← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الباب الثاني: الاتساع أو الضيق بين المذاهب الأربعة في كتاب المعاملات وفيه فصلان: • الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في أصول المعاملات. • الفصل الثاني: الاتساع أو الضيق في أحكام المعاملات الخاصة.

стр. 352

الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في أصول المعاملات وفيه مباحث: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في الغرر المفسد للعقود. • المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في الشروط في العقود. • المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في التصرف بالمال المشاع. • المبحث الرابع: اتساع المذاهب وضيقها في التحالف في باب الاختلاف في العقود.

стр. 353

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في الغرر المفسد للعقود تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على أحكام العقود من معاوضات وتوثيقات وتبرعات ومناكحات وغيرها أحكام الجهالة والغرر فيها، ويفرد بعضهم في المعاملات الماليَّة بابًا يسميه: (باب الغرر) (١). والغَرَر لغة: الخطر، والنقصان (٢). واصطلاحًا: ما كان مستور العاقبة (٣)، وقيل: ما تردد بين جوازين متضادين، الأغلب منهما أخوفهما (٤)، وقيل: ما طوي عنك

стр. 354

علمه (١)، وقيل: «هو عبارة عن نوع جهل بعاقبة فعل، يُخَاف منه تولُّد ضرر لا يعتاد احتمال مثله في مباشرة ذلك الفعل» (٢). وهذه التعاريف متقاربة في الجملة، وهي مشتملة على أمرين: أحدهما: الجهل في حقيقة محل العقد، والثاني: الجهل في القدرة على التسليم. وبعض فقهاء المذاهب الأربعة ﵏ عرَّف الغرر بالمعنى الثاني: وهو الجهل في القدرة على التسليم (٣)، لكن عند النظر في أحكامهم يعلم الناظر إرادتهم للمعنيين جميعًا؛ ولذا فالخلاف في التعريف خطبه يسير. والغرر من مناطات فساد العقود الكبرى في الشريعة، حتى قال ابن العربي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]: إنَّ «هذه الآية، من قواعد المعاملات. وأساسُ المعاوضات ينبني عليها، وهي أربعة: هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأحاديث الغرر، واعتبار المقاصد والمصالح» (٤)، وقال في موضع آخر: «الفسادُ يرجِعُ إلى البيع من ثلاثة أشياء: إمّا من الرِّبا. وإمّا من الغَرَرِ والجهالة. وإمّا من أكل المال بالباطل» (٥)، فجعل الغرر قاعدة من قواعد الفساد في المعاملات.

стр. 355

وقال ابن رشد ﵀ في أول كتاب البيوع: «أسباب الفساد العامة أربعة: أحدها: تحريم عين المبيع. والثاني: الربا. والثالث: الغرر. والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما، وهذه الأربعة هي بالحقيقة أصول الفساد» (١). وبدأ الإمام مسلم ﵀ كتاب البيوع في صحيحه بأحاديث الغرر، حتى إنه قدمها على أحاديث الربا (٢)، وما ذاك إلا لأهمية الغرر وعظيم شأنه، يقول النووي ﵀: «النهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع ولهذا قدَّمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة» (٣). بل نصَّ أ. د الصديق الضرير ﵀ على أنَّ «أسباب فساد العقود يرجع أكثرها إلى الغرر» (٤). ولعظيم أمر الغرر وشدَّة الحاجة إليه؛ أفرد القرافي ﵀ الفرق الرابع والعشرين في بيان الغرر المؤثر الذي يفسد به العقد، والغرر غير المؤثر (٥)، وبالجملة فبيان الغرر المؤثر من أهم الأمور؛ إذ «ما من عقد إلا ويتطرَّق إليه نوع من الغرر وإن خفي» (٦). وبابُ الغرر من الأبواب التي نُصَّ فيها على التوسع والضيق، أشار إلى ذلك

стр. 356

القرافي ﵀ (١)، وأشار إليه ابن تيمية ﵀ أيضًا إذ يقول: «أمَّا الغرر: فأشد الناس فيه قولًا أبو حنيفة والشافعي ﵄ أمَّا الشافعي: فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء»، ثم عدَّد جملة من المسائل الدالَّة على ضيق أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله-، ثم قال: «لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك»، ثم نبَّه إلى أن مالك أوسع المذاهب في الباب فقال: «أما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا. فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود … ، وأحمد قريب منه في ذلك» (٢). وهذا التقسيم والترتيب من تقي الدين ابن تيمية ﵀ إنما جاء بعد سبرٍ دقيقٍ لجملةٍ وافرةٍ من مسائل الغرر، فخلص إلى ما قال. وسيأتي -بحول الله- في هذا المبحث ما يوضح تقرير شيخ الإسلام. هذا وقد ألَّف كثير من المعاصرين كتبًا ورسائل مفردة في أحكام الغرر، وجمعوا ما تناثر في كتب الفقهاء في محل واحد، ومن أعيان من ألَّف في موضوع الغرر: فضيلة الشيخ: أ. د محمد الصديق الضرير ﵀، في كتابه القيِّم (٣): (الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي) (٤).

