← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

واختلفوا في حكم الصلاة في معاطن الإبل الطاهرة على قولين: الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: التحريم مع الفساد. وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: الكراهة مع الصحة. وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بتحريم الصلاة في معاطن الإبل وفسادها، وهم الحنابلة كذلك، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: عن جابر بن سمرة ﵁: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: لَا» أخرجه مسلم (٣).

стр. 142

ووجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ نهى عن الصلاة في مبارك الإبل، ونهي النبي ﷺ يقتضي التحريم (١)، ويدل أيضًا على البطلان (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ » أخرجه الترمذي وابن ماجه (٣). ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في هذه المواطن السبعة، ومنها: معاطن الإبل، «والنهي يدل على فساد المنهي عنه» (٤)، ولأنها بقع «نهي عن الصلاة فيها نطقًا أشبه الموضع النجس» (٥). الدليل الثالث: أنَّ النهي عن الصلاة في معاطن الإبل مروي عن جابر بن سمرة (٦)، وعبد الله بن عمرو (٧) ﵃. الفرع الثالث: حكم الصلاة في الأرض المغصوبة. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على تحريم الصلاة في الأرض المغصوبة، لكنَّهم اختلفوا في صحة الصلاة وفسادها على قولين (٨):

стр. 143

الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: فساد الصلاة إلا الجمعة والعيد والجنازة ونحوها. وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: صحة الصلاة مطلقًا. وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الحنابلة أيضًا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها:

стр. 144

الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (١). ووجه الدلالة: أنَّ الصلاةَ في الأرض المغصوبة «ليس عليها أمر الله ورسوله، بل هي على غير أمر الله ورسوله» (٢)، وما كان على هذا المعنى فهي ردٌّ. الدليل الثاني: أن قيام المصلي وقعوده في الأرض المغصوبة أفعال محرمة، وإذا صححنا الصلاة فيها كان المصلي «متقربًا بما هو عاص به، مأمورًا بما هو منهيٌّ عنه» (٣). الدليل الثالث: القياس، وذلك بقياس الصلاة في الأرض المغصوبة على الصلاة في الثوب النجس بجامع أنَّ كلتا الصلاتين صلاةٌ محرمة، فاقتضى ذلك فسادهما أيضًا (٤). الدليل الرابع: أنَّ الصلاة إما أن تكون واجبة، وإما مندوبة، وإما جائزة، والصلاة في الأرض المغصوبة «تخرج عن هذه الأقسام، فلم تكن صلاة شرعية، فيجب ألا تصح» (٥). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنابلة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، ثم إنه عند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد

стр. 145

هذا المعنى أيضا، وذلك: • أن الحنابلة قالوا: لا تصحُّ الصلاةُ في الحمَّام مطلقا (١)، وقال الجمهور: تصح في الحمام الطاهر (٢). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في المجزرة مطلقًا (٣)، وقال الجمهور: تصح في المجزرة الطاهرة (٤). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في المزبلة مطلقًا (٥)، وقال الجمهور: تصح في المزبلة الطاهرة (٦). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في الحشِّ مطلقًا (٧)، وقال الجمهور: تصح في

стр. 146

الحش الطاهر (١). • وقال الحنابلة: لا تصحُّ الصلاة في قارعة الطريق (٢)، وقال الجمهور: تصح فيه (٣). • وقال الحنابلة -وكذا المالكيَّة-: لا تصح صلاة الفرض داخل الكعبة وعلى ظهرها (٤)، وقال الحنفيَّة والشافعيَّة: تصح مطلقًا (٥). • بل قال الحنابلة: لا تصح الصلاة في أسطحة جميع ما مضى (٦).

стр. 147

ثم عند إمعان النظر في المذاهب الثلاثة يظهر التقارب الشديد بينها من حيث السعة والضيق في الباب. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب. من خلال ما تقدم ظهر بجلاء ضيق الحنابلة في باب مواضع الصلاة دون بقيَّة المذاهب، وعند النظر في كتب الخلاف وكتب رؤوس المسائل لم أقف على مسألة خرجت عن هذا الأصل، والله تعالى أعلم. المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. بعد بيان ضيق الحنابلة في الباب دون غيرهم من المذاهب يبرز سؤال عن سبب هذا الضيق، ومن خلال النظر في أدلة مسائل الباب يمكن ردُّ الخلاف في الباب إلى سببين، هما: هل النهي الوارد تعبدي أم معلل؟ وهل النهي الوارد للتحريم أم للكراهة؟ فأما السبب الأول: فقد صار الجمهور إلى أن النهي معلل بعلة معقولة المعنى، وإن كان بين المذاهب -بل حتى في المذهب الواحد- اختلاف عريض في ذلك، لكن في الجملة العلة في المجزرة والمزبلة والحمام والحش هي: مظنة النجاسة، والعلة في المقبرة: سد ذريعة الشرك، أو مظنة النجاسة، والعلة في معاطن الإبل: الخشية من نفورها، أو كونها خلقت من الشياطين، أو مظنة النجاسة أيضًا، والعلة في قارعة الطريق: خشية النجاسة أو حصول الأذى للمارة أو منهم، ولهم تفاصيل

