والثاني: أن قول الحنفيَّة بعدم الاشتراك في الأوقات أثَّر في غير هذا الباب؛ وذلك أنهم قالوا: الحائض إذا طهرت، أو الصبي إذا بلغ، أو المجنون إذا أفاق، أو الكافر إذا أسلم فإنه لا يصلي غير الفرض الذي وقع التكليف فيه، وأما ما يُجْمَع إليه من فرض قبله فإنه لا يقضيه؛ لعدم الاشتراك بين الأوقات (١).
وخلاصةُ الباب:
• أنّ الحنفيَّة هم أضيق المذاهب في الباب؛ إذ إنهم منعوا أصل الجمع؛ لمعارضته لمواقيت الصلاة، وقالوا بجواز الجمع في عرفة ومزدلفة؛ لثبوتها بالإجماع.
• وأمَّا الحنابلة فهم أوسع المذاهب في الباب؛ لتوسعهم في معنى المشقة، ورأوا أنَّ كلَّ مشقة يجوز معها الجمع. والمالكيَّة يأخذون بأصل المشقة إلا أنهم لا يتوسعون في إثباتها كما توسَّع الحنابلة.
стр. 247
• وأمَّا الشافعيَّة فهم وسط بين المذاهب؛ وذلك أنهم رأوا أنَّ الجمع محله النص وليس لأجل المشقة، والله أعلم.
* * *
стр. 248
الفصل الثالث:
الاتساع أو الضيق في كتاب الزكاة
وفيه مباحث:
• المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب إخراج القيمة في الواجبات الشرعية.
• المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب زكاة الخارج من الأرض.
• المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب زكاة الفطر.
стр. 249
المبحث الأول:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب إخراج القيمة في الواجبات الشرعيَّة
تمهيد:
يتناول العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على إخراج الواجبات الشرعية حكم إخراج القيمة فيها، وبعض الشافعيَّة يفرد هذه المسائل في (باب أخذ القِيَم في الزكاة) (١).
وإنما ألْحقتُ البابَ بكتاب الزكاة؛ لأمرين، الأول: أنَّ أهمَّ مسائل دفع القيم مذكورة في كتاب الزكاة، والأمر الثاني: أنَّ أول موضع ترد فيه أحكام إخراج القيمة هو في كتاب الزكاة كذلك.
ومسائل الباب تدور حول حكم إخراج القيمة فيما يجب على المكلف من الواجبات الشرعية؛ كحكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام، وحكم إخراج القيمة في زكاة الخارج من الأرض، وحكم إخراج القيمة في زكاة الفطر، وحكم إخراج القيمة في الكفارات -ككفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة الظهار- وحكم إخراج القيمة في النذر. ونحو ذلك من مسائل.
стр. 250
المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب.
أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب.
أجمع المسلمون على جواز دفع القيمة في الجزية (١).
ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب.
اتفقت المذاهب الأربعة على جواز إخراج القيمة في زكاة عروض التجارة (٢)، واتفقوا على عدم جواز إخراج القيمة في الهدايا والأضاحي (٣)، وعلى عدم جواز دفع القيم في العتق في الكفارات (٤).
المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب.
اختلف العلماء في جملة من المسائل المتعلقة بإخراج القيم في الواجبات الشرعيَّة، ومن رؤوس المسائل الخلافيَّة في الباب: حكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام، وحكم إخراج القيمة في زكاة الخارج من الأرض، وحكم إخراج
стр. 251
القيمة في الكفارات (١).
الفرع الأول: حكم إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام.
تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على أصل وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام (٢)، ثم اختلفوا في حكم إخراج القيمة في الواجب منها على أقوال.
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).
القول الثاني: الجواز مع الكراهة، وهو مذهب المالكيَّة (٤).
стр. 252
القول الثالث: المنع مطلقا، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (١).
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بالجواز مطلقًا، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن الصنابحي ﵁ قال: «رأى رسول الله ﷺ في إبل الصدقة ناقة مسنة فغضب، وقال: مَا هَذِهِ؟ فقال: يا رسول الله، إني ارتجعتها ببعيرين من حاشية الصدقة، فسكت» أخرجه أحمد (٢).
ووجه الدلالة: «أنَّ النبي ﷺ لم يكن يأذن للمصدقين أن يبيعوا الصدقات، فعُلم أنه أخذها من أرباب الأموال بالقيمة» (٣).
الدليل الثاني: أن أداء القيمة في بهيمة الأنعام «يسد مسد أداء عين الشاة في استيفاء المصلحة المطلوبة من الأداء إلى الفقير، فيجوز قياسًا على ما إذا أدى واحدة من خمس إبل؛ لأن الكفاية كما تحصل بملك عين الشاة تحصل بملك القيمة بل أولى؛
стр. 253
لأن تملك عين الشاة لا يتوسل في الحال إلا إلى نوع كفاية وهو الأكل، وتملك الدراهم يتوسل إلى أنواع من الكفاية» (١).
الدليل الثالث: أنَّ الواجب في الزكاة هو «أداء جزء من النصاب في الماليَّة، وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال» (٢).
