← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأنبِّه إلى أنَّ الحنفيَّة طَردُوا هذا المعنى في غير مسائل الآنية، فقالوا: • يجوز كل مضبَّب من سيف أو سكين أو قبضتهما أو مسنٍّ أو كرسيٍّ أو سريرٍ أو ثَفَر (١) أو سرج أو لجام. • وتجوز الكتابة اليسيرة بالذَّهب أو الفضَّة على الثوب. • ويجوز كذلك تزيين المصحف بالذَّهب أو الفضَّة. • ويجوز تزيين السقف والجدران بالذَّهب والفضَّة (٢)؛ لأنَّ الذَّهب و «الفضَّة في هذه الأشياء تابعة، والعبرة للمتبوع لا للتبع» (٣). وأما الجمهور: فإنهم نظروا إلى وجود السرف والخيلاء في مسائل الضبة ونحوها، كما هو موجود في الإناء المصمت، والسرف والخيلاء محرم؛ فنتج عن ذلك تحريم جملة من أحوال الانتفاع بالذَّهب والفضَّة. فمن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀ في حكم آنية الذَّهب والفضَّة: «المنع من ذلك لأجل الخيلاء والسرف» (٤).

стр. 107

ويقول القرافي ﵀: «أواني الذَّهب والفضَّة وفي الجواهر محرمة الاستعمال للرجال والنساء لقوله ﵇: «الذي يَشْربُ مِن آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرجِرُ فِي بَطْنِه نارَ جهنَّم» (١)، وعلَّته السرف أو الخيلاء على الفقراء» (٢)، ونحو من هذا قال ابن الحاج (٣) وابن جزي (٤) -رحمهما الله-. ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀: «أما تمويه السقف والأروقة بالذَّهب والفضَّة فحرام؛ لما فيه من الإسراف والخيلاء والتحاسد والبغضاء» (٥). ويقول النووي ﵀: «المنع من الاستعمال؛ لما فيه من السرف والخيلاء وذلك موجود في الاتخاذ» (٦). ويقول الشَّربيني ﵀ في سبب تحريم ضبة الذَّهب مطلقا: إنَّ «الخيلاء في الذَّهب أشد من الفضَّة» (٧). ومن الحنابلة: يقول ابن أبي موسى ﵀ عن آنية الذَّهب والفضَّة: «متخذ ذلك عاص آثم؛ لأنَّه من السرف والخيلاء» (٨).

стр. 108

ويقول الموفق ابن قدامة ﵀: «ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ لأنَّ المعنى المقتضي للتحريم يعمها، وهو الإفضاء إلى السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء» (١). وأشار البرهان ابن مفلح ﵀ إلى وجود هذه العلة في مسألة المضبَّب (٢)، وأبيح عند الحنابلة اليسير من ضبة الفضَّة؛ «لأنَّ الخيلاء وكسر قلوب الفقراء مفقود في ذلك» (٣)، وهذا ظاهر في أنَّ العلة هي وجود السرف والخيلاء، فمتى ما وجدت قيل بالتحريم. والخلاصة: • أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في باب الآنية، وسبب ذلك يعود إلى أمرين: الأول: أنهم توسَّعوا في مسائل الانتفاع بأجزاء الميتات؛ لأن نجاستها عندهم معقولة المعنى، ويمكن زوالها، وهي: ما اتصل بها من رطوبة نجسة، فإذا أمكن زوال العلَّة أو منعها طهُرت بذلك. والثاني: أنَّهم توسعوا في المسائل المتعلقة بالذَّهب والفضَّة؛ لأنهم نظروا إلى أصل إباحة الآنية، وجعلوا الذَّهب والفضَّة تابعًا لا حكم له. • وأما الجمهور فرأوا أن علة التحريم في أجزاء الميتات هو الموت بذاته، وذهبوا إلى أنَّ علة التحريم في المسائل المتعلقة بالذهب والفضة هي وجود السرف والخيلاء، وهذا موجود في التابع أيضًا.

