• وقال الشافعيَّة -وكذا الحنفيَّة-: تصح إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه (١)، وقال المالكيَّة، والحنابلة: لا يجوز (٢).
• وقال الشافعيَّة -وكذا الحنابلة-: لو صلى قارئ خلف أمي بطلت صلاة القارئ وحده (٣)، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: تبطل صلاتهما جميعًا (٤).
ومجموع هذه المسائل تظهر بوضوح وجلاء توسع الشافعيَّة في باب الإمامة دون غيرهم من المذاهب (٥)، ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر جليًّا أنَّ الحنابلة وكذا الحنفيَّة هم أضيق المذاهب في باب الإمامة.
стр. 212
فأمَّا ضيق الحنابلة فيدل عليه:
• أنهم اشترطوا في الجماعة أن ينوي الإمام الإمامة (١)، وقال الجمهور: لا يشترط ذلك في الجملة (٢).
• بل قال الحنابلة: لا يصح للمنفرد إذا أحرم بالصلاة أن ينوي الإمامة في الفرض وكذا النفل (٣).
• وقال الحنابلة: لا تصح صلاة الفذ خلف الصف (٤)، وقال الجمهور بصحتها (٥).
• وقال الحنابلة: لا تصح صلاة من على يسار الإمام إذا لم يكن عن يمينه أحد (٦)، وقال الجمهور
стр. 213
بصحتها (١).
• وقال الحنابلة: لا تصح إمامة الفاسق مطلقًا إلا في الجمعة والعيد إن تعذرا خلف غيره (٢)، وقال الجمهور بصحتها مع الكراهة (٣).
• وقال الحنابلة: إذا سبق الحدث الإمام بطلت صلاة المأموم فلا يجوز
стр. 214
الاستخلاف (١)، والضابط عندهم: أنه تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه (٢)، وقال الجمهور: يجوز للإمام أن يستخلف، وتصح صلاة من خلفه (٣). وهذا يظهر ضيق الحنابلة في الباب (٤).
وأما ضيق الحنفيَّة فيدل عليه ما تقدم من أنَّ إمامة الصبي لا تصح بحال في فرض ولا نفل، وأن الصلاة خلف المحدث والجنب لا تصح مطلقًا، ويلزم من صلى خلفهم الإعادة بكل حال، وكذلك لا تصح صلاة الرجل في الفرض إذا حاذته امرأة في الصف (٥)، وصحح ذلك الجمهور (٦).
стр. 215
• ومنع الحنفيَّة والحنابلة ائتمام الصحيح بمن به حدث دائم (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يجوز ذلك (٢).
• ومنع الحنفيَّة والحنابلة الائتمام إذا كان الإمام في سفينة والمأموم في سفينة أخرى (٣)، وأجاز ذلك المالكيَّة والشافعيَّة (٤).
إلا أنَّه على ما تقدم يتبين أنَّ الحنابلة أضيق من الحنفيَّة لكثرة الفروع التي انفردوا فيها دون الحنفيَّة.
стр. 216
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب.
من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في باب الإمامة هم الشافعيَّة، وهنا يقوم سؤال، وهو: هل ثمة مسائل ضيَّق فيها الشافعيَّة ووسَّع فيها غيرهم؟
بعد النظر في كتب رؤوس المسائل يظهر أن للشافعية مسألة خرجت من حيث النظر العام عن توسعهم في الباب، وهي مسألة: حكم الصلاة أمام الإمام.
الفرع الأول: حكم الصلاة أمام الإمام.
تحرير محل النزاع:
اتفق الأئمة الأربعة على أن الأفضل أن يكون المأموم عن يمين الإمام إن كان فردًا، أو خلفه إن كانوا أكثر من ذلك (١)، واتفقوا على أن مساواة المأموم للإمام لا تبطل الصلاة (٢)، واختلفوا في حكم صلاة المأموم أمام الإمام هل تصح أم لا؟
القول الأول: أنَّ صلاته لا تصح، وهو مذهب الجمهور (٣).
القول الثاني: أن صلاته صحيحة مع الكراهة، فإن كان التقدُّم من ضرورة فلا كراهة، وهو مذهب المالكيَّة (٤).
стр. 217
ويظهر في هذا الفرع أن الجمهور -ومنهم الشافعيَّة- أضيق من المالكيَّة، ووجه استثناء هذه الصورة من أصل التوسع عند الشافعيَّة يرجع -والله أعلم- إلى أمور:
الأمر الأول: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» متفق عليه (١).
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الائتمام اتِّباع، «والمتقدم غير تابع» (٢).
الأمر الثاني: أنه لم ينقل التقدم على الإمام عن أحد من المقتدين بالنبي ﷺ أو بخلفائه ﵃ (٣).
الأمر الثالث: أن التقدم على الإمام فيه مخالفة شديدة، ومخالفة الإمام في الأفعال تبطل به الصلاة، وهذه المخالفة أشد (٤).