الفرع الثاني: حكم إخراج القيمة في زكاة الخارج من الأرض.
تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على أصل وجوب زكاة الخارج من الأرض (٣)، واختلفوا في حكم إخراج القيمة في الواجب على قولين.
стр. 254
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفيَّة (١).
القول الثاني: الكراهة، وهو مذهب المالكيَّة (٢).
القول الثالث: المنع، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (٣).
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز إخراج القيمة، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بنحو ما تقدَّم في إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام (٤).
الفرع الثالث: حكم إخراج القيمة في الكفارات.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم اتفاق الأئمة على عدم جواز دفع القيمة في العتق في الكفارات، واختلفوا
стр. 255
في حكم دفع القيمة في غير العتق مما يجب في الكفارات على اختلاف أنواعها (١) على قولين:
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفيَّة (٢).
القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (٣).
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بالجواز، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: أنَّ المقصود بالكفارات هو «سدُّ خلة المسكين ودفع حاجته، وهذا المعنى موجود في القيمة» (٤)، «والقيمة في دفع الحاجة مثل الطعام، فورود الشرع بجواز الطعام يكون ورودًا بجواز القيمة بل أولى؛ لأنَّ تمليك الثمن أقرب إلى قضاء
стр. 256
حاجة المسكين من تمليك عين الطعام؛ لأنَّه به يتوصل إلى ما يختاره من الغذاء الذي اعتاد الاغتذاء به، فكان أقرب إلى قضاء حاجته، فكان أولى بالجواز» (١).
الدليل الثاني: القياس على الدية في جواز إخراج القيمة، بجامع أنَّ كلًّا من الدية والكفارة حق يجب في المال سببه الجناية فجاز فيه دفع القيمة (٢).
الدليل الثالث: أنَّ الكفارات مال وجب على المكلف بغير عقد معاوضة؛ فجاز فيه إخراج القيمة كسائر المتلفات (٣).
الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب.
بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك:
• أن الحنفيَّة قالوا: يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر (٤)، وقال الجمهور: إخراج القيمة لا يجوز (٥).
• بل قال الحنفيَّة: يجوز في زكاة الفطر وغيرها من الزكوات إخراج العروض أو ما شاء من الأموال (٦).
стр. 257
• وكذا قال الحنفيَّة: يجوز إخراج القيمة في النذر ولو كان معيَّنًا (١).
• وقال الحنفيَّة: يجوز في عروض التجارة إخراج الزكاة من قيمتها أو من عينها (٢)، وقال المالكيَّة: يجوز من قيمتها ويكره من عينها (٣)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: لا يجوز إلا من قيمتها (٤).
• وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: لو أنَّه في الكفارة غدَّى المساكين أو عشَّاهم جاز ذلك (٥)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: لا يجزئه ذلك، والواجب التمليك (٦).
ومن خلال ما تقدم يظهر سعة الحنفيَّة دون غيرهم في باب دفع القيم في الواجبات الشرعية، ويقاربهم في ذلك مذهب المالكيَّة، وأمّا الشافعيَّة والحنابلة فهم أضيق المذاهب في هذا الباب، والله أعلم.
стр. 258
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب.
من خلال ما جرى ذكره ظهر بجلاء سعة الحنفيَّة دون غيرهم من المذاهب في الباب، ومن خلال النظر في كتب الخلاف، وكتب رؤوس المسائل؛ لم أقف على مسألة خرجت عما تقرَّر من سعة الحنفيَّة في الباب، والله تعالى أعلم.
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
بعد ما ظهر سعة الحنفيَّة دون غيرهم من المذاهب في جواز إخراج القيم في الواجبات الشرعية على اختلاف أنواعها، يبرز سؤال، وهو: هل ثمة سبب يمكن رد الخلاف إليه في الباب؟
عند النظر في أدلة المسائل الخلافيَّة المتقدمة يظهر أن سبب ذلك -والله أعلم- راجع إلى أن الحنفيَّة جعلوا المقصود من الزكاة وغيرها من الواجبات الشرعية هو سد حاجة المحتاجين، في حين نظر الجمهور إلى هذا المعنى وزادوا عليه معنى التعبُّد؛ لمحل النصوص الواردة فيما يجب إخراجه.
وقد نصَّ على هذا السبب غير واحد من علماء الحنفيَّة:
يقول السرخسي ﵀ مستدلًّا على جواز إخراج القيمة في زكاة بهيمة الأنعام: «المقصود إغناء الفقير، والإغناء يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة، وربما يكون سدُّ الخلة بأداء القيمة أظهر» (١).
ويقول الموصلي ﵀ مستدلًّا على جواز إخراج القيمة: «الفقه فيه: أنَّ المقصود إيصال الرزق الموعود إلى الفقير وقد حصل» (٢).
стр. 259
ويقول الكمال ابن الهمام ﵀ في جواز إخراج القيمة: «المقصود إغناء الفقير وبه تحصل القربة» (١).
