← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ونصَّ ابن مفلح الجد ﵀ على أنَّ العشر «من حقوق الزرع، بدليل أنه لا يجب إذا لم يزرع ويتقدر بقدره، بخلاف غيره من الخراج، فإنه من حقوق الأرض» (١). وقال ابن مفلح الحفيد ﵀: «سبب الخراج: التمكين من النفع؛ لوجوبه وإن لم يزرع، وسبب العشر: الزرع» (٢). ويحسن في ختام هذا الباب الإشارة إلى أربعة أمور: الأمر الأول: أن هذا السبب قد أثَّر على الحنفيَّة في مسائل أخر متعلقة بالباب، من ذلك: • أنَّ الحنفيَّة قالوا: إن زكاة الأرض عند استئجارها واجبة على المؤجر لا على المستأجر (٣)؛ وذلك لأنَّ الأرض النامية التي هي سبب الوجوب ملك له فالزكاة عليه. وقال الجمهور: الزكاة على المستأجر؛ لأنَّ الزكاة تجب في الزرع (٤). وقد ذكر ابن رشد ﵀ أن سبب الخلاف في هذه المسألة هو هذا السبب (٥). • وكذلك قال الحنفيَّة: الأرض لا تُخْلى من واجب فيها، فإما عشر وإما

стр. 282

خراج، فلو اشترى ذميٌّ أرضًا عشرية فإنها تنقلب إلى أرض خراجية، ويجب على الذمي الخراج عند الحنفيَّة (١)، وقال الجمهور: لا شيء فيها (٢). يقول السمرقندي ﵀: «العشر والخراج شُرعا لمؤونة الأراضي فمن كان أهلًا لأداء العشر يوضع عليه العشر، ومن لم يكن يوضع عليه الخراج، فأمَّا الذمي إذا اشترى أرض المسلم وهو ليس من أهل العشر يجب أن تنقلب خراجيَّة» (٣). الأمر الثاني: تقدم في المطلب الثاني أنَّ الحنفيَّة أوجبوا العشر على الصبي والمجنون، وعلى المكاتب، وعلى من عليه دين، وإن كانوا في الأصل لا يقولون بوجوب سائر أنواع الزكاة عليهم؛ وذلك لأن العشر حق الأرض، فعلى ذلك لا ينظر إلى حال المزكي. يقول ابن مازة ﵀: «يؤخذ العشر من الأراضي العشرية إذا كان المالك مسلمًا صغيرًا كان أو كبيرًا، عاقلًا كان أو مجنونًا، وكذلك يجب في أرض المكاتب، وفي أرض الوقف؛ لأنَّ هذا حق مال يجب بسبب أرض [نامية] (٤)، فيجب على هؤلاء كالخراج؛ وهذا لأنَّ معنى المؤنة في العشر أصل، ومعنى العبادة تبع؛ لأنَّه [يجب] (٥) بسبب أرض نامية» (٦).

стр. 283

الأمر الثالث: أنَّ الحنفيَّة استثنوا ما لا يقصد به استغلال الأرض؛ كالحطب والقصب والحشيش فقالوا: لا زكاة فيها؛ ووجه ذلك أنَّ «هذه الأشياء لا تُسْتَنمى بها الأرض ولا تُسْتغل بها عادة؛ لأنَّ الأرض لا تنمو بها بل تفسد فلم تكن نماء الأرض» (١). الأمر الرابع: أن ما يُعد استثناءً من الضيق -وهي مسألة اجتماع الخراج مع العشر- هو في حقيقته طرْدٌ من الحنفيَّة لهذا السبب، ووجهه: أنَّ كلًا من العشر والخراج حق للأرض، وأخذ مالين عن حق واحد من الثنى المنهي عنه في الزكاة، يقول السرخسي ﵀: «الخراج والعشر كل واحد منهما مؤنة الأرض النامية ولا يجتمع المؤنتان بسبب أرض واحدة» (٢)، ويقول المرغيناني ﵀: «سبب الحقين واحد وهو الأرض النامية، ولهذا يضافان إلى الأرض» (٣)، وأما الجمهور فينازعون في هذا، ويرون أنَّ العشر حق الزرع وأمَّا الخراج فهو حق الأرض؛ ولذا أوجبوا الزكاة مع الخراج (٤). وخلاصة الباب: • أنَّ الحنفيَّة أخذوا بالعمومات في القرآن والسنة الواردة في باب الخارج من الأرض، وفهموا من هذه العمومات: أنَّ العشر حق للأرض، وميزوا العشر

