← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

القول الثاني: أنَّ الطَّهارةَ من الحدثين شرطٌ في الطواف، فلا يصح طواف المحدث بحال، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بالوجوب وهم الحنفيَّة؛ وذلك لقولهم بصحة طواف المحدث والجنب، وقد استدلوا على عدم اشتراط الطهارة في الطواف بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة: أن الطواف المأمور به في الآية يحصل بمجرد الدوران حول البيت، واشتراط الطهارة تقييد لمطلق القرآن، ولا يجوز تقييد مطلق القرآن بخبر الواحد (٢). وأما لزوم الدم في طواف المحدث فـ «لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين، فأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجب العمل دون العلم فلم تصر الطهارة ركنًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج» (٣). الدليل الثاني: أنه روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «البدنة في الحج تجب في شيئين: على من طاف جنبًا، وعلى من جامع بعد الوقوف». ذكره السرخسي في

стр. 317

المبسوط (١). الدليل الثالث: القياس؛ وذلك أنَّ الطواف بالبيت يُقاس على سائر مناسك الحج في عدم اشتراط الطهارة فيها (٢). الدليل الرابع: القياس؛ وذلك أنَّ الطواف عبادة تختص بالمسجد، فلم تفسد بترك الطهارة؛ قياسًا على الاعتكاف (٣). الفرع الثاني: حكم النقص عن سبعة أشواط في الطواف. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء أن من طاف بالبيت سبعًا ثم صلى ركعتين أنه مصيب (٤)، وأنَّ الطواف بالبيت سبعًا معلوم من الدين بالضرورة (٥)، لكن اختلفوا فيمن نقص من السبع هل يصح طوافه أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: أنَّ الفرض في الطواف معظمه -وهو أربعة أشواط- وأما إكمال

стр. 318

السبع فواجب يجبر عند تركه بدم، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: أن من نقص من الطواف شيئًا ولو يسيرًا فطوافه باطل، وهو مذهب الجمهور (٢). وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بصحة الطواف ولو نقص عن السبع، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أمر بمطلق الطواف، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار لكن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت بدليل الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط (٣)، وأما الزيادة على الأكثر إلى تمام السبع فهو واجب (٤)، ونقص الواجبات تجبر بالدم (٥).

стр. 319

الدليل الثاني: أنَّ من أتى بأربعة أشواط فقد أتى بأكثر الطواف، والأكثر يقوم مقام الكل فيما يقع به التحلل في باب الحج كالذبح إذا لم يستوف قطع العروق الأربعة (١). الدليل الثالث: أنَّ الطواف من أسباب التحلل في الحج والعمرة، وأسباب التحلل يُقام البعض مقام الكل كما في الحلق، إلا أنه اعتبر في الطواف الأكثر ليترجح جانب الوجود، فإن الطواف عبادة مقصودة، والحلق ليس بعبادة مقصودة، فيقام الربع مقام الكل هناك (٢). الفرع الثالث: حكم الطواف من وراء الحجر. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء ﵏ على أن الشارع أمر بالطواف من وراء الحجر، وأن الطواف من داخله منهي عنه (٣)، إلا أنهم اختلفوا فيمن طاف داخل الحجر هل يصح طوافه مع لزوم الجابر، أم لا يصح مطلقًا؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: وجوب الطواف من وراء الحجر، فإن طاف داخل الحجر فعليه دم

стр. 320

إن لم يُعده، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: شرطيَّة الطواف من وراء الحجر، فإن طاف وجعل طريقه من بطن الحجر فإن طوافه باطل، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بالصحة مع الجابر، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على صحة الطواف داخل الحجر بأدلة، منها: الدليل الأول: أن من طاف من داخل الحجر فإنما ترك من الطواف ربعه، وجاء بمعظم الطواف وهو الركن، ثم الدم يقوم مقام أقل الطواف (٣)، فإذا جُبر نقصان أشواط ثلاثة -وهي أكثر من الربع-بالدم، جبر نقصان الربع بالدم كذلك. الدليل الثاني: أنَّ الحِجْر مكان لا يقطع بكونه من البيت، فالطواف عليه ليس بفرض (٤)؛ لأنَّه قد تقرر أنَّ «الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، والواجب ما ثبت وجوبه بدليل غير مقطوع به» (٥).

стр. 321

الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة مذهب الحنفيَّة في جميع ما تقدم من مسائل الطواف دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أن الحنفيَّة قالوا: يصح الطواف على الشاذروان (١)، وقال الجمهور: لا يصح (٢). • وقال الحنفيَّة: الطهارة من النجاسة سنة في الطواف (٣)، وقال الجمهور: الطهارة من النجاسة شرط (٤).