стр. 109

وهذان الأمران هما عماد مسائل الخلاف في باب الآنية، وتوسُّع الحنفيَّة فيهما ينتج عنه بالضرورة التوسع في الباب عمومًا، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 110

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب فروض الوضوء تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كتاب الطهارة أحكام الوضوء، ويفردون لفرائضه بابًا أو فصلًا يسمُّونه (باب الوضوء) أو (باب فروض الوضوء) (١). والوضوء في اللغة: الحسن والنَّظافة (٢)، ووجه اشتقاق المعنى الشرعي من ذلك: أنَّ الغاسل وضَّأ وجهه؛ أيْ: حسَّنه (٣). والوُضوء -بضم الواو-: فعل المتوضئ، والوَضوء -بفتح الواو-: الماء الذي يتوضأ به (٤).

стр. 111

وأمَّا في الشرع فعرَّفه الحنفيَّة بأنه: «غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس» (١). وعرَّفه المالكيَّة بأنه: «غسل أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص» (٢). وعرَّفه الشافعيَّة بأنَّه: «أفعالٌ مخصوصةٌ مفتتحة بالنية» (٣). وعرَّفه الحنابلة بأنَّه: «استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة» (٤). والمسائل الداخلة في هذا الباب هي المسائل المتعلقة بفرائض الوضوء: كحكم النيَّة والتَّسمِية في الوضوء، وحكم غسل الوجه، وحكم المضمضة والاستنشاق، وحكم غسل اليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل القدمين إلى الكعبين، وحكم الترتيب والموالاة، ونحو ذلك من المسائل (٥). المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء على وجوب غسل الوجه في الوضوء (٦)، وعلى وجوب استيعاب

стр. 112

الغسل فيه (١)، وعلى وجوب غسل اليدين إلى المرفقين (٢)، وعلى عدم وجوب غسل العضد (٣)، وعلى وجوب مسح الرأس (٤)، وأجمعوا على أنَّ الواجب في غسل أعضاء الوضوء ومسح الرأس مرة واحدة (٥)، وأجمعوا على استحباب التثليث إلا في الرأس (٦)، وأجمعوا على كراهة الزيادة فوق الثلاث (٧)، وأجمعوا على عدم وجوب تقديم الميامن على المياسر في الوضوء (٨)، وأجمعوا على أنَّ التفريق اليسير في أعضاء الوضوء لا يضر (٩). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب غسل الرجلين في الوضوء (١٠)، وعلى

стр. 113

وجوب غسل المرفقين مع اليدين (١)، وعلى وجوب غسل الكعبين مع الرجلين (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف أهل العلم في جملة من المسائل المتعلقة بفرائض الوضوء، ومن رؤوس مسائل الخلاف في الباب: حكم المضمضة والاستنشاق، وحكم مسح الأذنين، وحكم الموالاة (٣). الفرع الأول: حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء. تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة الأربعة على مشروعية المضمضة والاستنشاق في الوضوء في الجملة (٤)، واختلفوا في حكمها بين الوجوب والاستحباب على قولين:

стр. 114

الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: استحباب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأضيق المذاهب في المسألة من قال بوجوب المضمضة والاستنشاق، وهم الحنابلة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» أخرجه الدارقطني (٣).

стр. 115

ووجه الدلالة من الحديث على الوجوب ظاهر؛ وذلك أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق أصلًا في الوضوء لا تسقط بحال. الدليل الثاني: أنَّ كلَّ من وصف وضوء رسول الله ﷺ من الصحابة ﵃ ذكر فيه المضمضة والاستنشاق (١)، و «مداومته عليهما تدل على وجوبهما» (٢)، فلو كان مستحبًّا لتركها النبي ﷺ ولو مرة واحدة كتركه للغسلة الثانية والثالثة (٣)، وعلى ذلك يكون فعل النبي مفسرًا لمطلق القرآن، وذاك أنَّ «فعله إذا خرج بيانًا كان حكمه حكم ذلك المبين» (٤). الدليل الثالث: أنَّ الفم والأنف في حكم الظاهر، وما كان في الظاهر وجب غسله مع الوجه، ويدلُّ على كونها من أحكام الظاهر: أنَّ الصائم يُفْطِر «بوصول القيء إليهما إذا استدعاه، ولا يفطر بوضع الطعام فيهما، ولا يُحَدُّ بوضع الخمر فيهما، ولا تنشر حرمة الرضاع بوصول اللبن إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة،