стр. 357

وأختم تمهيد الباب بالقول: إن مسائل الغرر في العقود من الكثرة بمكان، حتى قال ابن عبد البر ﵀: «بيوع الغرر لا يحاط بها ولا تحصى» (١)، وقال ابن رشد الجد ﵀: «وجوه الغرر في البيوع كثيرة لا تحصى» (٢)، وذكر النووي أنَّ الغرر يدخل في مسائل كثيرة غير منحصرة (٣)، وعليه فإنَّ الكلام في باب الغرر لضخامته سيكون في المهم منه، ولعل هذا يكون اعتذارًا من الباحث عن النقص والاختصار والتقصير، واللهَ أسأل الهداية والسداد. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. يعسرُ على الباحثِ في هذا المطلبِ الإحاطة بأعيان المسائل المجمع أو المتفق عليها في باب الغرر؛ ولذا فمن الحسن ذِكرُ أجناس الإجماع والاتفاق في الباب، وإرْداف ذلك بذكر أعْيان المسائل في الهامش على جهة التمثيل لا الحصر، وكل

стр. 358

هذا من أجل عدم الإطالة، ومحاولة الاختصار قدر الطاقة والإمكان، وعدم الخروج عن صلب البحث وهو بيان السعة والضيق في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على تحريم الغرر في الجملة (١)، وأجمعوا على أنَّ الغرر اليسير جائز وغير مؤثر في العقود (٢)، وعلى أنَّ الغرر التابع جائز وغير مؤثر في العقود (٣)، وعلى أنَّ الغرر إذا دعت إليه الحاجة جائز وغير مؤثر في العقود كذلك (٤)، وأجمعوا

стр. 359

على أن الشرط الذي يزيد من الغرر في العقود ممنوع (١)، وأجمعوا على أن بيع ما لم يُخلق من الغرر المحرم (٢). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على جملة من المسائل المتعلقة بالغرر: فاتفقوا على أن عدم القدرة على تسليم محل العقد من الغرر الممنوع (٣)، وعلى أنَّ العقد على المعدوم من الغرر الممنوع (٤).

стр. 360

واتفقت المذاهب الأربعة على جواز بيع الجزاف في الجملة (١)، وعلى أنَّ الغرر غير مؤثر في عقود الوصايا (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في مسائل لا تحصى في باب الغرر، و «ما اختلف فيه الفقهاء من مسائل الغرر أكثر مما اتفقوا فيه» (٣)، ومن رؤوس المسائل في باب الغرر: حكم بيع العين الغائبة بالصفة، وحكم بيع ما يختفي في قشره، وحكم ضمان المجهول (٤).

стр. 361

الفرع الأول: حكم بيع الأعيان الغائبة بالصفة (١). تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على جواز بيع العين الموصوفة في الذمة وهو: السلم (٢)، ولم يختلفوا في جواز بيع العين الحاضرة المرئيَّة (٣)، واختلفوا في بيع العين الغائبة بلا وصف ولا رؤية، وهذا خارج محل النزاع (٤). ومحل النزاع في العين الغائبة المعيَّنة هل يجوز بيعها بالوصف من غير مشاهدة ولا رؤية سابقة أم لا؟ اختلفت المذاهب في ذلك على قولين في الجملة. الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: المنع مطلقًا، وهو مذهب الشافعيَّة (٥).

стр. 362

القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع من بيع الأعيان الغائبة مطلقًا، وهم الشافعيَّة. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم (٢). ووجه الدلالة: أن بيع العين الغائبة فيه «غرر ظاهر، فأشبه بيع المعدوم الموصوف؛ كحبل الحبلة وغيره» (٣). الدليل الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» أخرجه الخمسة (٤).

стр. 363

ووجه الدلالة: العموم في قول النبي ﷺ «ولَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»؛ وذلك أنه يحتمل أن يكون المراد فيه: بيع الأعيان الغائبة؛ «لأنها قد تهلك وتنقص قبل أن يراها المشتري، وكل كلام كان عامًّا ظاهرًا في سنة رسول الله ﷺ فهو على ظهوره وعمومه» (١). الدليل الثالث: القياس، وذلك بقياس من باع عينًا غائبة على من باع النوى في التمر بجامع الجهالة في كلتا الصورتين (٢). الفرع الثاني: حكم بيع المطعومات المستترة في قشورها. تحرير محل النزاع: الطعام على نوعين: النوع الأول: طعام لا قشر له كالتين والعنب والخوخ، فهذا يجوز بيعها كما هي بالإجماع (٣).

стр. 364

النوع الثاني: طعام له قشر، وهو أيضًا على قسمين: القسم الأول: ما له قشر لا يمكن أن يحفظ إلا به؛ كالبيض والرمان والباذنجان والموز والبطِّيخ، فهذا يجوز بيعه بقشره بلا خلاف (١). والقسم الثاني: ما له قشر لا يحفظ فيه؛ كالقطن مع قشره، والحب مع سنبله، أو له قشران يحفظ في أحدهما -وهو الأسفل- دون الآخر؛ كالفستق والجوز واللوز، فهذا هو محل النزاع، وقد اختلفوا في بيعه مع قشره على قولين. الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: المنع حتى يُفْصَل عن قشره، وهو مذهب الشافعيَّة (٢). القول الثاني: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور (٣). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع حتى يفصل، وهم الشافعيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم (٤).