стр. 284

عن سائر أبواب الزكاة، فترتب على هذا أن أوجبوا الزكاة في عامة مسائل الباب، فصار مذهبهم بذلك أضيق المذاهب. • وأمَّا الجمهور فأخذوا بمجموع النصوص، وخصَّصوا العام بما ورد من أدلَّة خاصَّة، وفهموا من مجموع النصوص: أنَّ زكاة الخارج من الأرض هو حق الزرع كسائر الأموال الزكوية، وجعلوا الباب كسائر أبواب الزكاة، فترتب على هذا أن قالوا بعدم الزكاة في كثير من مسائل الباب، فصار مذهبهم بذلك أوسع من الحنفيَّة. والله أعلم. * * *

стр. 285

المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب زكاة الفطر تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أواخر كتاب الزكاة: أحكام زكاة الفطر، ويفردون لها بابًا، واختلفت إطلاقاتهم في تسمية الباب، وجمهورهم على تسميته بباب زكاة الفطر (١). وزكاة الفطر هي: «صدقة تجب بالفطر من رمضان طهر للصائم من اللغو» (٢). وإنما سميت زكاة؛ لأنها تزكِّي النفس وتطهرها (٣)، وأضيفت إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان (٤). وتسمى أيضًا: صدقة الفطر (٥)، وزكاة رمضان، وزكاة

стр. 286

الصوم (١)، وصدقة البدن، وزكاة الأبدان (٢). ويقال للمخرَج: فِطرة (٣). والمسائل التي تدخل في هذا الباب هي المسائل المتعلقة بزكاة الفطر عمومًا: كحكمها، ومتى تجب عن النفس، ومتى يجب تحمُّلها عن آخر، والواجب فيها، وحكم تعجيلها وتأخيرها، وحكم إخراج القيمة فيها، ونحو ذلك. المطلب الأول: المسائل المتفق عليها في باب زكاة الفطر. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على وجوب زكاة الفطر في الجملة (٤)، وأجمعوا على أنَّ

стр. 287

المرأة تخرج الزكاة عن نفسها قبل نكاحها (١). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على عدم وجوبها على الفقير الذي لا يملك قوت يومه (٢)، واتفقوا على وجوب إخراج الوالد زكاةَ الفطر عن ولدِه الصغير، والسيد عن عبيده المسلمين (٣)، واتفقوا على جواز إخراج زكاة الفطر من البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب إن كانت قوتًا (٤)، واتفقوا على عدم وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أمه (٥)، واتفقوا على أن أفضل وقت تخرج فيه يوم العيد قبل الصلاة (٦).

стр. 288

المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في باب زكاة الفطر. اختلف أهل العلم في جملة من مسائل زكاة الفطر، ومن رؤوس مسائل الخلاف في الباب: حكم زكاة الفطر على من لم يملك نصابًا، وحكم إخراج القيمة في زكاة الفطر، وحكم زكاة الفطر في عبيد التجارة (١). الفرع الأول: حكم زكاة الفطر على من لم يملك نصابًا. تحرير محل النزاع: اتفقت المذاهب الأربعة على عدم وجوب زكاة الفطر على المعسر، واتفقوا أيضًا على وجوبها على من يملك نصابًا (٢)، واختلفوا فيمن ملك قوت يومه ولم يملك نصابًا على قولين: الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم وجوب زكاة الفطر على من لم يملك النصاب، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).

стр. 289

القول الثاني: وجوب زكاة الفطر على من لم يملك النصاب، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم الوجوب وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أخرجه أحمد (٢).

стр. 290

ووجه الدلالة: العموم في الحديث، يقول الجصاص ﵀: «الصدقة: معرفة بالألف واللام، تتناول الجنس، فلا صدقة إلا وهي داخلة في اللفظ» (١)، والغنى عند الحنفيَّة هو ملك النصاب (٢)، وعليه فمن لم يملك النصاب ليس بغني؛ فيتناوله الحديث (٣). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: وفيه: «فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» متفق عليه (٤). ووجه الدلالة من الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنه ﷺ جعل الزكاة تؤخذ من الأغنياء، ومن لا يملك النصاب فليس بغني (٥). والوجه الثاني: أنه ﷺ «جعل الناس صنفين: صنفًا يؤخذ منهم، وصنفًا يرد عليهم، ولا يجوز أن يثبت صنفًا ثالثًا يُعطُون ويأخذون» (٦).