стр. 322

• وقال الحنفيَّة: من طاف منكَّسًا -وذلك بأن يجعل الكعبة عن يمينه (١) - فعليه الإعادة ما دام بمكة، فإن لم يعد حتى رجع إلى بلده لزمه دم (٢)، وقال الجمهور: لا يصح طواف المنكِّس مطلقًا (٣). • وقال الحنفيَّة: من طاف عريانًا فعليه الإعادة ما دام بمكة، فإن لم يعد حتى رجع إلى بلده لزمه دم؛ لأنَّ ستر العورة واجب (٤)، وقال الجمهور: ستر العورة شرط فلا يصح طواف العريان (٥). • وقال الحنفيَّة: البداءة بالحجر الأسود واجب (٦)، وقال الجمهور: البداءة بالحجر الأسود شرط، فلو بدأ بغيره لم يعتد به حتى يصل إليه (٧).

стр. 323

• وقال الحنفيَّة: من طيف به محمولًا ونوى كلٌّ من الحامل والمحمول الطواف صح لهما (١)، وقال الشافعيَّة: يصح للحامل دون المحمول (٢)، وقال الحنابلة: يصح عن المحمول دون الحامل (٣)، وقال المالكيَّة: لا يقع عنهما جميعًا (٤). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: الموالاة سنة في الطواف (٥)، وقال المالكيَّة والحنابلة: الموالاة شرط (٦). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: من أحدث عمدًا في طوافه أو سبقه الحدث فإنه يبني بعد الطهارة على ما طافه (٧)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يتطهَّر ويستأنف الطواف من أوله (٨).

стр. 324

• بل قال الحنفيَّة: الترتيب في الطواف ليس بشرط (١). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر -والله أعلم- أنَّ بينها تقاربًا شديدًا من حيث السعة والضيق في الباب، غير أنه يمكن القول: إن مذهب الشافعيَّة يأتي في السعة بعد مذهب الحنفيَّة، وأما المالكيَّة والحنابلة فهم أضيق المذاهب في الباب، وهذا الترتيب مستفاد في جملته مما جرى ذكره من المسائل، ومما سيأتي بيانه في المستثنيات أيضًا. وأشير هنا إلى مسائل تبين ضيق الحنابلة في الباب، وذلك: • أنَّ الحنابلة قالوا: يجب في الطواف تعيين النيّة، ولا يكفي مجرد النية (٢)، وقال الجمهور: يكفي مطلق النية (٣).

стр. 325

• وقال الحنابلة: لا يصح طواف الراكب إذا قدر على المشي مطلقًا، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يصح مع لزوم الدم، وقال الشافعيَّة: يصح بلا كراهة. وستأتي هذه المسألة في المطلب القادم بحول الله. وأما ضيق المالكيَّة فتقدم الإشارة إليه في مسألة طواف المحمول، وكذلك ما سيأتي في حكم ركعتي الطواف. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في باب الطواف هم الحنفيَّة، وبعد النظر في كتب رؤوس المسائل وكتب الخلاف تبيَّن للباحث وجود مسألتين خرجتا من حيث النظر العام عن توسعهم في الباب، وهما: حكم ركعتي الطواف، وحكم المشي للقادر عليه في الطواف. الفرع الأول: حكم ركعتي الطواف. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء ﵏ على أنَّ ركعتي الطواف مشروعة بعد الطواف (١)، إلا أنهم اختلفوا هل هي واجبة أم مستحبَّة؟ على قولين. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: الوجوب، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة (٢).

стр. 326

القول الثاني: الاستحباب، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (١). ويظهر في هذا الفرع أنَّ الحنفيَّة أضيق مذهبًا من الشافعيَّة والحنابلة؛ وذلك لأنَّ الحنفيَّة قالوا بالوجوب، على حين قال الشافعيَّة والحنابلة بالاستحباب، وقول الحنفيَّة بالوجوب يعود إلى أمور: الأمر الأول: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. ووجه الدلالة في الآية: أنه قد قيل في تفسير الآية بأنَّ المراد فيها: ركعتا الطواف، ولمَّا كانت الآية أمْرًا اقتضى ذلك الوجوب لا الاستحباب (٢). الأمر الثاني: حديث جابر ﵁ الطويل في صفة الحج، وفيه: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇،

стр. 327

فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ … » أخرجه مسلم (١). ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبي ﷺ «نبَّه بالتلاوة قبل الصلاة على أنَّ صلاته هذه امتثالا لهذا الأمر، والأمر للوجوب» (٢). الأمر الثالث: ما حكاه بعض فقهاء الحنفيَّة في كتبهم عن النبي ﷺ أنه قال: «ليصلِّ الطَّائِف لكل أُسْبُوع رَكْعَتَيْنِ» (٣). الأمر الرابع: أنَّ النبي ﷺ داوم على الركعتين بعد الطواف، وفي هذا دلالة على وجوبها (٤).