قال الخطيب الشربيني: «فإن تقدم عليه في أثناء صلاته بطلت في الجديد أو عند التحرُّم لم تنعقد؛ كالتقدم بتكبيرة الإحرام؛ قياسًا للمكان على الزمان؛ ولأن المخالفة في الأفعال مبطلة، وهذه المخالفة أفحش» (٥).
стр. 218
فهذه الأمور الثلاثة هي سبب استثناء الشافعيَّة المسألة من توسعهم في الباب، وأنبه إلى أن قول الشافعي ﵀ في القديم يوافق المالكيَّة في المسألة (١)، وهذا يبين أنَّ مذهبه القديم مطرد على أصله في التوسع في الباب.
وتجدر الإشارة في ختام هذا المطلب إلى وجود مسألتين أخريين ضيَّق فيهما الشافعي، وفيهما موسع من المذاهب، لكنهما ليستا من رؤوس المسائل في باب الإمامة؛ ولذا أعرضت عن ذكر سبب الاستثناء فيهما (٢)، ولم أقف على سوى ما تقدم مما شذ عن أصل الشافعي.
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
يحسن التنبيه قبل ذكر السبب الحامل على توسع الشافعي في باب الإمامة إلى وجود أدلة مفردة لكل مسألة، وقد تقدَّم شيء من ذلك في صلاة المفترض خلف المتنفل، والصلاة خلف المحدث، وإمامة الصبي، وهذه الأدلة بمجموعها أنتجت السعة عند الشافعيَّة في الباب، غير أنه -والله أعلم- ثمة سبب يمكن أن يقال: إنه أصل للشافعية تمسكوا به دون غيرهم من المذاهب أدى بهم إلى هذه السعة، وهو (انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام)، فالشافعيَّة -وإن كانوا يرون وجود الارتباط من حيث الأصل- يجعلون صلاة المأموم صلاة قائمة بذاتها، لا تتضمنها صلاة الإمام، وذهب الجمهور إلى أن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، ومرتبطة بها.
стр. 219
وهذا السبب نص عليه جملة من فقهاء الأئمة الأربعة:
فمن الحنفيَّة يقول القدوري ﵀ في كلامه على الصلاة خلف الجنب: «وهذه المسألة مبينة على أنَّ صلاة المؤتم متعلقة بصلاة الإمام» (١).
وفي المسألة نفسها يقول الزمخشري ﵀: «وحاصل الخلاف: راجع إلى أنَّ المقتدي خلف الإِمام يصلي صلاة نفسه، أو صلاة الإِمام؟ عندنا: يصلي صلاة الإمام، حتى لو فسدت صلاة الإمام لفسدت صلاة المقتدي، وعند الشافعي بخلاف ما ذكرنا» (٢).
وأشار إلى تعلُّق صلاة المأموم بصلاة الإمام الجصاص ﵀ في هذه المسألة أيضًا (٣)، والكاساني ﵀ في مسألة إمامة الصبي (٤)، والموصلي ﵀ في إمامة من به سلس ونحوه (٥).
وأما المالكيَّة فنصَّ على هذا الفندلاوي ﵀ في مسألة صلاة المفترض خلف المتنفل، فحكى قول الشافعيَّة بعدم الارتباط ثم ردَّ قولهم، وختم ذلك بقوله: «وإذا كان ذلك كذلك؛ صارت صلاة المؤتم في ضمن صلاة الإمام عقدًا وارتباطًا، جوازًا وفسادًا» (٦).
وقال ابن بشير ﵀: «المعروف من المذهب أنَّ صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، والشاذ عدم الارتباط، وهو مذهب الشافعي، ولهذا لا يجوز عندنا أن يأتمّ المفترض بالمتنفل، واختلف في إمام صلى بالناس جنبًا؛ فقيل: إن كان عامدًا بطلت الصلاة، وإن كان ناسيًا لم تبطل الصلاة، وقيل: صلاتهم صحيحة، وقيل: باطلة.
стр. 220
والقول بالصحة يقتضي أن كل مصلٍّ صلى لنفسه كما يقول الشافعي، والقول بالإبطال يقتضي تعلق الصلاتين» (١).
وقال ابن بزيزة ﵀: «قاعدة المذهب أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام فلا يجوز الاختلاف في النيات، وأجاز ذلك الشافعي بناء على أن كل مصلٍّ يصلي لنفسه» (٢).
ونص على تقرير هذا الأصل من المالكيَّة أيضًا: ابن يونس (٣)، وابن رشد (٤)، والرجراجي (٥)، والقرافي (٦)، والحطاب (٧)، ومحمد بن سالم المجلسي (٨) ﵏.
وأما الحنابلة فجاء عنهم ذلك أيضًا، يقول أبو يعلى ﵀ في تقرير عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل: «أصلنا: أنَّ صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، وتفسد بفسادها» (٩)، ونحو هذا جاء عن أبي جعفر الشريف (١٠)، وابن تيمية (١١) -رحمهما الله-.
