← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

• وقال الحنابلة -وكذا الحنفيَّة- التشهد الأول واجب في الصلاة (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: هو سنة (٢). • وقال الحنابلة -وكذا الشافعيَّة- التشهد الأخير ركن في الصلاة (٣)، وقال الحنفيَّة: هو واجب (٤)، وقال المالكيَّة: هو سنَّة (٥). • وقال الحنابلة -وكذا الشافعيَّة- الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ركن (٦)، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: الصلاة على النبي ﷺ سنَّة (٧). وبهذا يتبيَّن بجلاء ضيق الحنابلة في الباب، وسعة غيرهم، إلا أنه عند إمعان النظر بين المذاهب الثلاثة يظهر -والله أعلم- أنَّ أوسع المذاهب في الباب هم الحنفيَّة، وبرهان ذلك:

стр. 177

• أنَّ الحنفيَّة قالوا: إن تكبيرة الإحرام شرط (١)، وقال الجمهور: تكبيرة الإحرام ركن (٢). • وقال الحنفيَّة: قراءة القرآن في الصلاة ركن في الركعتين الأوليين، ولا تتعين سورة الفاتحة، إذ إن قراءتها واجبة وليست بركن (٣)، وقال الجمهور: قراءة القرآن واجبة في كل ركعة، وسورة الفاتحة متعينة في ذلك (٤). • وقال الحنفيَّة: الرفع من الركوع ليس بركن وإنَّما هو سنة (٥)، وقال الجمهور: الرفع من الركوع ركن (٦).

стр. 178

• وقال الحنفيَّة: الجلسة بين السجدتين ليست بركن وإنما هي سنة (١)، وقال الجمهور: الجلسة بين السجدتين ركن (٢).

стр. 179

• وقال الحنفيَّة: الطمأنينة في الصلاة ليست بركن وإنما هي واجبة (١)، وقال الجمهور: الطمأنينة ركن (٢). • وتقدَّم أنَّ تكبيرة الإحرام تنعقد بكل لفظ يدل على التعظيم عند الحنفيَّة، وقال الحنابلة والمالكيَّة بانعقادها بـ (الله أكبر) فحسب، وزاد الشافعيَّة: (الله الأكبر). ولو تأمَّل الناظر في عدد الأركان عند الحنفيَّة مقارنة بالجمهور؛ لتبيَّن له سعتهم في الباب (٣). وأشير إلى أنَّ مذهب الشافعيَّة والمالكيَّة بينهما تقارب من حيث السعة والضيق، لكن من خلال ما تقدم من المسائل وما سيأتي في المسائل المستثناة يترجَّح -والله أعلم- أنَّ مذهب الشافعيَّة أضيق من مذهب المالكيَّة.

стр. 180

المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في باب أركان الصلاة وواجباتها هم الحنابلة، وبعد النظر في كتب الخلاف، وكتب رؤوس المسائل تبيَّن للباحث وجود مسائل خرجت من حيث النظر العام عن ضيقهم في الباب؛ إذ من المذاهب من ضيَّق أكثر من الحنابلة، وهذه المسائل هي: حكم تقدم النيَّة عن الصلاة، وحكم الجهر والإسرار للإمام، وحكم قراءة ما زاد على الفاتحة (١). الفرع الأول: حكم تقدم النية عن الصلاة زمنًا يسيرًا (٢). تقدم إجماع أهل العلم على أنَّ الصلاة لا تصح إلا بنيَّة، ولا يصحُّ أيضًا تأخر النيَّة عن الصلاة، ولا تقدمها زمنًا طويلًا (٣)، واتفقوا على أنَّ الأفضل أن تقارن النية تكبيرة الإحرام (٤)، واختلفت المذاهب في حكم تقدم النِّيَّة عن تكبيرة الإحرام زمنًا يسيرًا على قولين:

стр. 181

الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الجمهور (١). القول الثاني: المنع، فيجبُ أن تقارن النيَّة جميع تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الشافعيَّة (٢). ويظهرُ في هذا الفرع أنَّ الشافعيَّة أضيق مذهبًا من الحنابلة، وإنَّما ذهب الحنابلة إلى عدم اشتراط مقارنة النية لتكبيرة الإحرام؛ لأمور: الأمر الأول: قياس الصلاة على غيرها من العبادات -كالصيام- في جواز تقدُّم النيَّة عليها، فإذا جاز تقدُّم النية في غير الصلاة من العبادات؛ جاز ذلك في الصلاة أيضًا (٣).