بل إن الحنفيَّة رأوا أن إخراج القيم في بعض الأزمنة أفضل من إخراج الأعيان، ووجه ذلك: أن القيمة أسرع لقضاء حاجة الفقير (٢)، يقول الزيلعي ﵀ في كلامه على زكاة الفطر: «الدراهم أولى من الدقيق؛ لأنه أدفع لحاجة الفقير وأعجل به» (٣). وبهذا يعلم شدة تمسُّك الحنفيَّة بهذا الأصل، ويتضح أن القصد من الزكاة وسائر الواجبات المالية عندهم هو حصول الإغناء للفقير بأي وجه كان.
وتقدم أنَّ الحنفيَّة استثنوا العتق وكذا الهدايا والأضاحي فقالوا: لا يجوز دفع القيم فيها، وهذا الاستثناء إنما جاء على التحقيق طردًا لهذا السبب؛ وذلك أنَّ الهدي فيه معنى التعبد، وأما العتق فدفع القيمة لا يحصِّل المقصود من إيصال المال إلى المحتاج؛ فمنع في كلتا الحالتين إخراج القيمة.
يقول المرغيناني ﵀ مبيِّنًا الفرق بين الهدي والزكاة: «القربة فيها إراقة الدم، وهو لا يعقل، ووجه القربة في المتنازع فيه سد خلة المحتاج وهو معقول» (٤) يريد بالمتنازع عليه: الزكاة. ويقول العيني ﵀ «إراقة الدم غير معقولة ولا متقوَّمة، فالمستحَقُّ إراقة الدم، حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق به لا يلزمه شيء» (٥).
وكذلك الأمر في العتق فإنه لم تجز القيمة فيه؛ لأنه لا يُتَقَوَّم (٦)، وكذا فـ «العتق إتلاف الرق على ملك المعتق، وليس هناك شيء يصل إلى العبد حتى تقوم القيمة إذا دفعت إليه مقامه، ولأن القيمة لا تخلو إما أن تدفع إلى العبد أو إلى الفقراء؛
стр. 260
فإن دفعت إلى الفقراء فليس العتق حقًّا لهم فلا يجوز دفع بدله إليهم، وإن دفعها إلى عبد نفسه لم يملكها، وإن دفع إلى عبد غيره فقد ملكها لمولاه وهو حر؛ فلذلك لا يجوز القيمة» (١).
وأما الجمهور المانعون -في الجملة- من إخراج القيم في الواجبات الشرعية، فقد نص غير واحد منهم على أن المنع إنما هو لاتباع النصوص الواردة، ولو كانت العلة معقولة.
فمن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀: «الشرع جاء بإخراج الزكاة وعلم أن القصد بها سد خلة المساكين، ولكن الشرع نصَّ على أعيان تخرج كبنت المخاض والحقة، فمن أَتبع مواقع التخصيص ولم يلتفت إلى المقصود؛ منع من إخراج القيم، ومن اعتبر المقصود وجرى معه أجاز إخراج القيم؛ لأنها تسد خلة المساكين كما تسده بنت المخاض والحقة» (٢).
ويقول الفندلاوي ﵀: «الزكاة عبادة، فإذا كانت عبادة فلا يجزئ أن يُفْعل بالعبادة إلا ما ورد التعبد به، بدليل الصلاة وأفعالها» (٣).
ويقول ابن رشد ﵀ في دفع القيمة في بهيمة الأنعام: «سبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة قال: إن أخرج من غير تلك الأعيان لم يجز؛ لأنه إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة، ومن قال: هي حق للمساكين، فلا فرق بين القيمة والعين عنده» (٤).
стр. 261
ويقول ابن بزيزة ﵀: «أهل العراق أجازوا إخراج القيمة، بناء على أنَّ المقصود الإرفاق وهذا داخل بالعين والقيمة» (١).
ومن الشافعيَّة: يقول الغزالي ﵀ مجيبًا عن استدلال الحنفيَّة بأنَّ القصد في الزكاة سد خلة المساكين: «نسلم أنَّ سد الخلة مقصود، ولكن لا نسلم أنه كل المقصود، بل ينضم إليه معنى العبادة، والحكم بالتعبد من جهة الشرع وهذا موقع الزلل، فإن الخصم [يعني الحنفيَّة] ظنَّ لظهور معنى سد الخلة أنه كل المقصود» (٢)، وقال أيضًا: «للشرع تعبُّدات في الزكاة مترادفة، يعرِّفُنا بها أنَّ معنى سد الخلة لم يتمحَّض، فوجب الوقوف على معنى المنصوص؛ وفاء بالمعنى والتعبد جميعًا» (٣).
وقال ابن الدهان ﵀: إن دافع القيمة «لم يؤدِّ الواجب فلم يخرج عن عهدته؛ لأنَّ الواجب شاة في خمس من الإبل، والتعبد بما ورد به الشرع لا يقوم غيره مقامه كالسجود والركوع» (٤).
ونقل النووي عن الجويني -رحمهما الله- قوله: «الدليل لأصحابنا: أنَّ الزكاة قربة لله تعالى وكل ما كان كذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى، ولو قال إنسان لوكيله: اشتر ثوبا. وعلم الوكيل أنَّ غرضه التجارة ولو وجد سلعة هي أنفع لموكله لم يكن له مخالفته، وإن رآه أنفع؛ فما يجب لله تعالى بأمره أولى بالاتباع» (٥).