стр. 365

ووجه الدلالة: أن بيع المستور في قشرةٍ يمكن فصلها عنه من غير ضرر من الغرر المنهي عنه؛ لأنه يمنع من معرفة جيِّده ورديئه (١). الدليل الثاني: القياس؛ وذلك أنَّ المستور بقشر لا مصلحة للنبات فيها من جهة حفظه يقاس على ما هو مستور من غير خلقته بجامع الجهالة في كلا الحالين (٢). الفرع الثالث: حكم ضمان المجهول. تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على جواز الضمان في الجملة (٣)، واختلفوا هل يجوز ضمان المال إذا كان مجهولًا للضامن (٤) أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: المنع، وهو مذهب الشافعيَّة (٥). القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (٦).

стр. 366

وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع من ضمان المجهول، وهم الشافعيَّة كذلك. وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم (١). ووجه الدلالة: أنَّ ضمان المجهول من الغرر، والغرر منهي عنه كما في الحديث (٢). الدليل الثاني: القياس؛ وذلك أن ضمان المجهول هو: إثبات مال في الذمة بعقد لازم، فلم يصح مع جهله؛ قياسًا على الثمن في البيع، والمهر في النكاح (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الشافعيَّة في المسائل المتعلقة بباب الغرر، وعند النظر في المسائل الخلافيَّة يظهر ما يقوي هذا المعنى، ولكثرة مسائل الغرر وتفرُّعها، وصعوبة الإحاطة بها؛ فإنني سأنتخب بعض المسائل المقرِّرة لضيق الشافعيَّة في الباب (٤)، من ذلك:

стр. 367

• أن الشافعيَّة قالوا: لا يجوز خيار الشرط في الإجارة مطلقًا؛ لأجل الغرر (١)، وقال الجمهور: يجوز في الجملة (٢). • وقال الشافعيَّة: لا يثبت خيار المجلس في الإجارة؛ لأجل الغرر (٣)، وقال الحنابلة: خيار المجلس ثابت في الإجارة (٤). وأمَّا الحنفيَّة والمالكيَّة فلا يقولون بخيار المجلس أصلًا (٥). • وقال الشافعيَّة: لا يجوز بيع المسك في فأرته؛ لأجل الغرر (٦)، وقال الحنابلة:

стр. 368

يجوز إن فتحت فأرته (١)، وقال الحنفيَّة: يجوز مطلقًا (٢). • وقال الشافعيَّة: لا يجوز بيع الأعمى ولا شراؤه؛ لأنه غرر (٣)، وقال الجمهور: يجوز بيعه وشراؤه بالصفة (٤). • وقال الشافعيَّة: لا تجوز شركة الأبدان مطلقًا؛ لأنها غرر (٥)، وقال الجمهور: تجوز على اختلاف بينهم في شروط الجواز (٦). • وقال الشافعيَّة: لا تجوز الإجارة المضافة، وهي: تأخير الإجارة في الأعيان عن زمن العقد؛ كأن يقول: آجرتك هذه الدار بعد شهر؛ للغرر في التسليم (٧)،

стр. 369

وقال الجمهور: يجوز ذلك (١). • وقال الشافعيَّة: لا يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته؛ للغرر في الثمن (٢)، وقال الحنفيَّة: يجوز ذلك في الظئر خاصة (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يجوز ذلك مطلقًا (٤). • وقال الشافعيَّة: لا يصحُّ الخلع على المجهول؛ لأجل الغرر، وللمرأة مهر المثل (٥)، وقال الجمهور: يصح الخلع على المجهول (٦). • وقال الشافعيَّة: نفقة الزوج على زوجته مقدَّرة هي: مدَّا طعام على الموسر، ومدٌّ ونصف على المتوسط، ومدٌّ على المعسر (٧)، وقال الجمهور: النفقة

стр. 370

غير مقدَّرة، ومردُّ ذلك إما إلى الكفاية (١)، وإما إلى العرف (٢). • وقال الشافعيَّة -وكذا الحنابلة-: لا تصح الوكالة العامَّة بقوله: وكلتك في كل شيء؛ لأجل الغرر (٣)، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: تصح الوكالة العامة (٤). • وقال الشافعيَّة -وكذا الحنابلة-: لا يجوز الغرر في عوض الكتابة، ولا يصح إلا بأوصاف السلم (٥)، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة: يجوز الغرر اليسير في عوض الكتابة (٦).