стр. 182

الأمر الثاني: أنَّه إذا جاز تخلف النية الحقيقية أثناء الصلاة، واكتفي باستصحاب النية الحكميَّة، جاز استصحابها في أولها كذلك؛ لأنَّ أولها جزء من أجزائها (١). الأمر الثالث: أن في اشتراط مقارنة النيَّة لتكبيرة الإحرام مشقة بالغة، والمشقة منفيَّة شرعًا (٢). الفرع الثاني: حكم الجهر والإسرار للإمام في الصلاة الجهرية والسريّة. أجمع أهل العلم على مشروعية جهر الإمام في صلاة الصبح والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء وفي صلاة الجمعة، وأنَّ الإسرار يشرع فيما سوى ذلك من صلاة الفرض (٣)، إلا أنهم اختلفوا في حكم الجهر والإسرار هل يجب أم يسن؟ على قولين (٤): الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: الوجوب. وهو مذهب الحنفيَّة (٥).

стр. 183

القول الثاني: الاستحباب. وهو مذهب الجمهور (١). ويظهر هنا أنَّ الحنفيَّة أضيق من الحنابلة في هذا الفرع، وسبب قول الحنابلة بعدم وجوب الجهر والإسرار حديث أبي قتادة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا» متفق عليه (٢). ووجه الدلالة من الحديث قوله ﷺ : (ويسمعنا الآية أحيانًا) إذ في هذا دلالة على عدم وجوب الإسرار (٣). ويمكن أن يستدل لهم أيضًا بأن الأصل عند الحنابلة أنَّ هيئات الصلاة -كرفع اليدين حال التكبير، والقبض على اليدين حال القيام، والتورك حال الجلوس ونحوها- مستحبة لا واجبة؛ لأنَّ من جاء بالقراءة فقد جاء بأصل الواجب، وما زاد عليه فهو من قبيل السنن (٤).

стр. 184

الفرع الثالث: حكم قراءة ما زاد على الفاتحة في صلاة الفرض. تحرير محل النزاع: تقدَّم أنَّه لا خلاف بين المذاهب الأربعة في ركنيَّة القراءة في الصلاة في الجملة، وتقدَّم أنَّ الجمهور يقولون بركنية الفاتحة في كل ركعة، وأنَّ الحنفيَّة يقولون: الركن هو مطلق القراءة في الركعتين الأوليين فقط، ثم اختلفوا في وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعتين الأوليين على قولين (١): الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: وجوب قراءة ثلاث آيات مع الفاتحة، أو سورة قصيرة كسورة

стр. 185

الكوثر، أو قدرها من غيرها، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: استحباب القراءة بعد الفاتحة، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهرُ في هذا الفرع أنَّ الحنفيَّة أضيق من الحنابلة، ولعل سبب قول الحنابلة بعدم الوجوب عائد إلى أمرين: الأول: أنَّهم جعلوا فرض القراءة من القرآن هو قراءة الفاتحة فقط، بدليل قوله ﷺ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣)؛ إذ النبي ﷺ قدَّر فرض القراءة بالفاتحة كما في الحديث، فأمَّا ما زاد على الفاتحة فهو من قبيل السنن والمستحبات. والثاني: أنَّ القيام شُغِل بفرض قراءة الفاتحة فلا يجب ما سواه كالاستفتاح والتعوذ (٤). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا ضيق الحنابلة في باب واجبات الصلاة وأركانها دون غيرهم، ويظهر أيضًا أنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في الباب، ومن خلال النظر

стр. 186

في أدلة آحاد المسائل المختلف فيها في الباب، والنظر في أصول المذاهب، يمكن التوصل إلى سبب اختلاف المذاهب الأربعة في السعة والضيق في الباب: وذلك أنَّ الحنابلة جعلوا فعل النبي ﷺ محمولًا على الوجوب في الجملة بدليل قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١)، وكذلك حملوا أوامر الشارع في صفة الصلاة على الوجوب أيضًا، ولم يقيِّدوا الواجبات بما جاء في القرآن أو بما جاء في حديث المسيء صلاته (٢)؛ لاحتمال أنَّ النبي لم يعلمه إلا ما أساء فيه. وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فإنهم جعلوا العمدة في الأركان حديث الأعرابي المسيء صلاته، فما لم يرد فيه فهو من قبيل المستحبات، وهذا في الجملة؛ إذ قد يقولون بركنية ما لم يرد في الحديث لأسباب أخرى، كما قال الشافعيَّة بوجوب الصلاة على النبي ﷺ مع عدم وروده في الحديث، وأشير هنا: إلى أن المالكيَّة أشد تمسُّكًا بالحديث من الشافعيَّة؛ ولذا كانت الأركان عندهم أقل من الشافعيَّة فلم يقولوا بركنية التشهد الأخير والصلاة على النبي فيه؛ لعدم ذكرها في حديث المسيء صلاته، وقد تقدم ذكر هذا في المسائل الشواهد. وأمَّا الحنفيَّة فإن سعتهم في الباب راجعة -والله أعلم-إلى مسألتين من مسائل الأصول:

стр. 187

الأولى: أنَّ الزيادة على النصِّ نسخ، وقد انفردوا عن الجمهور بهذا القول؛ إذ الجمهور على أن الزيادة على النصِّ تخصيص لا نسخ (١). والمسألة الثانية: أنَّ خبر الآحاد لا ينسخ القرآن (٢). فنتج عن هذا التقرير: أنَّ ما ورد في السنة من أخبار الآحاد لا يمكن أن حمله على الفرضية؛ لأنَّ القرآن قد جاء بفروض الصلاة، ثم ما جاء في السنة لو حمل على الفرضية كان زيادة على النص، وهي على ما تقرَّر نسخ لا تخصيص، والقرآن لا يُنْسخ بخبر الآحاد؛ فلا يمكن إلا أن تكون خارجة عن دائرة الفروض؛ ولهذا لم يقل الحنفيَّة بركنيَّة قراءة الفاتحة، ولا الطمأنينة، ولا الجلسة بين السجدتين، ولا الرفع من الركوع مع ورود جميع ذلك صريحًا صحيحًا في السنَّة. وقد نصَّ على هذا المعنى علماء المذاهب الأربعة: فمن الحنفيَّة يقول الكاساني ﵀ في تعقُّبِه لقول من قال بوجوب التسبيح في السجود والركوع: «هذا فاسد؛ لأنَّ الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقًا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد» (٣)، ونحو هذا قول الكاساني ﵀

стр. 188

أيضًا في مسألة السجود على الأعضاء السبعة (١). واستدلَّ الزيلعي ﵀ على عدم ركنيَّة قراءة الفاتحة بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ثم قال: «الزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز، ولكنه يوجب العمل به» (٢)، يريد بذلك أنها واجبة لا ركن. ومن قبله يقول الجصاص ﵀ في المسألة نفسها: «فإن قال قائل: قد بيَّن النبي ﷺ مراد الله تعالى بقوله ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] بقوله: «لا صَلَاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» (٣). قيل له: لا يجوز أن يكون هذا القول بيانا لمراد الآية على حسب ما ذهبت إليه؛ لأنَّ فيه إسقاط التخيير، وهو نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد، فالواجب-إذا كان هذا هكذا- حمله على وجه لا يضاد حُكم القرآن، وهو أن يكون لنفي الفضل، لا لنفي الأصل» (٤)، ومثل ذلك قال السرخسي ﵀ (٥). واستدل الموصلي ﵀ على إجزاء أيِّ لفظ في التعظيم في تكبيرة الإحرام بقوله: ﴿(١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى: ١٥]، ثم قال: «نزلت في تكبيرة الافتتاح فقد اعتبر مطلق الذكر، وتقييد الكتاب بخبر الواحد لا يجوز» (٦). ورد الزيلعي ﵀ استدلال من قال بفرضيَّة السلام بحديث «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،

стр. 189

وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١) بقوله: «ما رواه -إن صح- لا يفيد الفرضيَّة؛ لأنَّها لا تثبت بخبر الواحد، وإنما يفيد الوجوب» (٢). ونقل ابن عابدين عن القرماني -رحمهما الله- قولَه في عدم وجوب الطمأنينة -وتسمَّى عند الحنفيَّة بتعديل الأركان-: «الأمر بإعادة الصلاة لترك تعديل الأركان لم يكن موافقًا للنصِّ القطعي، بل وقع مخالفا لإطلاقه، فلا يكون تعديل الأركان فرضًا. بيانه: أنَّ الله تعالى أمر بالركوع وهو انحناء الظهر، وبالسجود وهو الانخفاض لغة، فتتعلَّق الركنية بالأدنى فيهما؛ لأنَّ الأمر بالفعل لا يقتضي الدوام ويتعلق الكمال بالسنية؛ لئلا يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد؛ إذ الزيادة نسخ على ما عرف في الأصول» (٣). وهذه النُّصوص -مع اختلاف المسائل واتحاد السبب- دالَّة على سبب التوسع عند الحنفيَّة. ومن المالكيَّة ينص غير واحد منهم على أنَّ المعوَّل عليه في الأركان هو حديث الأعرابي المسيء صلاته (٤)، والقاضي عبد الوهاب ﵀ مثال جليٌ لذلك، إذ استدلَّ