стр. 148

في العلل يطول ذكرها. وأما الحنابلة فقالوا: الحكم في جميع ما سبق تعبدي غير معقول المعنى. وهذا الأمر -وهو الاختلاف في التعليل أم التعبد- آل بالجمهور إلى كراهة الصلاة في هذه المواضع؛ لأن النهي لعلل معقولة، وهي: خشية النجاسة أو الشرك أو نفور الإبل أو أذية المارة، أو نحو هذا، وهذه المعاني أمور ظنيَّة لا توجب التحريم، وإن تحقق زوالها فلا كراهة؛ لأن الأحكام تدور مع العلل وجودًا وعدمًا. أما الحنابلة فصاروا إلى التعبُّد؛ ولذا قالوا بالتحريم مطلقًا. وقد نص على التعليل والتعبُّد جمع من العلماء: فمن الحنفيَّة: يقول الكاساني ﵀ «أمَّا معنى النهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة؛ فلكونهما موضع النجاسة. وأمَّا معاطن الإبل فقد قيل: إن معنى النهي فيها أنها لا تخلو عن النجاسات عادة، وقيل: معنى النهي أنَّ الإبل ربما تبول على المصلي فيبتلى بما يفسد صلاته، وهذا لا يتوهم في الغنم. وأمَّا قوارع الطرق فقيل: إنها لا تخلو عن الأرواث والأبوال عادة، فعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق، وقيل: معنى النهي فيها أنَّه يستضر به المارة، وعلى هذا إذا كان الطريق واسعًا لا يكره، وأمَّا الحمام فمعنى النهي فيه أنَّه مصب الغسالات والنجاسات عادة، فعلى هذا لو صلى في موضع الحمَّامِي لا يكره، وأمَّا المقبرة فقيل: إنما نهي عن ذلك لما فيه من التشبيه باليهود، وقيل: معنى النهي أن المقابر لا تخلو عن النجاسات؛ لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ويتغوطون خلفه» (١). وهنا نجد الكاساني ﵀ يُسْهب في بيان العلل الباعثة على المنع، ويشير إلى أنَّ العلة

стр. 149

إن تحقق زوالها فلا كراهة، ككلامه في الطريق الواسع إن عُلِّل بخشية الضرر من المارة، وكلامه على الصلاة في موضع الحمَّامي. وقد نصَّ على أنَّ الحكم في النهي معلَّل: السرخسي (١)، والطحطحاوي (٢)، وابن عابدين (٣) ﵏. ومن المالكيَّة يقول القرطبي ﵀: «والصحيح ما صار إليه مالك، من كراهة الصلاة في تلك المواضع، لا تمسُّكًا بالحديث، فإنه ضعيف؛ لكن تمسُّكًا بالمعنى» (٤)، وهذا ظاهر جدًّا في بيان سبب التحريم. ويقول بهرام ﵀: «وتجوز الصلاة في المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق مع أمن النجاسة لا مع تيقنها» (٥)، ونجد المؤلف نصَّ على العلة وهي خشية النجاسة، ونجده أيضًا نصَّ على الإباحة إن تحقق زوالها، ونحو هذا ذكر خليل ﵀ في مختصره (٦). ويقول النفراوي ﵀ عن الصلاة في الحمام: «النهي للكراهة حيث لم يُوقَن منه بطهارة ولا نجاسة، وإلا فلا كراهة في الأول ويمنع في الثاني» (٧)، ومراده أنَّ الحكم معقول المعنى، فإن تيقَّن النجاسة فالصلاة ممنوعة، وإن تيقن الطهارة فالصلاة جائزة بلا كراهة، وإن لم يتيقن طهارة المحل ولا نجاسته فيكره عندئذ. ونصَّ على جواز الصلاة في الحمام المتيقَّن طهارته علي بن خلف المنوفي ﵀ (٨).