стр. 116

وهذه أحكام الظاهر، ولو كانا باطنين لانعكست هذه الأحكام» (١). الفرع الثاني: حكم مسح الأذنين في الوضوء. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أنَّ طهارة الأذنين مشروعة من حيث الأصل (٢)، واختلفوا في حكم طهارتها بين الوجوب والاستحباب على قولين (٣): الأقوال، وأشهر أدلَّة المضيق في المسألة: القول الأول: وجوب مسح الأذنين في الوضوء، وهو مذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: استحباب مسح الأذنين في الوضوء، وهو مذهب الجمهور (٥).

стр. 117

وعليه فأضيق المذاهب في المسألة من قال بوجوب مسح الأذنين، وهم الحنابلة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة منها: الدليل الأول: عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ» أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (١). ووجه الدلالة: أنَّ مسح الرأس -على ما تقدَّم- واجب بالإجماع، فإذا كانت الأذنان منه فمسحها واجب كذلك (٢).

стр. 118

الدليل الثاني: أنَّ الذين وصفوا وضوء رسول الله ﷺ ذكروا أنَّه مسح رأسه وأذنيه، والله أمر بمسح الرأس «وفعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر وتفسيرًا للمجمل؛ فعُلِم أنَّ الرأس المذكور في القرآن هو ما مسحه ﷺ يريد بذلك أنَّهما عضوان متصلان بالرأس إيصال خلقة فكانا منه» (١). الفرع الثالث: حكم الموالاة في الوضوء. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على أنَّ التفريق اليسير في الوضوء لا يضرُّ، واختلفوا في حكم الموالاة فيما سوى ذلك على أقوال: الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: وجوبُ الموالاة مطلقًا. وهو مذهب الحنابلة (٢). القول الثاني: وجوبُ الموالاة مع القدرة والذكر، وهو مذهب المالكيَّة (٣). القول الثالث: استحبابُ الموالاة مطلقا، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (٤).

стр. 119

وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بوجوب الموالاة مطلقًا، وهم الحنابلة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ : «أنَّ النبي ﷺ رأى رجلًا يصلِّي وفي ظهر قدمه لُمْعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أنْ يُعِيد الوضوء والصَّلاة» أخرجه أبو داود وأحمد (١). ووجه الدلالة: أنَّ في أمر النبي ﷺ بإعادة الوضوء دلالة على وجوب الموالاة؛ إذ «لو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة حسْب» (٢). الدليل الثاني: أنه لم يُنقل لنا أنَّ النبي ﷺ توضأ إلا وضوءًا متواليًا، وهذا بيان منه

стр. 120

للمراد بالغسل في الآية (١)، وكذلك أمر النبي ﷺ بالتأسي به (٢). الدليل الثالث: قياس الوضوء على الصلاة في وجوب الموالاة، وذلك أنَّ الصلاة والوضوء عبادتان يُفسدهما الحدث؛ فاشترطت فيهما جميعًا الموالاة (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنابلة في فروض الوضوء دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أنَّ الحنابلة قالوا: تجب التَّسمِية في أول الوضوء مع الذكر (٤)، وقال الجمهور: التَّسمِية سنَّة (٥).

стр. 121

• وقال الحنابلة: يجب غسل الكفين قبل الوضوء للقائم من نوم الليل ويسقط سهوًا (١)، وقال الجمهور: يستحب (٢). • وقال الحنابلة: لا يجزئ غسل الرأس -إن لم يمر يده- عن مسحه (٣)، وقال الجمهور: يجزئ الغسل عن المسح (٤). • وقال الحنابلة: لا يكفي وضع الماء في الفم والواجب إدارته، ومثله الأنف فالواجب فيه جذبه بالنفس (٥)، وتقدَّم قول الجمهور في استحباب المضمضة والاستنشاق. • وقال الحنابلة -وكذا الشافعيَّة-: يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء (٦)، وقال