стр. 190

بحديث المسيء صلاته على عدم فرضية التسبيح في الركوع والسجود (١)، وعلى عدم فرضية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة (٢)، وكذلك استدل بالحديث على عدم وجوب التشهد الأول والأخير في الصلاة من وجهين:» أحدهما: أنَّ التشهد لو كان مفروضًا لعلمه إياه مع علمه بأنَّه لا يحسن الصلاة. والآخر: قوله «فقد تمت صلاتك» فحكم بتمامها مع عدم هذا» (٣)، واستدل بالحديث أيضًا على فرضيَّة الطمأنينة (٤)، وعلى فرضيَّة الرفع من الركوع على من قال بعدم فرضيتها، وهم الحنفيَّة (٥). واستدل القرافي ﵀ بعدم ذكر التشهدين الأول والثاني في الحديث على سنِّيتهما (٦)، وبعدم ذكر تكبيرات الانتقال في الحديث على عدم وجوبها (٧). واستدل المازري والقرافي -رحمهما الله- على عدم وجوب التسبيح في الركوع والسجود بعدم ذكرها في حديث الأعرابي (٨). واستدل ابن بزيزة ﵀ على وجوب الطمأنينة بالحديث كذلك (٩). وذكر ابن رشد الحفيد ﵀ سبب الخلاف في تكبيرات الانتقال فقال: «سبب اختلاف من أوجبه كله ومن أوجب منه تكبيرة الإحرام فقط: معارضة ما نقل من قوله

стр. 191

لما نقل من فعله ﵊ فأمَّا ما نقل من قوله فحديث أبي هريرة المشهور أنَّ النبي ﵊ قال للرجل الذي علَّمه الصلاة: «إِذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ، فَأَسْبِغ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِل القِبْلَةَ، ثُمَّ كَبِّر، ثُمَّ اقْرَأ» (١)، فمفهوم هذا هو أنَّ التكبيرة الأولى هي الفرض فقط، ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضًا لذكره له كما ذكر سائر فروض الصلاة» (٢)، بل قال ابن رشد عن حديث المسيء صلاته: «على هذا الحديث عوَّل كل من رأى أنَّ الأصل [أنَّ] لا تحمل أفعاله ﵊ في سائر أفعال الصلاة مما لم ينص عليها في هذا الحديث على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك، ومن قبل هذا لم يروا رفع اليدين فرضا ولا ما عدا تكبيرة الإحرام والقراءة من الأقاويل التي في الصلاة» (٣). وأما الشافعيَّة فقد نصَّ جملة منهم على هذا المعنى، وعلى رأسهم إمامهم الشافعي ﵀؛ إذ يقول مستدلًّا بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب بعض أفعال الصلاة بقوله: «رأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلي صلاة لم يحسنها فأمره بالإعادة، ثم صلاها فأمره بالإعادة، فقال له: يا رسول الله، علمني، فعلَّمه رسول الله ﷺ الركوع والسجود والرفع والتكبير للافتتاح، وقال: «فإذا جِئْتَ بِهَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» ولم يعلِّمْهُ ذكرًا في ركوع ولا سجود ولا تكبيرًا سوى تكبيرة الافتتاح ولا قول سمع الله لمن حمده، فقال له: «فإِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَد تمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا نَقَصْتَ مِنْهُ فَقَدْ نَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ» فدلَّ ذلك على أنَّه علَّمه ما لا تجزئ الصلاة إلا به وما فيه ما يؤديها عنه، وإن كان الاختيار غيره» (٤).

стр. 192

والنووي ﵀ مثال ظاهر في بيان ذلك؛ إذ يقول: «التسبيح وسائر الأذكار في الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام، كلُّ ذلك سنَّة ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم وصلاته صحيحة سواء تركه عمدًا أو سهوًا، لكن يكره تركه عمدًا هذا مذهبنا … ، واحتج الشافعي بحديث المسيء صلاتَه فإنَّ النبي ﷺ علَّمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنَّه علَّمه تكبيرة الإحرام والقراءة، فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها، بل هذه أولى بالتعليم لو كانت واجبة؛ لأنَّها تقال سرًا وتخفى، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمها فهذه أولى» (١). ويقول عميرة ﵀ عن التسبيح في الركوع والسجود: «العمدة في عدم وجوب هذه الأذكار ونحوها مع قوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢) عدم ذكرها للمسيء صلاته» (٣). والاستدلال بالحديث عند الشافعيَّة يكون من طرفين، فما ذُكر في الحديث فهو واجب، وما لم يذكر فالأصل أنَّه ليس بواجب، يقول ابن دقيق ﵀ مقرِّرًا هذا:

стр. 193

«تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه: فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره: فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك. وهو أنَّ الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر. ويقوِّي مرتبة الحصر: أنه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدلُّ على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط. فإذا تقرَّر هذا: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه. وكلُّ موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه؛ لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم، من كونه موضع تعليم. وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات» (١). ومما سبق يظهر جليًّا أنَّ الحديث أصلٌ في أركان الصلاة عند الشافعيَّة. وقد نصَّ الماوردي على أصالة حديث المسيء صلاته في صفة الصلاة (٢). وأما الحنابلة: فإنَّ سبب انفرادهم بالقول بركنية أو وجوب جملة من أفعال الصلاة وأقوالها أنهم جعلوا فعل النبي ﷺ ومداومته دليل على الوجوب لقوله:

стр. 194

«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١)، مع أخذهم بحديث المسيء صلاته وغيره مما جاء الأمر صريحًا به في السنَّة؛ وبهذا اتَّسعت دائرة الأركان والواجبات عند الحنابلة دون غيرهم. وقد نصَّ على هذا المعنى عامَّتُهم، يقول ابن قدامة ﵀ في كلامه على جملة من واجبات الصلاة: «المشهور عن أحمد أنَّ تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، واجب … وعن أحمد: أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن النبي ﷺ لم يعلمه المسيء في صلاته، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، … ولنا، أنَّ النبي ﷺ أمر به، وأمره للوجوب، وفَعَلَه. وقال «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢)، ثم أجاب عن حديث المسيء بأجوبة منها: «أنَّ النبي ﷺ لم يعلمه كلَّ الواجبات، بدليل أنَّه لم يعلمه التشهد ولا السلام، ويحتمل أنَّه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه» (٣). وابن المنجَّى ﵀ مثال واضح في الباب إذ يستدلُّ بفعل النبي ﷺ على ركنيَّة الجلسة بين السجدتين (٤)، والركوع (٥)، والتشهد الأخير (٦)، والجلوس له (٧)، والترتيب (٨). واستدل كذلك بفعل النبي ﷺ على وجوب: تكبيرات الانتقال (٩)،

стр. 195

والتسميع (١)، والتحميد (٢)، والتشهد الأول (٣)، والجلوس له (٤)، وهذا مبيِّنٌ لأثر فعل النبي ﷺ عند الحنابلة في الباب. واستدلَّ الزركشي ﵀ على وجوب التسميع والتحميد والدعاء بالمغفرة بين السجدتين: بـ «أنَّ النبي ﷺ قال ذلك، وواظب عليه، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»» (٥). واستدل ابن مفلح الحفيد ﵀ على وجوب الدعاء بالمغفرة بين السجدتين بأنَّه لم يُنقل عن النبي ﷺ أنَّه تركه (٦). وقال البهوتي في شرح كلام الحجاوي -رحمهما الله- في كلامه على التسليم في الصلاة: «(إن نكَّر السلام) كقوله: سلام عليكم، أو عرَّفه بغير اللام، كسلامي أو سلام الله عليكم، (أو نكَّسه فقال:) عليكم سلام أو (عليكم السلام، أو قال السلام عليك: بإسقاط الميم، أو نكَّسه في التشهد، فقال: عليك السلام أيها النبي: أو علينا السلام وعلى عباد الله لم يجزئه)؛ لمخالفته لقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٧). وبهذا النقل وما قبله يتضح سبب ضيق الحنابلة في الباب دون غيرهم من المذاهب.

стр. 196

وخلاصةُ الباب: • أنَّ ضيق الحنابلة في الباب ناتج من حملهم أوامر الشارع عمومًا في القرآن والسنة على الوجوب، وامتازوا عن غيرهم بحملهم أفعال النبي ﷺ في الباب على الوجوب؛ لحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١). • وأنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في الباب؛ لأنَّ الأصل في الأركان هو ما جاء في القرآن فقط. • وأنَّ المالكيَّة والشافعيَّة وسط بين الحنفيَّة والحنابلة لأخذهم بالقرآن، وبما جاء صريحًا من أقوال النبي ﷺ ، ولم يحملوا أفعاله على الوجوب وإنما على الاستحباب. والمالكيَّة أوسع مذهبًا في الباب من الشافعيَّة لشدة تمسكهم بحديث المسيء صلاته. وأختم الباب بالقول: إنَّ هذا السبب قد مرَّ في باب فروض الوضوء، والكلام في هذا الباب مقارب للكلام في باب فروض الوضوء خلافًا ومذهبًا. وهذا يبيِّن عظيم طَردِ المذاهب لأقوالها، وعظيم تمسكها بأصولها، ومعرفة ما يترتب وينبني عليها. والله أعلم. * * *