стр. 291

الدليل الثالث: القياس على زكاة الأموال، فكما لا تجب الزكاة في الأموال إلا بملك النصاب، فلا تجب أيضًا في زكاة الفطر إلا بملك النصاب (١). والعلَّة: أنَّ كلًّا من زكاة المال وزكاة الفطر فرضٌ مبتدأ لم ينشأ بسبب نتج من العبد، فلزم من ذلك قياس زكاة الفطر على زكاة المال، وفارقت الزكاةُ النذرَ من جهة أنه ناشئ من العبد بقوله؛ فلزم الغني والفقير (٢). الفرع الثاني: حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر. تحرير محل النزاع: تقدم اتفاق المذاهب الأربعة على جواز إخراج البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب إن كانت قوتًا، واختلفوا في حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر على قولين. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفيَّة (٣). القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (٤).

стр. 292

ويظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في هذه المسألة مذهب الحنفيَّة؛ وذلك أنهم قالوا بجواز إخراج القيمة والعين، على حين منع الجمهور من إخراج القيمة، واستدل الحنفيَّة على جواز إخراج القيمة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله فرض زكاة الفطر وقال: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» أخرجه الدارقطني والبيهقي (١). ووجه الدلالة: أنَّ العلة في زكاة الفطر حصول الغنى للفقير، و «الإغناء يحصل بالقيمة بل أتم وأوفر؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة» (٢). الدليل الثاني: ما جاء في إعطاء القيمة عن بعض التابعين، قال الحسن البصري ﵀: «لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر» (٣)، وقال أبو إسحاق السبيعي ﵀: «أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام» (٤)،

стр. 293

وجاء نحو ذلك عن عمر بن عبد العزيز (١). الدليل الثالث: «أنَّ ما جاز إخراجه في الزكاة عن جنس من المال جاز إخراجه عن جنس آخر» (٢)، والقيمة يجوز إخراجها في زكاة المال (٣)؛ فجازت كذلك في زكاة الفطر. الدليل الرابع: أن الإمام لو أخذ الزكاة فصرفها إلى جنس آخر ثم أعطاها الفقير جاز له ذلك؛ لأن القصد وصول المال إلى الفقير، وإذا جاز للإمام فإنه يجوز للمعطي أيضًا (٤). الفرع الثالث: حكم زكاة الفطر في عبيد التجارة. تحرير محل النزاع: اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب زكاة الفطر في عبيد الخدمة (٥)، واختلفوا في وجوبها على عبيد التجارة على قولين.

стр. 294

الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم الوجوب، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: الوجوب، وهو مذهب الجمهور (٢). والمتقرر أيضًا في هذه المسألة أنَّ أوسع المذاهب هو مذهب الحنفيَّة؛ لقولهم بعدم الوجوب، وأمَّا الجمهور فأوجبوا زكاة الفطر في عبيد التجارة؛ فكان مذهبهم أضيق، واستدل الحنفيَّة على عدم الوجوب بأدلة، منها: الدليل الأول: عن فاطمة بنت الحسين -رحمها الله- قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا ثِنَى فِي الصَّدَقَةِ» أخرجه ابن أبي شيبة، وابن زنجويه في الأموال (٣).

стр. 295

ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الجمع بين زكاة التجارة وزكاة الفطر في عبيد التجارة «يؤدي إلى الثنى؛ لأنَّ زكاة التجارة واجبة فيهم، فإذا قلنا بوجوب الفطرة فيهم كان فيه تثنية الصدقة على المولى في سنة واحدة بسبب مال واحد» (١)؛ فيدخل في مطلق نهي النبي ﷺ . الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ فِي العَبْدِ صَدقة إلا صَدقة الفِطْرِ» أخرجه مسلم (٢). ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ الحديث يقتضي سقوط كل صدقة عن العبد إذا وجبت عليه الفطرة، وعبيد التجارة تجب فيها زكاة التجارة؛ فتسقط عندئذ زكاة الفطر عنهم (٣). الدليل الثالث: أنَّ عبيد التجارة لم تعدَّ للمؤنة، بل الغرضُ منها حصولُ المقصود من الربح في التجارة، ولم يقمْ دليل الوجوب في زكاة الفطر إلا فيما يُمان من العبيد (٤).

