← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ويظهر في هذا الفرع أيضًا أنَّ الشافعيَّة أوسع المذاهب قولًا بالتحالف عند الاختلاف في كيفية العقود، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن ابن أبي مليكة ﵀: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفَى فِي كَفِّهَا، فَادَّعَتْ عَلَى الأُخْرَى، فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ، ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». متفق عليه، واللفظ للبخاري (١). وبمعناه حديث وائل بن حجر ﵁ وقد تقدَّم ذكره قريبًا. ووجه الدلالة من الحديثين: أنَّ كلًّا من الزوجين في محل النزاع مدعًى عليه، ولم يترجَّح قول أحدهما على الآخر، وتساويا في الإنكار فصير إلى التحالف؛ لأن اليمين تكون في جانب المدعى عليه كما في الحديث (٢). الدليل الثاني: القياس على الاختلاف في البيع، فإنهما لو تداعيا دارًا في أيديهما ولم يترجَّح قول أحدهما تحالفا، فكذلك الحال في اختلاف الزوجين في الصداق إذا لم يترجح قول أحدهما (٣). الفرع الثالث: الاختلاف في عوض الكتابة. تحرير محل النزاع: إذا اختلف السيد مع عبده في أصل الكتابة فإن القول قول السيد؛ لأنه منكر (٤)،

стр. 457

وأمَّا إذا اختلفا في عوض الكتابة ولأحدهما بينة فإنه يقضى له بها على ما تقدَّم، وإن كان لكل واحد منهما بينة ففي المسألة خلاف، وهو خارج محل النزاع. فإن لم تكن لهما بينة فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال: الأقوال، ودليل الموسع في المسألة: القول الأول: أنَّهما يتحالفان، وهو مذهب الشافعيَّة (١). القول الثاني: أن القول قول من يُشْبه بيمينه، فإن أشبها جميعًا فقول المكاتب بيمينه، وإن لم يُشْبها تحالفا ويصار إلى كتابة المثل (٢). القول الثالث: أن القول قول المكاتب، وهو مذهب الحنفيَّة (٣). القول الرابع: أن القول قول السيد، وهو مذهب الحنابلة (٤). ويظهر في هذا الفرع أيضًا سعة الشافعيَّة بالقول بالتحالف عند الاختلاف في كيفيَّة العقود، حتى قالوا إن الاختلاف في الكتابة يوجب التحالف بين المتنازعين.

стр. 458

وقد استدلوا على هذه المسألة بالقياس؛ وذلك أنَّ السيد والعبد اختلفا في عوض العتق القائم بينهما، وليس مع أحدهما بينة، فوجب أن يتحالفا قياسًا على المتبايعين يختلفان في ثمن السلعة (١). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الشافعيَّة بالقول بالتحالف عند الاختلاف في العقود على اختلاف أجناسها دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة المتعلقة بهذا الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وأنبه إلى أن الخلاف في جميع ما سيرد في هذا الفرع إنَّما محله مع عدم البينة، فأما إن وجدت البينة لأحد المتنازعين قضي له بها. إذا تبيَّن هذا فإنَّ الشواهد الدالَّة على سعة الشافعيَّة في التحالف عند الاختلاف في العقود أنهم قالوا: • يتحالف المتعاقدان عند الاختلاف في الشروط الجعليَّة؛ كشرط الأجل أو الخيار أو الكفيل ونحو ذلك (٢)، وقال المالكيَّة: يتحالفان ويتفاسخان إن لم تفت السلعة، فإن فاتت فالقول قول من يُشْبه بيمينه، فإن أشبها جميعًا فقول المشتري بيمينه، وإن لم يُشْبها تحالفا ويصار إلى القيمة في المقوَّم والمِثْلُ في المثلي (٣)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: القول قول المنكر بيمينه (٤).

