← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

* ص: (ولا بأس أن يُستسقى في العام الواحد مراراً إن احتيج إلى ذلك). * ت: وقاله كافة الفقهاء. وقال (ش): ليست الثانية والثالثة كالأولى في الاستحباب؛ لأنَّ النبي ﷺ صلَّى صلاة واحدة. لنا: أن العلة هي الحاجة، فهي باقية كما لو خسفت الشمس والقمر مراراً في السنة، ورسول الله ﷺ فعل ذلك. قال مالك: وموالاة الاستسقاء وتفريقه كل ذلك جائز (١)، فإن سبب الاستسقاء موجود في كل يوم؛ وهو الحاجة. قال أصبغ: يستسقى لإبطاء النيل، وقد فعل بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية، وحضره ابن القاسم، وابن وهب، ورجال صالحون (٢). وإن جاءهم من المطر ما لا يكفيهم أعادوا الاستسقاء لبقاء الحاجة. * ص: (ولا يمنع أهل الذمة من الخروج إلى الاتسقاء). * ت: قاله جمهور العلماء (٣). ومنعه أشهب، وقال: لا يتقرب إلى الله تعالى بأعدائه (٤). لنا: أن يزيد بن عبد الملك كتب إلى عماله بإخراجهم إلى الاستسقاء، فلم

стр. 807

[يعبه] (١) أحد (٢)، ولأنَّ الله تعالى ضمن أرزاقهم كالمسلمين، فكل منهم يدعو ويتضرع، ولأنَّ عقد الذمة يقتضي ألا يمنعوا من السبب [ .. ] (٣)، والكفر لا يمنع الرزق، بل ربما زاد فيه لقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. ويرى [أشهب أنه أعدى لهم] (٤)، وفتنة لغيرهم من الضعفاء، وقد يرغبون إلى المسيح، ويظهرون كتبهم المحرفة، وشعائرهم الفاسدة. قال ابن حبيب: لا يمنعون من الاستسقاء والتطوف بصلبانهم إذا برزوها، ويعتزلون عن الجماعة، ويمنعون من إظهار ذلك في أسواق المسلمين وجماعتهم في الاستسقاء وغيره، كما يمنعون إظهار الزنا وشرب الخمر (٥). وإذا قلنا بخروجهم: قال ابن حبيب: مع الناس لا قبلهم ولا بعدهم، لئلا يحصل [الغيث] (٦) لهم إذا انفردوا فيكون فتنة، ولا خلاف أنهم لا يجتمعون مع المسلمين بل عزلة (٧).

стр. 808

* ص: (وليس على الناس صيام قبل صلاة الاستسقاء، ومن فعل ذلك فهو حسن). ت: لأنه لم يوقت من القربات في الاستسقاء إلا الصلاة والدعاء، ولم يرد الصوم في الآثار، بل هو فعل خير يقرب الإجابة (١). واستحب ابن حبيب صوم ثلاثة أيام آخرها اليوم الذي يستسقون فيه (٢)، رجاء أن يكون الجوع لله سبب الخصب، وقد ورد عنه ﵇ أنه قال: دعوة الصائم لا ترد (٣). قال عبد الملك: يؤمرون بما يوجب لهم خشوعاً ورقة فيصوموا اليوم واليومين والثلاثة. قال: وهذا قول مالك، ومن [حضرنا] (٤) استسقاءه (٥).

стр. 809

باب في اللباس للصلاة (وستر العورة في الصلاة فريضة، ولا يجوز أن يصلي المرء عرياناً مع وجود السترة). ت: العورة في اللغة: ما يخاف النظر له، والاطلاع عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣]، أي: يحاذر الاطلاع [عليه، وهو مقصودنا، وما يحاذر] (١) النظر إليه. قال ابن بشير: يجب ستر العورة عن أعين الإنس (٢). وهل يجب في الخلوة؛ لحرمة الملائكة؟ حكى اللخمي الاستحباب (٣)، والذي سمعناه في المذاكرة قولان: الوجوب، والندب. وقد قال ﵇: إياكم والتعري فإنَّ معكم من لا يفارقكم؛ إلا عند الغائط، وحين يُفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم، يعني: الملائكة، خرَّجه «الترمذي» (٤).

стр. 810

وفي كون الأمر للوجوب أو الندب قولان للأولين، فمن أوجب؛ قاس على الإنس، ومن ندب؛ رأى ذلك مشقة (١). وهل هو شرط في الصلاة يبطلها عدمه مع القدرة أم لا؟ قال أبو الفرج، و (ش) (٢)، و (ح) (٣)، وجمهور العلماء: شرط مع الذكر، ساقط مع النسيان والعجز (٤)، لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، قيل: اللباس في الصلاة والطواف. وفي أبي داود: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار (٥). ولأن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ينادي بمنى: أن لا يطوف بالبيت عريان (٦). ولأن المصلي يناجي ربه؛ فلا يكون إلا على أحسن الهيئات. وقال القاضي إسماعيل، والأبهري، وابن بكير: ليس شرطاً، بل سنة فيها (٧)، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، فذكر الوضوء ولم يذكر غيره، ولو كان ستر العورة شرطاً لذكره.

стр. 811

ولقوله ﵇: لا تتم صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه (١)، ولم يذكر ستر العورة. ولأن شأن فروض الصلاة تسقط عند سقوطها كالطهارة وغيرها، وهذا واجب مطلقاً، ولأنه لو كان شرطاً لسقط الوجوب عن عدمه، ولكونه سنة. قال مالك: إذا صلت الحرة مكشوفة الرأس أو شيء من جسدها أعادت في الوقت (٢). قال المازري: الجاري في المذاكرة -[وهي] (٣) طريقة بعض الشيوخ - أنَّ القول بأنه سنة لا يقتضي بطلان الصلاة، وأنه فرض يقتضي بطلانها (٤). وقد قال ابن القاسم فيمن صلَّى في المصلى عرياناً: يعيد أبداً. وقال أشهب: في الوقت (٥). ص: (وعورة الرجل فرجاه وفخذاه، ويستحب له أن يستر من سرته إلى ركبتيه). ت: اتفقت الأئمة على [أن] (٦) السوأتين من الرجال والنساء عورة، وعلى أن ما فوق سرة الرجل و [تحت] (٧) ركبتيه ليس بعورة.