стр. 262
ومن الحنابلة: يقول أبو المواهب العكبري ﵀ مستدلًا على عدم جواز إخراج القيمة في الزكاة: «دليلنا: أنه عدل من الجنس المنصوص عليه إلى غيره في الزكاة فلا تجزيه» (١).
وقال ابن قدامة ﵀: «الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرًا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به، ولأن مُخرج القيمة قد عدل عن المنصوص، فلم يجزئه» (٢). وقال أيضًا في إخراج القيمة في الكفارات: «الله تعالى خيّر بين ثلاثة أشياء، ولو جازت القيمة لم ينحصر التخيير في الثلاثة، ولأنَّه لو أريدت القيمة لم يكن للتخيير معنى؛ لأن قيمة الطعام إن ساوت قيمة الكسوة، فهما شيء واحد، فكيف يخير بينهم» (٣).
وبنحو هذا قال الزركشي ﵀، وذكر أنَّ إخراج القيم عدول عن المنصوص (٤).
ولما ذكر ابن مفلح الحفيد ﵀ في المسألة المنع والإجزاء روايتين عن الإمام أحمد قال: «الأول أولى؛ للنصوص» (٥). يريد بذلك المنع.
стр. 263
وخلاصة الباب:
• أنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في باب إخراج القيم؛ وذلك لأنَّهم جعلوا هذا الباب معقول المعنى، والقصد فيه: سدُّ حاجة المساكين وإغناؤهم، ودفع القيمة يحصل به المقصود.
• وأما الجمهور فنازعوا في هذا؛ إذ جعلوا في هذه الواجبات معنى التعبُّد، وأخذوا بالنصوص الواردة في صفة المخرج؛ فصار مذهبهم أضيق، والله أعلم.
* * *
стр. 264
المبحث الثاني:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب زكاة الخارج من الأرض
تمهيد:
يذكر العلماء ﵏ في أثناء كتاب الزكاة أحكام زكاة الزروع والثمار وما يلتحق بها، وللمذاهب في تسمية الباب إطلاقات: فمنهم من يسميه: (باب زكاة الخارج من الأرض) (١)، ومنهم من يسميه: (باب زكاة النبات) (٢)، ومنهم من يسميه: (باب زكاة الزروع والثمار) (٣)، ومنهم يسميه: (باب العشر) (٤)، ومنهم من يسميه: (باب زكاة الحرث) (٥).
والمسائل التي تدخل تحت الباب: هي المسائل المتعلقة بزكاة الزرع والنبات؛ كحكم الزكاة فيها، وأصناف النبات التي تجب فيه الزكاة، والنصاب، وقدر الواجب
стр. 265
فيها، وأثر الدين في وجوب الزكاة في النبات، وحكم الزكاة في أرض المكاتب، وحكم الزكاة في أرض الوقف ونحو ذلك.
ويُلحق بالباب أيضًا: حكم الزكاة في العسل، ونصابه، وقدر ما يجب فيه؛ لأنَّه في حكم الخارج من الأرض.
المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب.
أولًا: المسائل المجمع عليها.
أجمع العلماء على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب (١)، وأجمعوا على أنَّ الحول غير معتبر في زكاة النبات (٢)، وأجمعوا على وجوب الزكاة في الزرع إن بلغ خمسة أوسق (٣)، وأجمعوا على أنَّ الوسق ستون صاعًا (٤)، وأجمعوا على أن الواجب العشر إن سقي الزرع بلا كلفة، فإن سقي بكلفة فنصف العشر (٥)، وأجمعوا على أنَّه لا أوقاص في زكاة النبات، وأنَّ ما زاد فبحسابه (٦).
стр. 266
ثانيًا: المسائل المتفق عليها.
اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب الزكاة في: السُّلت (١) والذرة والدُّخْن (٢) والأرز والعَلَس (٣) والحمص والفول واللوبيا والجُلُّبان (٤).
المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب
اختلف العلماء في جملة من المسائل المتعلقة بباب الخارج من الأرض، ومن رؤوس المسائل في الباب: النصاب في زكاة الخارج من الأرض، وأصناف النبات
стр. 267
التي تجب فيها الزكاة، وحكم زكاة أرض المكاتب (١).
الفرع الأول: حكم النصاب في زكاة الخارج من الأرض.
تحرير محل النزاع:
أجمع العلماءُ على وجوب الزكاة في الخارج من الأرض إذا بلغ خمسة أوسق (٢)، واختلفوا فيما نقص عن ذلك على قولين:
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوب الزكاة في قليل الخارج وكثيره، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).
стр. 268
القول الثاني: أن الزكاة لا تجب في الخارج حتى يبلغ خمسة أوسق، وهو مذهب الجمهور (١).
ويظهر في هذه الفرع أن مذهب الحنفيَّة أضيق من مذهب الجمهور، وذلك لقولهم بوجوب الزكاة في كل ما يخرج، وقد استدلوا على قولهم بأدلة منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقول النبي ﷺ في حديث ابن عمر ﵄ «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» أخرجه البخاري (٢).