стр. 459

• وقال الشافعيَّة: يتحالف المتعاقدان عند الاختلاف في قدر المبيع بعد فواته (١)، وقال الحنفيَّة: القول قول المشتري بيمينه (٢)، وقال الحنابلة: القول قول البائع بيمينه (٣)، وقال المالكيَّة: القول قول من يُشْبه بيمينه، فإن أشبها جميعًا فقول المشتري بيمينه، وإن لم يُشْبها تحالفا ويصار إلى القيمة (٤). • وقال الشافعيَّة: يتحالف المتبايعان إن اختلفا في اشتراط وصف في المبيع (٥)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: القول قول البائع بيمينه (٦)، وقال المالكيَّة: القول قول البائع إن انتقد الثمن بيمينه، وإلا فالقول قول المشتري بيمينه (٧). • وقال الشافعيَّة: يتحالف الزوجان عند الاختلاف في عوض الخلع ويصار إلى مهر المثل (٨)، وقال الجمهور: القول قول الزوجة بيمينها (٩).

стр. 460

• وقال الشافعيَّة: يتحالف العامل ورب المال في عقد الشركة عند الاختلاف بعد العمل في قدر الربح للعامل ويصار إلى أجرة المثل (١)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: القول قول رب المال بيمينه (٢)، وقال المالكيَّة: القول قول من يُشْبه بيمينه، فإن أشبها جميعًا فقول العامل بيمينه، وإن لم يُشْبها تحالفا ويصار إلى قراض المثل (٣). • وبمثل هذا قال الشافعيَّة والجمهور عند الاختلاف في جزء العامل في عقد المساقاة (٤). • وقال الشافعيَّة: يتحالف المؤجر والمستأجر في عقد الإجارة عند الاختلاف في قدر الأجرة، أو في قدر المدة، أو في المنفعة، أو في قدرها بعد استيفاء المنفعة، ويصار إلى أجرة المثل (٥)، وقال الحنفيَّة: القول قول المستأجر

стр. 461

بيمينه (١)، وقال المالكيَّة: إن اختلفا في القدر فالقول قول من يُشْبه بيمينه، فإن أشبها جميعًا فقول المستأجر بيمينه، وإن لم يُشْبها تحالفا ويصار إلى أجرة المثل، وإن اختلفا في جنس المنفعة أو نوعها فإنهما يتحالفان ويتفاسخان مطلقًا، ويردان إلى أجرة المثل (٢)، وقال الحنابلة: يتحالفان عند الاختلاف في قدر الأجرة والمنفعة ويصار إلى أجرة المثل، وأمَّا عند الاختلاف في المدة فالقول قول المالك بيمينه (٣). • وقال الشافعيَّة: يتحالف الجاعل والعامل إن اختلفا في قدر الجُعْل أو جنسه أو وصفه ويصار إلى أجرة المثل (٤)، وقال الحنابلة: القول قول الجاعل بيمينه (٥)، وقال المالكيَّة: القول قول من يُشْبه بيمينه، فإن لم يُشْبها تحالفا وللعامل جعل المثل (٦). • وقال الشافعيَّة: يتحالف الزوجان عند الاختلاف في متاع البيت، ويجعل بينهما مطلقًا (٧)، وقال الجمهور: ما يصلح للرجال فهو للرجل، وما يصلح

стр. 462

للنساء فهو للمرأة. ثم اختلف الجمهور فيما يصلح لهما جميعًا، فقال الحنفيَّة والمالكيَّة: هو للرجل (١)، وقال الحنابلة: هو بينهما (٢). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة فإن الذي يترجح للباحث أن المالكيَّة أقرب إلى الشافعيَّة من غيرهم في التحالف عند الاختلاف في العقود، وهذا الاستظهار إنما جاء من خلال النظر فيما سبق ذكره من المسائل، وأما الحنفيَّة والحنابلة فبينهم تقارب في الباب من جهة عدم التحالف، والله أعلم. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ الشافعيَّة أوسع المذاهب قولًا بالتحالف في باب الاختلاف في العقود عند عدم البيِّنات، ولم يظهر للباحث ما يخرج عن هذا التوسع من خلال النظر في كتب الخلاف والكتب المعنيَّة برؤوس المسائل. المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال المسائل المتقدمة يظهر بوضوح سعة الشافعيَّة بالقول بالتحالف عند الاختلاف في العقود، وهذه السعة من الشافعيَّة في الباب دون غيرهم من المذاهب يمكن ردُّها إلى سبب واحد، وهو: أنَّ الشافعيَّة قالوا بأن كلًّا من المتنازعين في مسائل الخلاف في الباب مدعٍ ومدعًى عليه، والمتقرر: أن اليمين تكون في جانب المدعى عليه، وعلى ذلك فيحكم