стр. 328

الفرع الثاني: حكم المشي في الطواف. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين الأئمة على جواز الركوب في الطواف لمن به عذر (١)، ولا خلاف بينهم كذلك أن المشي في الطواف أفضل من الركوب (٢)، ولكن اختلفوا في حكم الركوب للقادر على المشي في الطواف هل هو فرض أم واجب أم سنة؟ الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: فرضيَّة المشي في الطواف، وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: وجوب المشي، وهو مذهب الحنفيَّة والمالكيَّة (٤).

стр. 329

القول الثالث: استحباب المشي فلو طاف راكبًا فلا كراهة، وهو مذهب الشافعيَّة (١). ويظهر في هذا الفرع أنَّ الحنفيَّة وسط بين المذاهب، ولكنهم أضيق من الشافعيَّة؛ لقولهم بتحريم الركوب للقادر، على حين جوَّز ذلك الشافعيَّة، ويظهر أنَّ ضيقهم في هذه المسألة يعود إلى أمور: الأمر الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ووجه الدلالة من الآية: أنَّ «الراكب ليس بطائف حقيقة فأوجب ذلك نقصًا فيه فوجب جبره بالدم» (٢). الأمر الثاني: أنَّ الطواف بالبيت كالصلاة، و «أداء المكتوبة راكبًا من غير عذر لا يجوز، فكان ينبغي ألا يعتد بطواف الراكب من غير عذر، ولكنا نقول المشي شرط الكمال فيه فتركه من غير عذر يوجب الدم» (٣). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال ما تقدم ظهر بجلاء سعة الحنفيَّة في باب الطواف دون غيرهم من المذاهب، وهذه السعة يمكن ردها -والله أعلم- إلى سبب واحد وهو: الخلاف بين الحنفيَّة والجمهور في مسألة الزيادة على النص.

стр. 330

فالحنفيَّة يرون أنَّ أصل الطواف جاء مطلقًا في القرآن، ولم يرد في ذلك الطهارة من الحدث، أو الطهارة من الخبث، أو كونه سبعًا، أو كونه من وراء الحِجْر، أو أن ابتداءه من الحَجَر الأسود، أو غير ذلك مما جرى الخلاف في شرطيَّته، فاقتضى إطلاق القرآن إجزاء الطواف بمجرد الدوران ولو تخلَّف فيه ما تقدم، وأمَّا ما جاء في السنة من اشتراط ذلك فإن هذا من الزيادة على النصِّ، والزيادة على النص نسخ، والقرآن لا يُنْسَخ بخبر الآحاد (١). فلزم من ذلك أن يجعل ما ورد في القرآن من قبيل الفروض، وأن يجعل ما ورد في السنة من قبيل الواجبات أو المستحبات. وأمَّا الجمهور: فإنهم يرون أنَّ السنَّة مبيِّنة لمجمل القرآن، فإذا قيَّدت المطلق كان حكمها حكم ما قيَّدت، وهذا هو الحال في باب الطواف. وقد قرَّر هذا المعنى جملة من فقهاء المذاهب: فمن الحنفيَّة: يظهر هذا المعنى جليًّا عند الكاساني ﵀ وذلك أنَّه قال مستدلًّا على عدم فرضية الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر: «لنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أمر بالطواف مطلقًا عن شرط الطهارة، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد فيحمل على التشبيه» (٢)، واستدلَّ بالآية على عدم فرضية ستر العورة في الطواف بالآية، وقال: «أمر بالطواف مطلقًا عن شرط الستر فيجرى على إطلاقه» (٣)، وقال في مسألة ثالثة: «الموالاة في الطواف ليست

стр. 331

بشرط حتى لو خرج الطائف من طوافه لصلاة جنازة أو مكتوبة أو لتجديد وضوء ثم عاد بنى على طوافه، ولا يلزمه الاستئناف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ مطلقًا عن شرط الموالاة» (١)، وقال في حكم الابتداء بالحجر الأسود إنه: «ليس بشرط من شرائط جوازه بل هو سنة في ظاهر الرواية حتى لو افتتح من غير عذر أجزأه مع الكراهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ مطلقًا عن شرط الابتداء بالحجر الأسود إلا أنه لو لم يبدأ يكره؛ لأنه ترك السنة» (٢)، وقال مستدلًّا على عدم فرضية جعل البيت عن يسار الطائف: «لنا قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ مطلقًا من غير شرط البداية باليمين أو باليسار» (٣)، واستدلَّ بالآية على أنَّ الفرض في الطواف هو أكثره، ثم قال: «الأمر المطلق لا يقتضي التكرار إلا أنَّ الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت بدليل آخر وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط» (٤)، وأشار إلى هذا المعنى أيضًا في مسألة الطواف من وراء الحجر (٥). وفي جميع ما تقدَّم -وهي سبع مسائل- يلحظ الناظر أنَّ الكاساني ﵀ يستدل بالإطلاق في الآية على عدم شرطيَّة ما قاله المخالف، وهذا بيانٌ ظاهر على أنَّ هذا هو سبب الخلاف في الباب. ونصَّ على هذا المعنى كذلك: الجصاص والسرخسي والمرغيناني ﵏ (٦). ومن المالكيَّة: استدلَّ القاضي عبد الوهاب ﵀ بفعل النبي ﷺ في غير مسألة على الشرطيَّة، فقال في استدلاله على شرطية الطهارة من الحدثين: إن النبي ﷺ «طاف