стр. 371

ومن خلال النظر في المذاهب يلحظ الناظر توسُّعًا ظاهرًا عند المالكيَّة في باب الغرر، وقد ظهر هذا في جملة من المسائل: • فقال المالكيَّة: تصح هبة المجهول وما لا يقدر على تسليمه (١)، وقال الجمهور: لا يصح في الجملة؛ للغرر (٢). • وقال المالكيَّة: يجوز بيع الصوف على الظهر واللبن في الضرع (٣)، وقال الجمهور: لا يجوز ذلك؛ للغرر (٤). • وقال المالكيَّة: يجوز عسْب الفحل -وهو: إجارته للضراب- (٥) أيامًا أو مرات معلومة (٦)، وقال الجمهور: لا يجوز؛ للغرر (٧).

стр. 372

• وقال المالكيَّة: يجوز البيع والسلم إلى الحصاد والجذاذ ونحو ذلك (١)، وقال الجمهور: لا يجوز؛ للغرر في الأجل (٢). • وقال المالكيَّة: يجوز رهن المجهول كالبعير الشارد والعبد الآبق (٣)، وقال الجمهور: لا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه؛ لأجل الغرر (٤)، ولا يتم الرهن أيضًا إلا بالقبض (٥). • وقال المالكيَّة -وكذا الحنفيَّة-: يجوز بيع المغيبات في الأرض كالجزر والثوم في الجملة (٦)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: لا يجوز ذلك؛

стр. 373

للغرر (١). وأشير إلى مسألة هي من كبار المسائل ومشكلاتها (٢)، ألحقها بعض العلماء بباب الغرر (٣)، ويتضح فيها جليًّا ما تقدَّم من ضيقٍ للشافعية وسعةٍ للمالكية، وهي مسألة: (بيع ما لم يقبض) (٤)، فالشافعيَّة هم أضيق المذاهب في المسألة؛ إذ قالوا: لا يجوز بيع ما لم يقبض مطلقًا (٥)، وعكسهم المالكيَّة فهم أوسع المذاهب في المسألة؛ إذ قصروا المنع على بيع الطعام فقط (٦)، وأمَّا الحنفيَّة فهم أقرب للشافعية

стр. 374

فقالوا: لا يجوز بيع ما لم يقبض في المنقول دون العقار (١)، وأمَّا الحنابلة فهم أقرب للمالكية فقالوا: لا يجوز بيع ما لم يقبض في المكيل والموزون والمعدود والمذروع طعامًا كان أو غير طعام، والمبيع بالصفة، والرؤية السابقة (٢). وأختم الفرع بالقول: إن بين الحنفيَّة والحنابلة تقاربًا كبيرًا في الباب، وهذا ظاهر من خلال ما تقدم من المسائل، بل إني أميل إلى أن الحنفيَّة أوسع من الحنابلة في الباب -إذا استثنيت مسائل الشروط في العقود التي يتصل معها الغرر-، ولكن يعكِّر على هذا التقرير أنَّ ابن تيمية أشار إلى أن أبا حنيفة أقرب إلى الشافعي من أحمد (٣)، يريد الشيخ: أن الحنفيَّة أضيق من الحنابلة، وهذا -في نظر الباحث- متوجِّه من جهة مذهب الإمام نفسه -أعني أبا حنيفة-، أما من جهة المذهب الاصطلاحي فإنه لم يتَّضح لي ذلك (٤)، لا سيما وأنَّ الحنفيَّة لديهم باب يدخل تحته جملة من مسائل

стр. 375

الغرر هو باب خيار الرؤية (١)؛ وذلك أنَّهم قالوا بصحة البيع في بعض مسائل الغرر لكن جعلوا للمشتري خيار الرؤية. وأشير هنا إلى مسألة واحدة تبين سعة الحنفيَّة في باب الغرر، وهي حكم بيع الأعيان الغائبة بغير صفة ولا رؤية سابقة، فالشافعيَّة والحنابلة منعوا هذا البيع مطلقًا (٢)، وقال المالكيَّة: البيع يصح إذا اشترط المشتري خيار الرؤية، ويفسد من دونه (٣)، وقال الحنفيَّة: البيع يصح مطلقًا، وللمشتري خيار الرؤية (٤). والناظر يلحظ في هذه المسألة أنَّ المالكيَّة -على سعتهم في الباب- صاروا إلى قولٍ أضيق من الحنفيَّة. ومن نظر في باب خيار الرؤية في كتب الحنفيَّة سيرى توسُّعًا ملحوظًا له التصاق ظاهر بباب الغرر، والله تعالى أعلم. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب. من خلال ما تقدَّم ظهر بجلاء ضيق الشافعيَّة دون غيرهم من المذاهب في الباب، ومن خلال النظر في رؤوس المسائل الخلافيَّة في باب الغرر يتضح وجود مستثنى من هذا الضيق، ويظهر ذلك في فرع واحد، وهو: حكم الجعالة.

