← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ما لا يقصد لذلك» (١). وقال أيضًا في الذخيرة: «العقود أربعة أقسام: قسم مشتمل على المعاوضة؛ كالبيع والإجارة. وغير مشتمل؛ كالهبة والوصية. ومشتمل على طريق التبع لمقصد آخر؛ كالنكاح مقصده المودة والائتلاف واستبقاء النوع الإنساني في الوجود للعبادة. وغير مقصود أصلًا في ذلك التصرف: كالطلاق فإن العوض فيه غير مقصود. فمنع الشرع من الغرر والجهالة في القسم الأول، وهذا القسم هو الذي ورد فيه النهي عنهما كنهيه ﷺ عن بيع الغرر وبيع المجهول. والقسم الثاني: يجوز فيه الغرر والمجهول. والقسم الثالث: منع فيه ما عظم من الغرر دون قليله. والرابع: يجوز فيه الغرر أكثر من الأول» (٢). ويقول محمد الأمير المالكي ﵀ مستدلًّا على جواز الجهالة في الإبراء بأنه «تبرع ولا يضر فيه الجهالة، إنما تضرُّ في المعاوضات» (٣). ومن الشافعيَّة: يقول الشيرازي ﵀: لا يصح الإبراء من دين مجهول؛ لأنه إزالة ملك لا يجوز تعليقه على الشرط فلم يجز مع الجهالة كالبيع» (٤)، فألحق الإبراء الذي هو تبرع بعقد البيع الذي هو معاوضة. والنووي ﵀ جعل الضابط فيما يجوز فيه المهر أن يجوز فيه البيع، فقال: «ما صح مبيعًا صح صداقًا» (٥)، فساوى بين المبيع وبين المهر، وهذا فيه بيان على أن الغرر ليس محصورًا في المعاوضات؛ ولذا استفاد أبو البقاء الدميري ﵀ من مقالة النووي ﵀ عدم جواز الجهالة في الصداق (٦).

стр. 387

ومن الحنابلة: استدل ابن قدامة ﵀ على جواز ضمان المجهول بـ «أنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول؛ كالنذر والإقرار» (١). ونصَّ ابن تيمية ﵀ على أنَّ الشافعي ﵀ «قاس على بيع الغرر جميعَ العقود؛ من التبرعات والمعاوضات فاشترط في أجرة الأجير وفدية الخلع والكتابة وصلح أهل الهدنة وجزية أهل الذمة: ما اشترطه في البيع عينًا ودينًا؛ ولم يجوز في ذلك جنسًا وقدرًا وصفة إلا ما يجوز مثله في البيع، … » (٢). ومن وجه آخر استدل البهوتي ﵀ على عدم جواز الغرر في الصداق؛ بـ «ـأنَّ الصداق عوض في حق معاوضة فأشبه الثمن» (٣)، فجعل الصداق في حكم عقود المعاوضات، ولذا منع فيه الغرر كما يمنع في البيع. ويلحظ المتأمل في النُّصوص المتقدمة أن العقود ليست على درجة واحدة من حيث وجود الغرر فيها، وأنَّ لكل مذهب نظرًا مغايرًا فيما يجوز فيه الغرر من العقود وما لا يجوز. وفي ختام هذا المبحث يحسن التنبيه على أمور أربعة: الأمر الأول: أنَّ باب الغرر أهون أمرًا من باب الربا؛ ولذلك سدَّ الشارع باب الربا بالكلية، وأما الغرر فقد أبيح منه اليسير، والتابع، وما تدعو إليه الحاجة بإجماع العلماء كما تقدم، ولم يُبح هذا في الربا. وفي هذا يقول ابن تيمية ﵀: «مفسدة الغرر أقلُّ من الربا، فلذلك رُخِّصَ فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا؛ مثل: بيع العقار جملة وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس،

стр. 388

ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردًا» (١)، وقال في موضع آخر: «الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك» (٢)، وهذا المعنى قد يُحتجُّ به على من يقول بجواز يسير الربا إلحاقًا له بيسير الغرر. الأمر الثاني: أنَّ ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- من أوسع الفقهاء قولًا في الغرر، وقلَّ أنْ تجد قولًا للمالكيَّة -وهم أوسع المذاهب في الغرر- إلا وتجد ابن تيمية وابن القيم يقولان به؛ ولذا قال ابن تيمية ﵀: إن مذهب مالك أحسن المذاهب في الغرر (٣)، بل إنهما قالا بجواز جملة من مسائل الغرر لم يقل بجوازها مذهب من المذاهب الأربعة -كبيع المعدوم إذا لم يترتب عليه محذور آخر (٤)، والبيع بسعر السوق أو بما ينقطع به السعر (٥)، وإجارة الأرض المشغولة بالزرع (٦) -، ولولا خشية الإطالة لعدَّدت تلك المسائل، ولكن حسب المتفقِّه أن يعلمَ عظيم سعة شيخ الإسلام وتلميذه واطِّرادهما في الباب.