стр. 812

واختلف في غير ذلك: وقال ابن القصار: السرة والركبتان ليس من العورة (١). وقاله العراقيون منا (٢)، و (ش) (٣)، وابن حنبل، وهو ظاهر الجلاب. وقال (ح): [السرة] (٤) ليست من العورة؛ بخلاف الركبة (٥). وقال داود: السوأتان فقط، وروي عن ابن حنبل، لما في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة [الغداة] (٦)، ورأيت رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وقد وقع الإزار عن فخذه حتى إني أنظر [إلى] (٧) بياض فخذه ﷺ (٨). لنا: ما في أبي داود عن جَرهَد أنه قال: [جلس] (٩) النبي ﷺ عندنا وفخذي مكشوفة، فقال لي ﵇: أما علمت أن الفخذ عورة (١٠)، وصححه الدارقطني (١١). وفي أبي داود: عن علي ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال له: لا تكشف فخذك،

стр. 813

ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت (١). قال سند الذي يقتضيه النظر أن العورة السوأتان، والفخذ حريم، وكذلك العانة؛ لأنَّ العورة عند العرب ما يستحى من كشفه، وهذا كذلك، ولهذا قال ابن أبي زيد العفو في العورة المخففة أكثر منه في المغلظة، فهذا يمكن الجمع به بين الأحاديث. واستحب ابن الجلاب من السرة إلى الركبة؛ ليكون ذلك أكمل في حريم الواجب وحمايته. قيل: قوله: (عورة الرجل فرجاه وفخذاه، ويستحب أن يستر من سرته إلى ركبتيه)؛ تناقض، أفتى بالوجوب أولاً، وبالاستحباب ثانياً. وجوابه: أن الفخذ يستر قبل السرة، والسرة زيادة؛ فلا تناقض في وجوب البعض، واستحباب الكل، كما تقول في خصلة من خصال الكفارة واجبة، والمجموع مستحب. ص: (والمرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها ويديها، وعليها أن تستر في الصلاة جسدها، ولا تبدي منه شيئاً إلا الوجه والكفين). ت: وقاله (ش) (٢). وقال ابن حنبل: إلا وجهها (٣).

стр. 814

وقال (ح): كلها عورة إلا قدميها (١). لنا: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قال ابن عباس: الوجه والكفان (٢). قال الباجي: وعليه أكثر أهل التفسير (٣). قال المازري: فقيل: ما ظهر منها الكحل والخاتم، ولأن كشفهما في الإحرام واجب، ولأن الضرورة تدعو لكشفهما فدعت الضرورة لاستثنائهما. ولأنها يباح لها لبس الخفين في الإحرام، ولو كان ساقها ليس بعورة امتنع ستره، كما لا تستر وجهها في الإحرام (٤). وفي «الموطأ»: سُئلت أم سلمة زوج رسول الله ﷺ : ماذا تصلي فيه المرأة؟ فقالت: تصلي في الخمار وفي الدرع السابغ، الذي يستر ظُهور قدميها (٥). ص: (وعورة الأمة كعورة الرجل، ويكره لها أن تكشف جسدها في الصلاة، ويستحب لها أن تكشف رأسها، والمدبّرة والمعتقة إلى أجل بمنزلة الأمة). ت: هذا المعروف من المذهب أنها كالرجل (٦).

стр. 815

وقال أصبغ كذلك؛ غير أنه قال: إن صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد، وتعيد هي في الوقت (١)، فجعلها في الوقت أقوى. وللشافعية قولان؛ أحدهما: كقولنا، والآخر: أنها كالحرة؛ إلَّا أنَّ لها كشف رأسها. لنا: أنَّ عم ﵁ قال لابنه: ألم أخبر أن جاريتك خرجت في الإزار وتشبهت بالحرائر، ولو لقيتها لأوجعتها ضرباً. وكان يضرب الإماء إذا لبسن الإزار، ويقول: لا تشبهن بالحرائر (٢). ولأنه [يجوز] (٣) تقليبها عند الشراء ورؤية شعرها وذراعيها قاله عبد الوهاب (٤). قال سند: هذا يكون في حق النساء. وكراهة كشف جسدها؛ لأنه محل النكاح والشهوة، ولا خلاف بستر جسدها في الصلاة، وخشاً كانت أو سرية، كما يؤمر الرجل بذلك؛ لأنه من مكارم الأخلاق. وقال مالك: يكره للرجل أن يكشف من الأمة عند الشراء معصماً أو صدراً أو ساقاً (٥)، فيسترها أشد من ستر الرجل؛ لأجل الفتنة.

стр. 816

ولا يختلف إذا كان بها عيب أن ينظر إليها الرجل من أهل المعرفة مع وجود النساء. وأشار الباجي إلى أن قول ابن الجلاب مخالف لقول مالك في المدونة، حيث قال: (لا تصلي المرأة إلا بثوب يستر جسدها)؛ وليس بظاهر، فإنا نأمر الرجل بستر جميع جسده، وليس بعورة. قال الباجي: لأنها أمرت بستر جميع جسدها كالحرة (١). قال ابن بشير: أراد اللخمي أن يجعل المذهب على قولين في وجوب ستر جميع جسدها اعتماداً على هذه الألفاظ، وهي تحتمل الكمال لا [الإجزاء] (٢) (٣). قال المازري: ظاهر المذهب انخفاضها عن الحرة في العورة (٤). واستحباب كشف رأسها؛ للفرق بينها وبين الحرة، وأثر عمر السابق إحياء لسنة رسول الله ﷺ . وفي المدونة: ذلك شأنها (٥). فقيل: معناه: يجوز. وقيل: يستحب له، لا يستحب لها. فرع: إن عتقت في الصلاة؛ فهل تبطل الصلاة؟ أو تستر سترة الحرة، وتتمادى