стр. 376

الفرع الأول: حكم عقد الجعالة. تحرير محل النزاع: اتفق العلماء ﵏ على جواز الجعالة في رد الآبق (١)، واختلفوا في الجعالة على غير ردِّ الآبق على قولين. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة. القول الأول: المنع، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (٣). ويظهر في هذا الفرع أن الحنفيَّة أضيق مذهبًا من الشافعيَّة، وهذا جارٍ على خلاف ما تقرَّر من ضيق الشافعيَّة في الباب، ويرجع قول الشافعيَّة بجواز الجعالة مع وجود الغرر والجهالة فيها إلى أكثر من أمر:

стр. 377

الأمر الأول: أن الجعالة ثابتة في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. وذكر إلكيا الهراسي ﵀ أنَّ هذه الآية «أصلٌ في الجعالة» (١)، ونص على ذلك ابن عطية (٢)، وابن كثير -رحمهما الله- (٣). الأمر الثاني: أن الجعالة ثابتة في السنة؛ وذلك أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ. قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» متفق عليه (٤).

стр. 378

ووجه الدلالة من الحديث: إقرار النبي ﷺ على الجعل الذي استحقوه بقراءة الصحابي ﵁ على سيِّد القوم (١)، قال الزركشي ﵀: «يستنبط من هذا الحديث جواز الجعالة على ما ينتفع به المريض من دواء أو رقية» (٢). الأمر الثالث: شدَّة الحاجة إلى الجعالة؛ إذ قد يكون العمل مجهولًا فتتعذر الإجارة فيه، ولا يجد من يتبرع له (٣)، والقاعدة الفقهية: أنَّ «الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس» (٤). وتقدَّم أنَّ الحاجة يجوز معها الغرر. المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. فيما تقدم من المطالب السابقة ظهر بجلاء ضيق الشافعيَّة في باب الغرر دون غيرهم من المذاهب، ومن خلال النظر في أدلة المسائل المتنازع عليها في الباب يمكن القول: إن سبب الخلاف بين الشافعيَّة والجمهور في الباب يرجع في حقيقته -والله أعلم- إلى سببين: السبب الأول: ما يُعرف عند الأصوليين بتحقيق المناط، وهو: تحقيق العلة المتفق عليها -وهو الغرر المحرَّم هنا- في الفرع (٥).

стр. 379

وحاصل ذلك: أنَّ المذاهب الأربعة متفقة على المنع من الغرر في الجملة، ومتفقون كذلك على: (أنَّ الغرر اليسير معفو عنه، وعلى أنَّ الغرر التابع معفو عنه، وعلى أن الغرر إذا دعت إليه الحاجة معفو عنه كذلك) (١). غير أنهم عند تطبيق هذه الضوابط يقع النزاع بينهم. فالمذاهب يقع الاختلاف بينها من وجهين: الأول: إثبات وجود أصل الغرر في المسألة المتنازع فيها أو نفيه. والثاني: الاختلاف في كون الغرر يسيرًا فيباح أو كثيرًا فيحرم، وفي كونه تابعًا فيباح أو أصليًّا فيحرم، وفي كونه دعت الحاجة إليه فيباح أم لا فيحرم. والشافعيَّة في باب الغرر وسعوا دائرته، ومالوا في عامَّة مسائله إلى القول بوجود الغرر الممنوع فيها، فصار مذهبهم بذلك أضيق المذاهب في الباب، أما المالكيَّة فضيقوا دائرة الغرر الممنوع -إما لمنعهم أصل الغرر، أو لقولهم بأن الغرر يسير أو تابع أو دعت الحاجة إليه- فصار مذهبهم أوسع المذاهب، ويأتي بينهما: الحنفيَّة والحنابلة. وفي هذا يقول أ. د. الصديق الضرير ﵀: «الاختلاف الواسع بين الفقهاء في أثر الغرر على عقد البيع وعقود المعاوضات المالية الأخرى لا يرجع إلى الاختلاف في أصل القاعدة، وإنما يرجع إلى اختلافهم في تطبيقها» (٢). ويقول د. عبد الرزاق السنهوري ﵀: «معايير الغرر -الغرر الكثير والغرر

стр. 380

المتوسط والغرر الذي تدعو له الضرورة- تختلف في تطبيقاتها في بيئة عن بيئة، وفي عصر عن عصر، بل تختلف الأنظار أيضًا في البيئة الواحد والعصر الواحد» (١)، ثم ذكر بعض مسائل الخلاف المبنيَّة على اختلاف أنظار الفقهاء. وقد أشار إلى هذا المعنى جملة من علماء المذاهب الأربعة: فمن الحنفيَّة: ينص القدوري ﵀ على أن بيع المطعومات بقشرها جائز، وأن اسم الغرر لا يتناوله. قال ذلك في معرض الجواب على قول الشافعيَّة: إنه غرر (٢). فالقدوري هنا لم يسلم للشافعية دعوى الغرر في الفرع المتنازع فيه، وهذا معنى تحقيق المناط. وبمثل هذا ما ذكره القدوري دليلًا للشافعية في (أن بيع المطعومات في قشرها لم تدع إليه الحاجة حتى يقال بإباحته) ثم دفع ذلك بالمنع وعدم التسليم (٣). ومن المالكيَّة: يقول ابن رشد الجد ﵀:» يقع الاختلاف بين العلماء في فساد بعض أعيان العقود لاختلافهم فيما فيه من الغرر، هل هو من جنس الكثير الداخل تحت نهي النبي ﷺ عن بيع الغرر المانع من صحة العقد، أو من جنس اليسير المستخفِّ المستجازِ في البيوع الذي لا يمنع من صحة العقد» (٤). وقال ابن رشد الحفيد ﵀: «الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات

стр. 381

لا يجوز، وأن القليل يجوز. ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر، فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير، وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح؛ لترددها بين القليل والكثير» (١). وقال في مسألة بيع المطعومات المستترة في قشرها: «السبب في اختلافهم هل هو من الغرر المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر؟ وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم بهذين القسمين، وأن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه الضرورة، أو ما جمع الأمرين» (٢)، وقال في مسألة جعل الأجل إلى الحصاد والجذاذ ونحوه: «من رأى أن الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير أجاز ذلك؛ إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع» (٣)، وقال في شركة المضاربة: «أجمعوا بالجملة على أنَّه لا يقترن به شرط يزيد في مجهلة الربح أو في الغرر الذي فيه، وإن كان اختلفوا فيما يقتضي ذلك من الشروط مما لا يقتضي» (٤). فهذا ابن رشد ﵀ يقرر اتفاق العلماء ﵏ على أصل التحريم، وينبه إلى أن الخلاف إنما جاء من تحقيق المناط، وهو: تحقق علَّة التحريم في الفرع المختلف فيه. وذكر الخرشي ﵀ أنَّ الغرر على ثلاثة أقسام: محرَّمٌ إجماعًا، وجائز إجماعًا، ومختلف في إلحاقه بالأول أو الثاني (٥). فالخلاف إذن في الإلحاق، وهذا معنى تحقيق المناط.

стр. 382

ومن الشافعيَّة نص النووي ﵀ على استثناء الغرر اليسير من التحريم، ثم قال: «ما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده كبيع العين الغائبة مبني على هذه القاعدة، فبعضهم يرى أنَّ الغرر حقير فيجعله كالمعدوم فيصحُّ البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير فيبطل البيع، والله أعلم» (١)، وبنحو هذا التقرير ذكر في المجموع أيضًا (٢). ومن قبله أشار الجويني ﵀ إلى أنَّ بعض الخلاف عند الشافعيَّة في مسائل الغرر عائد إلى اضطراب النظر في شدة الحاجة المبيحة للغرر من عدمه (٣). ومن الحنابلة: ابن قدامة ﵀ إذ ذكر قول المانعين من بيع الغائبات بالصفة وذكر دليلهم، وهو أنه مجهول لا تحصل به معرفة المبيع، فأجاب بقوله: «لا نسلِّم أنه لا تحصل به معرفة المبيع، فإنها تحصل بالصفات الظاهرة التي يختلف بها الثمن ظاهرًا، وهذا يكفي؛ بدليل أنه يكفي في السلم» (٤). وقال أيضًا في جوابه على من حرّم الإجارة بدعوى الغرر بقوله: «ما ذكره من الغرر، لا يلتفت إليه، مع ما ذكرنا من

стр. 383

الحاجة» (١). ففي المثال الأول: منع من وجود الغرر في المسألة، وفي المثال الثاني: سلَّم بوجود الغرر، ولكن جعل الحاجة دليلًا لإباحته. ومنع ابن تيمية ﵀ من وجود الغرر في بيع المغيبات في الأرض، ويقول: «هذا ليس من الغرر؛ بل أهل الخبرة يستدلون بما يظهر من الورق على المغيب في الأرض كما يستدلون بما يظهر من العقار من ظواهره على بواطنه وكما يستدلون بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم» (٢)، وقال أيضًا: «أهل الخبرة يستدلون برؤية ورق هذه المدفونات على حقيقتها ويعلمون ذلك أجود مما يعلمون العبد برؤية وجهه، والمرجع في كل شيء إلى الصالحين من أهل الخبرة به، وهم يقرُّون بأنهم يعرفون هذه الأشياء كما يُعرَف غيرها مما اتفق المسلمون على جواز بيعه وأولى» (٣). وقرَّر ابن القيم ﵀ جواز بيع المسك في فأرته، ودفع قول المخالف بأن بيعه «لا يسمى غررًا لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا»، ثم قال: «من حرم بيع شيء، وادعى أنه غرر، طولب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعًا» (٤)، وقال بنحو هذا في مسألة بيع الباذنجان ونحوها بعد بدو الصلاح (٥). بل شدَّد ابن القيم ﵀ في تحقيق مناط الغرر في أعيان المبيعات، وجعل مرده إلى أهل الخبرة، وليس إلى الفقهاء، يقول في ذلك: «قول القائل: (إن هذا غرر