стр. 221
وعند النظر إلى مذهب الشافعيَّة يرى الناظر ما تقدم - وهو: أن صلاة المأموم منفكَّة عن صلاة الإمام- متقررًا في تصانيفهم، قال الزنجاني ﵀: «معتقد الشافعي أن كل مصلٍّ يصلي لنفسه ولا شركة بين الإمام والمأموم بل كل في صلاة نفسه أداءً وحكمًا … ، وقال أبو حنيفة: صلاة المأموم تابعة لصلاة الإمام صحةً وفسادًا لا أداءً وعملًا، وهي كالمندرجة في ضمن صلاة الإمام» (١).
وقال أبو المظفر السمعاني ﵀ في معرض الاستدلال على صحة الصلاة خلف الجنب: «ومن حيث المعنى نقول: إن كل واحد من القوم مصلي لنفسه مؤدي فرضه مثل ما لو كان منفردًا، وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد؛ لأن الأصل أن الاثنين إذا اجتمعا على أداء فريضة لا يتعلق أداء أحدهما بأداء الآخر، بل إن جاز فعل كل واحد منهما بجواز فعله وإن فسد ففساده بفعله؛ لأن الفرض عليه على الانفراد، ولا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره» (٢).
ونصَّ على عدم الارتباط: الجويني (٣)، والغزالي (٤)، وابن الدهان (٥)، والرافعي (٦) ﵏.
والملاحظُ فيما تقدَّم هو اختلاف المسائل واتحاد السبب؛ ولذا صح أن يقال: إن سبب الخلاف في السعة والضيق راجع إلى قضية ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، ومن أوضح من وقفت عليه يقرر هذا المعنى أبو الخطاب الكلوذاني ﵀
стр. 222
في (الانتصار)، وذلك أنَّه حكى الخلاف في حكم صلاة المأموم خلف المحدث، وذكر قول الشافعي بالصحة، ثم قال: «فالكلام معه مبني على أصل، وهو: أن صلاة المأموم كالمندرجة في ضمن صلاة الإمام بطريق التبعية صحةً وفسادًا، وعند الشافعي بخلاف ذلك؛ فإن كل مصل يصلي لنفسه، ولا تتعلق لصلاته بصلاة غيره» (١)، ثم قال في المسألة التي تليها: «وعلى هذا الأصل: اختلاف نية الإمام والمأموم يمنع القدوة» (٢)، ثم قال أيضًا في المسألة الثالثة: «وعلى هذا الأصل: لا يصح أن يؤم الصبي في الفرض» (٣)، ثم قال في المسألة الرابعة: «وعلى هذا الأصل: إذا تعمد الإمام الحدث في الصلاة فسدت صلاته وصلاة المأمومين» (٤)، فجعل أبو الخطاب الخلاف كله راجعًا إلى هذه القضية.
وبنحو هذا ذكر أبو زيد الدبوسي ﵀ في كتابه: تأسيس النظر (٥).
ومعرفة هذا الأصل يسهِّل فهم أساس الخلاف بين الشافعيَّة والجمهور، ومن جهة أخرى يوضح مدى الاطِّراد الفقهي سواء كان في المذهب الشافعي أو في غيره، وهذا الأمر -وهو الاطراد الفقهي- أمر عظيم يحتاج إليه الفقيه؛ ولذا من لا يستصحب هذا المعنى في اختياراته الفقهية يصير أمره إلى اضطراب كبير، وغلط ظاهر.
وفي ختام المبحث أنبه إلى أمر مهم، وهو أن الشافعيَّة لما أخذوا بهذا الأصل -وهو انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام- أثَّر عليهم في مسائل أخر من كبار مسائل الخلاف، فمثلًا:
стр. 223
• أوجب الشافعيَّة قراءة الفاتحة على المأموم خلف إمامه في كل حال (١)، ولم يوجب ذلك الجمهور (٢).
• وذهب الشافعيَّة إلى أنَّ المأموم خلف إمامه يقول: سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد إذا رفع رأسه من الركوع (٣)، والجمهور يخالفونهم في هذا فلا يشرع للمأموم قول: سمع الله لمن حمده (٤).
• وكذلك مسألة ما يأتي به المسبوق إذا سلَّم إمامه هل هو بناء أم قضاء (٥)،
стр. 224
فالشافعيَّة يقولون: إن ما يدركه المصلي هو أول صلاته، ثم إذا سلم إمامه بنى على ذلك (١)، والجمهور ينازعونهم في هذا (٢).
ومردُّ ما سبق كله -والله أعلم- يرجع إلى الأصل السابق؛ إذ إنَّ الشافعي لمَّا قال: (إنَّ كلَّ مصلٍّ يصلي لنفسه) طرد هذا المعنى في قراءة الفاتحة فأوجبها على المأموم، وشرع للمأموم قول: سمع الله لمن حمده، وجعل ما أدركه المأموم هو أول صلاته لا آخرها، فإذا قام بنى على صلاته؛ لأن صلاة المأموم صلاة قائمة بذاتها؛ فالتزم جميع ما سبق.