стр. 150

ومن الشافعيَّة: يقول النووي ﵀: «سبب كراهة أعطان الإبل ما ذكره المصنف والأصحاب، وهو: ما يُخافُ من نفارها بخلاف الغنم فإنها ذات سكينة» (١). ويقول الرملي ﵀ عن كراهة الصلاة في المقبرة: «علته محاذاته للنجاسة سواء ما تحته أو أمامه أو بجانبه نص عليه في الأم، وتنتفي الكراهة عند انتفاء المحاذاة» (٢). ويقول الشبراملسي ﵀ عن كراهة الصلاة في قارعة الطريق: «ينبغي أنَّ محل الكراهة في ذلك حيث كان ثم من يشغله ولو احتمالًا، أمَّا إذا قطع بانتفاء ذلك؛ ككونه في رحبة خالية ليلًا؛ فلا كراهة، ومثله يقال في الأسواق حيث لم تكن محل معصية» (٣). فنجد الشافعيَّة ينصون في جميع محال النهي على العلل في ذلك، بل وينصون على انتفاء الكراهة إذا زالت العلة. وأما الحنابلة: فقد نصَّ جماعة منهم على أن النهي في الباب تعبدي، منهم الزركشي ﵀ إذ يقول: «والنهي عن الصلاة في هذه المواضع تعبدي عند الأكثرين»، ثم بيَّن أنه على هذا «لا تصح الصلاة في أسطحة هذه المواضع، إذ الهواء يتبع القرار، بدليل تبعه له في مطلق البيع» (٤). وقال المرداوي ﵀: «المنع من الصلاة في هذه الأمكنة تعبُّد، على الصحيح من المذهب» (٥).

стр. 151

وقال البهوتي ﵀: «والمنع من الصلاة في هذه المواضع تعبد ليس معللًا بوهم النجاسة ولا غيره؛ لنهي الشارع عنها ولم يعقل معناه» (١). ونصَّ على أن النهي تعبُّد: الحجاوي (٢) وابن النجار (٣) ومرعي (٤) ﵏. وهنا كلام لابن تيمية ﵀ فيه بيان سبب عدم أخذ الجمهور بالنهي إذ يقول:» الفقهاء الذين لم ينهوا عن ذلك: إما لأنهم لم يسمعوا هذه النصوص سماعًا تثبت به عندهم، أو سمعوها ولم يعرفوا العلة فاستبعدوا ذلك عن القياس فتأولوه» (٥). وقبل أنْ أختم الكلام على هذا السبب أشيرُ إلى أمرين: الأول: أنَّ بعض المالكيَّة وافقوا الحنابلة في التعبُّد في مسألة معاطن الإبل؛ ولذا ضيَّقوا في المسألة كمذهب الحنابلة (٦). والثاني: أنَّ ابن قدامة ﵀ الحنبلي مذهبه أوسع من مذهب الحنابلة في هذا الباب، وهو وسط بين الجمهور والحنابلة، وقد أشار إلى أنَّ الحكم في النهي معلل غير تعبدي، لكن الحكم يعلَّق بالمظنَّة. يقول ﵀ بعد حكايته لقول التعبُّد: «ويحتمل أنَّ المنع في هذه المواضع معلَّل بأنها مظان للنجاسات، فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم، ومعاطن الإبل يبال فيها، فإن البعير البارك كالجدار يمكن أن يستتر به ويبول، ولا يتحقق هذا في حيوان سواها؛

стр. 152

لأنه في حال ربضه لا يستر، وفي حال قيامه لا يثبت ولا يستر. والحمام موضع الأوساخ والبول، فنهي عن الصلاة فيها لذلك. وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة؛ لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها، ومتى أمكن تعليل الحكم تعيَّن تعليله، وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكّم، فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها، فلا يثبت حكم المنع في موضع المسلخ من الحمام، ولا في سطحه؛ لعدم المظنة فيه، وكذلك ما أشبهه» (١).

стр. 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 154

والسبب الثاني: اختلاف الحنابلة مع الجمهور في النهي الوارد عن الصلاة في هذه المواضع هل نهي تحريم أم كراهة؟ فالجمهور حملوا النهي على الكراهة، والحنابلة حملوه على التحريم، والذي حمل الجمهور على الكراهة أمران: الأول: أنَّ أحاديث النهي غير سالمة من المعارضة؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ أطلق إباحة الصلاة في جميع المواضع كما في حديث جابر ﵁ مرفوعًا: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، … » الحديث (١)، فالعموم في الحديث: قرينة تصرف النهي من التحريم إلى الكراهة. والأمر الثاني: أنَّ أحاديث النهي -باستثناء معاطن الإبل- متكلَّم في ثبوتها من حيث الجملة، وقد تقدَّم في تخريجها ما يوضح هذا المعنى، أمَّا حديث (جُعِلَتْ لِيَ