стр. 122

الحنفيَّة والمالكيَّة: الترتيب سنة (١). • وقال الحنابلة -وكذا المالكيَّة-: يجب استيعاب الرأس في المسح (٢)، وقال الحنفيَّة: يكفي مسح ربعه (٣)، وقال الشافعيَّة: يكفي مسح أقل جزء منه ولو شعرة واحدة (٤). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب قولًا في الفروض هم الحنفيَّة، وذلك: • أنَّ الحنفيَّة قالوا: لا تجب النية في الوضوء (٥)، وقال الجمهور: النيَّة واجبة (٦). • بل قال الحنفيَّة: لا يشترط في الوضوء إسلام المتوضئ (٧).

стр. 123

• وقال الحنفيَّة: لا يجب غسل المسترسل من اللحية (١)، وقال الجمهور: غسله واجب (٢). • وتقدَّم أنَّ الوضوء لا يجب فيه ترتيب ولا موالاة عند الحنفيَّة، وأوجب المالكيَّة: الموالاة فقط، وأوجب الشافعيَّة: الترتيب فقط. ومذهب المالكيَّة مقارب جدًّا لمذهب الشافعيَّة في الباب، وبرهان ذلك ما تقدم في المسائل الشواهد، وما سيأتي في المسائل المستثناة. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليَّا ضيق مذهب الحنابلة في الباب، وبعد النظر في كتب رؤوس المسائل والكتب الموضوعة للخلاف؛ تبيَّن للباحث وجود مسألتين خرجتا من حيث النظر العام عن ضيق الحنابلة في الباب، وأنَّ في المذاهب من هو أضيق منهم، والمسألتان هما: حكم غسل باطن الشعور الكثيفة، وحكم الدلك في الوضوء. الفرع الأول: حكم غسل باطن الشعور الكثيفة. تحرير محل النزاع: تقدّم إجماع العلماء في وجوب غسل الوجه، واتفق الأئمة الأربعة على وجوب غسل باطن الشعور الخفيفة عند غسل الوجه (٣)، واتفقوا على عدم وجوب غسل

стр. 124

باطن اللحية الكثيفة (١)، واختلفوا في حكم غسل باطن ما سوى اللحية من بقية الشعور الكثيفة (٢) على قولين: الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: وجوب غسل جميع الشعر والبشرة. وهو مذهب الشافعيَّة (٣). القول الثاني: وجوب غسل ظاهر الشعر، واستحباب تخليل الباطن. وهو مذهب الحنفيَّة والحنابلة (٤). القول الثالث: وجوب غسل ظاهر الشعر، وكراهة تخليل الباطن. وهو مذهب المالكيَّة (٥). وفي هذه المسألة يظهر أنَّ الشافعيَّة أضيق من مذهب الحنابلة، وذلك لقولهم بالوجوب في غسل الشعر والبشرة.

стр. 125

وسببُ قول الحنابلة بعدمِ الوجوب أنَّهم قاسوا هذه الشعور على اللحيةِ الكثيفة (١)، واللحيةُ الكثيفة لا يجب غسل باطنها اتفاقًا على ما تقدَّم، فلا يجبُ على ذلك غسل باطن الشعور الكثيفة من غير اللحية. يقول المرداوي ﵀: «شعر غير اللحية؛ كالحاجبين، والشارب، والعنفقة، ولحية المرأة؛ وغير ذلك، مثل اللحية في الحكم، على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور» (٢). وإنما قال الشافعيَّة بالوجوب؛ لأنَّهم فرّقوا بين شعر اللحية وغيرها من شعور الوجه؛ إذ الغالب في هذه الشعور الخفة، والكثيف فيها نادر؛ فأُلحق النادر بالغالب (٣)، والحنابلة لم يُسلِّموا هذا المعنى؛ فلم يقولوا بالوجوب. قال ابن قدامة ﵀: «دعوى الندرة في الحاجبين والشارب والعنفقة، غير مسلم، بل العادة ذلك» (٤). الفرع الثاني: حكم الدلك في الوضوء (٥). اختلف العلماء في حكم دلك الأعضاء في الوضوء على قولين:

стр. 126

الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: وجوب الدلك، وهو مذهب المالكيَّة (١). القول الثاني: استحباب الدلك، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهر كذلك أنَّ المالكيَّة أضيق من الحنابلة في هذه المسألة؛ وذلك لقولهم بوجوب الدلك، وقول الجمهور بالاستحباب. وسببُ قول الحنابلة بعدم وجوب الدلك: أنَّهم رأوا أنَّ اسم الغسل يصدق على من لم يقع منه الدلك، ودليل ذلك النقل واللغة. أمَّا النقل: فحديث أم سلمة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، إنَّي امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنَّما يَكفيك أنْ تحثِي على رأسك ثلاث حَثَيَاتٍ، ثم تُفيضِين عليك الماء فتطْهُرين» أخرجه مسلم (٣).

стр. 127

ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يأمرها بالدلك، ولو كان واجبًا لأمر بذلك (١). وأمَّا اللُّغة فإنَّه «يقال: غَسَلَ الإناء وإن لم يمرَّ يده، ويسمى السيل الكبير: غاسولًا» (٢). وأمَّا المالكيَّة فرأوا أنَّ «الغسل لغةً: الإيصال مع الدلك، ولذلك تفرَّق العرب بين الغسل والغمس لأجل التدليك، فتقول: غمست اللقمة في المرق ولا تقول غسلتها» (٣). ولم يسلِّم بهذا المعنى الحنابلة لما تقدَّم (٤). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال ما تقدم ظهر ضيق الحنابلة في باب فروض الوضوء دون غيرهم من المذاهب، وهنا يقوم سؤال: هل ثمة سبب أخذ به الحنابلة دون غيرهم آل بهم إلى هذا الضيق؟

стр. 128

من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل الخلافيَّة في الباب تبيَّن للباحث -والله أعلم- وجود سبب يمكن ردُّ عامَّة مسائل الباب إليه، وهو: أنَّ الفقهاء اختلفوا في دلالة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فالجمهور جعلوا دلالة الآية نصًّا في فروض الوضوء، فما لم يذكر فيها من هيئات الوضوء فهو من قبيل المستحبات، وأمَّا الحنابلة فرأوا أنَّ الآية مجملة، وجعلوا السنَّة -قوليَّة كانت أو فعليَّة- مبيِّنة لهذا الإجمال، وبهذا انفرد الحنابلة بالقول بوجوب جملة من الهيئات دون الجمهور. وقد نصَّ على المعنى جملة من فقهاء المذاهب: فمن الحنفيَّة يقول السرخسي ﵀ في مسألة الموالاة: «المنصوص عليه في الكتاب غسل الأعضاء، فلو شرطنا الموالاة كان زيادة على النص» (١)، واستدلَّ السرخسي أيضًا على عدم وجوب البسملة في الوضوء بأنَّ «الله تعالى بيّن أركان الوضوء بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ﴾ الآية [المائدة: ٦]، ولم يذكر التَّسمِية» (٢). واستدل القدوري ﵀ في معرض كلامه على مسألة الترتيب بآية المائدة، وقال: «الواو للجمع، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء؛ فلا يفيد الترتيب» (٣)، واستدل في مسألة الموالاة بالآية، وقال: «والواو لا توجب الموالاة؛ تقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإن تراخت رؤية أحدهما» (٤).

стр. 129

واستدل العيني ﵀ على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق بأنَّ الله لم يذكرهما في القرآن (١). وأمَّا المالكيَّة: فقد استدل ابن القصار ﵀ على عدم وجوب غسل الكفين عند القيام من نوم الليل بآية المائدة، وقال: «أَمَرَنا بغسل الأربعة الأعضاء، ولم يأمر بغسل اليد قبل ذلك، فلو كان يجب علينا حُكمٌ غيرُ ذلك لذكره، فلا تُوجب غير ما ذُكر إلا بدليل» (٢)، واستدلَّ على عدم وجوب التَّسمِية قبل الوضوء بالآية كذلك وقال: أوجب الله «علينا عند القيام إلى الصلاة غسل الأربعة الأعضاء، ولم يذكر التَّسمِية، فلا نوجب غير ما أوجبه» (٣)، واستدل على عدم وجوب الترتيب بالعطف في الآية (٤). وأشار إلى هذا السبب القاضي عبد الوهاب ﵀ في مسألة التَّسمِية في الوضوء (٥)، وابن رشد ﵀ في الخلاف في مسح الأذنين (٦)، والقرافي ﵀ في المضمضة والاستنشاق (٧). وأما الشافعيَّة: فقد استدلَّ الماوردي ﵀ بالآية على عدم وجوب التَّسمِية في الوضوء (٨)، وعلى أنَّ غسل الكفين للقائم من نوم الليل غير واجب (٩)، ومشى على