ومذهب الجمهور يقتضي الارتباط والتضمن بين الصلاتين؛ ولذا حمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة، ولم يشرع على مذهب الجمهور قول المأموم: سمع الله
стр. 225
لمن حمده أيضًا، وما يدركه المسبوق من الصلاة هو آخر صلاته؛ لئلا تختلف حال الإمام والمأموم.
وخلاصة الباب:
• أن الشافعيَّة أوسع المذاهب في باب الإمامة في الصلاة؛ لأنهم ذهبوا إلى انفكاك صلاة المأموم عن صلاة الإمام.
• وأما الجمهور فإنهم ذهبوا إلى أن صلاة المأموم كالمندرجة في صلاة الإمام، وأن بينها ارتباطًا وتضمنًا؛ فصاروا إلى الضيق في الباب من حيث الجملة، والله أعلم.
* * *
стр. 226
المبحث الرابع:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب الجمع بين الصلاتين
تمهيد:
يذكر العلماء ﵏ في أثناء كتاب الصلاة أحكام الجمع بين الصلاتين، ويفردون لذلك بابا أو فصلا يسمى بـ (الجمع بين الصلاتين) (١)، والمراد بالجمع بين الصلاتين: هو تقديم العصر إلى وقت صلاة الظهر، وتقديم العشاء إلى وقت صلاة المغرب ويسمى جمع تقديم، أو تأخير الظهر إلى وقت صلاة العصر، وتأخير المغرب إلى وقت صلاة العشاء ويسمى جمع تأخير (٢). وعليه: «فيمتنع جمع العصر مع المغرب، والعشاء مع الصبح، وهي مع الظهر» (٣).
وهذا الباب من الأبواب التي نصَّ إمام من الأئمة على الاتساع فيها؛ إذ يقول تقي الدين ابن تيمية ﵀ في مواضع من مصنفاته: «أوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنه نصَّ على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل» (٤)، وسيأتي بيان وجه هذا الاتساع فيما يأتي من المطالب بحول الله.
стр. 227
وباب الجمع يدور في أصله على الأحوال التي يجوز فيها للمصلي الجمع بين الصلاتين؛ كحكم الجمع في السفر، والجمع في المطر، والجمع في المرض، والجمع عند الشغل، والجمع للمرأة المرضع، والجمع للمستحاضة، ونحو ذلك من المسائل.
المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب.
أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب.
أجمع العلماء ﵏ على جواز جمع الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة للحاج الآفاقي (١)، وأجمعوا على عدم جواز الجمع بين صلاة الصبح وغيرها، وعلى عدم جواز الجمع بين المغرب والعصر (٢).
ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب.
اتفقت المذاهب الأربعة على أنَّ الجمع لا يجوز إلا بعذر (٣)، وإنْ كَانت الأعذار محل خلاف بين المذاهب الأربعة على ما سيأتي بيانه.
стр. 228
وما سوى ما تقدَّم من المسائل المجمع والمتفق عليها فهي مسائل خلافيَّة بين المذاهب الأربعة.
المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب.
اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب الجمع بين الصلاتين، ومن المسائل المختلف فيها: حكم الجمع للمريض، وحكم الجمع للشُّغل، وحكم الجمع للمرأة المرضع.
الفرع الأول: حكم الجمع للمريض.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم اتفاق المذاهب الأربعة على أنَّ الجمع بين الصلاتين لا يجوز إلا بعذر، واختلفوا هل المرض عذر يبيح الجمع بين الصلاتين، أم لا؟ خلاف بين أهل العلم (١).
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: جواز الجمع للمريض إذا لحقه بتركه مشقة مطلقا، وهو مذهب الحنابلة (٢).
стр. 229
القول الثاني: جواز جمع التقديم للمريض الذي يخاف أن يُغلب على عقله فقط، فإن جمع ولم يغب عقله أعاد الثانية في وقتها، وهو مذهب المالكيَّة (١).
القول الثالث: عدم جواز الجمع للمريض مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (٢).
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز الجمع للمريض مطلقًا، وهم الحنابلة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة منها:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: «صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر» أخرجه مسلم (٣).
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الإجماع منعقد على أنَّ الجمع لا يجوز لغير عذر، فيحمل الحديث على أن جمعه ﷺ كان لمرض (٤). قال الإمام أحمد ﵀ في الحديث: «هذا عندي رخصة للمريض والمرضع» (٥).
الدليل الثاني: حديث حمنة بنت جحش ﵂ في قول النبي ﷺ لها وهي من المستحاضات: «فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِي
стр. 230
وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي … » أخرجه الأربعة إلا النسائي (١).
ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الاستحاضة نوع مرض (٢)، فإذا جاز الجمع في النوع وهو الاستحاضة جاز في الجنس وهو المرض من باب أولى.