стр. 463

بالتحالف عليهما جميعًا. وهذا الأصل طَرَدَهُ الشافعيَّة في جميع عقود المعاوضات المحضة منها: كالبيع والإجارة، وغير المحضة: كالصداق والخلع والكتابة. وهذا المعنى لا يردُّه الجمهور بإطلاق؛ ولذا اتفقت المذاهب الأربعة على التحالف عند الاختلاف في ثمن السلعة قبل تلفها كما تقدم ذلك؛ لأنهم رأوا أن كلًّا من الخصمين مدعٍ ومدعًى عليه. غير أنَّ الحنفيَّة والحنابلة لا يسلِّمون بهذا في غالب صور النزاع، ويقولون بأنَّ أحد الخصمين مدعٍ، والآخر مدعًى عليه -وهو: المنكر-، فأمَّا المدعي فإنه مكلَّف بالبينة، فإن لم تكن له بيِّنة فالقول قول المدعى عليه بيمينه. وأنبِّه إلى معنى مهم: وهو أنَّ الحنفيَّة والحنابلة وإن كانوا يقرِّرون ما تقدَّم -من أن القول قول المنكر بيمينه- إلا أنه قد يحصل بينهم خلاف عريض في تعيين المدعى عليه من المتنازعين، ولهذا المعنى قد يختلف قولهم فيمن القول قوله بيمينه. وأمَّا المالكيَّة فلهم ميل ظاهر إلى إعمال قرائن الحال في باب القضاء عمومًا؛ إذ إنهم قدموا جانب أقوى المتداعين سببًا، وذلك بأن يشهد له أصل أو عرف (١)، بشرط أن يدَّعي ما يُشْبه، فإن لم يُشْبه فالقول لخصمه إن أشبه؛ لصيرورته أقوى المتداعيين، وإن لم يُشْبه واحد منهما تحالفا؛ لعدم وجود المرجِّح (٢).

стр. 464

وقد ألمح إلى هذا السبب بعض علماء المذاهب: فمن الحنفيَّة: يقول الموصلي ﵀: «إن اختلفا في الأجل أو شرط الخيار، أو استيفاء بعض الثمن لم يتحالفا والقول قول المنكر؛ لأنه ينكر الشرط فكان القول قوله» (١)، وقال أيضًا: «وإن اختلفا بعد هلاك المبيع لم يتحالفا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، والقول قول المشتري؛ لأنَّه منكر» (٢)، وقال في الاختلاف في الإجارة: «إن اختلفا بعد استيفاء جميع المنفعة لم يتحالفا بالإجماع (٣)، والقول

стр. 465

للمستأجر لأنه منكر» (١)، ونصَّ على أن القول قول المكاتب عند الاختلاف في عوض الكتابة؛ «لأنَّه منكر للزيادة» (٢). ونحو من هذا صنيع الحصكفي ﵀ الذي استدل على أن القول قول من ينكر الشرط عند الاختلاف فيه بأنه منكر، والقول قول المنكر بيمينه (٣)، ونصَّ في مسألة الاختلاف في الإجارة بعد استيفاء المنفعة على أنَّ القول قول المستأجر بيمينه؛ لأنَّه منكر (٤). ومن المالكيَّة: ينص القاضي عبد الوهاب ﵀ على أن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين، ويقول في مسألة الاختلاف في قبض الصداق: «اليمين في الأصل متوجهة على أقوى المتداعيين سببًا، والزوج في هذا الموضع أقوى سببًا لشهادة العرف له، كما كان قبل الدخول القول قولها لقوة سببها عليه» (٥)، وقال في مسألة الاختلاف في ثمن السلعة: «الأصول موضوعة على أن اليمين في جنبة أقوى المتداعيين سببًا، والمشتري بعد القبض أقوى سببًا لما دفع إليه السلعة وائتمنه عليها إذا لم يشهد عليه ويتوثق منه وجب أن يكون القول قوله» (٦)، وتقدَّم قول المالكيَّة عند الاختلاف في عقد المساقاة، وأن القول قول العامل بيمينه، قال القاضي مستدلًّا لذلك: «اليمين تجب على أقوى المتداعيين سببًا، وها هنا العامل أقوى سببًا؛ لتسليم الحائط والعمل فيه» (٧).