стр. 130

هذا الروياني ﵀ في المسألتين جميعا (١)، حتى إن العمراني ﵀ قال: «من قال: يجب غسل اليدين قبل الوجه؛ فقد خالف ظاهر القرآن» (٢). ونصَّ على هذا المعنى أيضًا: زكريا الأنصاري ﵀ في مسألتي: التَّسمِية، والمضمضة والاستنشاق (٣). وبقي أن يشار إلى أنَّ قول النبي ﷺ ومداومته على بعض هيئات الوضوء محمول عند الحنفيَّة والمالكيَّة والشافعيَّة على الاستحباب لا على الوجوب (٤). وأما الحنابلة: فقد نصَّ جماعة منهم على أنَّ الآية مجملة، وأنَّ قول النبي ﷺ أو مواظبته مبيِّنة لذلك الإجمال، فمن ذلك قول ابن قدامة ﵀ في استدلاله على وجوب المضمضة والاستنشاق «كلُّ من وصف وضوء رسول الله ﷺ مستقصيًا، ذكر أنَّه تمضمض واستنشق، ومداومته عليهما تدل على وجوبهما؛ لأنَّ فعله يصلح أن يكون بيانًا وتفصيلًا للوضوء المأمور به في كتاب الله» (٥)، وبنحو ذلك ذكر ابن أبي عمر (٦)، وابن المنجَّى (٧)، وابن تيمية (٨) ﵏، ويستدل ابن قدامة ﵀ كذلك

стр. 131

على وجوب استيعاب الرأس بأنَّ النبي ﷺ «لما توضأ مسح رأسه كله، وهذا يصلح أن يكون مبيِّنا للمسح المأمور به» (١)، ويقول مستدلًا على وجوب الترتيب: «كلُّ من حكى وضوء رسول الله ﷺ حكاه مرتبًا، وهو مفسِّر لما في كتاب الله تعالى» (٢)، ويستدلُّ أيضًا على وجوب الموالاة بقوله: «الآية دلت على وجوب الغسل، والنبي ﷺ بيَّن كيفيته، وفسَّر مجمله بفعله وأمره، فإنه لم يتوضأ إلا متواليًا» (٣). وينصُّ ابن تيمية ﵀ على هذا المعنى ويقول: «فعله ﷺ خرج امتثالًا للأمر، ولم يتوضأ قطُّ إلا مرتبًا فيكون تفسيرًا للآية، لا سيما ولو كان التنكيس جائزًا لفعله ولو مرَّة ليبين الجواز»، ونحوًا من ذلك قال البهوتي ﵀ (٤). وكذلك قال الحنابلة بوجوب التَّسمِية في الوضوء ووجوب غسل الكفين للقائم من نوم الليل؛ لورود السنة القولية بذلك (٥)، يقول ابن الزاغواني ﵀ مجيبًا عن استدلال الجمهور -في مسألة التَّسمِية في الوضوء-: «أما الآية: فنحن قائلون بموجبها؛ لأنَّ فيها إيجاب غسل الأعضاء وقد أوجبناه، وليس فيها تعرُّض للتسمية بنفي ولا بإيجاب، وقد تضمَّنت السنة إيجابها، فلا بدَّ من القول بالوجوب، كسائر ما لم يذكر في الكتاب وشرع بالسنة» (٦).