стр. 332

متطهرًا، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (١)، واستدلَّ على عدم صحة التنكيس في الطواف بأنّ النبي ﷺ «طاف والبيت عن يساره وقال ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (٢)، واستدلَّ على عدم صحة الطواف إذا ترك من أشواطه شيئًا بأن النبي ﷺ «طاف بالبيت سبعة أشواط، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (٣)، واستدلَّ على فرضية الطواف من وراء الحجر بأن «النبي ﷺ طاف خارجه وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (٤). وهذا ظاهر في أنَّ أصل الاستدلال في جميع ما تقدم هو فعل النبي ﷺ مقرونًا بقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم». ونحو ما تقدم ذكره الفندلاوي ﵀ في اشترط الطهارة في الطواف، وعدم صحة التنكيس، وعدم صحة الطواف إذا نقص عن سبعة أشواط (٥). واستدلَّ الحطَّاب ﵀ بفعل النبي ﷺ وقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» على عدم صحة الطواف منكسًا (٦)، وعلى عدم صحة الطواف داخل الحجر كذلك (٧). ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀ في استدلاله على شرطيَّة الطهارة في الطواف: «الدلالة على صحة ما ذهبنا إليه: رواية عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما أراد أن يطوف

стр. 333

توضأ ثم طاف. وفِعْلُه في الحج بيانٌ تؤخذ منه المناسك والأركان؛ لقوله ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»»، ثم قال مجيبًا عن استدلال الحنفيَّة بالإطلاق في الآية بـ «أنَّها مجملة أُخِذَ بيانها من فعله ﷺ وهو لم يطف إلا بطهارة» (١)، واستدل على شرطية جعل البيت عن يسار الطائف بأن «النبي ﷺ حين طاف جعل الحجر على يساره وكان ذلك بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مع قوله ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (٢). واستدل على شرطية الطواف بالبيت سبعًا بأن «النبي ﷺ رمل ثلاثًا ومشى أربعًا، وهذا الفعل منه إما أن يكون بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أو استئناف نسك يؤخذ من فعله، وأيهما كان فهو واجب» (٣). ونحو هذا ذكر العمراني ﵀ في مسألة الطهارة في الطواف (٤). ونصَّ النووي ﵀ على هذا المعنى في مسألة الطهارة في الطواف (٥) وابن الرفعة في عدم صحة التنكيس فيه (٦). ومن الحنابلة: يقول ابن قدامة ﵀ في مسألة النقص من الأشواط في الطواف: «إن ترك منها شيئًا وإن قل؛ لم يجزئه؛ لأن النبي ﷺ طاف سبعًا، فيكون تفسيرًا لمجمل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فيكون ذلك هو الطواف المأمور به، وقد قال ﵇: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (٧)، واستدلَّ على شرطية الطواف

стр. 334

من وراء الحجر: «بأن النبي ﷺ طاف من وراء الحجر، وقد قال ﵇: «لِتَأخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (١)، وقال بمثل هذا الدليل في اشتراط الترتيب في الطواف (٢)، وعدم صحّة الطواف على الشاذروان (٣). واستدلَّ ابن المنجى ﵀ على شرطية الموالاة في الطواف بـ «أنَّ النبي ﷺ والى بين طوافه، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم»» (٤)، واستدلَّ بهذا المعنى أيضًا في أكثر من مسألة (٥). وأشير هنا إلى أن قول الحنفيَّة: (إن ما لم يرد في القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع لا يكون فرضًا) له تأثير ظاهر على مسائل في كتاب الحج، ومن كبار المسائل في ذلك حكم السعي، فذهب الحنفيَّة إلى أنَّ السعي ليس بركن وإنما هو واجب يجبر إذا تركه بدم (٦)، وقال الجمهور: السعي ركن (٧). ودليل الحنفيَّة: أنَّ السعي لم يرد الأمر به من جهة قطعيَّة، فلم يأمر القرآن به صريحًا، ولم تأت بالأمر به سنة متواترة، ولم ينعقد إجماع في ذلك (٨)، وعليه: فالسعي واجب وليس بركن.