стр. 155

الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) فمتفق على صحته، وبهذا فلا تنهض هذه الأحاديث على تحريم الصلاة في هذه المواضع. وأمَّا الحنابلة فالذي حملهم على القول بالتحريم تمسكهم بالأصل، وهو: أنَّ النهي المطلق يدل على التحريم، وأما حديث جابر ﵁ فقالوا: إنه عام والأحاديث المانعة خاصة، والخاص مقدم على العام. ورأوا أنَّ الأحاديث الواردة في النهي أحاديث صحيحة، وعلى ذلك فالعمل بها متحتِّم. وقد ألمح إلى هذا عموم السبب بعض علماء المذاهب: فمن المالكيَّة: يقول ابن عبد البر ﵀: «كل موضع طاهر فجائز الصلاة فيه لعموم قول رسول الله ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَحَيْثُ مَا أَدْرَكتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلّ» (١). ويقول ابن رشد ﵀: «وسبب اختلافهم تعارض ظواهر الآثار في هذا الباب .... » (٢)، ثم ذكر الأحاديث وطريقة تلقي المذاهب لها، وقال: «وأمَّا من ذهب مذهب بناء الخاص على العام فقال: حديث الإباحة عام، وحديث النهي خاص، فيجب أن يُبْنَى الخاص على العام. فمن هؤلاء من استثنى السبعة مواضع، ومنهم من استثنى الحمام والمقبرة، وأمَّا من ذهب مذهب الجمع ولم يستثن خاصًّا من عام فقال: أحاديث النهي محمولة على الكراهة، والأول على الجواز» (٣)، وأشار إلى قريب من هذا القرافي ﵀ (٤).

стр. 156

ومن الشافعيَّة: يقول الشافعي ﵀ عن الصلاة في معاطن الإبل: «وأكره له ذلك؛ لنهي النبي ﷺ وإن كان نهيه على الاختيار» (١). ويقول البيهقي ﵀ فيما ورد من النهي عن الصلاة في بعض المواضع: «كلُّ ذلك على وجه الكراهية إذا لم يعلم في الموضع الذي تصيبه ببدنه وثيابه نجاسة؛ لما روينا في الحديث الثابت عن النبي ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طيِّبَة طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأَيُّما رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ صَلَّى حَيْثُ كَان»» (٢). وقال العمراني ﵀ مستدلًّا على جواز الصلاة في الحمَّام: «دليلنا: أنه موضع طاهر، فصحت الصلاة فيه؛ كسائر المواضع، والخبر نحمله: على الاستحباب، بدليل «وحَيْثُ مَا أَدْرَكتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلّ»» (٣). ومراده بالاستحباب هو: استحباب الترك، وكراهة الصلاة فيه، ونص على التعارض بين الحديثين ابن حجر ﵀ (٤). ومن الحنابلة: يقول أبو يعلى ﵀ في جوابه على استدلال الجمهور بعموم حديث جابر: «قد روينا في خبر آخر زيادة، وأنه قال: «إلا المَقْبَرة والحَمَّام»، والأخذُ بالزيادة أولى». وينصُّ ابن قدامة ﵀ على تقديم الخاص على العام في مسألة الصلاة في معاطن الإبل والحمام والمقبرة (٥).

стр. 157

وهنا تنبيه، وهو: أنه ترتَّب على القول بتحريم الصلاة في هذه المواضع فساد الصلاة عند الحنابلة، وسبب ذلك: أنهم قالوا: إنَّ النهي في مسائل الباب مقتضٍ للفساد، ولخَّص مذهب الحنابلة في مسألة اقتضاء النهي الفساد ابن رجب في قواعده (١)، وحاصل ما قال: أنَّ النهي إذا عاد إلى ذات العبادة، أو إلى شرط فيها -سواء كان الشرط مختصا بالعبادة أو غير مختص بها- فإنَّ العبادة لا تصح (٢)، وأمَّا إذا عاد النهي إلى غير شرط فيها فإن العبادة تصح (٣). ولاقتضاء النهي الفساد قال الحنابلة بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة، وذلك أنَّ الإجماع -كما تقدَّم- منعقد على تحريم الصلاة فيها، لكنَّ الحنابلة جعلوا النهي في هذه الحالة يعود إلى شرط في العبادة، والنهي في هذه الحالة يقتضي الفساد كذلك (٤)، والجمهور ينازعونهم في ذلك ويرون أن بين الجهتين انفكاكًا، فعلى ذلك تصح الصلاة مع حصول الإثم (٥). وهذه المسألة وهي مسألة اقتضاء النهي