ووجه الدلالة من النصوص: العموم فيها (٣)؛ وذلك أنه «لم يُفرَّق في شيء من ذلك بين القليل والكثير» (٤)، ثم إن «العمل بالعامِّ وإجراؤه على عمومه أولى من
стр. 269
التخصيص» (١).
الدليل الثاني: أنَّ العشر أحد حقي الأرض، فالأرض إما يجب فيها عشر أو خراج، والخراج لا نصاب فيه، فيقاس عليه العشر (٢).
الدليل الثالث: أن سبب الوجوب في العشر: الأرض النامية بالخارج، وهذا لا يوجب التفصيل بين القليل والكثير (٣).
الفرع الثاني: أصناف النبات التي تجب فيها الزكاة.
تحرير محل النزاع:
تقدم أنَّ العلماء أجمعوا على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وتقدم اتفاق المذاهب الأربعة على وجوب الزكاة في: السُّلْت والذرة والدخن والأرز والعَلَس والحمص والفول واللوبيا والجُلُّبَان.
واختلفوا في وجوب الزكاة في غير ما ذكر من سائر أصناف النبات على أقوال.
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوب الزكاة في كل خارج من الأرض إلا ما لا يقصد به استغلال الأرض، كالحطب والقصب والحشيش، وهو مذهب الحنفيَّة (٤).
стр. 270
القول الثاني: وجوب الزكاة في عشرين صنفًا، هي: (التمر والزبيب والقمح والسلت والشعير والذرة والدخن والأرز والعلس والزيتون والسمسم والقُرطُم (١) وحب الفجل والحِمص والفول واللوبيا والعدس والتُّرمُس (٢) والجلبان والبسِيلة (٣)، وهو مذهب المالكيَّة (٤).
القول الثالث: وجوب الزكاة فيما يقتات ويدخر اختيارًا، وهو مذهب الشافعيَّة (٥).
стр. 271
القول الرابع: وجوب الزكاة فيما يكال ويدخر، وهو مذهب الحنابلة (١).
ويظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في المسألة الحنفيَّة؛ وذلك أنهم أوجبوا الزكاة في كل خارج من الأرض، فأوجبوا الزكاة في الفواكه كالتين والرمان والتوت، وأوجبوها أيضًا في الخضراوات، وبالجملة: فكل خارج تستغل به الأرض فإن الزكاة واجبة فيه عند الحنفيَّة، وقد استدلوا على مذهبهم بأدلة، منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
ووجه الدلالة من الآيتين: العموم فيهما؛ وذلك أنَّ العموم «يوجب الحق في كل خارج إلا ما قام دليله» (٢). بل قال الكاساني عن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، «أحقُّ ما تتناوله هذه الآية الخضراوات؛ لأنها هي المخرجة من الأرض حقيقة» (٣)، وقال عن قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: «أحقُّ ما يحمل الحق عليه الخضراوات؛ لأنها هي التي يجب إيتاء الحق منها يوم القطع، وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى وقت التنقية» (٤).
الدليل الثاني: أن سبب وجوب زكاة النبات والزرع هو الأرض النامية (٥)، «والنماء بالخضر أبلغ؛ لأن ريعها أوفر» (٦).
стр. 272
الفرع الثالث: حكم زكاة أرض المكاتَب.
تحرير محل النزاع:
تقدم إجماع العلماء على وجوب زكاة الخارج في الجملة، واختلفوا في حكم الزكاة في أرض المكاتب على قولين:
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: وجوب الزكاة في أرض المكاتَب، وهو مذهب الحنفيَّة (١).
القول الثاني: عدم وجوب الزكاة في أرض المكاتَب، وهو مذهب الجمهور (٢).
ويظهر في هذا الفرع أيضًا ضيق الحنفيَّة؛ إذ إنهم قالوا بوجوب الزكاة في أرض المكاتب.
واستدلَّ الحنفيَّة على وجوب الزكاة في أرض المكاتب بأنَّ العشر مؤنة للأرض، فـ «المكاتب والحر فيه سواء» (٣).
الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب.
بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنفيَّة في القول بوجوب الزكاة في الخارج من الأرض دون غيرهم من المذاهب، وعند النظر في المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا وذلك:
стр. 273
• أن الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة- قالوا بوجوب العشر في الأرض الموقوفة مطلقًا (١)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: لا يجب العشر في الأرض الموقوفة على غير معين (٢).
• وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: بوجوب الزكاة في العسل (٣)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: لا تجب الزكاة في العسل (٤).
• وقال الحنفيَّة: تجب الزكاة في قليل العسل وكثيره، ولا نصاب عندهم فيه (٥)، وخالف في هذا الحنابلة فقالوا: للعسل نصاب (٦).
• وقال الحنفيَّة: تجب الزكاة في ثمرة الجبل ونحوها إن حماها الإمام (٧)، وقال
стр. 274
الجمهور: لا زكاة فيها (١).