الدليل الثالث: أنَّ المكلف المريض أشدَّ حاجة إلى الجمع بين الصلاتين من المسافر، والسفر من الأعذار التي يجمع فيها عند جمهور العلماء (٣).
الفرع الثاني: حكم الجمع للشغل.
تحرير محل النزاع:
تقدم اتفاق المذاهب الأربعة على أنَّ الجمع بين الصلاتين لا يجوز إلا بعذر، واختلفوا هل الشغل المبيح لترك الجمعة والجماعة (٤) عذر يبيح الجمع بين
стр. 231
الصلاتين، أم لا؟
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (٢).
стр. 232
وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز الجمع حال الشغل، وهم الحنابلة كذلك. وقد استدلوا على هذه المسألة بحديث ابن عباس ﵄ قال: «صلَّى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته» أخرجه مسلم (١).
ووجه الدلالة: تفسير ابن عباس ﵄ لجمع النبي ﷺ بعدم إرادته الحرج على أمته، وعلى ذلك فكل شغل يجوز ترك الجماعة فهو حرج يدخل في إطلاق الحديث، يقول ابن تيمية ﵀: «الجمع للمطر ونحوه، وللمرض ونحوه، ولغير ذلك من الأسباب، المقصود به رفع الحرج عن الأمة» (٢).
الفرع الثالث: حكم الجمع للمرضع.
تحرير محل النزاع:
تقدم اتفاق المذاهب الأربعة على أنَّ الجمع بين الصلاتين لا يجوز إلا بعذر، واختلفوا هل الرضاع عذر يبيح للمرضعة الجمع بين الصلاتين، أم لا؟
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنابلة (٣).
القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (٤).
стр. 233
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من جوَّز الجمع للمرضع، وهم الحنابلة أيضًا. وقد استدلوا على هذه المسألة بأنَّ على المرضع «مشقَّة في التفريق؛ لأن الغالب من حال المرضع أنَّ ثوبها لا يسلم من النجاسة، ففي غسله أو خلعه لكل صلاة مشقة» (١)، والقاعدة في الشريعة: (أنَّ المشقة تجلب التيسير) (٢).
ويمكن أن يستدل لهم أيضًا بحديث ابن عباس المتقدِّم، وذلك أنَّ صلاة المرضع في كل وقت من الحرج المرفوع بقول ابن عباس ﵄ في سبب الجمع-: «أراد أن لا يحرّج أحدًا من أمته» (٣).
الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب.
بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح اتساع الحنابلة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب الجمع بين الصلاتين يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا (٤)، وذلك:
стр. 234
• أن الحنابلة قالوا: يجوز الجمع للمستحاضة ومن به حدث مستمر (١)، وقال الجمهور: لا يجوز (٢).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع للعاجز عن معرفة الوقت كالأعمى والمطمور (٣)، وقال
стр. 235
الجمهور: لا يجوز (١).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع للعاجز عن الطهارة بالماء أو بالتراب لكل صلاة (٢)، وقال الجمهور: لا يجوز (٣).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع بين العشاءين في الوحل مطلقًا (٤)، وقال الجمهور: لا يجوز (٥).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع بين العشاءين في الريح الشديدة الباردة (٦)، وقال الجمهور: لا يجوز (٧).
• وقال الحنابلة: يجوز الجمع بين العشاءين لأجل المطر ونحوه جمع تأخير (٨)، وقال الجمهور: لا يجوز (٩).
• بل قال الحنابلة: يجوز الجمع بعذر المطر ونحوه لمن كان يصلي في بيته، أو كان طريقه إلى المسجد تحت سقف ونحوه (١٠)، وقال الجمهور: لا يجوز (١١).
стр. 236
ثم عند إمعان النظر في المذاهب الثلاثة يجزم الناظر بأن أضيق المذاهب في باب الجمع بين الصلاتين هم الحنفيَّة؛ وذلك أنَّهم قالوا: لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة (١).
وأمَّا المالكيَّة والشافعيَّة فبينهم تقارب في الجملة، وإن كان المالكيَّة أوسع من الشافعيَّة لما تقدم من قول المالكيَّة بالجمع في المرض إن خشي الإغماء، وقولهم أيضًا: يجوز الجمع بالطين مع الظلمة (٢). والله أعلم.
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب.
من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في باب الجمع بين الصلاتين هم الحنابلة، إلا أنه من خلال النظر في كتب المذاهب المعتنية بفروع المسائل تبيَّن للباحث وجود مسائل خرجت من حيث النظر العام عن توسعهم في الباب، وهي: حكم الجمع بين الظهر والعصر لأجل المطر، وحكم الجمع في السفر القصير، وحكم الجمع بين الجمعة والعصر في السفر (٣).