стр. 817

إن كانت السترة قريبة؟ قولان. قال ابن القاسم في العتبية: إن عتقت بعد ركعة ورأسها مكشوف، ولم تجد من يناولها خماراً، ولا وصلت إليه؛ فلا تعيد، قياساً على الحرة. والفرق بينها وبين المتيمم أنها لا بدل معها من السترة، والتيمم بدل الوضوء ولو وجد الماء بعد الإحرام، وإن قدرت على أخذه ولم تأخذه أعادت في الوقت، وكذلك العريان. قال سحنون: يقطعان ويبتدآن (١). وقال أصبغ: إن تمادت وهي تجدها؛ لم تعد في الوقت ولا [بعده] (٢)، كالمتيمم يجد الماء بعد ركعة، وإنما تعيد في الوقت إذا عتقت قبل الدخول في الصلاة (٣)، كناسي الماء في رحله، وإن [كنت أقول في هذا] (٤): إنه يعيد أبداً؛ لأنه من أهل الماء (٥). وعن ابن القاسم أيضاً: [تتمها، وتجعلها] (٦) نافلة، كمن نوى الإقامة (٧).

стр. 818

قال مالك: أحب إليَّ أن تُعيد (١). واختلف فيمن ألقى الريح خمارها عن رأسها، و [الرجل] (٢) يسقط إزاره: قال (٣): إن [قرب منها] (٤) فتناولته؛ أجزأها، وإن أخذ الرجل إزاره بعد كشف فرجه فستره؛ أجزأه إذا لم يتعمد ذلك (٥). قال سحنون: يعيد؛ كمن نظر إلى فرجه، دون من لم ينظر. وعن سحنون تبطل صلاته، وصلاة من خلفه، وإن أخذ الإزار على الفور. قال أبو إسحاق: هل ينظر إلى أنه مرَّ به وقت مكشوف العورة فتبطل الصلاة، أو السترة يحسب من شروطها [فيستخف] (٦) ذلك ليسارته؟ قال: وقول سحنون: (تفسد صلاة الناظر) فيه نظر؛ لأنَّ المعصية في الصلاة بالسرقة والغصب لا يبطلها. فإن لم تعلم بالعتق حتى فرغت: قال [أصبغ] (٧): تعيد في الوقت. وللشافعية في الوقت أو أبداً؛ قولان.

стр. 819

قال سند: الأول [أيسر] (١)؛ لأنَّ الوجوب يسقط بالعذر، وهي معذورة. ولحقت المدبرة والمعتقة إلى أجل بالأمة؛ لعدم تحقق الحرية، ولو لحق سيد المدبرة دين بيعت فيه بعد موته، ولو لم يترك غيرها لم يعتق إلا [ثلثها] (٢)، ولو ماتت المعتقة قبل الأجل كانت على الرق. ص: (يستحب لأم الولد أن تستر من جسدها ما يجب على الحرة ستره). ت: جعلها مالك كالحرة؛ لأنها لم يبق فيها إلا وطء السيد، قال: فإن صلت بغير قناع أعادت في الوقت. وقال (ش): يعني كالمدبرة، والمعتقة إلى أجل. ص: (والمكاتبة بمنزلة أم الولد). ت سوى مالك بين المكاتبة والمدبرة والمعتقة إلى أجل، وليست كأم الولد؛ لقوة الولد بخروجها من رأس المال، ولا ترجع إلى الرق. وقال ﷺ : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم (٣)، فشبهها [ .. ] (٤). ورأى ابن الجلاب أنها أحرزت نفسها ومالها، وللسيد وطء المدبرة، وانتزاع

стр. 820

مالها، ويستخدمها، [ويلحقها] (١) الدين، وكذلك المعتقة إلى أجل؛ إلا في الوطء، وله أن ينتزع مالها ما لم يقرب الأجل بخلاف المكاتبة، بل هي أقوى من أم الولد؛ لأنه ينتزع مالها ما لم يمرض. ص: (والذي يستر المرأة في صلاتها: الدرع والخمار الصفيقان اللذان يستران رأسها وجسدها ورجليها). ت في «الموطأ»: عن أم سلمة زوج النبي ﷺ لما سئلت عن ما الذي تصلي فيه [المرأة] (٢) من الثياب؟ فقالت: تصلي في الخمار والدرع [السابغ] (٣). الذي يستر ظهور قدميها (٤). وفي «الموطأ»: أن عائشة ﵂ كانت تصلي في الدرع والخمار (٥). ولأن هذا هو غاية ما يجب ستره خارج الصلاة. قال الباجي: وهو يقتضي أنها كانت [تقتصر] (٦) عليهما. والدرع: القميص. والخمار: ما تتخمر به المرأة (٧).

стр. 821

فكل ما غطت به رأسها فهو خمار (١). وصفة القميص: أن يستر ظهور القدمين، ويستر الخمار رأسها وعنقها ودلائلها، فلا يظهر غير دور وجهها (٢). فإن صلَّت في ثوب واحد يستر ما يجب ستره [لا] (٣) تشتغل بإمساكه؛ فلا بأس، وإن اشتغلت به فلا خير فيه. ويكون الساتر صفيقاً كثيفاً بحيث لا يصف ولا يشف، والرجل والمرأة والحر والعبد سواء في ذلك. فإن شف؛ فهو كالعدم مع الانفراد. وإن وصف ولم يشفّ؛ فمكروه، ولا يبطل الصلاة، كالسراويل ونحوه. ص: (وإن صلت الحرة مكشوفة الرأس أعادت في الوقت استحباباً، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليها. وأطرافها بخلاف سائر جسدها؛ بدلالة جواز النظر إلى الأطراف من ذوات المحارم، ومنعه من سائر الجسد). ت: الإعادة في الوقت استحباباً، بناء على أن ستر العورة من سنن الصلاة، وأن العورة مخففة في الرأس والأطراف، وإليه الإشارة بقوله: وأطرافها