стр. 466

وقال ابن رشد ﵀: «اليمين إنما يجب على أقوى المتداعيين شبهة، وهذا هو أصل مالك في الأيمان، ولذلك يوجب في مواضع اليمين على المدعي، وفي مواضع على المدعى عليه، وذلك أنه لم يجب اليمين بالنص على المدعى عليه من حيث هو مدعى عليه، وإنما وجبت عليه من حيث هو في الأكثر أقوى شبهة، فإذا كان المدعي في مواطن أقوى شبهة وجب أن يكون اليمين في حيزه» (١)، وقال في مسألة الاختلاف في المساقاة: «أوجب مالك اليمين في حق العامل؛ لأنه مؤتمن، ومن أصله أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين شبهة» (٢). ومن الشافعيَّة: استدلَّ أبو المعالي الجويني ﵀ على أنَّ المتعاقدين يتحالفان إذا ادعى أحدهما شرطًا ونفاه الآخر؛ بأن «كل واحد منهما يدعي صفة وينكر صفة» (٣)، ثم قال بعد ذلك: «الاختلاف في العقود المشتملة على الأعواض يتضمن التحالف، فلا اختصاص لما ذكرنا بالبيع، فإذا تنازع المتكاريان تحالفا، وكذلك المتصالحان والمتكاتبان، وكذلك إذا اختلف الزوج والزوجة في الصداق، تحالفا، وكذلك التحالف جار في المساقاة، ومعاملة القراض. والجامع له أن التحالف يجري في كل عقد يشتمل على عوض» (٤). وهذا يبيِّن عظيم طرد الشافعيَّة لهذا الضابط، واستصحابهم له في سائر الأبواب. وقال ابن أبي المظفر السمعاني ﵀ في التحالف عند الاختلاف في الثمن بعد هلاك السلعة: «مدار المسألة تحقيقًا: على أن كل واحد منهما مدعٍ من وجه ومنكر

стр. 467

من وجه آخر، وعندهم أنَّ البائع مدعٍ حقيقة والمشتري منكر حقيقة» (١)، ثم بيَّن وجه كون كل واحد منهما مدعيًا ومنكرًا. وقال الزنجاني ﵀ في جملة من مسائل اختلاف المتبايعين: «كل واحد منهما مدعٍ من وجه، ومدعى عليه من وجه عندنا، من حيث إن كل واحد منهما ادعى عقدًا غير العقد الذي ادعاه صاحبه» (٢). وقال الحصني ﵀ في بيان أن طرفي الدعوى قد يكون كلاهما مدعًى عليه: «قد يتفق أن يكون الواحد مدعيًا ومدعى عليه كالمتبايعين إذا اختلفا فيما يقتضي التحالف، وكذا الزوجان إذا اختلفا في قدر الصداق، وفي قدر بدل الخلع ونحوه» (٣). ونصَّ ابن قاضي شهبة ﵀ على أن الزوجين إن اختلفا في قدر الصداق أو صفته تحالفا؛ «لأن كل واحد مدعٍ، ومدعى عليه» (٤). ومن الحنابلة: يقول ابن قدامة ﵀ بأن القول قول البائع إن اختلفا في قدر المبيع؛ لأن «البائع ينكر بيع الزائد، فكان القول قوله بيمينه» (٥)، وقال في مسألة أخرى: «إن اختلفا في أجل، أو شرط، أو رهن، أو ضمين ونحوه، ففيه روايتان: إحداهما: القول قول من ينكره مع يمينه؛ لأنه منكر فأشبه منكر العقد من أصله» (٦). وهذه الرواية هي المعتمدة عند الحنابلة كما تقدم في المطلب الثاني، وقال الموفَّق أيضًا: «إن اختلفا