стр. 296

الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح توسُّع الحنفيَّة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب زكاة الفطر يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا؛ وذلك: • أنَّ الحنفيَّة قالوا بجواز تأخير زكاة الفطر مطلقًا (١)، وقال الجمهور: لا يجوز التأخير عن يوم العيد (٢). • وقال الحنفيَّة: يجوز تقديم زكاة الفطر مطلقًا ولو لعشر سنوات (٣)، ومنع من ذلك الجمهور (٤).

стр. 297

• وقال الحنفيَّة: لا تجب زكاة الفطر في العبد المشترك والمبعَّض (١)، وقال الجمهور: تجب (٢). • وقال الحنفيَّة: لا يجب على الولد إخراج زكاة الفطر عن والديه الفقراء (٣)، وقال الجمهور: يجب (٤). • وقال الحنفيَّة: يجوز دفع زكاة الفطر إلى أهل الذمة (٥)، وقال الجمهور: لا يجوز (٦).

стр. 298

• وقال الحنفيَّة: لا زكاة على من عليه دين ينقص النصاب (١)، وقال الجمهور: عليه الزكاة (٢). • بل قال الحنفيَّة: إذا زوَّج الوالد ابنته الصغيرة الفقيرة، فلا زكاة على الوالد ولا على الزوج؛ لعدم تمام الولاية فيهما (٣). • وقالوا أيضًا: «لو كان بين رجلين جارية فجاءت بولد فادَّعياه معًا حتى ثبت نسب الولد منهما وصارت الجارية أم ولدهما فلا فطرة على واحد منهما عن الجارية» (٤). • وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا يجب إخراج الوالد زكاة الفطر عن ولده الكبير العاقل إذا كان فقيرًا (٥)،

стр. 299

وقال الشافعيَّة والحنابلة: يجب (١). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: لا تجب زكاة الفطر في المكاتب (٢)، وقال الحنابلة: تجب على المكاتب (٣)، وقال المالكيَّة: تجب على السيِّد (٤). • وقال الحنفيَّة: لا تجب زكاة الفطر في العبد الآبق (٥)، وقال المالكيَّة: تجب إن

стр. 300

رجي عوده (١)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: تجب مطلقًا (٢). وعند النظر في المذاهب الثلاثة يرى الناظرُ تقاربًا شديدًا بينها، إلا أنَّ الذي أميل إليه: أنَّ الحنابلة هم أضيق المذاهب في الباب، فمن المسائل التي انفردوا فيها دون غيرهم: • عدم إجزاء غير الأصناف الخمسة عند وجودها مطلقًا (٣)، وقال المالكيَّة: الواجب أحد الأصناف التسعة (٤) إلا أن يقتات غيرها فيجب منها (٥)، وقال

стр. 301

الشافعيَّة: الواجب غالب قوت البلد (١)، وتقدَّم قول الحنفيَّة من جواز إخراج القيمة. • وكذلك انفرد الحنابلةُ فقالوا: من تبرَّع بمؤنة شخص في رمضان فإنه يجب عليه إخراج زكاة الفطر عنه (٢). المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في باب زكاة الفطر هم الحنفيَّة، غير أنَّه عند استقراء كتب رؤوس المسائل في الباب تبين للباحث وجود مسألة خرجت من حيث النظر العام عن توسعهم في الباب، وهي مسألة: حكم إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر. الفرع الأول: حكم إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر. تحرير محل النزاع: اتفقت المذاهب الأربعة على وجوب إخراج زكاة الفطر في العبد المسلم

стр. 302

المتخذ للخدمة، والوجوب في ذلك على سيده (١)، واختلفوا هل تجب زكاة الفطر على السيد في العبد الكافر أم لا؟ على قولين: القول الأول: عدم الوجوب، وهو مذهب الجمهور (٢). القول الثاني: الوجوب، وهو مذهب الحنفيَّة (٣). ويظهر في هذه المسألة أنَّ الحنفيَّة أضيق من مذهب الجمهور، وجاءت المسألة على خلاف الأصل المتقرِّر آنفًا من سعتهم في الباب، ومن خلال النظر في أدلة الحنفيَّة في المسألة يظهر أنَّ سبب خروج المسألة من سعتهم في الباب يعود إلى أمرين: الأمر الأول: النصوصُ الواردةُ عن النبي ﷺ بوجوب زكاة الفطر في الكافر، ومن ذلك: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «صدقة الفطر عن كل صغير