стр. 822

بخلاف جسدها. قال ابن نافع في العتبية: لا تعيد مطلقاً. قال سند: لأنَّ حكم الأطراف التخفيف، ولأنَّ ذلك ظاهر في الغالب. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. واختلف هل جميع ذلك فرض أو بعضه سنة؟ قال مالك: إن صلَّت الحرَّة عريانة أعادت أبداً، وإن انكشف صدرها أو شعرها أو ظهر قدميها؛ أعادت في الوقت (١). فجعل بعضه سنة. قال اللخمي: وعلى قول أشهب أن جميعه سنة إن صلَّت عريانة أو مكشوفة الفخذين، أعادت في الوقت، وقد قال في الرجل إذا صلَّى مكشوف [السرة] (٢) يعيد في الوقت، ولا تزيد المرأة على سوأة الرجل (٣) قال أصبغ: إنما أعادت في الوقت؛ لضعف الإعادة، كانت عامدة أو جاهلة أو ناسية (٤) وهل الوقت؛ الاصفرار أو المغرب؟ قولان.

стр. 823

قال سند: لا يختلف أن المراهقة ومن تؤمر بالصلاة كالبالغة في الفرائض والفضائل. قال أشهب: الصبية الحرة التي لم تبلغ إذا صلت بغير قناع، أو الصبي عرياناً؛ يعيدان في الوقت، وبغير وضوء يعيدان أبداً (١). قال سحنون: لا يعيدان بعد اليومين (٢). ص: (ولا بأس بصلاة الرجل المكتوبة في ثوب واحد، فإن كن واسعاً التحف به، وخالف بين طرفيه، وعقده على عنقه، وإن كان ضيقاً ائتزر به، فعلقه من سرته إلى [ركبتيه] (٣)). ت في الصحاح: سأل سائل النبي ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: أولكلكم ثوبان؟ (٤). ونقله أبو هريرة (٥)، وجابر بن عبد الله (٦). ومن صفته أن يستر جميع العورة، ولا يصف، ولا يشف. فإن وصف أو شف:

стр. 824

قال مالك: يعيد. وفي «الموطأ»: أن رسول الله ﷺ صلَّى في بيت أم سلمة في ثوب واحد مشتملاً به، واضعاً طرفيه على عاتقه (١). قال الأخفش: الاشتمال أن يلتحف بالثوب من رأسه إلى قدميه. فالالتحاف يجمع بين ستر الفرض والفضل، العورة والجسد. وفي «البخاري»: كان رجال يصلُّون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم (٢)، ولأنه أبعد عن السقوط. وفي «البخاري»: قال ﵇: إن كان الثوب واسعاً فالتحفه، وإن كان ضيقاً فاتزر به (٣). ومثله في «الموطأ» (٤). قال الأزهري: الملتحف هو الذي يجعل أحد طرفيه تحت يده اليمنى ونصفه على عاتقه اليسرى والطرف الآخر تحت يده اليسرى ونصفه على كتفه اليمنى وهذا الاشتمال يسمى الموشيح والاصطناع في الصلاة وغيرها. ص: (ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلَّى فيه، وأعاد صلاته في الوقت استحباباً).

стр. 825

قال (ش): يصلي عرياناً، ولا قضاء عليه (١). لنا: أن كشف العورة لا يباح في حال، وملا بسة النجاسة تجوز في جميع الأحوال إلا في الصلاة، فكان الستر آكد؛ لأن العريان ارتكب تمييز حرمة العورة وحرمة الصلاة، ولأنَّ حرمة النجاسة سقطت لعدم القدرة على الماء. وإذا قلنا يصلي فيه فصلى عرياناً: قال أشهب: يعيد في الوقت (٢)، فذلك بناء على أن السترة ليست شرطاً. وعلى أنها شرط؛ يعيد أبداً، ولو لم يجد إلا ذلك الثوب. وقيل: إنما يعيد في الوقت إذا ظنَّ أن صلاته بالنجس لا تجزئه وصلَّى عرياناً، وأما إن علم أنه يصلي بالنجس فصلى عرياناً؛ أعاد أبداً. وإن كان الوقت يستدرك بالتيمم ولا يؤخر حتى خرج الوقت بالوضوء؛ فأولى أن يستدرك بالنجاسة؛ لأنَّ الوضوء آكد من إزالة النجاسة إجماعاً، ويعيد في الوقت ليأتي بالأفضل. وكذلك [المسافر] (٣) يحصل فضيلة الوقت وإن فاتت الأركان، ولا يجوز له التأخير. واختلف في الوقت الذي يعيد فيه: فقال ابن القاسم: في الظهر والعصر غروب الشمس، والعشاءين طلوع

стр. 826

الفجر، وفي الفجر طلوع الشمس (١). قال اللخمي: هذا على أحد قوليه فيمن صلَّى بالنجاسة ناسياً أنه يعيد كذلك، وعلى القول الآخر ما لم تصفر الشمس، [والعادم أعذر] (٢) من الواجد الناسي (٣). قال غيره: الفرق أن الساهي عن النجاسة صلَّى بظن الكمال، وهذا يعتقد أنه صلَّى ناقصاً بالنجاسة، فالإعادة أكد، وفي كليهما الإعادة مستحبة [بذلك] (٤). قال ابن يونس: إلى الغروب أبين؛ لعلمه بالنجاسة، فهو أشد من الناسي (٥). ص: (إن صلَّى بثوب نجس ناسياً ثم ذكر ذلك وهو في صلاته؛ فإن كان يمكنه طرحه وهو في الصلاة طرحه ومضى في صلاته، وإن كان مما لا يمكنه طرحه قطع صلاته وغسل النجاسة عنه، أو لبس ثوباً غيره إن كان عنده وابتدأ الصلاة. وقال عبد الملك: يمضي على صلاته ولا يقطعها، ثم يعيدها في الوقت إذا فرغ منها، وإن لم يذكر ذلك حتى فرغ من صلاته؛ أعاد في الوقت استحباباً. فإن تعمد ترك الإعادة حتى خرج الوقت؛ فلا إعادة عليه عند ابن القاسم. وقال عبد الملك ومحمد: يعيد في الوقت).