стр. 468

في الجعل أو في قدره، أو في المجعول فيه الجعل، فالقول قول المالك؛ لأنه منكر ما يدعى عليه والأصل عدمه» (١). وقال البهوتي ﵀: «إن اختلفا في قدر الجزء بعد الربح، فقال العامل: شرطت لي النصف، وقال المالك: الثلث. قدم قوله؛ لأنه منكر للزيادة» (٢). وقال أيضًا: «إن اختلفا في قدر مدة الإجارة كقوله: آجرتك سنة بدينار، قال المستأجر: بل سنتين بدينارين، فقول المالك؛ لأنه منكر للزائد» (٣)، وبمثل هذا قال في الاختلاف في الجعالة (٤)، وقدر الصداق (٥)، وقدر الخلع (٦). والناظر فيما تقدم يجد أنَّ المسائل تتعدد، لكن طريقة الاستدلال واحدة، وبهذا يتضح -والله أعلم- أن مرد الباب إلى هذا السبب. وخلاصةُ الباب: • أنّ الشافعيَّة هم أوسع المذاهب قولًا بالتحالف عند الاختلاف في العقود عند عدم البيِّنة لأحد المتنازعين، وسبب ذلك أنهم جعلوا كلًّا من المتنازعين مدعًى عليه، واليمين تتوجه إليه، فتوجهت اليمين إليهما جميعًا، وطردوا هذا المعنى في جميع العقود. • وأمَّا المالكيَّة فإنهم مالوا إلى النظر في القرائن عند عدم البينات، وجعلوا اليمين متوجهة إلى أقوى المتداعيين سببًا بشرط أن يُشْبه في دعواه.

стр. 469

• وأمَّا الحنفيَّة والحنابلة فإنهم -في الجملة- جعلوا أحد المتنازعين مدعيًا، والآخر مدعى عليه، واليمينُ على المدعى عليه إن لم تكن ثمَّ بيِّنات. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 470

الفصل الثاني: الاتساع أو الضيق في أحكام المعاملات الخاصة وفيه مبحثان: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب السَّلم. • المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب الشَّركة.

стр. 471

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب السلم تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كتاب المعاملات أحكام بيع الموصوف في الذمة، ويفردون لذلك بابًا يطلقون عليه (باب السَّلم) أو (باب السلف) (١). والسَّلم بمعنى السَّلف لغةً ووزنًا (٢)، ويراد بهما: التسليم والتقديم (٣)، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، والمراد بأسلفتم: قدَّمتم (٤). ونصَّ الماوردي ﵀ على أنَّ السَّلم لغة حجازيَّة، والسلف لغة عراقيَّة (٥). ويسمى السَّلم: بالسَّلف (٦)،

стр. 472

ويسمَّى بيع المفاليس (١)، ويسمى بيع المحاويج (٢). وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه كره أن يقال: «أَسْلَمْتُ فِي كَذَا وَكَذَا، يَقُولُ: إِنَّمَا الْإِسْلَامُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» أخرجه عبد الرزاق ﵀ (٣). وأخرجه البيهقي أيضًا وبوَّب عليه: «باب من كره أن يقول: أسلمت عند فلان في كذا، وليقل: سلَّفت» (٤). وردَّ هذا جمع من العلماء (٥).

стр. 473

وأمَّا تعريفه الشرعي فيختلف باختلاف المذاهب: فعرفه الحنفيَّة بأنه «أخذ عاجل بآجل» (١). وعرفة المالكيَّة بأنه «عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين» (٢). وعرفه الشافعيَّة بأنه «عقد على موصوف في الذمة ببدل عاجل بأحد اللفظين» (٣). وعرَّفه الحنابلة بأنه «عقد لموصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد» (٤). والاختلاف بين المذاهب في التعريف خلاف معنوي، وذلك راجع إلى الاختلاف في شروط السَّلم وأحكامه التي ستأتي الإشارة إلى جملة منها. ووجه تسمية هذا العقد بالسَّلم ما فيه من تعجيلٍ وتسليمٍ للثمن عن وقته، وذلك أنَّ الأصل أن البيع لا يُعقد إلا بعد وجود المعقود عليه في ملك العاقد، وليس هذا في السَّلم (٥).