стр. 132

والمتأمِّل في جميع ما تقدم يرى اختلاف المسائل واتحاد السبب؛ ولهذا صحَّ -والله أعلم- أن يقال: إنَّ سبب ضيق الحنابلة في باب فروض الوضوء راجع إلى هذا السبب. وخلاصة الباب: • أنَّ الجمهور -في الجملة- ذهبوا إلى أنَّ القرآن نصٌّ في فرائض الوضوء، وما جاء في السنَّة ممَّا لم يذكر في القرآن فإنَّه محمولٌ على الاستحباب. • وأمَّا الحنابلة فإنَّهم حملوا القرآن والسنَّة الفعليَّة والقوليَّة جميعًا على الوجوب، وهذا الأمر آلَ بهم إلى كثرة فرائض الوضوء؛ فنتجَ عن ذلك الضيق في الباب، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 133

الفصل الثاني: الاتساع أو الضيق في كتاب الصلاة وفيه مباحث: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في المواضع المنهي عن الصلاة فيها. • المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في واجبات الصلاة. • المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب الإمامة. • المبحث الرابع: اتساع المذاهب وضيقها في باب الجمع بين الصلاتين.

стр. 134

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في المواضع المنهي عن الصلاة فيها تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في شروط الصلاة الأحكامَ المتعلِّقة بمكان الصلاة، ويفردُ بعضُهم لذلك بابًا، يطلق عليه: باب مواضع الصلاة (١)، والأحكام المتعلقة بالباب هي المواضع التي يجوز الصلاة فيها والتي تحرم، وكذلك صحَّة الصلاة في المواضع التي حرَّم الصلاة فيها وفسادها، ومن المسائل التي تذكر في الباب: حكم الصلاة في المقبرة، والصلاة في معاطن الإبل (٢)، والصلاة داخل الكعبة وعلى سطحها، والصلاة في الأرض المغصوبة، والحشِّ (٣)، والحمَّام (٤)،

стр. 135

والمجزرة (١)، والمزبلة (٢)، والطريق المسلوك، ونحو ذلك من مسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء على تحريم الصلاة في الموضع النجس (٣)، وعلى تحريم الصلاة في الأرض المغصوبة (٤)، وأجمعوا على جواز الصلاة في مرابض الغنم إذا سلمت من أبعارها وأبوالها (٥)، وعلى جواز الصلاة في الكنائس والبِيَع (٦). قال ابن حزم ﵀: «واتفقوا على جواز الصلاة في كل مكان ما لم يكن جوف الكعبة، أو الحجر، أو ظهر الكعبة، أو معاطن الإبل، أو مكانا فيه نجاسة، أو حمامًا، أو مقبرة أو إلى قبر أو عليه، أو مكانا مغصوبا يقدر على مفارقته، أو مكانًا يستهزأ فيه

стр. 136

بالإسلام، أو مسجدًا لضرار، أو بلاد ثمود لمن لم يدخلها باكيًا» (١). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على صحة الصَّلاة في الكنائس (٢)، وعلى جواز صلاة النافلة في الكعبة (٣)، واتفقوا على صحَّة الصلاة في أرض الخسف والغضب كأرض بابل وثمود (٤).

стр. 137

المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء في جملة من المسائل المتعلقة بمواضع الصلاة، ومن أشهر مسائل الباب: حكم الصلاة في المقبرة، وحكم الصلاة في معاطن الإبل، وحكم الصلاة في الأرض المغصوبة (١). الفرع الأول: حكم الصلاة في المقبرة. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء في عدم صحة الصلاة في الموضع النجس، ويدخل في ذلك: المقبرة النجسة، واتفقت المذاهب الأربعة على صحَّة صلاة الجنازة في المقبرة الطاهرة (٢)، واختلفوا في حكم الصلاة في المقبرة -من غير صلاة الجنازة- على أقوال:

стр. 138

الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: التحريم مع الفساد، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: الكراهة مع الصحة، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (٢). القول الثالث: الإباحة، وهو مذهب المالكيَّة (٣). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بتحريم الصلاة في المقابر وفسادها، وهم الحنابلة. وقد استدلُّوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ» أخرجه الخمسة إلا النسائي (٤).