стр. 197

المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب الإمامة تمهيد: يذكرُ العلماء ﵏ في أثناء كتاب الصلاة أحكام الإمامة والاقتداء، وقد درج عامة الفقهاء على جمعها في باب واحد، واختلفت إطلاقاتهم في ذلك، وعامتهم على تسميته (باب الإمامة) (١). والإمامة في اللُّغة مصدر من الفعل (أمَّ) (٢)، «وكلُّ من اقتدي به، وقدم في الأمور فهو إمام، والنبي ﵇ إمام الأمَّة، والخليفة: إمام» (٣). والإمامة عند الفقهاء (كبرى وصغرى)، فالكبرى «استحقاق تصرُّفٍ عام على الأنام» (٤)، وقيل: «رياسة عامة في الدين والدنيا» (٥). والصغرى -وهي المرادة في هذا الباب- الإمامة في الصلاة، وعرَّفها بعضهم بأنَّها «اتباع الإمام في جزء من

стр. 198

صلاته» (١)، وقيل: «ربط صلاة المؤتم بالإمام» (٢). ولا يخفى عظيم أهمية الباب على المسلم بوجه عام؛ ولأجل هذا ألَّف بعض المعاصرين في هذا الباب على وجه الانفراد (٣). والمسائل التي تدخل في هذا الباب هي المسائل المتعلقة بالإمامة والاقتداء؛ كحكم إمامة الصبي، وحكم صلاة المفترض خلف المتنفل، وحكم إمامة المحدث، وحكم إمامة الفاسق، وحكم اختلاف النية بين الإمام والمأموم، وحكم صلاة المنفرد خلف الصف، ونحو ذلك من المسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على مشروعيَّة الإمامة والجماعة في الجملة (٤)، وعلى صحة صلاة المتنفل خلف المفترض (٥) وعلى أنه لا تصح صلاة المأموم إذا علم بطلان صلاة إمامه؛ كالصلاة خلف الكافر، ومن يعلم حدثه (٦).

стр. 199

ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على أنَّه إذا اتصلت الصفوف ولم تكن بينها طريق، وسمع المأموم الإمام أو رآه وجمعهما مسجد صح الائتمام (١)، وعلى اشتراط نية الاقتداء في حق المأموم (٢)، وعلى صحة إمامة الصبي لصبي مثله (٣)، وعلى فساد صلاة الرجل خلف المرأة في الفرض (٤)، وعلى فساد صلاة القارئ خلف الأمي (٥). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في باب الإمامة. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل المتعلقة بباب الإمامة، ومن رؤوس المسائل التي وقع فيها الخلاف: حكم صلاة المفترض خلف المتنفل، وحكم صلاة المأموم خلف الإمام المحدث، وحكم إمامة الصبي للبالغ (٦).

стр. 200

الفرع الأول: حكم صلاة المفترض خلف المتنفل. تحرير محل النزاع: تقدم أنَّه لا خلاف بين العلماء في صحة صلاة المتنفل خلف المفترض، ولكن اختلفوا في حكم صلاة المفترض خلف المتنفل على قولين. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الشافعيَّة (١). القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (٢).

стр. 201

وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز صلاة المفترض خلف المتنفل وهم الشافعيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن جابر ﵁ «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» متفق عليه (١). ووجه الدلالة من الحديث: «أنَّ معاذًا كان يؤدي فرضه خلف رسول الله ﷺ ، ثم يصليها بقومه، فتكون لهم فريضة وله نافلة» (٢). الدليل الثاني: عن جابر ﵁ قال: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ … قال: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» أخرجه مسلم (٣).

стр. 202

ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ فرضه الركعة الأولى والثانية؛ لكونه مسافرًا، وأما الركعتان الأخريان فهما نفل في حقه ﷺ ، وفرض في حق من خلفه؛ فدل ذلك على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل (١). الدليل الثالث: ما روي «أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى بالناس، فسمع من خلفه صوتًا، فقال: عزمت على من كان منه هذا إلا قام فتوضأ وأعاد صلاته، فلم يقم أحد، ثم أعاد الثانية فلم يقم أحد، فقال له في الثالثة العباس بن عبد المطلب، وقيل: بل قال له جرير بن عبد الله: لو عزمت علينا كلنا فقمنا، فقال عمر ﵁: لقد كنت سيِّدًا في الجاهلية وسيِّدًا في الإسلام. ثم قال عمر ﵁: قد عزمت عليكم كلكم وأنا معكم، ثم مضوا فتوضؤوا وعادوا، فصلى بهم عمر ﵁» (٢). ووجه الدلالة: أن «صلاةَ عمر ﵁ نافلة، وصلاةَ من خرجت منه الريح فريضةٌ، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك؛ فدل على إجماعهم» (٣). الدليل الرابع: القياسُ على جواز صلاة المتنفل خلف المفترض؛ وذلك أنه إذا جاز صلاة المتنفل خلف المفترض فيجوز أن يصلي المفترض خلف المتنفل، بجامع أن المأموم في كلتا الحالتين يخالف الإمام في نيته. قال المزني: «إذا جاز أن يأتم المصلي نافلة خلف المصلي فريضة فكذلك المصلي فريضة خلف المصلي نافلة وفريضة» (٤).