стр. 303

وكبير، ذكر وأنثى، يهوديٍّ أو نصرانيٍّ، حرٍّ أو مملوكٍ نصف صاع من برٍّ، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير». أخرجه الدارقطني (١). الأمر الثاني: أنَّ الوجوب في زكاة الفطر يتوجه على السَّيد لا على العبد، والسيِّدُ لمَّا كان مسلمًا كان أهلًا للوجوب (٢)، وسبب كون الوجوب يتوجه على السيد مباشرة: أنَّه لو قيل بالوجوب على العبد أصالة فإن ذلك «يستدعي أهليَّة الوجوب في حقه، وهو ليس من أهل الوجوب؛ لأن الوجوب هو وجوب الأداء، والأداء بالملك، ولا ملك له؛ فلا وجوب عليه» (٣). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. بعد ظهور ما تقدم من سعة الحنفيَّة في باب زكاة الفطر دون غيرهم من المذاهب يبرز سؤال، وهو هل ثمة سبب أو أسباب أخذ بها الحنفيَّة دون غيرهم من المذاهب آلت بهم إلى هذه السعة؟

стр. 304

من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل في كتب الحنفيَّة والجمهور ظهر للباحث -والله أعلم- أنَّ اختلاف الحنفيَّة مع الجمهور في الباب، وما نتج عن ذلك من سعة يمكن ردُّه إلى سببين: الأول: أنَّ زكاة الفطر عند الحنفيَّة في حكم زكاة الأموال، على حين هي عند الجمهور زكاتان متغايرتان، وزكاة الفطر آكد من زكاة الأموال؛ ولذا فالحنفيَّة يشترطون النصاب في وجوب زكاة الفطر ويقولون بأنها من جملة الزكاة، ولهذا السبب أيضًا قال الحنفيَّة بعدم وجوب زكاة الفطر على من عليه دين؛ لأنَّ من عليه دين لا تجب عليه الزكاة في الأموال، فلا تجب زكاة الفطر أيضًا، وكذلك يجوز عند الحنفيَّة إخراج القيمة وتقديم زكاة الفطر مطلقًا؛ لجواز ذلك في زكاة المال عندهم، ولهذا السبب أيضًا قال الحنفيَّة بعدم وجوب زكاة الفطر في عبيد التجارة، ووجهه: أنَّ زكاة الفطر لو قيل بوجوبها في عبيد التجارة أدَّى ذلك إلى اجتماع زكاتين - هما: زكاة الفطر وزكاة العروض - في محل واحد، وهذا من الثنى في الصدقة، ونازع في جميع ما تقدم الجمهور؛ لأن زكاة الفطر تغاير زكاة المال (١). بل إن الحنفيَّة توسَّعوا في مسائل في زكاة الفطر أكثر من توسعهم في زكاة الأموال؛ كمسألتي إعطاء أهل الذمة، وتأخير الزكاة، فإن المذهب عند الحنفيَّة جواز ذلك في زكاة الفطر ومنعه في زكاة الأموال (٢).

стр. 305

وقد نص على هذا السبب غير واحد من علماء المذاهب: فمن الحنفيَّة: قال الزمخشري ﵀ في مسألة اشتراط النصاب في وجوب زكاة الفطر: «دليلنا في المسألة: أنَّ هذا أحد نوعي الزكاة، يعتبر فيه ما يعتبر في الزكاة كسائر الأموال» (١)، ونحو هذا قال الكاساني ﵀ في زكاة عبيد التجارة (٢)، والزيلعي ﵀ في مسألة تقديم زكاة الفطر (٣). ومن المالكيَّة يشير القرافي ﵀ إلى هذا السبب في معرض رده لقول الحنفيَّة، وأنَّ زكاة الفطر «لو تعلقت بالغني لكثرت بكثرته كسائر الزكوات، ولما لم يكن كذلك كانت كالكفارة» (٤)، وهذا فيه إشارة ظاهرة إلى أنَّ زكاة الفطر تغاير سائر الزكوات، وإنما تقاس في بعض أحوالها على باب الكفارات. ومن الشافعيَّة يقول الماوردي ﵀ في تقرير خلاف الحنفيَّة مع الجمهور: «قال أبو حنيفة: لا تجب زكاة الفطر إلا على من معه نصاب تجب فيه الزكاة، فاعتبر إحدى الزكاتين بالأخرى» (٥)، ثم قرَّر مذهب الشافعي ﵀، وأنَّ زكاة الفطر تقاس