стр. 237
الفرع الأول: حكم الجمع بين الظهر والعصر لأجل المطر.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم أنَّ الحنفيَّة يمنعون الجمع لأجل المطر أصلًا، وأمَّا الجمهور القائلون بجواز الجمع للمطر فلا خلاف بينهم في جواز الجمع بين المغرب والعشاء لأجل المطر، واختلفوا في حكم الجمع بين الظهر والعصر لأجل المطر على قولين.
الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الشافعيَّة (١).
القول الثاني: المنع، وهو مذهب المالكيَّة والحنابلة (٢).
ويظهرُ في هذا الفرع أن الحنابلة أضيق مذهبًا من الشافعيَّة، وسبب قول الحنابلة بعدم الجواز يعود إلى أمرين:
الأمر الأول: أنَّ ما جاء من النصوص في الجمع في المطر وارد في العشاءين، فتقصر الرخصة على محلِّ الدليل (٣).
والأمر الثاني: أنَّه لا يصحُّ قياس الظهر والعصر على المغرب والعشاء؛ وذلك لوجود الظلمة في الأخيرين دون الأولين، وهذه مشقة توجب الفرق بين
стр. 238
الصورتين (١).
الفرع الثاني: حكم الجمع في السفر القصير.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم أنَّ الحنفيَّة يمنعون الجمع لأجل السفر مطلقًا، وأمَّا الجمهور القائلون بجواز الجمع في السفر فلا خلاف بينهم في جواز الجمع في السفر الطويل، واختلفوا في حكم الجمع في السفر القصير على قولين.
الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب المالكيَّة (٢).
القول الثاني: المنع، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (٣).
ويظهر في هذا الفرع أنَّ الحنابلة أضيق من المالكيَّة، وسبب قول الحنابلة بعدم جواز الجمع في السفر القصير يعود إلى أمور:
الأمر الأول: أن الجمع رخصة ثبتت دفعًا للمشقة، فاختصت بالسفر الطويل الذي تحصل به المشقة (٤).
стр. 239
الأمر الثاني: أنَّ الجمع لم يرد عن النبي ﷺ إلا فعلًا في السفر الطويل (١)، «والفعل لا صيغة له، وإنما هو قضية في عين، فلا يثبت حكمها إلا في مثلها» (٢).
الأمر الثالث: أنَّ الجمع فيه تأخير للعبادة عن وقتها، فاختص هذا بالسفر الطويل قياسًا على الفطر للصائم (٣).
الفرع الثالث: حكم الجمع بين الجمعة والعصر في السفر.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم أنَّ الحنفيَّة يمنعون الجمع في غير عرفة ومزدلفة مطلقًا، وأمَّا الجمهور القائلون بجواز الجمع في السفر فلا خلاف بينهم في جمع الظهر مع العصر بعذر السفر، لكن اختلفوا في حكم جمع صلاة الجمعة مع العصر للمسافر على قولين (٤).
الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة:
القول الأول: الجواز. وهو مذهب الشافعيَّة (٥).
стр. 240
القول الثاني: المنع. وهو مذهب الحنابلة (١).
ويظهر في هذا الفرع أنَّ الحنابلة أضيق من الشافعيَّة، وسبب قول الحنابلة بعدم
стр. 241
جواز الجمع بين الجمعة والعصر هو عدم ورود ذلك (١).
ويظهر لي -والعلم عند الله- أنَّ هذه المسألة لها تأثُّرٌ بمسألة ابتداء وقت الجمعة، فالحنابلة يرون أنَّ وقت الجمعة يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح (٢)، وأما المالكيَّة والشافعيَّة فيرون أن وقت الجمعة هو وقت الظهر (٣)، وعليه: فلا يمكن أن يقول الحنابلة بجواز جمع العصر مع الجمعة؛ لأنه لو أجيز ذلك لقيل بجواز صلاة العصر قبل الزوال، ولا شك أنَّ هذا فيه بعدٌ ظاهر.
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
من خلال المسائل المتقدمة يظهر أنَّ الحنابلة أوسع المذاهب في باب الجمع بين الصلاتين، وكما تقدم فهذه السعة نص عليها تقي الدين ابن تيمية ﵀ إلا أنني لم أقف على بيان صريح منه للسبب في هذه السعة.
وعند النَّظر في أدلَّة المسائل يمكن استنتاج سبب جامع لسبب الاتساع أو الضيق في الباب، وذلك أنَّ الحنابلة رأوا أن أصل جواز الجمع إنما هو من المشقة، ثم إنهم أيضًا توسَّعوا في معنى المشقة، وهذا الاتساع نتج عنه القول بجواز الجمع في كثير
стр. 242
من الصور. والمالكيَّة يقاربون الحنابلة في طردهم لمعنى المشقة في غير المنصوص عليها من الأحوال، إلا أنهم لم يتوسعوا في معنى المشقة كتوسع الحنابلة.
وأمَّا الشافعيَّة فإنهم قصروا الجمع على محلِّ النص، ولم يوسعوا دائرة الجمع لأجل المشقة كما هو مذهب الحنابلة.