стр. 384

ومجهول) هذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدوه قمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك، وإنما حظ الفقيه: يحل كذا؛ لأن الله أباحه، ويحرم كذا؛ لأن الله حرمه وقال الله تعالى وقال رسوله وقال الصحابة، وأما أن يرى هذا خطرًا وقمارًا أو غررًا فليس من شأنه، بل أربابه أخبر بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا أم لا، وكون هذا البيع مربحًا أم لا، وكون هذه السلعة نافقة في وقف كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مِثْلُهُم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية» (١). والمراد بقوله في الجملة الأخيرة: (فالفقهاء بالنسبة … ) أن الفقهاء من حيث معرفة الغرر في أعيان المبيعات، كالعوام من حيث معرفة الأحكام الشرعيَّة. ومع اختلاف المسائل في جميع ما تقدم يلحظ الناظر أن كلام أهل العلم يدور حول وجود الغرر في محل النزاع أم لا، ثم إن كان فيه: فهل تحققت فيه شروط التحريم (من كونه كثيرًا، أصليًّا، لم تدع الحاجة إليه) أم لا؟ وهذا هو معنى تحقيق المناط. إذ تبين ما تقدَّم؛ فإنَّ السبب الثاني للسعة والضيق في الباب يرجع إلى اختلاف المذاهب في حكم الغرر في غير المعاوضات، فالشافعيَّة منعوا الغرر في جميع العقود في الجملة (٢)، على حين قصر المالكيَّة الغرر الممنوع على عقود المعاوضات وما يشابهها في معنى المعاوضة، وتوسَّط بينهما الحنفيَّة والحنابلة.

стр. 385

وقد نصَّ على هذا المعنى بعض علماء المذاهب: فمن الحنفيَّة: أشار الكاساني إلى التسامح في الغرر غير الفاحش في عقد الكفالة، وأنه يجوز أن يكون الأجل فيها إلى الحصاد والجذاذ، وهذا بخلاف عقد البيع فإن الحال فيه أشد (١). واستدل الموصلي ﵀ على جواز جهالة صفة الصداق بأن «النكاح يحتمل ضربًا من الجهالة؛ لأنَّ مبناه على المساهلة والمسامحة» (٢). ومن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀ مستدلًّا على جواز الغرر في عوض الخلع: «الخلع طريقه طريق الهبة والصلة، بخلاف عقود المعاوضات فكأنه بذل لها الصداق ثم وهبت له غررًا مجهولًا» (٣). والقرافي ﵀ وهو من أوائل من أبرز هذا المعنى- يقول: «وردت الأحاديث الصحيحة في نهيه ﵇ عن بيع الغرر، وعن بيع المجهول، واختلف العلماء بعد ذلك، فمنهم من عمَّمه في التصرفات وهو الشافعي فمنع من الجهالة في الهبة والصدقة والإبراء والخلع والصلح وغير ذلك. ومنهم من فصَّل وهو مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو: باب المماكسات والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال وما يقصد به تحصيلها، وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو:

стр. 386

ما لا يقصد لذلك» (١). وقال أيضًا في الذخيرة: «العقود أربعة أقسام: قسم مشتمل على المعاوضة؛ كالبيع والإجارة. وغير مشتمل؛ كالهبة والوصية. ومشتمل على طريق التبع لمقصد آخر؛ كالنكاح مقصده المودة والائتلاف واستبقاء النوع الإنساني في الوجود للعبادة. وغير مقصود أصلًا في ذلك التصرف: كالطلاق فإن العوض فيه غير مقصود. فمنع الشرع من الغرر والجهالة في القسم الأول، وهذا القسم هو الذي ورد فيه النهي عنهما كنهيه ﷺ عن بيع الغرر وبيع المجهول. والقسم الثاني: يجوز فيه الغرر والمجهول. والقسم الثالث: منع فيه ما عظم من الغرر دون قليله. والرابع: يجوز فيه الغرر أكثر من الأول» (٢). ويقول محمد الأمير المالكي ﵀ مستدلًّا على جواز الجهالة في الإبراء بأنه «تبرع ولا يضر فيه الجهالة، إنما تضرُّ في المعاوضات» (٣). ومن الشافعيَّة: يقول الشيرازي ﵀: لا يصح الإبراء من دين مجهول؛ لأنه إزالة ملك لا يجوز تعليقه على الشرط فلم يجز مع الجهالة كالبيع» (٤)، فألحق الإبراء الذي هو تبرع بعقد البيع الذي هو معاوضة. والنووي ﵀ جعل الضابط فيما يجوز فيه المهر أن يجوز فيه البيع، فقال: «ما صح مبيعًا صح صداقًا» (٥)، فساوى بين المبيع وبين المهر، وهذا فيه بيان على أن الغرر ليس محصورًا في المعاوضات؛ ولذا استفاد أبو البقاء الدميري ﵀ من مقالة النووي ﵀ عدم جواز الجهالة في الصداق (٦).