стр. 306

على الكفارات (١)، وبهذا تحصل المغايرة بينها وبين زكاة الأموال، وعلى نحو هذا -مِنْ قياس زكاة الفطر على الكفارة ومغايرتها لزكاة المال- نصَّ الجويني ﵀ (٢). ومن الحنابلة: نصَّ الزركشي ﵀ على المغايرة بين الزكاتين فقال: «زكاة الفطر آكد وجوبًا من زكاة المال» (٣)، ونحو ذلك قال ابن أبي عمر (٤)، وابن المنجَّى (٥) -رحمهما الله-، وغيرهما (٦). والسبب الثاني: أنَّ زكاةَ الفطر مرتبطةٌ بالنفقة عند الجمهور، فكلُّ من يجب عليه نفقته فواجب عليه فطرته، وخالف في هذا الحنفيَّة، فذهبوا إلى أنَّ أصل وجوب زكاة الفطر تمام الولاية مع وجوب النفقة، ويتضح السبب بالقول: إنَّ الحنفيَّة زادوا في وجوب زكاة الفطر شرط تمام الولاية عن الجمهور، فلو لزمت النفقة من غير تمام الولاية فإن زكاة الفطر لا تجب عندهم. وقد تخرَّج عن هذا السببِ مسائلُ، منها: زكاة الفطر على الأب في ولده الكبير الفقير، وزكاة الفطر على الابن في والده، وزكاة السيد في العبيد المشتركة، والعبد المبعَّض، والعبد الآبق، والمكاتب، فكل ما سبق لا زكاة فيه عند الحنفيَّة؛ لعدم تمام الولاية، على حين نظر الجمهور إلى وجوب النفقة فحسب؛ فأوجبوا تبعًا لها زكاة الفطر (٧).

стр. 307

ونصَّ على هذا السبب جمع من العلماء: فمن الحنفيَّة يقول الكاساني ﵀ في سبب وجوب زكاة الفطر: «وأما السبب: فرأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة؛ لأن الرأس الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة تكون في معنى رأسه في الذبِّ والنصرة، فكما يجب عليه زكاة رأسه يجب عليه زكاة ما هو في معنى رأسه» (١). وقال المرغيناني ﵀ في سبب الوجوب أيضًا: «السبب رأس يمونه، ويلي عليه» (٢). وقال البابرتي ﵀: «أمَّا وجوب الصدقة فينبني على الولاية والمؤنة» (٣)، ونصَّ على هذا أيضًا: السمرقندي (٤)، والعيني (٥) -رحمهما الله-، وغيرهما (٦).

стр. 308

ومن المالكيَّة يقول ابن عبد البر ﵀: «الرجل يلزمه زكاة الفطر عن كل من يضمن نفقته» (١). وقال القاضي عبد الوهاب ﵀: «كل من لزمه نفقة شخص من أهل ملته، لزمه زكاة الفطر عنه عند القدرة عليه» (٢)، وذكر في مسألة أخرى: «أنها طهارة تجري مجرى المؤونة كالنفقة» (٣)، ونصَّ على ذلك الفندلاوي ﵀ (٤)، وغيره (٥). ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀: «كل من لزمه الإنفاق عليه لزمته زكاة الفطر عنه» (٦). وقال أبو بكر القفال ﵀: «من وجب عليه فطرة نفسه، وجب عليه فطرة كل من تلزمه نفقته إذا كانوا مسلمين» (٧). وقال البغوي ﵀: «كما يجب على المسلم فطرة نفسه، يجب عليه فطرة كل مسلم يلزمه نفقته» (٨)، ونصَّ على هذا أيضًا العمراني (٩)، والنووي (١٠)، وغيرهما (١١).