وأمَّا الحنفيَّة فسبب الضيق في الباب تمسُّكهم بالأصل، وهو: أنَّ الصَّلاة لا يجوز تأخيرها أخذًا بأدلة مواقيت للصلاة، وأدلة الجمع لا تنهض لمعارضة هذا الأصل إلا الجمع في عرفة ومزدلفة فإن دليله الإجماع فقوي على التخصيص؛ ولذا فما ورد من أدلة في الجمع بين الصلاتين فإنه محمول عند الحنفيَّة على الجمع الصوري.
وقد نصَّ على هذه المعاني جملة من علماء المذاهب:
فمن الحنفيَّة يقول السرخسي ﵀ مستدلًا على عدم جواز الجمع: «لنا: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: في مواقيتها وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي فرضًا مؤقتًا … » (١)، ثم قال: «فكما لا يجمع بين العشاء والفجر ولا بين الفجر والظهر لاختصاص كل واحد منهما بوقت منصوص عليه شرعا، فكذلك الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وتأويل الأخبار أنَّ الجمع بينهما كان فعلًا لا وقتًا، وبه نقول» (٢).
وقال الكاساني ﵀: «تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر، فلا يباح بعذر السفر والمطر كسائر الكبائر … ، وهذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب
стр. 243
من الاستدلال أو بخبر الواحد، مع أن الاستدلال فاسد؛ لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها، ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر؟ والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة؛ لأن الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة، بل ثبت غير معقول المعنى بدليل الإجماع والتواتر عن النبي ﷺ فصلح معارضا للدليل المقطوع به، وكذا الجمع بمزدلفة غير معلول بالسير، ألا ترى أنه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر، وما روي من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به، مع أنه غريب ورد في حادثة تعم بها البلوى، ومثله غير مقبول عندنا، ثم هو مؤول وتأويله أنه جمع بينهما فعلًا لا وقتًا» (١). وهذا الاستدلال من الكاساني ﵀ في غاية الظهور في تقرير سبب ضيق الحنفيَّة في الباب، وقريبًا من هذا المعنى قرَّر الزيلعي ﵀ في تبيين الحقائق (٢).
ومن المالكيَّة: يقول ابن رشد ﵀ بعد ذكر الخلاف في الجمع للمرض-: «السبب في اختلافهم: هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر: أعني: المشقة، فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الأولى والأحرى، وذلك أنَّ المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر، ومن لم يعد هذه العلة وجعلها كما يقولون قاصرة -أي: خاصة بذلك الحكم دون غيره- لم يجز ذلك» (٣).
وأشار إلى تعدية العلة من عدمها الرجراجي ﵀ (٤)، وأشار ابن بشير والقرافي -رحمهما الله- إلى معنى المشقة في جمع المرض (٥).
стр. 244
ومن الشافعيَّة: يقول الإمام الشافعي ﵀: «لا يُجمع في حضر في غير المطر من قبل أن الأصل أن يصلي الصلوات منفردات، والجمع في المطر رخصة لعذر، وإن كان عذرٌ غيره لم يجمع فيه؛ لأن العذر في غيره خاص -وذلك المرض والخوف وما أشبهه، وقد كانت أمراض وخوف فلم يُعلم أن رسول الله ﷺ جَمَع-، والعذر بالمطر عام» ثم قال: «الدلالة على المواقيت عامة لا رخصة في ترك شيء منها ولا الجمع إلا حيث رخَّص النبي ﷺ » (١)، وفي هذا دلالة على عدم تعليل الجمع بالمشقة، وإنما مردُّ الباب -عند الشافعي- إلى الأحوال التي جمع فيها النبي ﷺ .
وقال الرافعي ﵀: «المشهور أنه لا جمع بالمرض والخوف والوحل؛ إذ لم يُنقل أنَّ الرسول ﷺ جمع بهذه الأسباب مع حدوثها في عصره» (٢).
وقال النووي ﵀: «باب الجمع مضبوط بما جاءت به السنة، فلا يجوز بكل شاقٍّ، ولهذا لم يجوِّزوه لمن هو قيِّمٌ بمريض وشبهه، ولم تأت السنَّة بالوحل» (٣)، وهذا تصريح من النووي ﵀ في أنَّ المشقة ليست هي العلة في باب الجمع بين الصلاتين.
وأما الحنابلة فقد سئل الإمام أحمد عن حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ صلى ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا (٤)، فقال: «هو في الحضر. قال ابن عباس ﵄: أراد التوسعة على أمته» (٥)، والإمام أحمد ﵀ إذا استدلَّ بقول صحابي فإن ذلك دالٌّ على الأخذ به (٦).