стр. 827

ت: ما يمكن نزعه كالرداء ونحوه؛ ففي المدونة: يقطع الصلاة (١). وعنه وعن (ش): ينزعه ويمضي. فإن تعذر النزع وكانت النجاسة في يديه؛ قطع. وقال ابن القصار، وجماعة: إن كان عليه [ما يستر عورته] (٢) غيره؛ نزعه. وقد روى ابن وهب: أن النبي ﷺ وجد في ثوبه دماً وهو في الصلاة فانصرف. ولأنَّ النَّاسي مفرط، ولأنه لو لم ير النجاسة حتى فرغ أعاد في الوقت، فلا يمضي في صلاته، ويؤمر بإعادتها لقدرته على فعلها بغير [خلل] (٣). وقد [تقرر] (٤) قطع الصلاة الصحيحة لتحصيل الأفضل، وهو المحرم في المسجد وقد أقيمت عليه تلك الصلاة. ووجه القول الأخير ما في أبي داود: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا، فقال: إن جبريل أخبرني أن بهما أذى (٥). ولأن ما صلَّى حال السهو صحيح، فلا يبطله، ولا يلاحظ ذكره الآن؛ لأنَّ حاله [ضرورة] (٦) فيعذر كالناسي، كمن سلم من اثنتين، ثم تولى فافتكر فرجع،

стр. 828

ولا يقال استدبر القبلة في غير صلاة؛ لأنها حالة ضرورة، فاستندت إلى حالة السهو، فإن أمكنه الرجوع فلم يرجع أثر ذلك؛ لأنه غير معذور حينئذ. قال ابن يونس والفرق بين الحديثين أن الدم في الثوب فهو حامل له، و واقف على النعل؛ كمن بسط ثوباً كثيفاً أو جلداً (١). وقال غيره: النجاسة في النعل لم يمسها، وبينه [وبينها] (٢) أعلى النعل. فإذا نزعه من غير أن يحركه؛ صحت صلاته؛ [لأن تحريكها] (٣) هو حامل للنجاسة. وقال بعض المتأخرين: قوله في المدونة يُشعر بأنَّ الصلاة بالنجاسة ناسياً غير صحيحة، وقوله: (إذا لم يعلم يعيد في الوقت)؛ يشعر بالصحة، ومقتضاه: أن يتمادى ويعيد في الوقت. وقيل: إنَّما أمر بالقطع [استحساناً] (٤) (٥). فإن لم يمكنه نزع الثوب: فالمشهور: القطع. وقال عبد الملك: يتمادى ويعيد في الوقت (٦).

стр. 829

وإنما أمره ابن الجلاب بالقطع؛ مراعاة للخلاف، وليأتي بالأكمل. ورأى عبد الملك حرمة الصلاة، وجعله كالمتيمم يرى الماء في الصلاة. ولأن بعض الناس يعتقد صحتها مع وجود النجاسة؛ فكان التمادي أولى ويعيد بعد الفراغ، كما قال مالك: إذا كبر المأموم للركوع ونسي تكبيرة الإحرام. ولأن إزالة النجاسة سنة عنده؛ فلا يقطع الفرض لها، ويستدرك الكمال بعد الفراغ، ويفارق من أحرم في المسجد، وأقيمت عليه الصلاة، فإنه لو لم يقطع الآن فاتته فضيلة الجماعة، ولو تمادى الأوقع صلاتين معاً، وهو منهي عنه. قال المازري: وإذا انصرف يغسل النجاسة؛ المشهور أنه يبني (١). وقال أشهب: إذا خرج ليغسل النجاسة من ثوبه أو جسده له البناء قياساً على الرعاف (٢). والفرق أن الرعاف ضرورة طارئة، والتحرز من النجاسة ممكن. فإذا لم يذكر النجاسة حتى فرغ: المشهور: يعيد استحباباً. وذكر اللخمي عن ابن وهب: يعيد (٣). قال عبد الوهاب: إنما الخلاف في العامد، وتجزئ الناسي عند الجميع، وهو وجه الجمع بين الأحاديث، فما فيه الإعادة يحمل على العمد والقدرة،

стр. 830

وأحاديث عدم الإعادة على السهو وعدم القدرة. والمشهور: أن المصلي بالنجاسة عامداً قادراً يعيد أبداً. وعند أشهب: يعيد في الوقت (١). [قيل] (٢): الوقت المختار ما لم تصفر الشمس. وعن مالك: إلى الغروب، وبالليل لطلوع الفجر. قال اللخمي: وقد يحمل على أنه غير آثم إذا أخر إلى ذلك الوقت متعمداً، ومن قال: إنه أثم؛ قال: يعيد ما لم تصفر الشمس (٣). ولأنَّ الإعادة تشبه التنفل؛ فلا توقع في غير الاختياري، والعصر لا تؤخر للضروري؛ فلا تعاد فيه. قال ابن بشير: الصلاة بالنجاسة مكروهة، والإعادة عند الاصفرار مكروهة؛ فأيهما يغلب؟ هو سبب الخلاف. وعلى القول بتحريم تأخير الصلاة بعد الإصفار لا يعيدها (٤). وأما خلاف ابن القاسم وعبد الملك فسببه أنَّ من أمر بالإعادة في الوقت فتركها حتى خرج الوقت، فإن تركها ناسياً: فالمشهور عدم الإعادة. وقال ابن حبيب: إن ذكر قبل الخروج ونسي حتى خرج الوقت أعاد؛ لأنه