ومما يُلْحق بالمسائل الشواهد مما يُوضِحُ المعنى المراد:
• أنَّ الحنفيَّة قالوا بعدم وجوب الزكاة على الصبي والمجنون (٢)، إلا العشر فإنه واجب عليهما (٣).
• وقالوا أيضًا بعدم وجوب الزكاة على من عليه دين (٤)، إلا العشر فإنه يجب عليه (٥).
• ونحو هذا المكاتب، فلا زكاة عليه في ماله إلا العشر. وقد تقدمت هذه المسألة.
стр. 275
ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر لي أن مذهب الحنابلة أقرب إلى مذهب الحنفيَّة في القول بوجوب الزكاة في الخارج من الأرض من مذهب المالكيَّة والشافعيَّة، ووجه ذلك أنَّ الحنابلة وافقوا الحنفيَّة من حيث الجملة في وجوب الزكاة في العسل، وكذلك قال الحنابلة تجب الزكاة في كل مكيل ومدخر، وهم أقرب المذاهب في المسألة إلى قول الحنفيَّة.
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب.
من خلال ما تقدم ظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب قولًا بوجوب الزكاة في باب الخارج من الأرض هم الحنفيَّة، غير أنَّ للحنفية مسألة خرجت من حيث النظر العام عن ضيقهم في الباب، وهي مسألة: وجوب الزكاة في الأرض الخراجيَّة.
الفرع الأول: حكم الزكاة في الأرض الخراجيَّة.
تحرير محل النزاع:
اتفقت المذاهب الأربعة على أنَّ الأرض الخراجيّة يجب فيها الخراج إذا كان المالك لها من أهل الذمة (١)، واختلفوا في الأرض الخراجيَّة إذا انتقلت إلى مسلم هل تجب فيها الزكاة أم لا؟ على قولين:
القول الأول: وجوب الخراج إن سقاها بماء الخراج، أو العشر إن سقاها بماء العشر، أو بهما جميعًا. وهو مذهب الحنفيَّة (٢).
стр. 276
القول الثاني: وجوب الخراج والزكاة، وهو مذهب الجمهور (١).
ويظهر في هذا المسألة أنَّ الحنفيَّة أوسع من مذهب الجمهور، وجاءت المسألة على خلاف الأصل المتقرِّر من ضيقهم في إيجاب الزكاة، ومن خلال النظر في أدلة الحنفيَّة في المسألة يظهر أنَّ سبب خروج المسألة من ضيقهم في الباب يعود إلى أمور:
الأمر الأول: أنَّ سبب وجوب العشر والخراج واحد، «وهو الأرض النامية؛ فلا يجتمعان في أرض واحدة، كما لا يجتمع زكاتان في مال واحد وهي زكاة السائمة والتجارة» (٢).
الأمر الثاني: ما روي عن ابن مسعود ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا يجتمعُ عشرٌ وخراجٌ في أرضِ مسلم» أخرجه ابن حبان في المجروحين، وابن عدي في الكامل (٣).
стр. 277
ووجه الدلالة من الحديث ظاهر، إذ الحديث نصٌّ في محل النزاع.
الأمر الثالث: إجماع الأمة على عدم الأخذ (١)؛ إذ لم يُعْرف عن أحد من الأئمة والولاة -عادلًا كان أو جائرًا- أنَّه أخذ من أرض السواد عُشرًا «فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع؛ فيكون باطلًا» (٢).
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
من خلال ما تقدم ظهر بجلاء ضيق الحنفيَّة في باب زكاة الخارج من الأرض، وأنَّهم ينفردون عن الجمهور بالقول بوجوب الزكاة في جملة من المسائل، ويرجع ذلك -والله أعلم- إلى سبب واحد، وهو أنَّ الحنفيَّة أخذوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ونتج عن هذا قولهم: إن زكاة الخارج حق الأرض؛ ولذا أطلق عليها جملة من علمائهم: العشر، يريدون بذلك التفريق بين العشر وبين غيره من أبواب الزكاة؛ كزكاة بهيمة الأنعام، وزكاة النقدين، وزكاة عروض التجارة، وقالوا: إن تسمية العشر زكاةً إنما
стр. 278
هو من باب المجاز (١). على هذا فالعشر واجب عند الحنفيَّة في كل خارج من غير النظر إلى حال المزكي.
وأمَّا الجمهور فإنهم نظروا إلى مجموع النصوص في الباب، وخصصوا بها عموم الآيات، وجعلوا الزكاة فيه مثل سائر الزكوات، ونتج عن هذا قولهم: إنَّ الزكاة حق الزرع، وعليه فينظر إلى حال المزكِّي كما هو الحال في غيرها من الزكوات، فقليل الخارج لا تجب فيه الزكاة؛ لعدم غنى مالكه؛ إذ النصاب شرط في سائر الزكوات، وأرض المكاتب لا زكاة فيها؛ لعدم تمام الملك له وتمام الملك شرط في سائر الزكوات، والدين في باب الخارج من الأرض لا يغاير الديون في أبواب الزكاة، فهو إما أن يمنع الزكاة، أو لا، والملاحظ أنَّ النظر إلى حال المزكِّي آلَ بالجمهور إلى التخفيف في جملة من مسائل الباب، وهذا هو المعنى الذي صار بالجمهور إلى هذه السعة.