стр. 158

الفساد مسألة أصولية مشهورة في غاية الأهمية، حتى أُلِّف فيها على الانفراد (١)، ومسألة الباب -وهي الصلاة في الأرض المغصوبة- مثال واضح على ذلك، بل إنَّ كثيرًا من الأصوليين والفقهاء يُسمي هذه المسألة بمسألة الصلاة في الأرض المغصوبة، حتى صار هذا المثال لقبًا للمسألة الأصوليَّة. وخلاصة الباب: أنَّه باجتماع هذين السببين، وهما: • كونُ النهي الوارد تعبُّدًا غير معقول المعنى. • وأنَّ أحاديث النهي محمولة على التحريم لا على الكراهة. يتضح سبب ضيق الحنابلة في باب مواضع الصلاة وسعة غيرهم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 159

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في واجبات الصلاة تمهيد: يتكلَّم العلماء ﵏ في كتاب الصلاة على صفة الصلاة، ويميزون بين أركانها وواجباتها وسننها، بباب أو فصل يسمونه (باب أركان الصلاة، أو باب فرائض الصلاة) (١)، وهذا البابُ بابٌ عظيم جليل؛ لتعلُّقه بالصلاة، وهي أعظم مباني الإسلام الفعليَّة بإجماع المسلمين (٢). وشروط الصلاة -كدخول الوقت والطهارة من الحدث والخبث، والسُّترة، واستقبال القبلة- مغايرة لأركان الصلاة وواجبتها؛ إذ الشروط خارجة عن ماهيَّة الصلاة، وأمَّا الأركان والواجبات فهي داخلة في ماهيَّة الصلاة (٣). وللمذاهب في هذا الباب اصطلاحات يختلف المراد فيها باختلاف المذاهب، فالركن والواجب والسنة والمستحب والأدب والهيئة إطلاقات تردُ في كتب

стр. 160

المذاهب الأربعة، ولكن لكلِّ مذهب تفسير اصطلح عليه في ذلك، وليس بالضرورة اتفاق المذاهب على المراد بهذه الإطلاقات، ولذا استحسنت بيان المراد بهذه المصطلحات قبل الشروع في الكلام على مسائل الباب ليكون هذا كهيئة الدليل له. أمَّا الحنفيَّة فإنهم قسَّموا أفعال المصلي إلى (فروض وواجبات وسنن وآداب): فأما الفرض فهو: ما لا تصحُّ الصلاة من دونه إلا من عذر (١). وأما الواجب فهو: الذي لا تفسد الصلاة بتركه عمدًا وإنما تجب إعادة الصلاة، فإن لم يعدها كان آثما وأجزأت عنه صلاته الأولى، وأما الساهي فإنه يجبره بسجود السهو (٢). وأما السنّة فهي: ما لا تفسد الصلاة معه ولا يوجب سجود السهو وإنما يوجب الإساءة إذا تركه عمدًا (٣).

стр. 161

وأما الأدب: فتركه -ولو عمدًا- لا يوجب فسادًا ولا سجودًا ولا إساءة (١). وأمَّا المالكيَّة فإنهم قسموا أفعال المصلي إلى (فروض وسنن ومندوبات -ويسميها بعضهم فضائل، أو سنن غير مؤكدة -): فأما الفرض: فهو ما لا تصحُّ الصلاة من دونه إلا من عذر (٢). وأما السنة فهي: ما يسن سجود السهو لنقص السنة المؤكدة سهوًا (٣)، ويجب سجود السهو في ترك ثلاث سنن فأكثر سهوًا (٤)، ولا تبطل الصلاة بتركها عمدًا (٥). وأما المندوب: فتركه لا يوجب فساد الصلاة، ولا سجود السهو (٦).

стр. 162

وأمَّا الشافعيَّة فإنهم قسَّموا أفعال المصلي إلى (أركان وأبعاض -ويسميها بعضهم: السنن- وهيئات): فأما الركن: فهو ما لا تصحُّ الصلاة من دونه إلا من عذر (١). وأما الأبعاض: فهي السنن التي يسن سجود السهو في تركها سهوًا أو عمدًا (٢). وأمَّا الهيئات: فهي السنن التي لا تجبر بسجود السهو (٣). وأما الحنابلة فإنهم قسَّموا أفعال المصلي إلى: (أركان -وتسمى فروضًا (٤) - وواجبات وسنن (٥):

