنع ابن القاسم من لا يعقلها؛ إذ من سنتها الصلاة (٢). وجوزها ابن وهب، و (ش)؛ لقوله ﷺ : لولا أطفال رضع، وشيوخ رُكَّع، ودواب رُتَّع؛ لصب عليكم العذاب صبا (٣). ولأنه متوسل إلى الله تعالى بمن لا ذنب له. ولو صح ما قالوه؛ لخرج رسول الله ﷺ بهم، ولأن فيهم لعباً ولهواً يشغل غيرهم. والمعروف عدم خروج البهائم، واستسقاء موسى بن نصير بإفريقية حين رجع من الأندلس، وجعل الصبيان على حدة، والإبل والبقر على حدة، وأهل الذمة على حدة، وصلّى وخطب ولم يدع في خطبته لأمير المؤمنين، فقيل له في ذلك فقال: ليس هو يوم ذلك، ودعا للناس إلى نصف النهار، واستحسنه بعض علماء المدينة؛ لما فيه من استجلاب القلوب (٤).

стр. 806

* ص: (ولا بأس أن يُستسقى في العام الواحد مراراً إن احتيج إلى ذلك). * ت: وقاله كافة الفقهاء. وقال (ش): ليست الثانية والثالثة كالأولى في الاستحباب؛ لأنَّ النبي ﷺ صلَّى صلاة واحدة. لنا: أن العلة هي الحاجة، فهي باقية كما لو خسفت الشمس والقمر مراراً في السنة، ورسول الله ﷺ فعل ذلك. قال مالك: وموالاة الاستسقاء وتفريقه كل ذلك جائز (١)، فإن سبب الاستسقاء موجود في كل يوم؛ وهو الحاجة. قال أصبغ: يستسقى لإبطاء النيل، وقد فعل بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية، وحضره ابن القاسم، وابن وهب، ورجال صالحون (٢). وإن جاءهم من المطر ما لا يكفيهم أعادوا الاستسقاء لبقاء الحاجة. * ص: (ولا يمنع أهل الذمة من الخروج إلى الاتسقاء). * ت: قاله جمهور العلماء (٣). ومنعه أشهب، وقال: لا يتقرب إلى الله تعالى بأعدائه (٤). لنا: أن يزيد بن عبد الملك كتب إلى عماله بإخراجهم إلى الاستسقاء، فلم

стр. 807

[يعبه] (١) أحد (٢)، ولأنَّ الله تعالى ضمن أرزاقهم كالمسلمين، فكل منهم يدعو ويتضرع، ولأنَّ عقد الذمة يقتضي ألا يمنعوا من السبب [ .. ] (٣)، والكفر لا يمنع الرزق، بل ربما زاد فيه لقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. ويرى [أشهب أنه أعدى لهم] (٤)، وفتنة لغيرهم من الضعفاء، وقد يرغبون إلى المسيح، ويظهرون كتبهم المحرفة، وشعائرهم الفاسدة. قال ابن حبيب: لا يمنعون من الاستسقاء والتطوف بصلبانهم إذا برزوها، ويعتزلون عن الجماعة، ويمنعون من إظهار ذلك في أسواق المسلمين وجماعتهم في الاستسقاء وغيره، كما يمنعون إظهار الزنا وشرب الخمر (٥). وإذا قلنا بخروجهم: قال ابن حبيب: مع الناس لا قبلهم ولا بعدهم، لئلا يحصل [الغيث] (٦) لهم إذا انفردوا فيكون فتنة، ولا خلاف أنهم لا يجتمعون مع المسلمين بل عزلة (٧).

стр. 808

* ص: (وليس على الناس صيام قبل صلاة الاستسقاء، ومن فعل ذلك فهو حسن). ت: لأنه لم يوقت من القربات في الاستسقاء إلا الصلاة والدعاء، ولم يرد الصوم في الآثار، بل هو فعل خير يقرب الإجابة (١). واستحب ابن حبيب صوم ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يستسقون فيه (٢)، رجاء أن يكون الجوع لله سبب الخصب، وقد ورد عنه ﵇ أنه قال: دعوة الصائم لا ترد (٣). قال عبد الملك: يؤمرون بما يوجب لهم خشوعاً ورقة فيصوموا اليوم واليومين والثلاثة. قال: وهذا قول مالك، ومن [حضرنا] (٤) استسقاءه (٥).

стр. 809

باب في اللباس للصلاة (وستر العورة في الصلاة فريضة، ولا يجوز أن يصلي المرء عرياناً مع وجود السترة). ت: العورة في اللغة: ما يخاف النظر له، والاطلاع عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، أي: يحاذر الاطلاع [عليه، وهو مقصودنا، وما يحاذر] (١) النظر إليه. قال ابن بشير: يجب ستر العورة عن أعين الإنس (٢). وهل يجب في الخلوة؛ لحرمة الملائكة؟ حكى اللخمي الاستحباب (٣)، والذي سمعناه في المذاكرة قولان: الوجوب، والندب. وقد قال ﵇: إياكم والتعري فإنَّ معكم من لا يفارقكم؛ إلا عند الغائط، وحين يُفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم، يعني: الملائكة، خرَّجه «الترمذي» (٤).

стр. 810

وفي كون الأمر للوجوب أو الندب قولان للأولين، فمن أوجب؛ قاس على الإنس، ومن ندب؛ رأى ذلك مشقة (١). وهل هو شرط في الصلاة يبطلها عدمه مع القدرة أم لا؟ قال أبو الفرج، و (ش) (٢)، و (ح) (٣)، وجمهور العلماء: شرط مع الذكر، ساقط مع النسيان والعجز (٤)، لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، قيل: اللباس في الصلاة والطواف. وفي أبي داود: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار (٥). ولأن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ينادي بمنى: أن لا يطوف بالبيت عريان (٦). ولأن المصلي يناجي ربه؛ فلا يكون إلا على أحسن الهيئات. وقال القاضي إسماعيل، والأبهري، وابن بكير: ليس شرطاً، بل سنة فيها (٧)، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، فذكر الوضوء ولم يذكر غيره، ولو كان ستر العورة شرطاً لذكره.
следующие страницы →