стр. 245
وقال شمس الدين ابن مفلح الجد ﵀ في الأحوال التي يجوز فيها الجمع: «ولخوف تحرُّج في تَركه، أي: مشقة» (١). قال ابن قندس ﵀ في حاشيته مبيِّنًا مراد المؤلف: «(مشقة) تفسير للتحرُّج، والمعنى: إذا خاف حرجًا في ترك الجمع، فإنه يجمع» (٢). وهذا ظاهر في أن معنى المشقة حاضر عند الحنابلة طردًا في جميع الصور.
وقال برهان الدين ابن مفلح الحفيد ﵀: «احتجَّ أحمد بأنَّ المرض أشد من السفر» (٣)، يعني أنَّ المشقة في المرض أعظم منها في السفر، فإذا جاز الجمع في السفر فجوازه في المرض أولى.
واستدلَّ البهوتي ﵀ على جواز الجمع للعاجز عن الطهارة بالماء، أو العاجز عن التيمم لكل صلاة بأنَّ «الجمع أبيح للمسافر والمريض للمشقة، والعاجز عن الطهارة لكل صلاة في معناهما» (٤). وهذه النصوص ظاهرة الدلالة في أن الجمع يكون لأجل المشقة، والمشقة ليست خاصة بالسفر أو المطر، وهذا هو سبب التوسع في الباب عندهم.
وهنا تنبيهان:
الأول: أنَّ المستثنيات عند الحنابلة هي في الحقيقة طردٌ لهذا السبب، وذلك أنهم منعوا وجود المشقة في السفر القصير، ومنعوا وجود المشقة في الجمع بين الظهرين، وبهذا يعلم شديد تماسك المذهب في الباب.
стр. 246
والثاني: أن قول الحنفيَّة بعدم الاشتراك في الأوقات أثَّر في غير هذا الباب؛ وذلك أنهم قالوا: الحائض إذا طهرت، أو الصبي إذا بلغ، أو المجنون إذا أفاق، أو الكافر إذا أسلم فإنه لا يصلي غير الفرض الذي وقع التكليف فيه، وأما ما يُجْمَع إليه من فرض قبله فإنه لا يقضيه؛ لعدم الاشتراك بين الأوقات (١).
وخلاصةُ الباب:
• أنّ الحنفيَّة هم أضيق المذاهب في الباب؛ إذ إنهم منعوا أصل الجمع؛ لمعارضته لمواقيت الصلاة، وقالوا بجواز الجمع في عرفة ومزدلفة؛ لثبوتها بالإجماع.
• وأمَّا الحنابلة فهم أوسع المذاهب في الباب؛ لتوسعهم في معنى المشقة، ورأوا أنَّ كلَّ مشقة يجوز معها الجمع. والمالكيَّة يأخذون بأصل المشقة إلا أنهم لا يتوسعون في إثباتها كما توسَّع الحنابلة.
стр. 247
• وأمَّا الشافعيَّة فهم وسط بين المذاهب؛ وذلك أنهم رأوا أنَّ الجمع محله النص وليس لأجل المشقة، والله أعلم.
* * *
стр. 248
الفصل الثالث:
الاتساع أو الضيق في كتاب الزكاة
وفيه مباحث:
• المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب إخراج القيمة في الواجبات الشرعية.
• المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب زكاة الخارج من الأرض.
• المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب زكاة الفطر.
стр. 249
المبحث الأول:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب إخراج القيمة في الواجبات الشرعيَّة
تمهيد:
يتناول العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على إخراج الواجبات الشرعية حكم إخراج القيمة فيها، وبعض الشافعيَّة يفرد هذه المسائل في (باب أخذ القِيَم في الزكاة) (١).
وإنما ألْحقتُ البابَ بكتاب الزكاة؛ لأمرين، الأول: أنَّ أهمَّ مسائل دفع القيم مذكورة في كتاب الزكاة، والأمر الثاني: أنَّ أول موضع ترد فيه أحكام إخراج القيمة هو في كتاب الزكاة كذلك.
ومسائل الباب تدور حول حكم إخراج القيمة فيما يجب على المكلف من الواجبات الشرعية؛ كحكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام، وحكم إخراج القيمة في زكاة الخارج من الأرض، وحكم إخراج القيمة في زكاة الفطر، وحكم إخراج القيمة في الكفارات -ككفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة الظهار- وحكم إخراج القيمة في النذر. ونحو ذلك من مسائل.
стр. 250
المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب.
أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب.
أجمع المسلمون على جواز دفع القيمة في الجزية (١).
ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب.
اتفقت المذاهب الأربعة على جواز إخراج القيمة في زكاة عروض التجارة (٢)، واتفقوا على عدم جواز إخراج القيمة في الهدايا والأضاحي (٣)، وعلى عدم جواز دفع القيم في العتق في الكفارات (٤).
المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب.
اختلف العلماء في جملة من المسائل المتعلقة بإخراج القيم في الواجبات الشرعيَّة، ومن رؤوس المسائل الخلافيَّة في الباب: حكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام، وحكم إخراج القيمة في زكاة الخارج من الأرض، وحكم إخراج