стр. 163

فأما الركن فهو: ما لا تصح الصلاة من دونه إلا من عذر (١). وأما الواجب فهو: ما تبطل الصلاة بتركه عمدا، وأما تركه سهوا فلا يبطل الصلاة، ولكن تُجْبر وجوبا بسجود السهو (٢). وأما السنَّة: فلا تبطل الصلاة بتركها ولو عمدا، ويباح سجود السهو في تركها سهوا (٣). وحاصل ما تقدم: • أنَّ الفرائض والأركان لا تصح الصلاة من دونها عند جميع المذاهب، ولا تجبر بسجود السهو. • وأنَّ الحنفيَّة والحنابلة فرَّقوا بين الفرض والواجب، واتفقوا على أنَّ سجود السهو يجبر الواجبات، ثم اختلفوا في ترك الواجبات عمدا، فقال الحنابلة: ترك الواجب عمدا مبطل للصلاة، وقال الحنفيَّة: ترك الواجب عمدا لا يبطل الصلاة، لكن تجب إعادتها فإن لم يعدها أَثِم. وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فلم يفرقوا بينها فالواجبات هي الأركان. • وأمَّا السنن فتركها عمدًا لا يفسد الصلاة -على الصحيح- عند المذاهب الأربعة، وإنما يختلفون في سجود السهو فيها، وهل تاركها عمًدا مسيء -كما يقول الحنفيَّة- أم غير مسيء -كما يقول الجمهور-؟

стр. 164

وعلى ذلك فالمسائل المتعلقة بالباب هي أفعال المصلي المختلف في فرضيَّتها ووجوبها، كحكم قراءة الفاتحة، وحكم تكبيرات الانتقال، وحكم قول: سمع الله لمن حمده، وقول: ربنا ولك الحمد، وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود، ورب اغفر لي بين السجدتين، وحكم التشهد الأول، وجلسته، وحكم التشهد الثاني، وجلسته، وحكم الصلاة على النبي ﷺ فيه، وحكم التسليمتين. ونحو ذلك من مسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على أنَّ الصلاة لا تصح إلا بنيَّة (١)، وعلى أنّ القيام في صلاة الفرض ركن (٢)، وعلى أنَّ الركوع ركن (٣)، وعلى أنَّ السجدتين ركن (٤)، وعلى أنَّ وضع الرأس في السجود ركن (٥)، وعلى أن متابعة الأركان وترتيبها ركن (٦)، وأجمعوا على أنَّ الأركان تسقط مع العجز (٧)، وأجمعوا على أن من أتى بأفعالٍ

стр. 165

تصحُّ معها الصلاة، بعضها فرض وبعضها سنَّة، وهو يجهل الفرض من السنة، أو يعتقد الجميع فرضًا صحَّت صلاته (١). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على أنّ تكبيرة الإحرام فرض في الصلاة (٢)، وعلى أنّ الجلوس الأخير ركن (٣)، وعلى أنَّ القراءة -في الجملة- ركن في الصلاة (٤). وما سوى ما تقدَّم من أفعال الصلاة وأقوالها فهو إما مختلف في وجوبه، أو متفق على أنَّه ليس بركن ولا واجب.

стр. 166

المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب أركان الصلاة وواجبتها، ومن رؤوس هذه المسائل: حكم تكبيرات الانتقال، وحكم التسبيح في الركوع والسجود، وحكم التسليم في الصلاة (١). الفرع الأول: حكم تكبيرات الانتقال. تحرير محل النزاع: تقدَّم قريبًا اتفاق المذاهب الأربعة على فرضيَّة تكبيرة الإحرام، واختلفوا في سائر التكبيرات غيرها -وتسمَّى بتكبيرات الانتقال-؛ كالتَّكبير للرُّكوع والتكبير للسُّجود وللرفع منه، ونحو ذلك على قولين: الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: وجوب تكبيرات الانتقال، وهو مذهب الحنابلة (٢). القول الثاني: سنيَّة تكبيرات الانتقال، وهو مذهب الجمهور (٣).

стр. 167

ويظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بوجوب تكبيرات الانتقال، وهم الحنابلة. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد. ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» متفق عليه (١). ووجه الدلالة في الحديث: فِعلُ النبي ﷺ وذلك أنَّه محمول على الوجوب (٢)، بدليل قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه البخاري (٣). الدليل الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا … » متفق عليه (٤). ووجه الدلالة: الأمرُ المطلق في الحديث، إذ إن النبي ﷺ «أمرَ بالتكبير وأمره للوجوب» (٥)، وعُمومُ الحديث يحمل على جميع التكبيرات، لا خصوص تكبيرة الإحرام.

стр. 168

الدليل الثالث: أنَّ تكبيرات الانتقال تكون حال الشروع في ركن أو واجب، فلا تخلو هذه الحالة من ذكر واجب؛ قياسًا على تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة (١). الفرع الثاني: حكم التسبيح في الركوع والسجود. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء -كما تقدَّم- على ركنية الركوع والسجود في الصلاة، وأن الصلاة لا تصحُّ من دونها إلا بعذر، واختلفوا في حكم قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وفي حكم قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود على قولين (٢): الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: الوجوب، وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: السنيَّة، وهو مذهب الجمهور (٤).