стр. 387

ومن الحنابلة: استدل ابن قدامة ﵀ على جواز ضمان المجهول بـ «أنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول؛ كالنذر والإقرار» (١). ونصَّ ابن تيمية ﵀ على أنَّ الشافعي ﵀ «قاس على بيع الغرر جميعَ العقود؛ من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير وفدية الخلع والكتابة وصلح أهل الهدنة وجزية أهل الذمة: ما اشترطه في البيع عينًا ودينًا؛ ولم يجوز في ذلك جنسًا وقدرًا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع، … » (٢). ومن وجه آخر استدل البهوتي ﵀ على عدم جواز الغرر في الصداق؛ بـ «ـأنَّ الصداق عوض في حق معاوضة فأشبه الثمن» (٣)، فجعل الصداق في حكم عقود المعاوضات، ولذا منع فيه الغرر كما يمنع في البيع. ويلحظ المتأمل في النُّصوص المتقدمة أن العقود ليست على درجة واحدة من حيث وجود الغرر فيها، وأنَّ لكل مذهب نظرًا مغايرًا فيما يجوز فيه الغرر من العقود وما لا يجوز. وفي ختام هذا المبحث يحسن التنبيه على أمور أربعة: الأمر الأول: أنَّ باب الغرر أهون أمرًا من باب الربا؛ ولذلك سدَّ الشارع باب الربا بالكلية، وأما الغرر فقد أبيح منه اليسير، والتابع، وما تدعو إليه الحاجة بإجماع العلماء كما تقدم، ولم يُبح هذا في الربا. وفي هذا يقول ابن تيمية ﵀: «مفسدة الغرر أقلُّ من الربا، فلذلك رُخِّصَ فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا؛ مثل: بيع العقار جملة وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس،

стр. 388

ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردًا» (١)، وقال في موضع آخر: «الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك» (٢)، وهذا المعنى قد يُحتجُّ به على من يقول بجواز يسير الربا إلحاقًا له بيسير الغرر. الأمر الثاني: أنَّ ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- من أوسع الفقهاء قولًا في الغرر، وقلَّ أنْ تجد قولًا للمالكيَّة -وهم أوسع المذاهب في الغرر- إلا وتجد ابن تيمية وابن القيم يقولان به؛ ولذا قال ابن تيمية ﵀: إن مذهب مالك أحسن المذاهب في الغرر (٣)، بل إنهما قالا بجواز جملة من مسائل الغرر لم يقل بجوازها مذهب من المذاهب الأربعة -كبيع المعدوم إذا لم يترتب عليه محذور آخر (٤)، والبيع بسعر السوق أو بما ينقطع به السعر (٥)، وإجارة الأرض المشغولة بالزرع (٦) -، ولولا خشية الإطالة لعدَّدت تلك المسائل، ولكن حسب المتفقِّه أن يعلمَ عظيم سعة شيخ الإسلام وتلميذه واطِّرادهما في الباب.

стр. 389

الأمر الثالث: أنّ توسيع دائرة التحريم في باب الغرر والضيق فيه يصعب معه الالتزام الفقهي، ويضطر المتفقه إما إلى ترك مذهبه، وإما إلى الحيلة، يقول ابن تيمية ﵀: «كلُّ من توسَّع في تحريم ما يعتقده غررًا: فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله، فإمَّا أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة وإما أن يحتال. وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم فما رأينا أحدًا التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل ولا يمكنه ذلك. ونحن نعلم قطعًا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها. فمن المحال: أن يحرم الشارع علينا أمرًا نحن محتاجون إليه ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها. وإنما هي من جنس اللعب» (١)، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية -رحمهما الله- في مسألة البيع بسعر السوق قوله: «الذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه» (٢). الأمر الرابع: أنَّ الاختلاف في تحقيق مناط الغرر في أعيان المسائل من جهة وجود أصله أو من جهة كونه تابعًا أو يسيرًا أو دعت الحاجة إليه هو بعينه سبب الاختلاف في نوازل الغرر في زماننا، ومن مشهور مسائل الخلاف اليوم: حكم التأمين التجاري، فالمانعون أقوى أدلتهم هو الغرر الفاحش في التأمين التجاري (٣)، وأما المجوزون فتمسكوا بأصل الإباحة، ولهم مسالك في الاعتراض على وجود

стр. 390

الغرر، فمنهم من لم يسلم بوجوده في التأمين أصلًا (١)، ومنهم من سلَّم بوجوده ولكن جعله من الغرر اليسير (٢)، ومنهم من سلَّم بوجود الغرر الكثير ولكن أباحه لدعاء الحاجة إليه (٣). والمتأمل هنا يرى أن الاختلاف بين أهل العلم في زماننا في التأمين التجاري يشابه إلى قدر كبير خلاف المتقدمين في مسائل الغرر من حيث الجملة؛ ولذا استصحب بعض من تكلَّم في التأمين التجاري سعة المالكيَّة في بعض مسائل الغرر، وجعله مستندًا على جواز العقد (٤). وخلاصة الباب: • أنَّ الشافعيَّة أضيق المذاهب في باب الغرر، وسبب ذلك أمران: أحدهما أنهم وسعوا دائرة الغرر المحرم عند تطبيق قواعده، والثاني: أنهم ألحقوا عامة العقود بعقود المعاوضات في المنع من الغرر فيها.
следующие страницы →