стр. 474

والسَّلم -عند جمهور العلماء- نوع من أنواع البيع (١)، لكن لمَّا كان له جملة من الأحكام التي يختص بها دون البيع أفردوه في الكتابة والتأليف، وكذلك أفردوه ببعض الاصطلاحات، فمرادهم بربِّ السَّلم أو المُسْلِم: المشتري، وبالمُسْلَم إليه: البائع، وبالمُسلَم فيه: السلعة التي وقع عليها البيع، وبرأس مال السَّلم: الثمن (٢). ولا يخفى ما في السَّلم من فوائد عظيمة في تدوير المال، حتى قال الرَّازي ﵀ في تفسيره: «جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السَّلم» (٣)، ولأهمِّية هذا الباب أفرد القرافي ﵀ الفرق المائتين في (ما يجوز من السَّلم وما لا يجوز منه) (٤). وتظهر أهمية السَّلم في زماننا اليوم أكثر، من جهة كونه «أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي نشاطات المصارف الإسلامية» (٥)، ولأجل هذا بحث جملة من المعاصرين في التطبيقات المعاصرة للسَّلم (٦)، ومن ثَمَّ أصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر قرارًا أبان فيه عن تعدُّد مجالات تطبيق السَّلم (٧).

стр. 475

ويدخل في هذا الباب الأحكام التي لها تعلق بالسَّلم؛ كحكم تأخير قبض رأس مال السَّلم، وحكم معرفة رأس مال السَّلم المعين، وحكم السَّلم في الجواهر، وحكم السَّلم في الرؤوس والأكارع، وحكم السَّلم إلى الحصاد والجذاذ، وحكم بيع المسلم فيه قبل قبضه، وحكم خيار الشرط في عقد السَّلم، وحكم السَّلم الحال، ونحو ذلك من المسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على مشروعية السَّلم في الجملة (١)، وأجمعوا على جواز السَّلم في المكيل والموزون والمعدود المنضبط (٢)، وأجمعوا على أن السَّلم يكون موصوفًا في الذمة لا معينًا -فلا يجوز السَّلم في ثمرة حائط معين- (٣)، وأجمعوا على أن من شرط السَّلم معرفة جنس المسلم فيه ومقداره ونوعه وجودته (٤)، وأجمعوا على أن التفاوت اليسير في الصفات مغتفر (٥)، وأجمعوا على وجوب معرفة الأجل

стр. 476

في السَّلم إذا كان مؤجلًا (١)، وأجمعوا على أن من شرط السَّلم أن يكون رأس مال السَّلم والمسلم فيه مما لا يجري فيهما ربا النسيئة (٢)، وأجمعوا على أن من شرط السَّلم غلبة الظن بوجود المسلم فيه عند حلول الأجل (٣). وأجمعوا على امْتناع السَّلم في الدور والعقار (٤)، وأجمعوا على امتناع قلب الدين إلى رأس مال السَّلم (٥). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة -كما تقدم- على أنَّ السَّلم من أنواع البيع، واتفقوا على أنَّ تعيين مكان الوفاء مشروع (٦)، واتفقوا على أنه إن تعذر تسليم المسلم فيه

стр. 477

لانقطاعه فإن المسلم مخير بين الفسخ أو الانتظار حتى يوجد (١)، واتفقوا على جواز السَّلم في العروض (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب السَّلم، ومنْ رؤوس هذه المسائل: حكم تأجيل الثَّمن في السَّلم، وحكمُ السَّلم إلى الحصاد والجذاذ، وحكم السَّلم في الجواهر (٣). الفرع الأول: حكم تأخير الثمن من النقدين عن محل العقد. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين أهل العلم أنَّ الأصل في السَّلم تعجيل الثمن وعدم تأجيله (٤)، ثم إن رأس المال إما أن يكون من النقدين، وإما من العروض.