стр. 169

وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بوجوب التسبيح في الركوع والسجود، وهم الحنابلة. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن عقبة بن عامر ﵁، قال: «لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] قال رسول الله ﷺ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» أخرجه أبو داود وابن ماجه (١). ووجه الدلالة: أمر النبي ﷺ في الحديث، إذ إن الأمر المطلق إذا عَرِيَ عن القرائن اقتضى الوجوب (٢). الدليل الثاني: عن حذيفة ﵁ قال: «صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة … ثم ركع فجعل يقول: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سَمِعَ اللهُ

стр. 170

لِمَنْ حَمِدَهُ. ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى. فكان سجوده قريبا من قيامه» أخرجه مسلم (١). ووجه الدلالة في الحديث من وجهين: الأول: أنَّ فعل النبي ﷺ خرج بيانًا لمجمل القرآن، و» بيان الرسول ﷺ للقرآن يجب علينا أن نَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ أعلم الخَلْقِ بكلام الله هو رسول الله» (٢)، وفي القران الأمرُ بالركوع والسجود، فتكون صفته على ما جاء في فعل النبي ﷺ . والثاني: أنَّ أفعال النبي ﷺ في الصلاة محمولة على الوجوب؛ لقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣). الدليل الثالث: قياس التسبيح في الركوع والسجود على قراءة الفاتحة في القيام، بجامع أن كليهما فعل في الصلاة؛ فلم يخلُ من ذكر واجب (٤). الفرع الثالث: حكم التسليم في الصلاة. اختلف العلماء ﵏ في حكم التسليمتين الأولى والثانية في الصلاة على أقوال (٥):

стр. 171

الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: ركنيَّة التسليمتين، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: وجوب التسليمتين، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثالث: ركنيَّة التسليمة الأولى، وسنيَّة التسليمة الثانية. وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة (٣). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بركنيَّة التسليمتين جميعًا، وهم الحنابلة أيضًا. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» أخرجه الأربعة إلا النسائي (٤).

стр. 172

ووجه الدلالة في الحديث: أنَّ التسليم المراد بالحديث هو التسليم المعهود من النبي ﷺ وقد كان يسلَّم تسليمتان (١)؛ فيكون فعله مبيِّنًا لمجمل الحديث. الدليل الثاني: عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» أخرجه مسلم (٢). ووجه الدلالة في الحديث: قول النبي ﷺ (إِنَّمَا يَكْفِي)، ففي هذا دليل على أنَّ الكفاية محصورة بوقوع التسليمتين، وأنَّ ما دون هذا القدر غير مجزئ (٣). الدليل الثالث: عن سعد بن أبي وقاص ﵁: قال: «كنتُ أَرَى رسول الله ﷺ

стр. 173

يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» أخرجه مسلم (١). ووجه الدلالة: فعل النبي ﷺ في التسليمتين، إذ لم يُنْقَل عن النبي ﷺ غير ذلك (٢)، وفعله محمول على الوجوب لقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، قال الإمام أحمد ﵀: «ثبت عندنا عن النبي ﷺ من غير وجه أنَّه كان يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده» (٤). الدليل الرابع: أنَّ الصلاة عبادة لها تحلُّلان، فيقال بوجوبهما قياسًا على تحللي الحج (٥). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنابلة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب أركان الصلاة وواجباتها يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أنَّ الحنابلة قالوا: يجب على الإمام والمنفرد التسميع، وهو قول: (سمع الله لمن حمده) عند الرفع من الركوع (٦)، وقال الجمهور: التسميع غير واجب (٧).

стр. 174

• وقال الحنابلة: يجب على المصلي التحميد، وهو قول: (ربنا ولك الحمد) بعد الرفع من الركوع (١)، وقال الجمهور: التحميد غير واجب (٢). • وقال الحنابلة: يجب على المصلي قول: (رب اغفر لي) بين السجدتين (٣)، وقال الجمهور: الدعاء بالمغفرة غير واجب (٤). • وقال الحنابلة: وضع الأنف ركن في السجود (٥)، وقال الجمهور: وضع الأنف في السجود غير واجب (٦). • وقال الحنابلة: لو شرع في تكبيرات الانتقال قبل انتقاله أو كمَّلها بعد انتهائه لم يجزئه (٧)، وتقدم أنَّ الجمهور لا يقولون بوجوب تكبيرات الانتقال أصلا.