стр. 335

وخلاصة الباب: • أنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في باب الطواف؛ وذلك للإطلاق في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وأما ما داوم النبي ﷺ على فعله أو أمر به فإنه محمول على الوجوب لا الفرضيَّة. • وأنَّ الجمهور أضيق من الحنفيَّة في الباب؛ لقولهم بأنَّ النبي ﷺ بيَّن مجمل القرآن، فيكون حكم بيانه حكم القرآن، والله أعلم. * * *

стр. 336

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب نقض عهد المعاهد تمهيد: يذكر كثير من العلماء ﵏ في تضاعيف كتاب الجهاد والسير: أحكام أهل الذمة، ويفرد بعض العلماء فصلًا أو بابًا في نقض عهد الذمي يسمونه بباب (نقض العهد) (١). والعهد في اللغة: أصل واحد يراد به الاحتفاظ بالشيء (٢)، والمعاهد في الأصل: من كان بينك وبينه عهد، ثم إنه استعمل كثيرًا في عقد المسلم مع الذمي (٣)، ولذا فالمعاهدون هم أهل الذمة (٤). والمراد بعهد الذمة في كتب الفقهاء: «إقرار بعض الكفار على كفره بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة» (٥).

стр. 337

ولأهمية هذا الباب أفرد القاضي أبو يعلى ﵀ كتابًا في شروط أهل الذمة، ذكر ذلك ابنه أبو الحسين ﵀ (١). وأفرد القرافي ﵀ الفرق الثامن عشر بعد المئة في كتابه الفروق لبيان الأحوال التي ينتقض بها عهد الذمي، والأحوال التي لا ينتقض (٢). ولأهمية الباب كذلك ذكر ابن عقيل ﵀ الخلاف العالي بين الفقهاء في مسألة ما ينتقض به العهد في كتابه التذكرة على غير عادته، ثم قال: «وإنما ذكرت الخلاف؛ لأنه حكم يتعلق بالدم، وأرى عوام الوقت يسارعون إلى التهجم على دماء أهل الذمة بما لا يوجب ذلك، ولا يبيحه مذهب أحد من العلماء» (٣). والمسائل المتعلقة بالباب هي الأفعال الصادرة من الذمي التي قيل إنه بفعلها ينتقض عهده؛ كحربه للمسلمين، أو امتناعه عن أحكام الإسلام، أو امتناعه عن دفع الجزية، أو مكاتبته المشركين بأخبار المسلمين، أو سبِّه لأحد الأنبياء ﵈ أو الزنى بالمسلمة، ونحو ذلك. ولكون الاتساع والضيق في هذا الباب يحتمل أكثر من معنى؛ فإنَّ مراد الباحث بالتوسع هو القول بعدم نقض العهد، والمراد بالضيق هو القول بنقض العهد. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على أصل حكم الجزية (٤)، واتفق العلماء على أنَّ الذمي إذا

стр. 338

التزم بالشروط العمرية وجب على المسلمين حفظ دمه وماله (١)، واتفقت المذاهب

стр. 339

الأربعة على أن أهل الذمة إذا لحقوا بالكفار أو غلبوا على موضع فحاربوا أهل الإسلام أن عهدهم ينتقض (١). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من الأفعال الصادرة من الذمي هل ينتقض بها عهده أم لا؟ ومن رؤوس هذه المسائل: حكم نقض العهد بامتناع الذمي عن إعطاء الجزية، وحكم نقض العهد بامتناع الذمي عن أحكام الإسلام، وحكم نقض العهد بسب الذمي لنبيٍّ من الأنبياء ﵈ (٢). الفرع الأول: حكم نقض عهد الذمي بامتناعه عن الجزية. تحرير محل النزاع: تقدّم اتفاق العلماء ﵏ على أنَّ الذمي إذا التزم بالشروط العمريَّة أنه لا يجوز نقض عهده، واختلفوا إذا امتنع الذمي عن دفع الجزية، هل ينتقض بذلك عهده أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك.

стр. 340

الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم انتقاض العهد بالامتناع عن دفع الجزية، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: انتقاض العهد بالامتناع عن دفع الجزية، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم النقض، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: أنَّ المقصود من عقد الذمة هو ترك القتال من جهة المعاهد (٣)، وتركه للجزية لا يضرُّ بهذا المقصد. الدليل الثاني: أنَّ الامتناع من دفع الجزية يحتمل أن يكون لعذر العدم، فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال (٤). الدليل الثالث: أنَّ الجزية دَيْن عليهم حالها كحال سائر الديون، فالممتنع منها كالممتنع من الدين يؤخذ بغير اختياره (٥).