стр. 389

الأمر الثالث: أنّ توسيع دائرة التحريم في باب الغرر والضيق فيه يصعب معه الالتزام الفقهي، ويضطر المتفقه إما إلى ترك مذهبه، وإما إلى الحيلة، يقول ابن تيمية ﵀: «كلُّ من توسَّع في تحريم ما يعتقده غررًا: فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله، فإمَّا أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة وإما أن يحتال. وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم فما رأينا أحدًا التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل ولا يمكنه ذلك. ونحن نعلم قطعًا أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها. فمن المحال: أن يحرم الشارع علينا أمرًا نحن محتاجون إليه ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها. وإنما هي من جنس اللعب» (١)، ونقل ابن القيم عن ابن تيمية -رحمهما الله- في مسألة البيع بسعر السوق قوله: «الذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه» (٢). الأمر الرابع: أنَّ الاختلاف في تحقيق مناط الغرر في أعيان المسائل من جهة وجود أصله أو من جهة كونه تابعًا أو يسيرًا أو دعت الحاجة إليه هو بعينه سبب الاختلاف في نوازل الغرر في زماننا، ومن مشهور مسائل الخلاف اليوم: حكم التأمين التجاري، فالمانعون أقوى أدلتهم هو الغرر الفاحش في التأمين التجاري (٣)، وأما المجوزون فتمسكوا بأصل الإباحة، ولهم مسالك في الاعتراض على وجود

стр. 390

الغرر، فمنهم من لم يسلم بوجوده في التأمين أصلًا (١)، ومنهم من سلَّم بوجوده ولكن جعله من الغرر اليسير (٢)، ومنهم من سلَّم بوجود الغرر الكثير ولكن أباحه لدعاء الحاجة إليه (٣). والمتأمل هنا يرى أن الاختلاف بين أهل العلم في زماننا في التأمين التجاري يشابه إلى قدر كبير خلاف المتقدمين في مسائل الغرر من حيث الجملة؛ ولذا استصحب بعض من تكلَّم في التأمين التجاري سعة المالكيَّة في بعض مسائل الغرر، وجعله مستندًا على جواز العقد (٤). وخلاصة الباب: • أنَّ الشافعيَّة أضيق المذاهب في باب الغرر، وسبب ذلك أمران: أحدهما أنهم وسعوا دائرة الغرر المحرم عند تطبيق قواعده، والثاني: أنهم ألحقوا عامة العقود بعقود المعاوضات في المنع من الغرر فيها.

стр. 391

• وأنَّ المالكيَّة أوسع المذاهب في باب الغرر، وسبب ذلك أمران أيضًا: الأول: أنهم لم يسلموا بوجود الغرر المحرم عند تطبيقه في كثير من مسائل الخلاف في باب المعاوضات، أو سلموا ولكن جعلوه من اليسير أو التابع أو مما تدعو إليه الحاجة، والثاني: أنَّهم جعلوا الغرر الممنوع مختصًّا في أبواب المعاوضات الماليَّة. • وأنَّ الحنفيَّة والحنابلة توسطوا بين المذهبين من جهة تطبيق قواعد الغرر المحرَّم وتحقيق مناطه، ومن جهة قصره على المعاوضات أو تعميمه على سائر العقود، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 392

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب الشروط في العقود تمهيد: يذكرُ بعض العلماء ﵏ في أثناء الكلام على أحكام البيع الأحكام المتعلِّقة بالشُّروط فيها، ويفردون لذلك بابًا يسمونه بباب (الشُّروط في البيع)، ويذكر كثيرٌ من العلماء أيضًا في تضاعيف كلامهم على جملة من العقود أحكام الشُّروط فيها، من ذلك: الشُّروط في الرهن، والشُّروط في المضاربة، والشُّروط في النكاح (١). والشُّروط في العقود يطلق عليها أيضًا: الشُّروط الجعليَّة؛ لأنها من جعل المتعاقدين، والمراد بها: «إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة» (٢). وقد أُلِّف في مسائل الشُّروط قديمًا وحديثًا، فكتب بعض المالكيَّة جزءًا في الشُّروط على مذهب مالك (٣)، وأفرد جملة من المعاصرين مؤلفات لها تعلق

стр. 393

بالشُّروط في العقود؛ كنظرية الشُّروط المقترنة بالعقد في الشريعة والقانون (١)، ونظرية الشرط في الفقه الإسلامي (٢)، وأحكام الشُّروط في البيع (٣)، والشُّروط في العقود عند الحنابلة (٤)، والشُّروط التعويضية في المعاملات الماليَّة (٥)، وغير ذلك كثير. ويحسنُ التنبيه هنا إلى الفرق بين الشُّروط في البيع وشروط البيع: فالشُّروط في البيع -وهي محل البحث- تمتاز بأنَّها من وضع المتعاقدين ولا عدد لها، وأنَّ فيها الصحيح والفاسد، وأنه يجوز للمتعاقدين الاتفاق على إسقاطها، وأن صحة البيع لا تتوقف عليها. وأمَّا شروط البيع فهي منحصرة فيما وضعه الشارع، ولا فاسد فيها، ولا يجوز الاتفاق على إسقاطها، وأن صحة البيع تتوقف عليها (٦).