стр. 831

لما ذكر توجهت عليه الإعادة؛ سواء ترك ذلك ناسياً أو عامداً (١). فاتفق ابن حبيب وابن القاسم إذا لم يذكر أنه صلى بنجاسة حتى خرج الوقت أنه لا يعيد، وإنما يخالفه إذا ذكر ونسي، أو تعمد ترك الإعادة، وابن القاسم يرى الإعادة في الوقت مستحبة، وإنَّما تعاد بعد الوقت لترك واجب. فإن تعمد تركها حتى خرج الوقت: قال ابن القاسم: لا يعيد. وقال عبد الملك: يعيد؛ لأنَّ إزالة النجاسة شرط في الصحة (٢). قال سند: وهذا القول مخالف للأصول؛ أن تقع العبادة ويتراخى عنها شرط صحتها. ص: (إن وجد ثوبين أحدهما نجس والآخر حرير؛ صلَّى في الحرير) قاله ابن القاسم (٣)؛ لأنَّ النهي عن النجاسة لأجل الصلاة مختص بها، فمنافاتها أعظم، والنهي عن الحرير لا لها بل لغيرها من السرف، والضرورة [نتجت] (٤) كما في الحرب. وقال أصبغ: يصلي بالنجس (٥)؛ لأنه مباح لبسه إلا في الصلاة، والحرير

стр. 832

ممنوع في الصلاة وغيرها، وترك الصلاة [بالنجس سنة] (١)؛ فهو أخف. وفي «البخاري»: قال حذيفة: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، أو نأكل فيها، وعن لبس الحرير (٢). وقال أشهب: يصلي عرياناً أحبُّ إليَّ من الحرير (٣). فإن صلى بالحرير: قال ابن القاسم: يعيد في الوقت إن وجد غيره (٤). وقال أصبغ: يصلي بالنجس، فإن صلى بالحرير أخطأ ولا يعيد (٥)؛ لأنَّ الصلاة صحيحة، وتحريم الحرير ليس خللاً في أركان ولا سنن، بل النهي فيه للشرف. وابن القاسم يرى النهي عن الحرير دخول نهي في الصلاة، فهو خلل تعاد لأجله. قال المازري: يظهر تناقض قول أصبغ لأمره بالإعادة في النجس دون الحرير، فيكون الحرير أخف، وقد قال: يقدم النجس على الحرير، فيكون النجس أخف؛ فتناقض. قال: وعندي أنه اعتبر ما يختص من المنهيات بالصلاة دون ما لا يختص،

стр. 833

واعتبر من المأمورات من اللباس ابتداء عموم النهي في الحرير فكان أشد (١). ص: (إن لم يجد إلا حريراً صلَّى فيه، ثم أعاد في الوقت استحباباً). ت: قاله الكافة إلا ابن [حبيب] (٢). قال: يعيد أبداً (٣). وقال أشهب: يصلي عرياناً (٤). وروي عن ابن القاسم (٥). فوجه المشهور أن النهي فيه لا للصلاة بل للشرف، وهذا مضطر غير مسرف، وقد أبيح للحكة، فستر العورة أشد. وراعى أشهب أن النهي عنه عام (٦). قال [المازري] (٧): وعندي أن الحرير منع عموماً، وكشف العورة منع عموماً، فاختلف أيهما يقدم؟ والنجاسة لما لم ينه عنها عموماً لم يختلف أن الصلاة بها أولى من التعري.

стр. 834

قال سند: لبس الحرير في الصلاة كلبس المغصوب في الصلاة. فإن صلى بالحرير مختاراً مع وجود غيره من الطاهرات، فإن كان عليه ما يستر عورته من غيره: قال سحنون: يعيد في الوقت (١)؛ لوجود الخلل في الصلاة بالنهي من حيث الجملة، إلا أن يكون في كمه؛ فلا يعيد. قال أشهب: [لا] (٢) يعيد (٣)؛ لأنَّ العورة مستورة، وهذه معصية أجنبية عن الصلاة، ولا تعاد؛ إلا لما يختص بها. فإن لم يكن عليه غيره: قال ابن وهب، وعبد الملك: لا يعيد ر (٤)؛ لأن العورة مستورة والتحريم أجنبي. ولأنَّ المرأة تصلي فيه، ولو كان منافياً للصلاة لساوت الرجل. وقال أشهب: يعيد في الوقت (٥)؛ لأجل الخلاف، فالإعادة أحوط. وقال ابن حبيب: يعيد أبداً؛ لأنَّ السترة مأمور بها، وهذه منهي عنها؛ فلا يكون مأموراً بها منهياً عنها في حالة واحدة، فهو لم يأت بالمأمور به؛ فيعيد أبداً كمن صلى عرياناً.

стр. 835

قال المازري: يلزم هؤلاء الصلاة بالثوب المغصوب، فإن التزموه ورد عليهم الصلاة في الدار المغصوبة، وهي صحيحة عند الجمهور؛ إلا أن يفرقوا بأنَّ الغصب حق الخلق، والحرير حق الخالق (١). ص: (وإن وجد ثوبين؛ أحدهما نجس، والآخر طاهر، فأشكل عليه الطاهر من النجس؛ صلَّى فيهما جميعاً صلاتين، في كل واحد صلاة لتحصل البراءة بيقين. ومن لم يجد ما يستر به عورته صلى عرياناً ولا شيء عليه، ويصلي قائماً، ولا يجوز له الجلوس مع قدرته على القيام). ت: قال ابن العربي: يتحرى في الثوبين كالأواني إذا اشتبهت عليه. ووجوب الستر يسقط مع العجز كسائر الواجبات، ولا يسقط الركوع وغيره؛ لبقاء القدرة عليه، بل الأركان متفق على وجوبها بخلاف السترة، ويستر بالحطب والحشيش وكل ما يستر. فإن لم يجد إلا جلد كلب أو خنزير أو ميتة: فظاهر المذهب: يستر به في غير الصلاة. وعلى قول عبد الملك: لا يلبسه؛ لأنه يمنع من الانتفاع بالنجاسة بكل وجه. قال سند: على قول ابن القاسم: يصلي عرياناً إذا لم يجد إلا حريراً ولا يلبس هذه؛ لأنَّ الحرير محرم في جميع الأحوال إلا عند خوف التلف، ويفارق الثوب