وقد نصَّ على هذا المعنى علماء المذاهب:
فمن الحنفيَّة: يقول السرخسي ﵀ في استدلاله على وجوب الزكاة في كل أصناف النبات: «العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج» (٢).
وقال الكاساني ﵀ في مسألة النصاب في الخارج من الأرض: «سبب الوجوب -وهي: الأرض النامية بالخارج- لا يوجب التفصيل بين القليل والكثير» (٣)،
стр. 279
وقال أيضًا عن زكاة العسل: «هو ملحق بنمائها؛ لاعتبار الناس إعداد الأرض لها، ولأنه يتولد من أنوار الشجر فكان كالثمر» (١).
وقال العيني ﵀ في كلامه على مسألة الزكاة في أرض المكاتب: «قال الشافعي: لا شيء في الخارج من أرض المكاتب والعشر عنده قياس الزكاة فلا يجب إلا باعتبار المالك، أما عندنا فالعشر مؤنة الأرض النامية كالخراج، فالمكاتب والحر فيه سواء» (٢).
ومن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀ مستدلًّا على اشتراط النصاب في الخارج من الأرض: إنه «مال تجب الزكاة في عينه، فوجب أن يعتبر فيه النصاب كالعين والماشية» (٣).
ويقول الفندلاوي ﵀: زكاة الزرع «حق يجب في مال، ويصرف مصرف الزكاة؛ فاقتضى وجوبه نصابًا في الابتداء اعتبارًا بزكاة الذهب والورق» (٤).
وقال ابن رشد ﵀ في سبب الخلاف بين الجمهور والحنفيَّة في مسألة وجوب الزكاة في أرض الخراج يزرعها المسلم: «سبب اختلافهم: هل الزكاة حق الأرض، أو حق الحب؟ فإن قلنا: إنَّه حق الأرض لم يجتمع فيها حقان: وهما العشر والخراج، وإن قلنا: الزكاة حق الحب كان الخراج حق الأرض، والزكاة حق الحب» (٥).
стр. 280
ومن الشافعيَّة: يقول السمعاني ﵀ بعد ذكره أن العشر حق واجب في الزرع: «الدليل على أنَّ العشر واجب في الخارج، أنَّ الواجب عشر الخارج فيكون واجبًا بملك الخارج وبسببه؛ مثل زكاة الذهب والفضة لما كان الواجب ربع العشر كان واجبًا بملك الذهب والفضة وبسببهما؛ لأنَّه يكثر بكثرة الخارج ويقل بقلته، وأيضًا يختلف باختلاف أجناس الخارج والأرض واحدة غير مختلفة، فثبت أن العشر واجب في الخارج. وأما الخراج مؤنة الأرض، بدليل أنه يجب بملك الأرض، وإن لم يكن زرع بعد أن تمكن من الزرع، وأما العشر لا يجب بحال إلا بوجود الزرع» (١).
وقال الروياني ﵀ في كلامه على الخلاف مع أبي حنيفة ﵀ في مسألة اجتماع العشر مع الخراج: «العشر عنده هو حق الأرض … ، وعندنا العشر حق الزرع والخراج حق الأرض» (٢)، ونص الغزالي ﵀ على أنَّ العشر حق الزرع (٣).
وقال ابن الدهان ﵀ مبيِّنًا مأخذ الخلاف مع الحنفيَّة في الأصناف التي يجب فيها الزكاة: «مأخذهم: أنَّ العشر واجب الأرض باعتبار أنها مال نام، وهذا يقتضي أن تجب في كل نما أرض إلا ما ورد فاستثنى به نص كالحشيش والحطب، ومأخذنا: أن الموجب للعشر هو ملك الزرع والأصل نفي العشر عن الجميع إلا ما ورد فيه الدليل» (٤). وهذا نصٌّ ظاهر في أن مردَّ الخلاف إلى السبب المتقدم.
ومن الحنابلة: يقول ابن قدامة ﵀ عما يخرج من الأرض: «الخراج في رقبتها، والعشر في غلَّتها؛ لأن الخراج مؤنة الأرض فهو كالأجرة في الإجارة» (٥).
стр. 281
ونصَّ ابن مفلح الجد ﵀ على أنَّ العشر «من حقوق الزرع، بدليل أنه لا يجب إذا لم يزرع ويتقدر بقدره، بخلاف غيره من الخراج، فإنه من حقوق الأرض» (١).
وقال ابن مفلح الحفيد ﵀: «سبب الخراج: التمكين من النفع؛ لوجوبه وإن لم يزرع، وسبب العشر: الزرع» (٢).
ويحسن في ختام هذا الباب الإشارة إلى أربعة أمور:
الأمر الأول: أن هذا السبب قد أثَّر على الحنفيَّة في مسائل أخر متعلقة بالباب، من ذلك:
• أنَّ الحنفيَّة قالوا: إن زكاة الأرض عند استئجارها واجبة على المؤجر لا على المستأجر (٣)؛ وذلك لأنَّ الأرض النامية التي هي سبب الوجوب ملك له فالزكاة عليه. وقال الجمهور: الزكاة على المستأجر؛ لأنَّ الزكاة تجب في الزرع (٤). وقد ذكر ابن رشد ﵀ أن سبب الخلاف في هذه المسألة هو هذا السبب (٥).