стр. 394

وهذا الباب من الأبواب التي تشتد الحاجة إليها لا سيما في هذا الزمان؛ وذلك أنَّ كثيرًا من العقود لا تخلو من الشُّروط التي يصطلح عليها المتعاقدان، بل وثمة شروط لم تعرف إلا في هذا الزمان حصل خلاف بين أهل العلم في تخريجها أولًا، وفي حكمها ثانيًا، من ذلك: الشرط الجزائي (١). ولأهميَّة هذا الباب: أطال ابن تيمية ﵀ في الكلام على تأصيله، ووضع لذلك قاعدة ضبط فيها ما يمكن ضبطه في الباب (٢)، وأفرد ابن رجب ﵀ قاعدة في اشتراط أحد المتعاقدين النفع في العقد (٣). وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو أول من أشار إلى السعة والضيق في الباب ممن وقفت عليهم في ذلك، يقول -بعد ذكره قول من قال: إن الأصل في الشُّروط الجواز والصحة-: «أصول أحمد المنصوصة عنه أكثرها يجري على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه» (٤). وجاء في بحوث اللجنة الدائمة للإفتاء -في معرض كلامهم على الموازنة بين المذاهب من جهة تصحيح الشُّروط-: «الحنابلة كالمالكيَّة، الأصل عندهم في الشرط أن يكون صحيحًا ويصح معه العقد، بل هم يسيرون في هذا الأصل إلى

стр. 395

مدى أبعد من المالكيَّة في تصحيح الشُّروط» (١)، وذكروا أيضًا أن المذهب الحنبلي يتوسع «في إباحة الشُّروط في عقد الزواج بوجه خاص، ويفوق في ذلك سائر المذاهب»، وقد نصَّ على قريب من هذا المعنى غير واحد من المعاصرين (٢). والمسائل التي تدخل في هذا الباب هي: ما يشترطه أحد المتعاقدين على الآخر في عقد من العقود، كأن يشترط البائع منفعة معلومة في المبيع، أو يشترط الخيار مدة معلومة تزيد على ثلاثة أيام، أو أن يعطي المشتري البائعَ جزءًا من ثمن السلعة ويشترط إن جاءه بباقي الثمن وإلا فالجزء له، وهو ما يعرف ببيع العربون (٣)، أو أن تشترط الزوجة على زوجها ألا يسافر بها خارج بلادها، أو تشترط ألا يتزوج عليها، ونحو ذلك من الشُّروط. وفي ختام تمهيد هذا الباب أُلْمِح إلى إشكالين يحتفان بباب الشُّروط في العقود: الأول: أن باب الشُّروط في العقود له تقاطع ظاهر مع باب الغرر؛ وذلك أنَّ كثيرًا من الشُّروط يكون فيها نوع غرر يفسد به الشرط عند أحد المذاهب، وتقدَّم أن الشافعيَّة هم أضيق المذاهب في باب الغرر؛ ولذا أثَّر ضيقهم في باب الغرر على باب الشُّروط في العقود -على ما سيأتي بيانه إن شاء الله في هذا المبحث-، وبالجملة

стр. 396

فمن يبحث في باب الغرر أو في باب الشُّروط في العقود لا بد أن يستصحب شدَّة التقاطع بين البابين. والثاني: أنَّ تحرير المذاهب والإحاطة بمسائل الشُّروط في العقود من الإشكال بمكان؛ وذلك لشدّة تناثر المسائل في الأبواب من جهة، وشدة اختلاف المذاهب في الباب من جهة أخرى، بل إن المذهب الواحد يُلْحظ فيه الاختلاف العريض في مسائل الشُّروط في العقود، حتى إن ابن رشد ﵀ قال في مسائل الشُّروط في الصداق: «أما الشُّروط المقيدة بوضع من الصداق فإنه قد اختلف فيها المذهب اختلافًا كثيرًا - أعني: في لزومها، أو عدم لزومها -، وليس كتابنا هذا موضوعًا على الفروع» (١)، ويزداد الإشكال في الباب إذا نظر المطالع إلى أثر الشرط الفاسد في العقود هل يفسد به العقد أم لا؟ يقول ابن رشد أيضًا عن مذهب مالك في الشُّروط في البيع: «الشُّروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: شروط تبطل هي والبيع معًا، وشروط تجوز هي والبيع معًا، وشروط تبطل ويثبت البيع، وقد يُظن أن عنده قسمًا رابعًا، وهو أن من الشُّروط ما إن تمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بيِّنة في مذهبه بين هذه الأصناف الأربعة عسير» (٢). وإذا كان هذا

стр. 397

الكلام من فقيه مالكي في مذهب المالكيَّة فكيف بباحث لم يشتدَّ عُودُه بعد في الكلام على كل المذاهب؟! وبالجملة فقد قال ابن العربي ﵀ في معرض كلامه على أحكام الشُّروط في البيوع: «مسائل الشرط معضلة قديمًا وحديثًا» (١)، وقال في الشُّروط في النكاح: «هذه معضلة اختلف الناس فيها كثيرًا قديمًا وحديثًا» (٢). إذا تبيَّن ما تقدَّم فليعذر القارئ الكريم ما يحصل للباحث من خطأ أو نقص -وهو واقع لا محالة- عند الكلام في هذا الباب خصوصًا، وفي غيره من الأبواب على جهة العموم. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على أنَّ اشتراط ما يقتضيه العقد كاشتراط التسليم أو التقابض في الحال ونحو ذلك أنه شرط صحيح (٣)، وأجمعوا على أن اشتراط صفة لازمة

стр. 398

مباحة في المبيع -كأن يشترط أن يكون العبد كاتبًا أو صانعًا، أو تكون الدابة لبونًا أو حاملًا- أن ذلك شرط صحيح، وأن الشرط إذا فُقد كان للمشتري الفسخ (١)، وأجمعوا على أن اشتراط ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه وفيه مصلحة لأصل العقد -كالرهن والأجل والكفيل- أنَّه شرط صحيح في الجملة (٢)، وأجمعوا على أن كل شرط وقع بعد تمام البيع أن ذلك لا يضر البيع شيئًا (٣)، وأجمعوا على مشروعية خيار الشرط في الجملة (٤).