стр. 139

ووجه الدلالة في الحديث: أنَّ النبي ﷺ منعَ أن تكون المقبرة مسجدًا، وإذا لم تكن مسجدًا؛ لم تصح الصلاة فيها (١). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ » أخرجه الترمذي وابن ماجه (٢).

стр. 140

ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في هذه المواطن السبعة، ومنها: المقبرة، «والنهي يدل على فساد المنهي عنه» (١)، ولأنها بقع «نهي عن الصلاة فيها نطقًا أشبه الموضع النجس» (٢). الدليل الثالث: أنَّ الصحابة ﵃ أجمعوا على المنع من الصلاة في المقبرة (٣)، جاء ذلك عن عمر (٤) وعلي (٥) وأنس (٦) ﵃. الفرع الثاني: حكم الصلاة في معاطن الإبل. تحرير محل النزاع: تقدم الإجماع على جواز الصلاة في مرابض الغنم، ويُلْحق بالغنم البقر (٧)،

стр. 141

واختلفوا في حكم الصلاة في معاطن الإبل الطاهرة على قولين: الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: التحريم مع الفساد. وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: الكراهة مع الصحة. وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بتحريم الصلاة في معاطن الإبل وفسادها، وهم الحنابلة كذلك، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: عن جابر بن سمرة ﵁: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: لَا» أخرجه مسلم (٣).

стр. 142

ووجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ نهى عن الصلاة في مبارك الإبل، ونهي النبي ﷺ يقتضي التحريم (١)، ويدل أيضًا على البطلان (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ » أخرجه الترمذي وابن ماجه (٣). ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في هذه المواطن السبعة، ومنها: معاطن الإبل، «والنهي يدل على فساد المنهي عنه» (٤)، ولأنها بقع «نهي عن الصلاة فيها نطقًا أشبه الموضع النجس» (٥). الدليل الثالث: أنَّ النهي عن الصلاة في معاطن الإبل مروي عن جابر بن سمرة (٦)، وعبد الله بن عمرو (٧) ﵃. الفرع الثالث: حكم الصلاة في الأرض المغصوبة. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على تحريم الصلاة في الأرض المغصوبة، لكنَّهم اختلفوا في صحة الصلاة وفسادها على قولين (٨):

стр. 143

الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: فساد الصلاة إلا الجمعة والعيد والجنازة ونحوها. وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: صحة الصلاة مطلقًا. وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الحنابلة أيضًا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها:

стр. 144

الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (١). ووجه الدلالة: أنَّ الصلاةَ في الأرض المغصوبة «ليس عليها أمر الله ورسوله، بل هي على غير أمر الله ورسوله» (٢)، وما كان على هذا المعنى فهي ردٌّ. الدليل الثاني: أن قيام المصلي وقعوده في الأرض المغصوبة أفعال محرمة، وإذا صححنا الصلاة فيها كان المصلي «متقربًا بما هو عاص به، مأمورًا بما هو منهيٌّ عنه» (٣). الدليل الثالث: القياس، وذلك بقياس الصلاة في الأرض المغصوبة على الصلاة في الثوب النجس بجامع أنَّ كلتا الصلاتين صلاةٌ محرمة، فاقتضى ذلك فسادهما أيضًا (٤). الدليل الرابع: أنَّ الصلاة إما أن تكون واجبة، وإما مندوبة، وإما جائزة، والصلاة في الأرض المغصوبة «تخرج عن هذه الأقسام، فلم تكن صلاة شرعية، فيجب ألا تصح» (٥). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنابلة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، ثم إنه عند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد

стр. 145

هذا المعنى أيضا، وذلك: • أن الحنابلة قالوا: لا تصحُّ الصلاةُ في الحمَّام مطلقا (١)، وقال الجمهور: تصح في الحمام الطاهر (٢). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في المجزرة مطلقًا (٣)، وقال الجمهور: تصح في المجزرة الطاهرة (٤). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في المزبلة مطلقًا (٥)، وقال الجمهور: تصح في المزبلة الطاهرة (٦). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في الحشِّ مطلقًا (٧)، وقال الجمهور: تصح في
следующие страницы →