стр. 341

الفرع الثاني: حكم نقض عهد الذمي بامتناعه عن إجراء حكم الإسلام (١). تحرير محل النزاع: تقدَّم اتفاق العلماء ﵏ على أنَّ الذمي إذا التزم بالشروط العمريَّة أنه لا يجوز نقض عهده، واختلفوا إذا امتنع الذمي عن إجراء أحكام الإسلام هل ينتقض عهده أم لا؟ الأقوال، وأدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم انتقاض العهد بالامتناع عن أحكام الإسلام، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: انتقاض العهد بالامتناع من أحكام الإسلام، وهو مذهب الجمهور (٣). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم النقض، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين:

стр. 342

الدليل الأول: أنَّ المقصود من عقد الذمة هو ترك المعاهد للقتال (١)، وتركه للجزية لا يضرُّ بهذا المقصد. الدليل الثاني: أنَّ امتناع الذمي من جريان أحكام الإسلام عليهم «أمرٌ حُظِر بالأمان، فإذا فعلوا وهم في أيدينا لم ينتقض العهد؛ كإظهار الخمر والخنزير» (٢). الفرع الثالث: حكم نقض عهد الذمي بسب نبي من الأنبياء ﵈ -. تحرير محل النزاع: تقدَّم اتفاق العلماء ﵏ على أنَّ الذمي إذا التزم بالشروط العمريَّة أنه لا يجوز نقض عهده، واختلفوا في الذمي إذا سبَّ أحدًا من الأنبياء ﵈ أو ذكَرهم بسوء -عياذًا بالله من ذلك- هل ينتقض بذلك عهده أم لا؟ الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم انتقاض العهد بسب نبي من الأنبياء ﵈ مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٣). القول الثاني: انتقاض العهد بسب نبي من الأنبياء ﵈ إن كان قد شُرِطَ على الذمي عدم السبِّ، وإلا فلا ينتقض، وهو مذهب الشافعيَّة (٤).

стр. 343

القول الثالث: انتقاض العهد بسب نبي من الأنبياء ﵈ مطلقًا، وهو مذهب المالكيَّة والحنابلة (١). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بأن سب الأنبياء ﵈ لا ينتقض به عهد الذمي مطلقًا، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَقَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» متفق عليه (٢). ووجه الدلالة: أنَّ قول اليهود: (السام عليك) يريدون به: الموت عليك (٣)، وهذا فيه ذكر للنبي ﷺ بسوء، ومع ذلك فإنَّ النبي ﷺ لم ينقض عهدهم بذلك (٤). قال ابن الهمام ﵀: «لا شك أنَّ هذا سب منهم له ﷺ ، ولو كان نقضًا للعهد لقتلهم؛

стр. 344

لصيرورتهم حربيِّين» (١). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: «سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي، أَتَانِي رَجُلَانِ: فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ … » متفق عليه (٢). ووجه الدلالة: أن من سحر النبي ﷺ فعل ما هو أشد من السب، ومع ذلك لم ينتقض عهده بذلك (٣).

стр. 345

الدليل الثالث: أنَّ سبَّ الذمي للنَّبيّ ﷺ زيادة كفر على كفر، والعهد يبقى مع أصل الكفر فيبقى مع الزيادة (١)، وإذا صحَّ العقد مع وجود الكفر الأصلي فإنه يصح مع الكفر الطارئ؛ لأنَّ الدفع أسهل من الرفع (٢). الدليل الرابع: أنَّهم لو سبوا النبي ﷺ في كنائسهم وبيعهم لم ينتقض به العهد، «وما لا ينتقض العهد في كنائسهم لا ينتقض به في غيرها كضرب الناقوس وإظهار الخنازير» (٣). الدليل الخامس: أنَّ سبَّ النبي ﷺ يجري مجرى سبِّ الله تعالى، وهم يسبُّون الله تعالى فيقولون له ولد، ومع ذلك لا ينتقض به عهدهم (٤). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح توسُّع الحنفيَّة بقولهم بعدم النقض دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب نقض عهد أهل الذمة يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك:

стр. 346

• أن الحنفيَّة قالوا: لا ينتقض العهد بزنى الذمي بالمسلمة (١)، وقال الشافعيَّة: ينتقض إن شرط عليه انتقاض العهد بالزنى بالمسلمة (٢)، وقال المالكيَّة: ينتقض إن غصبها على الزنى (٣)، وقال الحنابلة: ينتقض مطلقًا (٤). • وقال الحنفيَّة: لا ينتقض العهد بدلالة الذمي أهلَ الحرب على عورة المسلمين (٥)، وقال الشافعيَّة: ينتقض إن شرط عليه انتقاض العهد (٦)، وقال المالكيَّة والحنابلة: ينتقض مطلقًا (٧). • بل قال الحنفيَّة: لا ينتقض عهد الذمي إذا طرأ له أن يصير جاسوسًا لأعداء المسلمين (٨). • وقال الحنفيَّة: لا ينتقض العهد لو فتن الذميُّ مسلمًا عن دينه (٩)، وقال الشافعيَّة:

стр. 347

ينتقض إن شرط عليه انتقاض العهد (١)، وقال الحنابلة: ينتقض مطلقًا (٢). • وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا ينتقض عهد الذمي بقتله مسلمًا (٣)، وقال الشافعيَّة: ينتقض إن شرط عليه انتقاض العهد (٤)، وقال الحنابلة: ينتقض مطلقًا (٥). ومن خلال النظر فيما تقدم يظهر -والله أعلم- أنَّ الحنابلة هم أضيق المذاهب في الباب حتى قالوا: لو قال الذمي للمسلمين: هؤلاء الكلاب أبناء الكلاب، وظهر منه قصد العموم انتقض عهده ووجب قتله (٦). المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في باب نقض عهد الذمة، ولم أقف على ما يستثنى من هذا التقرير من خلال النظر في كتب رؤوس المسائل، وفي كتب المذاهب، والله أعلم. المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال ما تقدم ظهر بجلاء سعة الحنفيَّة في الباب دون غيرهم من المذاهب،

стр. 348

والذي يظهر لي أنَّ سَبَبَ الخلاف في الباب راجع إلى الخلاف في تحديد مقتضى عقد الذمة، ومقصوده، وذلك «القاعدة الشرعية المشهورة في أبواب العقود الشرعية أنا لا [نُبطل] عقدًا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيًّا عن مقارنته معه» (١). فالحنفيَّة لا يرون عامَّة ما تقدم من المسائل مما ينافي مقتضى عقد الذمة، ويرون أنَّ مقتضى عقد الذمة هو دفع قتالهم؛ ولذا يلحظ الناظر أنَّ النقض عند الحنفيَّة لا يكون إلا في مسألتين لهما تعلق بهذا المقصد، وهما: الذمي يلتحق بدار الكفر، والذمي يغلب على موضع فيحارب أهل الإسلام. وأمَّا ما سوى ذلك -كالامتناع من أداء الجزية، أو الامتناع من أحكام الإسلام، أو الزنى بالمسلمة- فلا نقض فيه؛ لأنه لم يخالف مقتضى عقد الذمة. وذهب الجمهور إلى أن مقتضى عقد الذمة هو: دفع قتالهم وبذل الجزية وحصول الصغار؛ لقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولذا قالوا بالنقض في الامتناع من الجزية، والامتناع من أحكام الإسلام، وقالوا -في الجملة- بالنقض في الجاسوس؛ لأنه يشبه الامتناع من الجزية، وقالوا بنقض العهد في قتل الذمي للمسلم؛ لأن فيه ضررًا على المسلمين أشبه ما لو قاتلهم، ونحو هذا في مسائل الخلاف.

стр. 349

وقد نص على هذا المعنى بعض علماء المذاهب: فمن الحنفيَّة يقول الزيلعيُّ ﵀: «المقصود من عقد الذمة دفع الفساد بترك القتال» (١). ومثله قال شيخي زاده ﵀ (٢). ويقول الموصليُّ ﵀ في أهل الذمة: «لا ينتقض عهدهم إلا باللحاق بدار الحرب، أو إن تغلبوا على موضع فيحاربوننا … ؛ لأنهم إذا صاروا حربًا علينا فلا فائدة في عقد الذمة فيصيرون كالمرتدين ومالهم كمالهم إلا أنهم يسترقون ولا يجبرون على قبول الذمة؛ لأن المقصود أن يصيروا من أهل دارنا سلمًا لنا … » (٣). ونصَّ ابن عابدين ﵀ على أنَّ «عقد الذمة ما كان إلا لدفع شر حرابتهم» (٤). ويفهم هذا المقصد أيضًا من مناقشة القدوري ﵀ لمذهب الشافعيَّة فيما يحصل به النقض في عهد الذمي (٥). ومن المالكيَّة: ذكر القرافي ﵀ في فروقه أنَّ النقض في عقد الذمة إنما يكون بمخالفة المقصود من عقد الذمة (٦).