стр. 309

ومن الحنابلة: يقول أبو يعلى ﵀: «الفطرة تتبع النفقة، فمن لزمته الفطرة أخرج عنه الفطرة» (١)، وقال أيضًا: «زكاة الفطر أُجْريت مجرى النفقة» (٢). وقال ابن المنجَّى ﵀: «الفطرة تبنى على النفقة» (٣)، ونصَّ على هذا أيضًا: أبو الخطاب (٤)، وابن قدامة (٥) -رحمهما الله-، وغيرهما (٦). وأختم هذا المبحث بتنبيه: وهو أنَّ الحنفيَّة طَردُوا السبب الثاني -وهو اشتراط تمام الولاية- في مسألة إخراج الزوج زكاة الفطر عن زوجته، فقالوا: لا يجب على الزوج إخراج زكاة الفطر عن زوجته؛ وذلك «لقصور الولاية والمؤنة، فإنه لا يليها في غير حقوق النكاح، ولا يمونها في غير الرواتب» (٧)، أمَّا الجمهور فقالوا بوجوب الزكاة على الزوج عن زوجته؛ لوجوب النفقة عليه (٨).

стр. 310

وخلاصة الباب: • أن الحنفيَّة ذهبوا إلى أن زكاة الفطر في حكم زكاة المال، واشترطوا لها تمام الولاية مع وجوب النفقة، فصار مذهبهم بذلك أوسع من غيرهم. • وذهب الجمهور إلى أنَّ زكاة الفطر تغاير زكاة المال، فزكاة الفطر آكد من زكاة المال، واشترطوا لها وجوب النفقة فحسب، فصار مذهبهم بذلك أضيق من الحنفيَّة، والله أعلم. * * *

стр. 311

الفصل الرابع: الاتساع أو الضيق في كتاب المناسك والجهاد وفيه مبحثان: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب الطواف. • المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب نقض عهد المعاهد.

стр. 312

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب الطواف تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كتاب المناسك: (صفة الحج والعمرة)، ولعظم أمر الطواف وكثرة أحكامه وتفاريعه أفرد جملة من علماء المذاهب بابًا أو فصلًا في بيان هذه الأحكام (١). وأصل الطواف في اللغة: الدوران حول الشيء (٢)، وجمع الطواف: الأطواف، ومطاف البيت هو: موضع الطواف حول الكعبة (٣). وأما الطواف في الشرع فهو: الدوران حول الكعبة (٤). والمسائل المتعلقة بالباب هي المسائل المتعلقة بكيفيَّة وصفة الطواف: كحكم الطواف للمحدث حدثًا أصغر، أو المحدث حدثًا أكبر، وحكم الطواف لمن به نجاسة، وحكم الطواف داخل الحجر، والطواف على الشَّاذَرْوان (٥)، والتنكيس

стр. 313

في الطواف، وحكم النقص عن سبع أشواط، وحكم الموالاة في الطواف، والبُداءة (١) بالحجر الأسود، ونحو ذلك من المسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على فرضيَّة طواف الإفاضة في الحج (٢)، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] (٣)، ويسمَّى هذا الطواف: طواف الزيارة، وطواف الفرض، وطواف الركن (٤)، وطواف يوم النحر (٥)، وطواف

стр. 314

النساء (١)، وقد يسمَّى طواف الصَّدَر (٢)، وأجمع العلماء ﵏ على أن طواف العمرة ركن فيها (٣)، وأجمعوا على أنَّ الطواف خارج المسجد الحرام لا يصح (٤). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب على وجوب أصل النية في الطواف (٥). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل المتعلقة بالطواف حول البيت، ومن رؤوس هذه المسائل: حكم الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر في الطواف،

стр. 315

وحكم الطواف داخل الحجر، وحكم الطواف إذا نقص عن سبعة أشواط (١). الفرع الأول: حكم الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر في الطواف. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء ﵏ على أنَّ الشارع أمر بالطهارة من الحدثين في الطواف (٢)، غير أنهم اختلفوا هل الطهارة من الحدثين شرط فلا يصح الطواف من دونها بحال، أم هي واجبة فيصحُّ الطواف مع الحدث ويجبر الطواف بجابر إن لم يعده؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: وجوب الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فإن طاف محدثًا حدثًا أصغر أو أكبر صحَّ طوافه وجبره بجابر إن لم يعد الطواف، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).