стр. 203

الدليل الخامس: أنَّ الاقتداء لا يوجب ابتناء صلاة المأموم على صلاة الإمام؛ وذلك «أنَّ كل واحد منهما يصلي لنفسه، ولا تعلق لصلاة أحدهما بالآخر؛ لأن الاقتداء إنما يصار إليه لحيازة الفضيلة لا لشيء آخر» (١). الفرع الثاني: حكم صلاة المأموم خلف الإمام المحدث أو الجنب. تحرير محل النزاع: تقدم أن العلماء مجمعون على أنَّ المأموم إذا صلى مع الإمام وهو عالم بحدث إمامه أن صلاته لا تصح، ولكن اختلفوا في المأموم يصلي خلف إمام محدث أو جنب وهو لا يعلم. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: أنَّ صلاة من خلفه صحيحة، علم الإمام بحدثه أو لم يعلم، وهو مذهب الشافعيَّة (٢). القول الثاني: أنَّ صلاة من خلفه صحيحة إن كان الإمام جاهلًا بحدثه، وهو مذهب المالكيَّة (٣). القول الثالث: أن صلاة من خلفه صحيحة إن لم يعلم الإمام ولا المأموم بالحدث

стр. 204

إلا بعد الصلاة، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الرابع: أنَّ صلاة من خلفه باطلة مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). ويظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في هذا الفرع هم الشافعيَّة أيضًا؛ وذلك أنَّهم قالوا بصحة صلاة المأموم مطلقًا، وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها: الدليل الأول: عن البراء بن عازب ﵁ قال: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ، وَأَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ » أخرجه الدارقطني والبيهقي (٣). ووجه الدلالة في الحديث قوله: (فتمَّت للقوم)، وكذلك في عدم أمر النبي ﷺ أصحابه بالإعادة. الدليل الثاني: ما ثبت عن بعض الصحابة ﵃ أنهم صلوا بالناس على غير طهارة، فأعادوا ولم يعد من خلفهم (٤).

стр. 205

الدليل الثالث: أنَّ الاقتداء لا يوجب تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام (١)، وذلك أنَّ كلًّا من الإمام والمأموم يصلي لنفسه (٢)، ووجه عدم التعلق ما ذكر المزني أنه «كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد عليَّ فساد إمامي» (٣). الفرع الثالث: إمامة الصبي للبالغ. تحرير محل النزاع: تقدم أن المذاهب الأربعة متفقة على جواز إمامة الصبي لصبي مثله، ولكن اختلفوا في حكم إمامة الصبي للبالغ في الفرض أو في النفل. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: الجواز من غير كراهة، وهو مذهب الشافعيَّة (٤). القول الثاني: الجواز في النفل دون الفرض، وهو مذهب الحنابلة (٥).

стр. 206

القول الثالث: التحريم في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفيَّة (١)، والمالكيَّة (٢). ويظهر في المسألة أنَّ أوسع المذاهب هم الشافعيَّة أيضًا؛ إذ قالوا بجواز ذلك مطلقًا، وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها: الدليل الأول: عن عمرو بن سلِمة ﵁ قال: «لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا. فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ» أخرجه البخاري (٣). ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة، وذكر العمراني ﵀ الحديث عن عمرو ﵁ بلفظ آخر، وفيه: «كنت غلامًا قد حفظت قرآنًا كثيرًا، فانطلق بي أبي وافدًا إلى رسول الله ﷺ في نفر من قومه، فعلَّمهم الصلاة، وقال: «يؤمُّكم أقرؤكم لكتاب الله .. » (٤)، ثم قال: «فموضع الدليل من هذا: أنَّ القوم إنما قدموا به على النبي ﷺ

стр. 207

ليعرفوه أنَّه أقرؤهم، فلما عرف ذلك قال: يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله، ولا أقرأ هناك غيره، فكأنه قال: يؤمكم هذا» (١). الدليل الثاني: عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» أخرجه مسلم (٢). ووجه الدلالة من الحديث: الإطلاق فيه وعدم التقييد؛ وذلك أنَّ إطلاقه مقتضٍ تقديم الأقرأ على كل حال، ولو كان صغيرًا (٣). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كنَّا نأخذ الصبيان من الكُتَّاب؛ ليقوموا بنا