стр. 350

ومن الشافعيَّة: يقول جلال الدين المحلي ﵀: إن الامتناع من الجزية والامتناع من إجراء أحكام الإسلام ناقض لعقد الذمة؛ «لمخالفته موضوع العقد ومقتضاه» (١). ومثله ذكر جماعة من الشافعيَّة (٢). ومن الحنابلة: يقول ابن أبي عمر في نقض عهد الذمي بالزنى وقتل المسلم والتجسس ونحوها: ويستدل على ذلك بأن هذا فيه ضرر «على المسلمين، فأشبه الامتناع من بذل الجزية، ولأنه لم يف بمقتضى الذمة، وهو الأمن من جانبه، فانتقض عهده، كما لو قاتل المسلمين» (٣). فقوله: (لم يف بمقتضى الذمة) ظاهر في أن مخالفة هذه الأمور مخالفة لمقتضى عهد الذمة. ونص البهوتي على أنَّ التجسس أو إيواء الجاسوس ناقض لعهد الذمة؛ «لما فيه من الضرر على المسلمين، أشبه الامتناع من بذل الجزية» (٤). وخلاصة الباب: • أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في باب نقض عهد الذمة؛ لأن المقصد من العقد هو دفع قتالهم فحسب، فأي أمر لا يضرُّ بهذا المقصد فإنه ليس بناقض للعهد. • وأمَّا الجمهور فضيقوا الباب؛ وذلك لأن المقصد عندهم في العقد أعم من دفع القتال؛ كدفع الجزية والتزام أحكام الإسلام، والله أعلم. * * *

стр. 351

الباب الثاني: الاتساع أو الضيق بين المذاهب الأربعة في كتاب المعاملات وفيه فصلان: • الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في أصول المعاملات. • الفصل الثاني: الاتساع أو الضيق في أحكام المعاملات الخاصة.

стр. 352

الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في أصول المعاملات وفيه مباحث: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في الغرر المفسد للعقود. • المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في الشروط في العقود. • المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في التصرف بالمال المشاع. • المبحث الرابع: اتساع المذاهب وضيقها في التحالف في باب الاختلاف في العقود.

стр. 353

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في الغرر المفسد للعقود تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على أحكام العقود من معاوضات وتوثيقات وتبرعات ومناكحات وغيرها أحكام الجهالة والغرر فيها، ويفرد بعضهم في المعاملات الماليَّة بابًا يسميه: (باب الغرر) (١). والغَرَر لغة: الخطر، والنقصان (٢). واصطلاحًا: ما كان مستور العاقبة (٣)، وقيل: ما تردد بين جوازين متضادين، الأغلب منهما أخوفهما (٤)، وقيل: ما طوي عنك

стр. 354

علمه (١)، وقيل: «هو عبارة عن نوع جهل بعاقبة فعل، يُخَاف منه تولُّد ضرر لا يعتاد احتمال مثله في مباشرة ذلك الفعل» (٢). وهذه التعاريف متقاربة في الجملة، وهي مشتملة على أمرين: أحدهما: الجهل في حقيقة محل العقد، والثاني: الجهل في القدرة على التسليم. وبعض فقهاء المذاهب الأربعة ﵏ عرَّف الغرر بالمعنى الثاني: وهو الجهل في القدرة على التسليم (٣)، لكن عند النظر في أحكامهم يعلم الناظر إرادتهم للمعنيين جميعًا؛ ولذا فالخلاف في التعريف خطبه يسير. والغرر من مناطات فساد العقود الكبرى في الشريعة، حتى قال ابن العربي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]: إنَّ «هذه الآية، من قواعد المعاملات. وأساسُ المعاوضات ينبني عليها، وهي أربعة: هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأحاديث الغرر، واعتبار المقاصد والمصالح» (٤)، وقال في موضع آخر: «الفسادُ يرجِعُ إلى البيع من ثلاثة أشياء: إمّا من الرِّبا. وإمّا من الغَرَرِ والجهالة. وإمّا من أكل المال بالباطل» (٥)، فجعل الغرر قاعدة من قواعد الفساد في المعاملات.

стр. 355

وقال ابن رشد ﵀ في أول كتاب البيوع: «أسباب الفساد العامة أربعة: أحدها: تحريم عين المبيع. والثاني: الربا. والثالث: الغرر. والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما، وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد» (١). وبدأ الإمام مسلم ﵀ كتاب البيوع في صحيحه بأحاديث الغرر، حتى إنه قدمها على أحاديث الربا (٢)، وما ذاك إلا لأهمية الغرر وعظيم شأنه، يقول النووي ﵀: «النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ولهذا قدَّمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة» (٣). بل نصَّ أ. د الصديق الضرير ﵀ على أنَّ «أسباب فساد العقود يرجع أكثرها إلى الغرر» (٤). ولعظيم أمر الغرر وشدَّة الحاجة إليه؛ أفرد القرافي ﵀ الفرق الرابع والعشرين في بيان الغرر المؤثر الذي يفسد به العقد، والغرر غير المؤثر (٥)، وبالجملة فبيان الغرر المؤثر من أهم الأمور؛ إذ «ما من عقد إلا ويتطرَّق إليه نوع من الغرر وإن خفي» (٦). وبابُ الغرر من الأبواب التي نُصَّ فيها على التوسع والضيق، أشار إلى ذلك
следующие страницы →