стр. 399

وأجمعوا على أنَّ الشرط إذا خالف ما كتب الله على عباده أنَّه شرط باطل (١)، وأجمعوا على أن الشرط إذا كان محرمًا شرعًا -كأن يشترط كون الأمة مغنية أو كونها تصنع الخمر- أنَّه شرط باطل (٢)، وأجمعوا على أن الشرط إذا خالف مقصود العقد -كأن يبيعه بشرط عدم البيع ونحو ذلك- أنه شرط باطل (٣)، وأجمعوا على أنَّ البيع بشرط السلف أنه شرط باطل (٤). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على أن الشرط إذا خالف مقتضى العقد أنه شرط فاسد

стр. 400

في الجملة (١)، واتفقوا على منع تعليق العقد على الشرط في الجملة (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب الشُّروط في العقود، ومن رؤوس هذه المسائل وأعيانها: حكم اشتراط الخيار مدة تزيد على ثلاثة أيام، وحكم بيع العربون، وحكم اشتراط الزوجة على زوجها ألا يتزوج أو يتسرى عليها (٣). الفرع الأول: حكم اشتراط الخيار مدة تزيد على ثلاثة أيام. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على أن خيار الشرط مشروع من حيث الجملة، ولم يختلف العلماء على أنَّ الخيار إذا كان ثلاثة أيام أو دون ذلك أنه خيار صحيح (٤)، واتفقوا على أن الخيار إذا كان مجهولًا أو غير مؤقت أنَّه لا يصح (٥)، ثم اختلفت المذاهب في الخيار إذا كان معلومًا وزاد على ثلاثة أيام هل يصح أم لا؟

стр. 401

الأقوال، وأشهر أدلة الموسِّع في المسألة: القول الأول: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: أن مدة الخيار تختلف باختلاف المبيع، فأكثره في الدُّوْر شهرًا وستة أيام، وفي الرقيق أسبوعًا، وفي الدواب والعرض والمثلي ثلاثة أيام بشرط أن ينقد المشتري الثمن، وهو مذهب المالكيَّة (٢). القول الثالث: المنع مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (٣). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز خيار الشرط ولو زاد على ثلاثة أيام مطلقًا، وهم الحنابلة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ووجه الدلالة من الآية: العموم فيها (٤)؛ إذ إن من الوفاء بالعهد الالتزام بشرط الخيار، ولو زاد على ثلاثة أيام. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى

стр. 402

شُرُوطِهِمْ» أخرجه أبو داود (١). ووجه الدلالة من الحديث: العموم فيه (٢)؛ وذلك أن العموم يقتضي أن كل شرط من مصلحة العقد ولا يتنافى معه أنه جائز. الدليل الثالث: القياس على شرط الأجل، بجامع أن كلًّا من خيار الشرط والتأجيل حق يعتمد على الشرط، فرجع ذلك إلى تقدير العاقد (٣). الدليل الرابع: القياس على جواز الاشتراط أقل من الثلاث، بجامع أن كلًّا منهما خيار معلوم في عقد بيع ولا فرق بينهما (٤).

стр. 403

الفرع الثاني: حكم بيع العربون (١). تحرير محل النزاع: بيع العربون يطلق على صورتين: الأولى: أن يشتري السلعة فيدفع جزءًا من ثمنها إلى البائع، فإن أخذ السلعة حَسَبه من الثمن، وإلا رده إليه، ولا يكون للبائع شيء؛ فهذه الصورة جائزة بلا خلاف (٢). والثانية: أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءًا من ثمنها على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها فذلك للبائع (٣)؛ فهذا هو محل النزاع، وهو داخل في الشُّروط في العقود؛ من جهة أن المتعاقدين اشترطا تمام البيع بهذه الصورة. وقد اختلف العلماء في بيع العربون على هذا المعنى على قولين.

стр. 404

الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (٢). وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز العربون، وهم الحنابلة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة: الدليل الأول: عن زيد بن أسلم ﵀: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحَلَّ الْعُرْبَانَ فِي الْبَيْعِ» أخرجه ابن أبي شيبة (٣).

стр. 405

وأخرجه ابن أبي شيبة عن محمد بن أسلم ﵀ عن النبي ﷺ (١). ووجه الدلالة من الحديث ظاهر. الدليل الثاني: عن عبد الرَّحمن بن فرّوخ ﵀ «أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى دَارَ السَّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ عُمَرُ لَمْ يَرْضَ فَأَرْبَعُمِائَةٍ لِصَفْوَانَ» أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي (٢)، وعلَّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم (٣). ووجه الدلالة من الأثر: إمضاء عمر ﵁ وتصحيحه لهذا البيع، وهو بيع العربون (٤)، وقد جاء عن الأثرم أنه قال: «قلت لأحمد تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر ﵁» (٥). الفرع الثالث: حكم اشتراط المرأة على الزوج ألا يتزوج عليها. تحرير محل النزاع: تقدم الإجماع على أنَّ المتعاقدين إذا اشترطا شرطًا يقتضيه العقد أن ذلك يصح،