стр. 836

النجس؛ لأنَّ لبسه ليس بمحرم على عموم الأحوال، بل في الصلاة، فإذا أبحناه خارج الصلاة لستر العورة، وحق العورة ثابت في الصلاة يبيحه للضرورة. فإن وجد ما يستر به بعض العورة؛ وجب ستر الفرجين؛ لأنهما أغلظ، فإن لم يجد إلا ما يستر به أحدهما؛ تخير. ووافق (ش) مالكاً في صلاة العريان قائماً. وقال الأوزاعي: جالساً. وقال (ح): يتخير. لنا: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقوله ﵇: صل قائماً، فإن لم تستطع فجالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب (١)، فلم يبح القعود إلا عند العجز. وسبب الخلاف أن القيام فرض، وستر العورة فرض، والقيام يبدي العورة، والجلوس يسترها، فينظر أي الفرضين أكد فيقدم؟ فرأى مالك القيام أكد؛ لأنَّ الشرع لم يسقطه إلا لبدل الجلوس، وأسقط الستر لغير بدل. ورأى الأوزاعي [أن ستر العورة في حالة اختيار أو القيام يسقط اختياراً في النفل] (٢).

стр. 837

ص: (وإن كانوا جماعة عراةً، فإن كانوا في ليل مقمر أو نهار؛ صلُّوا أفذاذاً مفترقين؛ لئلا يرى بعضهم عورة بعض. وإن كانوا في ليل مظلم صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم، وصلوا قياماً). ت: وافق (ش) في القديم. وعنه: يصلون جماعة؛ إمامهم في وسطهم. لنا: أن الفرق يوجب السترة فيتعين، وربَّما نظروا عورة فيحصل من الإثم بالنظر ما لا تعدله صلاة الجماعة؛ لأنها سنة. وقال عبد الملك: [إن] (١) أمهم أحدهم [فليكونوا] (٢) صفاً واحداً، وإمامهم في صفهم (٣). وقال (ش): لأنه أغض لأبصارهم. قال (ش): إن كانوا أكثر من صف؛ صفُّوا صفاً آخر من ورائهم، ويغضوا أبصارهم، ويصلي النساء جانباً، يتوارين عن الرجال (٤). فإن لم يجدن مكاناً يتوارين عن الرجال؛ فالمذهب يصلين جالسات (٥).

стр. 838

وعن مالك: في المرأة تخرج من البحر عريانة تصلي قائمة؛ إلا أن يراها أحد (١) فتصلي جالسة. والفرق أن النساء [يمنعهن] (٢) طبعهن من الركوع والسجود بين الرجال، فتشتغل عن الصلاة بذلك، وقد أباح الشرع للراعف الإيماء؛ لأجل الدم، ولمن كان في الطين، فهاهنا أولى. فإن ضاق المكان، ولم يمكن الافتراق؛ فليصل الرجال، وتولي النساء وجوههن عنهم، ثم يصلي النساء، ويولي الرجال وجوههم عنهنَّ؛ إن كانوا في ليل مقمر أو نهار. فإن كان مع أحدهم ثوب؛ امتنع أن يصلي عرياناً، ويستحب له إذا صلَّى أن يجلس، ويصلي به غيره، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولا يلزمه كشف عورته لصلاة غيره؛ بل يستحب. قال اللخمي: وصلاتهم به أفذاذاً أولى من أن يؤمهم به أحدهم؛ لأنَّ ستر العورة في الصلاة فرض أو سنة على الأعيان، وصلاة الجماعة سنة على الكفاية. واستحب إذا كان الثوب فاضلاً عن سترته أن يجبر على تمكينهم من الصلاة به، والأمر وارد بالمساواة بالدنيا، والدين أولى (٣). وفرق بين الضرورة في الطعام؛ لأنه لا مندوحة عنه، وهاهنا قد أجاز أن يصلي عرياناً.

стр. 839

فإن أعاره لزمه القبول لقدرته على السترة، [كهبة] (١) الماء للوضوء لقلة المنة في ذلك. فإن أعاره للجميع واتسع الوقت لصلاتهم به على التعاقب؛ [فعلوا] (٢)، أو صلَّى من لم يصل إليه عرياناً ويعيد إذا وصل إليه في الوقت المتَّسع. وقال (ش): يؤخر ما دام وقت الأداء متسعاً. وخرج بعض أصحابنا فيه قولان من قوله في المتضايقين في السفينة: إذا تعذرت صلاتهم جميعاً قياماً؛ صلُّوا واحداً بعد واحد، إلا أن يخافوا فوات الوقت فيصلوا قعوداً. ومنهم من فرق بأنَّ القيام أخف حالاً من السترة؛ لترك القيام في النافلة دون السترة. وإن لم يرد المكتسي أن يعير وهو يصلح للإمامة؛ جاز أن يؤمهم، وإلا صلُّوا أفذاذاً. ص: (ومن افتتح الصلاة عرياناً عادماً للباس، ثم وجده في أضعاف صلاته؛ قطع الصلاة وستر عورته، ثم ابتدأ صلاته، فإن فرغ من صلاته، ثم وجد اللباس بعد فراغه من صلاته؛ لم تكن عليه إعادة في وقت ولا في غيره). ت: قال سند المشهور أنه يستر ويتمادى.

стр. 840

ويمكن [الجمع بين القولين، فيحمل] (١) القطع على ما إذا كانت السترة بعيدة، والتمادي على القرب. وقال (ش): يأخذ في القرب، ويستمر عرياناً في البعد. لنا: القياس على ما إذا وجده قبل الصلاة. والفرق بينه وبين المتيمم يجد الماء في الصلاة؛ أنه لم يدخل ببدل، بخلاف المتيمم، فلهذا بطلت عليه دون المتيمم. قال بعض الأشياخ: من رأى سترة العورة فرضاً في الصلاة أمره بالقطع، ومن رآه سنة تناول الثوب فاستتر به. قال بعض الأشياخ من المتأخرين: القطع واجب على مذهب ابن الجلاب؛ لأنَّ السترة عنده [٩٩/ ب] من فروض الصلاة. ولا يعيد إذا وجدها بعد [الفراغ] (٢)؛ كالمصلي إيماء للعجز. ص: (والاختيار لمن صلَّى في جماعة أن يلبس أكمل لباسه، ومن صلَّى وحده فلا بأس أن يقتصر على ستر عورته). ت: لقوله تعالى: ﴿يَبَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. قال مالك في [شرح ابن مزين] (٣): الزينة: الأردية.