стр. 316

القول الثاني: أنَّ الطَّهارةَ من الحدثين شرطٌ في الطواف، فلا يصح طواف المحدث بحال، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بالوجوب وهم الحنفيَّة؛ وذلك لقولهم بصحة طواف المحدث والجنب، وقد استدلوا على عدم اشتراط الطهارة في الطواف بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة: أن الطواف المأمور به في الآية يحصل بمجرد الدوران حول البيت، واشتراط الطهارة تقييد لمطلق القرآن، ولا يجوز تقييد مطلق القرآن بخبر الواحد (٢). وأما لزوم الدم في طواف المحدث فـ «لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين، فأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجب العمل دون العلم فلم تصر الطهارة ركنًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج» (٣). الدليل الثاني: أنه روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «البدنة في الحج تجب في شيئين: على من طاف جنبًا، وعلى من جامع بعد الوقوف». ذكره السرخسي في

стр. 317

المبسوط (١). الدليل الثالث: القياس؛ وذلك أنَّ الطواف بالبيت يُقاس على سائر مناسك الحج في عدم اشتراط الطهارة فيها (٢). الدليل الرابع: القياس؛ وذلك أنَّ الطواف عبادة تختص بالمسجد، فلم تفسد بترك الطهارة؛ قياسًا على الاعتكاف (٣). الفرع الثاني: حكم النقص عن سبعة أشواط في الطواف. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء أن من طاف بالبيت سبعًا ثم صلى ركعتين أنه مصيب (٤)، وأنَّ الطواف بالبيت سبعًا معلوم من الدين بالضرورة (٥)، لكن اختلفوا فيمن نقص من السبع هل يصح طوافه أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: أنَّ الفرض في الطواف معظمه -وهو أربعة أشواط- وأما إكمال

стр. 318

السبع فواجب يجبر عند تركه بدم، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: أن من نقص من الطواف شيئًا ولو يسيرًا فطوافه باطل، وهو مذهب الجمهور (٢). وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بصحة الطواف ولو نقص عن السبع، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أمر بمطلق الطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار لكن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت بدليل الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط (٣)، وأما الزيادة على الأكثر إلى تمام السبع فهو واجب (٤)، ونقص الواجبات تجبر بالدم (٥).

стр. 319

الدليل الثاني: أنَّ من أتى بأربعة أشواط فقد أتى بأكثر الطواف، والأكثر يقوم مقام الكل فيما يقع به التحلل في باب الحج كالذبح إذا لم يستوف قطع العروق الأربعة (١). الدليل الثالث: أنَّ الطواف من أسباب التحلل في الحج والعمرة، وأسباب التحلل يُقام البعض مقام الكل كما في الحلق، إلا أنه اعتبر في الطواف الأكثر ليترجح جانب الوجود، فإن الطواف عبادة مقصودة، والحلق ليس بعبادة مقصودة، فيقام الربع مقام الكل هناك (٢). الفرع الثالث: حكم الطواف من وراء الحجر. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء ﵏ على أن الشارع أمر بالطواف من وراء الحجر، وأن الطواف من داخله منهي عنه (٣)، إلا أنهم اختلفوا فيمن طاف داخل الحجر هل يصح طوافه مع لزوم الجابر، أم لا يصح مطلقًا؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: وجوب الطواف من وراء الحجر، فإن طاف داخل الحجر فعليه دم

стр. 320

إن لم يُعده، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: شرطيَّة الطواف من وراء الحجر، فإن طاف وجعل طريقه من بطن الحجر فإن طوافه باطل، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بالصحة مع الجابر، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على صحة الطواف داخل الحجر بأدلة، منها: الدليل الأول: أن من طاف من داخل الحجر فإنما ترك من الطواف ربعه، وجاء بمعظم الطواف وهو الركن، ثم الدم يقوم مقام أقل الطواف (٣)، فإذا جُبر نقصان أشواط ثلاثة -وهي أكثر من الربع-بالدم، جبر نقصان الربع بالدم كذلك. الدليل الثاني: أنَّ الحِجْر مكان لا يقطع بكونه من البيت، فالطواف عليه ليس بفرض (٤)؛ لأنَّه قد تقرر أنَّ «الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، والواجب ما ثبت وجوبه بدليل غير مقطوع به» (٥).
следующие страницы →