стр. 406

ومن ذلك: أن يشترط الزوج أنَّ له أن يتزوج عليها أو أن يسافر بها، أو تشترط الزوجة أن ينفق عليها أو أن يقسم عليها، وذلك أن ما «شرطه الزوج منها لنفسه يجوز له فعله بغير شرط فكان أولى بأن يجوز مع الشرط، وما شرطته الزوجة عليه يلزمه بغير شرط فكان أولى أن يلزمه الشرط» (١)، وبالجملة فوجود هذا الشرط وعدمه سواء (٢). لكنَّ العلماء اختلفوا في حكم اشتراط المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: الشرط صحيح ويسنُّ الوفاء به، فإن خالف الزوج الشرط فللمرأة فسخ النكاح، وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: لا يلزم الوفاء بالشرط، فإن وفَّى به الزوج فللمرأة المهر المسمَّى، وإن خالف الشرط فللمرأة مهر المثل، وهو مذهب الحنفيَّة (٤). القول الثالث: لا يلزم الوفاء بالشرط، وهو مكروه ابتداءً، لكن يسن للزوج الوفاء به، وهو مذهب المالكيَّة (٥).

стр. 407

القول الرابع: الشرط فاسد وللمرأة مهر المثل، وهو مذهب الشافعيَّة (١). ويظهر هنا أيضًا أنَّ الحنابلة هم أوسع المذاهب إمضاء للشرط في هذه المسألة، من جهة أنهم جعلوا للمرأة حق فسخ النكاح دون غيرهم من المذاهب، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ووجه الدلالة من الآية: العموم فيها (٢)؛ إذ إن من الوفاء بالعهد الالتزام بالشرط مطلقًا، ومن ذلك اشتراط المرأة على زوجها ألا يتزوج أو يتسرَّى عليها. الدليل الثاني: عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَحَقُّ الشُّروط أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» متفق عليه (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» أخرجه أبو داود (٤). ووجه الدلالة من الحديثين: العموم فيهما (٥)؛ وذلك أن العموم يقتضي الوفاء بكل شرط لا يعارض حكم الله، فيدخل في ذلك اشتراط المرأة على الزوج ألا يتزوَّج أو يتسرى عليها.

стр. 408

الدليل الثالث: ما جاء عن الصحابة ﵃ في ذلك، من ذلك ما رواه عبد الرحمن بن غنم ﵀ قال: «شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أُتِيَ فِي امْرَأَةٍ جَعَلَ لَهَا زَوْجُهَا دَارَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَهَا شَرْطُهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِذًا يُطَلِّقْنَنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّروط» أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور (١). وروى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ﵀ قال: «أُتِيَ مُعَاوِيَةُ فِي امْرَأَةٍ شَرَطَ لَهَا زَوْجُهَا أَنَّ لَهَا دَارَهَا، فَسَأَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ يَفِيَ لَهَا بِشَرْطِهَا» أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور (٢). ووجه الدلالة من هذه الآثار: أن اشتراط المرأة ألا يتزوج عليها هو من جنس اشتراطها ألا يخرجها من دارها، فإذا صح هذا صح ذاك. قال ابن قدامة ﵀: هذا «قول من سمَّينا من الصحابة ﵃، ولا نعلم لهم مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا» (٣). الدليل الرابع: قياس الأولى على الرضا في البيوع، وذلك أن «الشارع حرَّم مال الغير إلا عن تراض منه، ولا شك أنَّ المرأة إذا لم ترض ببذل فرجها إلا بهذا الشرط. وشأن الفرج أعظم من المال، فإذا حرم المال إلا بالتراضي، فالفرج أولى» (٤)؛ «ولهذا جعل النبي ﷺ الشُّروط فيه أحق بالوفاء من غيره» (٥).

стр. 409

الدليل الخامس: أنَّ المرأة اشترطت شرطًا لها فيه منفعة، فيقاس على اشتراط المرأة أن يكون المهر من غير نقد البلد فإن هذا شرط صحيح (١). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنابلة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وأنبِّه إلى أن المسائل المتعلقة بالشُّروط ما يحل منها ويحرم، وما يصح منها ويفسد كثيرة جدًّا (٢)، والإحاطة بها في هذا الفرع شبه متعذرة، وعلى ذلك فسأشير إلى جلِّ ما وقفت عليه مما يدل على سعة الحنابلة في باب الشُّروط في العقود وضيق غيرهم، من ذلك: • أن الحنابلة قالوا: يجوز اشتراط منفعة مباحة في البيع مدة معلومة؛ كأن يشترط البائع سكنى الدار شهرًا، أو يشترط ركوب الدابة إلى مكان معلوم أو خدمة العبد سنة (٣)، وقال المالكيَّة: يجوز في المدة اليسيرة دون الطويلة (٤)، وقال الحنفيَّة: الشرط فاسد مفسد للعقد إلا أن يكون ثمة عرف فيُباح (٥)، وقال الشافعيَّة: الشرط فاسد مفسد للعقد مطلقًا (٦).

стр. 410

• بل قال الحنابلة: لو اشترط البائع نفع المبيع المباح لأجنبي جاز ذلك (١). • وقال الحنابلة: يجوز تعليق الفسخ على شرط؛ كأن يبيع السلعة على أنه إن جاء بالثمن وقت كذا وكذا وإلا فلا بيع بينهما (٢)، وقال الحنفيَّة: يصح الشرط في ثلاثة أيام فقط، فإن زاد فسد الشرط والعقد (٣)، وقال المالكيَّة: يفسد الشرط ويصحُّ البيع (٤)، وقال الشافعيَّة: الشرط والعقد فاسدان (٥). • وقال الحنابلة: إذا اشترطت الزوجة على زوجها ما لها فيه منفعة؛ كأن تشترط عليه ألا يسافر بها أو ألا يخرجها من بلدها، فالشرط لازم، وإن خالف الزوج ما شرط عليه فللمرأة فسخ النكاح (٦)، وقال الجمهور: الشرط ليس بلازم ولا يحق للمرأة الفسخ (٧).