стр. 841

والمراد بالمسجد في الآية: الصلوات (١) في المسجد، فالصلاة في الجماعة آكد في التجمل. قال الباجي: الأظهر أن الزينة: كل ما يتجمل به، ويكره ألا يلقي على كتفه شيئاً، لقوله ﵇: لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على كتفه منه شيء (٢)، ولمنافاته السكينة والوقار. وتفريق مالك بين الفذ والجماعة أن عادة الناس التخفيف في الثوب الواحد دون الجماعة، وكان ﵇ يصلي وعليه رداؤه، و [قد رأى] (٣) ابن عمر [نافعاً يصلي] (٤) في مئزر، فقال له: خذ عليك رداءك، فإنَّ الله أحقُّ [من] (٥) يتجمل له (٦). * ص: (يستحب للإمام خاصة أن يكون زيه أفضل الزي وأكمله، وأن يرتدي ولا يعري منكبيه في صلاته). ت: الإمام أفضل الجماعة، فيكون زيه أفضل، والرداء لما تقدم من الآية والحديث، وكان الصحابة ﵃ يفعلون ذلك، وقد سئل ﵇ عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أولكلكم ثوبان؟ (٧)، فلو كان يصلي في الثوب الواحد

стр. 842

لما سئل اكتفاء بفعله ﵇. ص: (ولا بأس بالصلاة بالمئزر والعمامة، وتكره الصلاة في السراويل والعمامة). ت: إنما جاز الإزار والعمامة؛ لأنه زي العرب وقد ستر عورته. قال الأبهري: ولأنه قد جعل على كتفه عمامته. قال ابن العربي: المئزر: الملحفة. قال ابن حنبل: إن صلى بالمئزر فقط لا تجزئه. لنا: قوله ﵇: أولكلكم ثوبان؟ (١). وفي أبي داود: نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل في سراويل ليس عليه رداء (٢). ولأنه يصف، وليس من زي العربي والسلف، وهو الفرق بينه وبين المئزر. ففي المختصر: يكره السراويل والعمامة إلا في منزله؛ لأنَّ الناس يتخفّفون في منازلهم. فإن اقتصر على المئزر: قال مالك: لا يعيدون (٣). وقال أشهب: يعيد في الوقت (٤).

стр. 843

ص: (ومن كان على كتفيه سيف أو قوس؛ فليجعل عليه شيئاً من اللباس غير السيف والقوس). ت: لأنهما ليسا من زي الصلاة، وأما في الثغور وموضع الرباط؛ فلا بأس بتقليد السيف في الصلاة بغير رداء. ص: (لا بأس بالاحتباء في صلاة النافلة إذا كان على عورته ثوب يسترها، ولا يحتبي بثوب واحد فيكشف عورته، ولا بأس أن يحل حبوته في الصلاة، ويشدها مرة بعد مرة إذا طالت صلاته). ت: جاز الاحتباء فيها؛ لأنَّ الجلوس فيها جائز. قال مالك: وكان سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير يفعلانه، وذكره ابن وهب عن جابر بن عبد الله، وعطاء بن أبي رباح (١)، وهو دليل أنه العمل بين الصحابة ﵄ وهو جمع الظهر والساق بعمامته أو غيرها، والاسم: الحبوة. وفي الصحيحين: نهى النبي ﷺ أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، ليس على فرجه منه شيء (٢). ولما كانت الحبوة للاستراحة؛ جوز له حلها [وسترها] (٣)، وأمر النافلة

стр. 844

مبني على التخفيف، بدليل جواز الجلوس مع القدرة. قال ابن حبيب: وله مدٌّ إحدى رجليه، وأن [يقعد] (١) بين التربع والاحتباء (٢). ص: (ولا بأس بالسدل في المكتوبة والنافلة، وهو أن يسدل رداءه من جانبي يديه). ت: كرهه (ش). لنا: أنه غطَّى عورته وكتفيه، فقد حصل للفرض والنفل. قال الأبهري: السَّدل: أن يكشف صدره في الصلاة. قال عياض: هو إرسال الرداء أو ما يلتحف به من أعلاه، [١/ ١٠٠] ويجمع طرفيه أمامه دون أن يشتمل به أو يلتحف، وربما رئي بطنه، وهو زي العرب لا سيما في الحر، ويكره في غير الصلاة؛ لأنه من الخيلاء (٣). وكان عبد الله بن الحسن وغيره يفعله في الصلاة، وروي أنه ﵇ نهى عن السدل في الصلاة (٤)، وفيه ضعف (٥). قال مالك في المجموعة: هو أن يجمع طرفي ردائه على بطنه، ويضع يديه

стр. 845

عليه؛ ليثبت ولا ينسدل (١). ص: (ولا بأس أن يتقي المصلي حرَّ الأرض وبردها بفضول ثيابه، والاختيار أن يستر ما يتقيه من الأذى [بثوب] (٢) منفصل عنه، لا يرفعه ولا يضعه في أضعاف صلاته). ت: روي عن النبي ﷺ أنه كان يتقي بفضل ثيابه البرد والحر (٣). وكان - ﵇ يصلي وعليه كساء، يتقي حرَّ الأرض وبردها بفضوله (٤). ولأن مباشرة الحر والبرد تمنع الخشوع. واختلف في سجوده على بعض ثوبه [الذي] (٥) عليه: قال الخطابي: أجازه جماعة الفقهاء؛ إلا (ش) (٦). وقال ابن مسلمة: لا ينبغي أن يسجد على ذلك ولا على يديه، وهما في كميه ويئتزرهما إلى الأرض (٧)؛ لأن عليه أن يسجد على الأرض، أو ما خرج
следующие страницы →