стр. 208

في شهر رمضان» أخرجه ابن عدي في الكامل، والبيهقي (١). ووجه الدلالة في الأثر ظاهرة. الدليل الرابع: قياس الصبي على البالغ عند من يقول بجواز إمامته في النفل؛ «لأن من جازت إمامته في النفل جازت في الفرض» (٢). الدليل الخامس: أن صلاة الصبي نفل، ويجوز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ وذلك أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح توسُّع الشافعيَّة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب الإمامة يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا؛ وذلك: • أن الشافعيَّة قالوا: يجوز للمأموم أن ينفرد عن إمامه من غير عذر (٤)،

стр. 209

وقال الجمهور: لا يجوز، وتبطل الصلاة بذلك (١). • وقال الشافعيَّة: يجوز للمنفرد أن يأتم بغيره أثناء الصلاة (٢)، وقال الجمهور: لا يجوز (٣). • وقال الشافعيَّة: يجوز للمأموم أن يصلي الظهر خلف إمام يصلي العصر وكذا عكسه (٤)، وقال الجمهور: لا يجوز (٥). • بل أجاز الشافعيَّة أن يصلي المأموم خلف إمام يخالفه في عدد ركعات الصلاة؛ كأن يصلي العشاء خلف من يصلي الفجر، أو المغرب خلف من يصلي العشاء (٦).

стр. 210

• وقال الشافعيَّة: يجوز للمأموم القادر على الركوع والسجود أن يأتمَّ بإمام يعجز عنها (١)، ومنع من ذلك الجمهور (٢). • وقال الشافعيَّة: تصح صلاة المأموم إن تعمَّد الإمامُ الحدثَ (٣)، وقال الجمهور: لا تصح صلاة المأموم (٤). • وقال الشافعيَّة -وكذا الحنفيَّة-: يجوز للمسافر أن يؤم الناس في صلاة الجمعة (٥)، وقال المالكيَّة والحنابلة: لا يجوز (٦).

стр. 211

• وقال الشافعيَّة -وكذا الحنفيَّة-: تصح إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه (١)، وقال المالكيَّة، والحنابلة: لا يجوز (٢). • وقال الشافعيَّة -وكذا الحنابلة-: لو صلى قارئ خلف أمي بطلت صلاة القارئ وحده (٣)، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: تبطل صلاتهما جميعًا (٤). ومجموع هذه المسائل تظهر بوضوح وجلاء توسع الشافعيَّة في باب الإمامة دون غيرهم من المذاهب (٥)، ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر جليًّا أنَّ الحنابلة وكذا الحنفيَّة هم أضيق المذاهب في باب الإمامة.

стр. 212

فأمَّا ضيق الحنابلة فيدل عليه: • أنهم اشترطوا في الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة (١)، وقال الجمهور: لا يشترط ذلك في الجملة (٢). • بل قال الحنابلة: لا يصح للمنفرد إذا أحرم بالصلاة أن ينوي الإمامة في الفرض وكذا النفل (٣). • وقال الحنابلة: لا تصح صلاة الفذ خلف الصف (٤)، وقال الجمهور بصحتها (٥). • وقال الحنابلة: لا تصح صلاة من على يسار الإمام إذا لم يكن عن يمينه أحد (٦)، وقال الجمهور

стр. 213

بصحتها (١). • وقال الحنابلة: لا تصح إمامة الفاسق مطلقًا إلا في الجمعة والعيد إن تعذرا خلف غيره (٢)، وقال الجمهور بصحتها مع الكراهة (٣). • وقال الحنابلة: إذا سبق الحدث الإمام بطلت صلاة المأموم فلا يجوز

стр. 214

الاستخلاف (١)، والضابط عندهم: أنه تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه (٢)، وقال الجمهور: يجوز للإمام أن يستخلف، وتصح صلاة من خلفه (٣). وهذا يظهر ضيق الحنابلة في الباب (٤). وأما ضيق الحنفيَّة فيدل عليه ما تقدم من أنَّ إمامة الصبي لا تصح بحال في فرض ولا نفل، وأن الصلاة خلف المحدث والجنب لا تصح مطلقًا، ويلزم من صلى خلفهم الإعادة بكل حال، وكذلك لا تصح صلاة الرجل في الفرض إذا حاذته امرأة في الصف (٥)، وصحح ذلك الجمهور (٦).

стр. 215

• ومنع الحنفيَّة والحنابلة ائتمام الصحيح بمن به حدث دائم (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يجوز ذلك (٢). • ومنع الحنفيَّة والحنابلة الائتمام إذا كان الإمام في سفينة والمأموم في سفينة أخرى (٣)، وأجاز ذلك المالكيَّة والشافعيَّة (٤). إلا أنَّه على ما تقدم يتبين أنَّ الحنابلة أضيق من الحنفيَّة لكثرة الفروع التي انفردوا فيها دون الحنفيَّة.
следующие страницы →