стр. 411

• وقال الحنابلة: إذا اشترطت الزوجة طلاق ضرتها فالشرط لازم، إن لم يطلق الزوج كان لها الفسخ (١)، وقال الجمهور: الشرط ليس بلازم ولا يحق للمرأة الفسخ (٢). • وقال الحنابلة: يجوز عتق الأمة بشرط أن يجعل عتقها صداقها ويصح النكاح بذلك (٣)، وقال الجمهور: لا يصح ذلك (٤). • وقال الحنابلة: يجوز للسيد وطء مكاتبته إذا اشترط ذلك والعقد صحيح (٥)، وقال المالكيَّة: الشرط باطل والعقد صحيح (٦)، وقال الحنفيَّة والشافعيَّة:

стр. 412

لا يصح الشرط ولا العقد (١). • بل قال الحنابلة: يجوز للسيد أن يشترط على مكاتبه عدم السفر، وعدم سؤال الناس ويلزم الشرط (٢). • وكذا قال الحنابلة: إذا أسر الكفارُ المسلمَ فأطلقوه واشترطوا عليه الإقامة عندهم مدَّة معيَّنة أو أبدًا وجب الوفاء بالشرط (٣)، وقال المالكيَّة: إن كان الأمان وهو طائع لزمه الوفاء، وإن كان مكرهًا لم يلزمه (٤)، وقال الشافعيَّة: لا يصح الشرط ويجب عليه الخروج إن كان لا يمكنه إظهار الدين، فإن قدر على إظهار الدين استحب له الخروج (٥). • وقال الحنابلة -وكذا الحنفيَّة-: لو شُرِطَ في الرهن شَرطٌ فاسد -كأن يقول يشترط المرتهن: إن جاءه الراهن بحقه في أجله وإلا، فالرهن له- بطل الشرط دون الرهن والعقد (٦)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يفسد الرهن والعقد

стр. 413

لفساد الشرط (١). • وقال الحنابلة -وكذا المالكيَّة-: إذا أسر الكفار رجلًا مسلمًا واشترطوا عليه مالًا، فإن عجز رجع إليهم، لزمه الوفاء بالشرط (٢)، وقال الشافعيَّة: لا يجوز له الرجوع، ويستحب الوفاء إن لم يكن مكرهًا على الشرط (٣). ثم عند النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر أنَّ المالكيَّة الأقرب من حيث السعة إلى الحنابلة، وهذا ظاهر فيما تقدَّم ذكره من مسائل، وفيما سيأتي ذكره في المستثنيات إن شاء الله، وأمَّا الشافعيَّة والحنفيَّة فهم أضيق المذاهب في الباب، غير أنَّ الشافعيَّة أكثر ضيقًا في الباب من الحنفيَّة؛ وذلك أنهم انفردوا عن المذاهب الثلاثة بالقول بفساد الشرط والعقد في بعض ما تقدم من المسائل.

стр. 414

المطلب الثالث: المسائل المستثناة من توسع الحنابلة في الباب. من خلال ما تقدَّم يظهر جليًّا أنَّ أوسع المذاهب في باب الشُّروط في العقود هم الحنابلة، إلا أنه من خلال النظر في كتب المذاهب المعتنية بفروع المسائل والنظر في رسائل بعض المعاصرين أيضًا تبيَّن للباحث وجود جملة من المسائل التي صار فيها الحنابلة إلى قول أضيق من أحد المذاهب، ومما وقفت عليه في ذلك: حكم شرط البراءة من العيب، وحكم البيع بشرط بيع آخر، وحكم اشتراط البائع ما فيه برٌّ للغير، وحكم اشتراط الأجل في القرض، وحكم اشتراط المرتهن منفعة في الرهن. الفرع الأول: حكم اشتراط البراءة من العيوب. إذا شرط البائع على المشتري البراءة من كل عيب أو من عيب كذا إن كان -سواءً علمه البائع أم جهله- كأن يبيعه السيارة على أنها (كومة حديد) ونحو ذلك (١) ففيه نزاع بين المذاهب، وقد اختلفوا في المسألة على أقوال. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: أن الشرط يصح ويبرأ مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: أن الشرط يصح في البراءة من عيوب الحيوان الباطنة دون غيرها إذا لم يعلمها البائع، وهو مذهب الشافعيَّة (٣).

стр. 415

القول الثالث: أن الشرط يصح في البراءة من عيوب الرقيق دون غيرها إذا لم يعلمها البائع، وهو مذهب المالكيَّة (١). القول الرابع: أن الشرط فاسد ولا يبرأ مطلقًا، والعقد صحيح، وهو مذهب الحنابلة (٢). ويُلْحظ هنا أن الحنابلة هم أضيق المذاهب في هذا الفرع على خلاف ما تقرر آنفًا من سعتهم في باب الشُّروط، وللحنابلة بخصوص هذه المسألة أدلَّة استدلوا بها على المنع، وهي: الدليل الأول: أن في هذا الشرط غررًا وخطرًا، وهما منفيان شرعًا (٣). الدليل الثاني: أن خيار العيب ثابت له بمطلق العقد، فلا يسقط بشرط الإسقاط (٤). الدليل الثالث: أن خيار العيب لا يثبت إلا بعد العقد، فلا يمكن للمشتري إسقاطه قبله، وهذا مثل حق الشفعة (٥). الدليل الرابع: أن شرط البراءة «شرط يرتفق به أحد العاقدين، فلا يصح شرطه كالأجل المجهول» (٦). الفرع الثاني: حكم البيع بشرط بيع آخر. إذا شرط أحد المتعاقدين في البيع بيعًا آخر كأن يقول: بعتك هذه الدار على أن