стр. 175

• وقال الحنابلة: لو نكَّر السلام فقال: (سلام عليكم ورحمة الله) أو نكَّسه فقال: (عليكم السلام ورحمة الله) أو ترك (ورحمة الله) لم يجزئه (١)، وقال المالكيَّة: لا يجزئ التنكير والتنكيس ويجزئ ترك (ورحمة الله) (٢)، وقال الشافعيَّة: لا يجزئ التنكير ويجزئ ما سواها (٣)، وقال الحنفيَّة: الواجب لفظ السلام فقط دون عليكم (٤). • وقال الحنابلة -وكذا المالكيَّة- لا تنعقد الصلاة إلا بلفظ: الله أكبر (٥)، وقال الشافعيَّة: تنعقد بلفظ: الله أكبر، والله الأكبر (٦)، وقال الحنفيَّة: تنعقد -مع كراهة التحريم- بكل لفظ دالٍّ على التعظيم (٧).

стр. 176

• وقال الحنابلة -وكذا الحنفيَّة- التشهد الأول واجب في الصلاة (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: هو سنة (٢). • وقال الحنابلة -وكذا الشافعيَّة- التشهد الأخير ركن في الصلاة (٣)، وقال الحنفيَّة: هو واجب (٤)، وقال المالكيَّة: هو سنَّة (٥). • وقال الحنابلة -وكذا الشافعيَّة- الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ركن (٦)، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: الصلاة على النبي ﷺ سنَّة (٧). وبهذا يتبيَّن بجلاء ضيق الحنابلة في الباب، وسعة غيرهم، إلا أنه عند إمعان النظر بين المذاهب الثلاثة يظهر -والله أعلم- أنَّ أوسع المذاهب في الباب هم الحنفيَّة، وبرهان ذلك:

стр. 177

• أنَّ الحنفيَّة قالوا: إن تكبيرة الإحرام شرط (١)، وقال الجمهور: تكبيرة الإحرام ركن (٢). • وقال الحنفيَّة: قراءة القرآن في الصلاة ركن في الركعتين الأوليين، ولا تتعين سورة الفاتحة، إذ إن قراءتها واجبة وليست بركن (٣)، وقال الجمهور: قراءة القرآن واجبة في كل ركعة، وسورة الفاتحة متعينة في ذلك (٤). • وقال الحنفيَّة: الرفع من الركوع ليس بركن وإنَّما هو سنة (٥)، وقال الجمهور: الرفع من الركوع ركن (٦).

стр. 178

• وقال الحنفيَّة: الجلسة بين السجدتين ليست بركن وإنما هي سنة (١)، وقال الجمهور: الجلسة بين السجدتين ركن (٢).

стр. 179

• وقال الحنفيَّة: الطمأنينة في الصلاة ليست بركن وإنما هي واجبة (١)، وقال الجمهور: الطمأنينة ركن (٢). • وتقدَّم أنَّ تكبيرة الإحرام تنعقد بكل لفظ يدل على التعظيم عند الحنفيَّة، وقال الحنابلة والمالكيَّة بانعقادها بـ (الله أكبر) فحسب، وزاد الشافعيَّة: (الله الأكبر). ولو تأمَّل الناظر في عدد الأركان عند الحنفيَّة مقارنة بالجمهور؛ لتبيَّن له سعتهم في الباب (٣). وأشير إلى أنَّ مذهب الشافعيَّة والمالكيَّة بينهما تقارب من حيث السعة والضيق، لكن من خلال ما تقدم من المسائل وما سيأتي في المسائل المستثناة يترجَّح -والله أعلم- أنَّ مذهب الشافعيَّة أضيق من مذهب المالكيَّة.

стр. 180

المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في باب أركان الصلاة وواجباتها هم الحنابلة، وبعد النظر في كتب الخلاف، وكتب رؤوس المسائل تبيَّن للباحث وجود مسائل خرجت من حيث النظر العام عن ضيقهم في الباب؛ إذ من المذاهب من ضيَّق أكثر من الحنابلة، وهذه المسائل هي: حكم تقدم النيَّة عن الصلاة، وحكم الجهر والإسرار للإمام، وحكم قراءة ما زاد على الفاتحة (١). الفرع الأول: حكم تقدم النية عن الصلاة زمنًا يسيرًا (٢). تقدم إجماع أهل العلم على أنَّ الصلاة لا تصح إلا بنيَّة، ولا يصحُّ أيضًا تأخر النيَّة عن الصلاة، ولا تقدمها زمنًا طويلًا (٣)، واتفقوا على أنَّ الأفضل أن تقارن النية تكبيرة الإحرام (٤)، واختلفت المذاهب في حكم تقدم النِّيَّة عن تكبيرة الإحرام زمنًا يسيرًا على قولين:
следующие страницы →