• وكذلك قال الحنفيَّة: الأرض لا تُخْلى من واجب فيها، فإما عشر وإما
стр. 282
خراج، فلو اشترى ذميٌّ أرضًا عشرية فإنها تنقلب إلى أرض خراجية، ويجب على الذمي الخراج عند الحنفيَّة (١)، وقال الجمهور: لا شيء فيها (٢). يقول السمرقندي ﵀: «العشر والخراج شُرعا لمؤونة الأراضي فمن كان أهلًا لأداء العشر يوضع عليه العشر، ومن لم يكن يوضع عليه الخراج، فأمَّا الذمي إذا اشترى أرض المسلم وهو ليس من أهل العشر يجب أن تنقلب خراجيَّة» (٣).
الأمر الثاني: تقدم في المطلب الثاني أنَّ الحنفيَّة أوجبوا العشر على الصبي والمجنون، وعلى المكاتب، وعلى من عليه دين، وإن كانوا في الأصل لا يقولون بوجوب سائر أنواع الزكاة عليهم؛ وذلك لأن العشر حق الأرض، فعلى ذلك لا ينظر إلى حال المزكي. يقول ابن مازة ﵀: «يؤخذ العشر من الأراضي العشرية إذا كان المالك مسلمًا صغيرًا كان أو كبيرًا، عاقلًا كان أو مجنونًا، وكذلك يجب في أرض المكاتب، وفي أرض الوقف؛ لأنَّ هذا حق مال يجب بسبب أرض [نامية] (٤)، فيجب على هؤلاء كالخراج؛ وهذا لأنَّ معنى المؤنة في العشر أصل، ومعنى العبادة تبع؛ لأنَّه [يجب] (٥) بسبب أرض نامية» (٦).
стр. 283
الأمر الثالث: أنَّ الحنفيَّة استثنوا ما لا يقصد به استغلال الأرض؛ كالحطب والقصب والحشيش فقالوا: لا زكاة فيها؛ ووجه ذلك أنَّ «هذه الأشياء لا تُسْتَنمى بها الأرض ولا تُسْتغل بها عادة؛ لأنَّ الأرض لا تنمو بها بل تفسد فلم تكن نماء الأرض» (١).
الأمر الرابع: أن ما يُعد استثناءً من الضيق -وهي مسألة اجتماع الخراج مع العشر- هو في حقيقته طرْدٌ من الحنفيَّة لهذا السبب، ووجهه: أنَّ كلًا من العشر والخراج حق للأرض، وأخذ مالين عن حق واحد من الثنى المنهي عنه في الزكاة، يقول السرخسي ﵀: «الخراج والعشر كل واحد منهما مؤنة الأرض النامية ولا يجتمع المؤنتان بسبب أرض واحدة» (٢)، ويقول المرغيناني ﵀: «سبب الحقين واحد وهو الأرض النامية، ولهذا يضافان إلى الأرض» (٣)، وأما الجمهور فينازعون في هذا، ويرون أنَّ العشر حق الزرع وأمَّا الخراج فهو حق الأرض؛ ولذا أوجبوا الزكاة مع الخراج (٤).
وخلاصة الباب:
• أنَّ الحنفيَّة أخذوا بالعمومات في القرآن والسنة الواردة في باب الخارج من الأرض، وفهموا من هذه العمومات: أنَّ العشر حق للأرض، وميزوا العشر
стр. 284
عن سائر أبواب الزكاة، فترتب على هذا أن أوجبوا الزكاة في عامة مسائل الباب، فصار مذهبهم بذلك أضيق المذاهب.
• وأمَّا الجمهور فأخذوا بمجموع النصوص، وخصَّصوا العام بما ورد من أدلَّة خاصَّة، وفهموا من مجموع النصوص: أنَّ زكاة الخارج من الأرض هو حق الزرع كسائر الأموال الزكوية، وجعلوا الباب كسائر أبواب الزكاة، فترتب على هذا أن قالوا بعدم الزكاة في كثير من مسائل الباب، فصار مذهبهم بذلك أوسع من الحنفيَّة. والله أعلم.
* * *
стр. 285
المبحث الثالث:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب زكاة الفطر
تمهيد:
يذكر العلماء ﵏ في أواخر كتاب الزكاة: أحكام زكاة الفطر، ويفردون لها بابًا، واختلفت إطلاقاتهم في تسمية الباب، وجمهورهم على تسميته بباب زكاة الفطر (١).
وزكاة الفطر هي: «صدقة تجب بالفطر من رمضان طهر للصائم من اللغو» (٢).
وإنما سميت زكاة؛ لأنها تزكِّي النفس وتطهرها (٣)، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان (٤). وتسمى أيضًا: صدقة الفطر (٥)، وزكاة رمضان، وزكاة