стр. 416

تبيعني هذه الفرس، فقد اختلف فيه العلماء على قولين. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: صحة الشرط والعقد، وهو مذهب المالكيَّة (١). القول الثاني: فساد الشرط والعقد، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهر جليًّا أنَّ الحنابلة صاروا في هذا الفرع إلى قول أضيق من مذهب المالكيَّة، واستدلوا على فساد الشرط والعقد بأدلة: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة» أخرجه الثلاثة (٣). ووجه الدلالة: أن المراد بالبيعتين في البيعة هو البيع بشرط بيع آخر، وجاء عن

стр. 417

الإمام أحمد ﵀ أنه فسَّر الحديث بهذا المعنى (١)، والنهي يقتضي الفساد (٢). الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا» أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (٣). ووجه الدلالة من الأثر بنحو ما تقدم من تفسير الإمام أحمد ﵀ للحديث. الدليل الثالث: القياس على نكاح الشغار، بجامع أن اشتراط البيع في بيع آخر ونكاح الشغار فيهما شرط عقد في عقد آخر (٤). الفرع الثالث: حكم اشتراط البائع ما فيه برٌّ للغير. إذا اشترط البائع على المشتري شرطا فيه برٌّ؛ كأن يبيعه السلعة بشرط أن يتصدق بها، أو يبيعه بشرط أن يوقفها، أو بشرط أن يهبها لفلان من الناس، فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال.

стр. 418

الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: يصح الشرط مطلقًا، وهو مذهب المالكيَّة (١). القول الثاني: يصح الشرط في العتق وفي غير العتق يفسد الشرط ويصح العقد، وهو مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: يصح الشرط في العتق، وفي غير العتق يفسد الشرط والعقد، وهو مذهب الشافعيَّة (٣). القول الرابع: يفسد الشرط والعقد مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٤). ويظهر هنا أيضًا أنَّ الحنابلة أضيق قولًا من المالكيَّة، ودليل الحنابلة على فساد الشرط أن الشرط منافٍ لمقتضى العقد، والشُّروط المنافية لمقتضى العقد محكوم ببطلانها؛ لأنَّ النبي ﷺ حكم ببطلان شرط الولاء للبائع كما قصة بريرة ﵂ (٥)؛

стр. 419

إذ الشرط مناقض لمقتضى العقد، ثم إن النبي ﷺ أبطل الشرط ولم يبطل العقد، فدلَّ ذلك على صحة العقد (١). الفرع الرابع: حكم اشتراط الأجل في القرض. أجمع العلماء على أن القرض يجوز تأجيله من غير شرط (٢)، واختلفوا في القرض إذا شُرط فيه الأجل هل يصح الشرط ويلزم التأجيل، أم يفسد الشرط ويكون القرض حالًا؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: الشرط صحيح ويلزم الأجل، وهو مذهب المالكيَّة (٣). القول الثاني: الشرط فاسد، ولا يلزم الأجل، وهو مذهب الجمهور (٤). واستدل الحنابلة على فساد هذا الشرط بدليلين: الدليل الأول: القياس على عقد الصرف، بجامع أنَّ القرضَ والصرفَ عقدان لا يجوز التفاضل فيهما، فلم يجز فيهما شرط التأجيل (٥).

стр. 420

الدليل الثاني: أنَّ مقتضى عقد القرض ثبوته حالًا، والتأجيل تبرع من المقرض للمقترض، والتبرع لا يلزم الوفاء به (١). الفرع الخامس: حكم اشتراط المرتهن منفعة في الرهن. اختلف العلماء في اشتراط المرتهن منفعة معلومة في العين المرهونة إذا كان الرهن ناتجًا من عقد بيع على قولين. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: صحة الشرط، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة (٢). القول الثاني: فساد الشرط، وهو مذهب الحنفيَّة والحنابلة (٣). واستدل الحنابلة على فساد هذا الشرط بأنه شرط مناقض لمقتضى العقد، والشُّروط المنافية لمقتضى العقد باطلة (٤).

стр. 421

المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال النظر في أدلة المذاهب في أعيان مسائل الشُّروط في العقود فإن الناظر يميل إلى وجود أسباب يمكن ردُّ عامة الخلاف في الباب إليها، وجماع هذه الأسباب -والله أعلم- ثلاثة: الأول: تعارض العمومات في الباب، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وحديث «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، وحديث: «أَحَقُّ الشُّروط أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» دالَّة بعمومها على صحة الشُّروط ولزوم الوفاء بها. وحديث عائشة ﵂ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» (١)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ «أنَّ النبي ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» (٢) دالَّان

стр. 422

بعمومهما على بطلان كل شرط ليس في كتاب الله؛ ولذا يقع النزاع بين العلماء في دخول الشرط في أحد العمومين، فالحنابلة يأخذون بحديث «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» في كثير من الشُّروط المتنازع فيها، أما المضيِّقون في الباب فيستدلون كثيرًا بعموم أحاديث النهي (١). السبب الثاني: اختلاف المذاهب في المراد بمقتضيات العقود، فإنَّ المذاهب متفقة كما تقدم على بطلان الشرط إذا خالف مقتضى العقد ومقصوده، غير أنَّه يقع

стр. 423

خلاف عريض بين المذاهب في بعض الشُّروط هل هي مناقضة لمقتضى العقد فيقال بمنعها، أم لا فيقال بإباحتها؟ السبب الثالث: الآثار عن الصحابة ﵃ التي تدل على إباحة بعض الشُّروط في العقود، والتي تعارضها عمومات تقتضي في ظاهرها منعها، فالحنابلة يميلون إلى إعمال هذه الآثار على ظاهرها، وأما الجمهور فإنهم في الجملة يصيرون إلى تأويل هذه الآثار أخذًا بتلك العمومات. وثمة سبب رابع له تعلُّق بباب الشُّروط في العقود وهو اتساع المذاهب وضيقها في باب الغرر؛ وذلك أنَّ كثيرًا من الشُّروط التي يصطلح عليها المتعاقدون يشوبها شيء من غرر، وهنا تختلف المذاهب، فمنهم من يشدد في منعه كما هي طريقة الشافعيَّة، ومنهم ومن يتوسَّع في إباحته كما هي طريقة المالكيَّة، وبين المذهبين يأتي الحنفيَّة والحنابلة، ولكون باب الغرر قد تقدَّم بيانه في مبحث خاص فلا حاجة لإثقال هذا المبحث بنقل كلام الأئمة فيه، لكن أشير إلى أنَّ هذا السبب له أثر ظاهر في سعة المالكيَّة في باب الشُّروط في العقود. وقد أشار إلى هذه الأسباب بعض العلماء، فأمَّا السبب الأول -وهو تعارض ظواهر العمومات في الباب- فقد قرره بعض الفقهاء: فمن الحنفيَّة: يقول السرخسي ﵀ في معرض جوابه على من استدل بحديث «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» على جواز شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام: «كما أن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» فقد قال أيضًا: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ تعالى فَهُوَ بَاطِلٌ» (١). يريد بذلك أن الحديث الأول ليس على عمومه، وأنه

стр. 424

معارض بالحديث الثاني. ويقول الزيلعي ﵀ في مسألة اشتراط المرأة على الزوج ألا يتزوج أو يتسرى عليها ونحو ذلك: «قالت الحنابلة إن لم يف به يفسخ النكاح؛ لقوله ﵊ «أَحَقُّ الشُّروط مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»، ولنا: قوله ﵊: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ تعالى فَهُوَ بَاطِلٌ»، وليس فيه هذه الشُّروط، وقال ﵊: «الْمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وهذه الشُّروط تحرِّم الحلال كالتزوج والمسافرة بها والتسرِّي ونحو ذلك فكانت مردودة» (١). ويلاحظ أنه استدلَّ للحنابلة بالعموم، واستدل لمذهبه بالعموم أيضًا. ومن المالكيَّة يقول ابن رشد ﵀ في مسألة اشتراط المرأة على الزوج ألا يتزوج عليها ونحو ذلك: «سبب اختلافهم: معارضة العموم للخصوص. فأمَّا العموم: فحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ خطب الناس، فقال في خطبته: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَو كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ». وأمَّا الخصوص: فحديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: «أَحَقُّ الشُّروط أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» … » (٢)، ومن قبله قرَّر هذا ابن بطال (٣) وابن العربي -رحمهما الله- (٤). ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀ في مسألة اشتراط كون القرض مؤجلًا: «استدل من [ذهب إلى] (٥) جواز تأجيله بقوله ﷺ : «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» … ،

стр. 425

وهذا خطأٌ لقوله ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَو كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ». فأثبت أحكام الشُّروط إذا جاء النص بها ودل الكتاب عليها» (١). وأما الحنابلة فلتوسعهم في باب الشُّروط يكثر جدًّا الاستدلال عندهم بعموم حديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»، والبهوتي ﵀ في (كشاف القناع) مثال ظاهر على ذلك، إذ استدل بعموم الحديث على صحة اشتراط الكفار على الأسير المسلم الإقامة عندهم وعدم الهرب إن أطلقوه (٢)، وعلى صحة الزيادة في خيار الشرط على ثلاثة أيام (٣)، وعلى صحة اشتراط السيد على مكاتبه عدم السفر (٤)، وغير ذلك في مواضع عديدة من الكتاب. وأما السبب الثاني -وهو اختلاف المذاهب في المراد بمنافاة الشرط لمقتضى العقد- فيمكن فهم هذا من خلال تناول المذاهب لهذا المصطلح: فالحنفيَّة بالغوا -في نظر الباحث- في مقتضى العقد حتى إنهم جعلوا خيار الشرط منافيًا لمقتضى العقد وإنما أبيح لمورد النص، يقول الكاساني ﵀: «الأصل أن شرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم للحال، فكان شرطًا مغيرًا مقتضى العقد وإنه مفسد للعقد في الأصل، وهو القياس، إلا أنا عرفنا جوازه استحسانًا بخلاف القياس بالنص» (٥)، ويقول المرغيناني ﵀: «شرط الخيار يخالف مقتضى العقد وهو اللزوم، وإنما جوزناه بخلاف القياس؛ لما رويناه من النص» (٦). فإذا كان
следующие страницы →