стр. 478

فأما إن كان من العروض ففيه اختلاف وهو خارج محل النزاع، وأما إن كان من النقدين فقد اختلف العلماء في تأخيره على قولين. الأقوال، وأشهر أدلَّة الموسع في المسألة: القول الأول: جوازُ تأخير رأس المال -سواءً كان بشرطٍ أو بغير شرطٍ- إلى ثلاثة أيام فقط، وهو مذهب المالكيَّة (١). القول الثاني: لا يجوزُ تأخيرُ قبض رأس مال السَّلم عن مجلس العقد، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز التأخير في اليوم واليومين والثلاثة، وهم المالكيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة: الدليل الأول: القاعدة الفقهية (ما قارب الشيء يُعطى حكمه)؛ وذلك أن الأجل إذا كان أقل من ثلاثة أيام كان مقاربًا للقبض في مجلس العقد؛ فأعطي حكمه (٣).

стр. 479

الدليل الثاني: أنَّ التأخير في عقد السَّلم ليس بممنوع لمعنى في العوض، وإنما هو ممنوع لمعنى في العقد لئلا يكون من الكالئ بالكالئ (١)، وتأخير اليوم واليومين لا يدخل في ذلك (٢). الدليل الثالث: أنَّ التأخير إذا زاد على الثلاثة كان تأخيرًا طويلًا وهو التأخيرُ المؤثرُ، وأمَّا إن نقصَ عن الثلاثة فهو تأخير قصير لا يؤثر؛ وذلك أنَّ الحد بين القصير والطويل: ثلاثة أيام (٣). الفرع الثاني: حكم السَّلم إلى الحصاد والجذاذ (٤). تحرير محل النزاع: أجمع العلماء -كما تقدم- على أن من شرط الأجل في السَّلم أن يكون معلومًا، لكن اختلفوا في حكم السَّلم إلى الحصاد والجذاذ وقدوم الحاج ونحو ذلك على قولين. الأقوال، وأشهر أدلة الموسِّع في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب المالكيَّة (٥).

стр. 480

القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (١). وعلى ذلك فأوسعُ المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز السَّلم إلى الحصاد والجذاذ، وهم المالكيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة: الدليل الأول: أنَّ زمان الحصاد والجذاذ وما شابهه زمان يعرف بالعادة لا يتفاوت ولا يختلف اختلافًا شديدًا، وما كان معلومًا بالعادة فهو من الأجل المعلوم (٢). الدليل الثاني: أنَّ التأجيل إلى الحصاد والجذاذ من الغرر اليسير، والغرر اليسير معفوٌّ عنه (٣). الفرع الثالث: حكم السَّلم في الجواهر والدرر. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء -كما تقدم- على وجوب وصف المسلم فيه بصفة ضابطة له، ولكن اختلفوا في حكم السَّلم في الجواهر والدرر ونحوهما على قولين. الأقوال، ودليل الموسِّع في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب المالكيَّة (٤).

стр. 481

القول الثاني: المنع، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بجواز السَّلم في الجواهر والدرر ونحوهما، وهم المالكيَّة أيضًا. وقد استدلوا على هذه المسألة بأنَّ السَّلم -كما تقرر- يجوز فيما يمكن ضبط صفته، والجواهر والدرر وأشباههما مما يمكن ضبطها بالصفة عند أرباب الجواهر؛ فجازت لذلك (٢). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة المالكيَّة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، والمسائل الخلافيَّة في الباب كثيرة لا سيما في الخلاف في جنس ما يسلم فيه (٣)، لكن عند النظر فيها وفي مسائل السَّلم عمومًا يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أن المالكيَّة قالوا: يجوز تأخير ثمن السَّلم إن كان عَرَضًا بشرط عدم اشتراط

стр. 482

التأخير ولو زاد على ثلاثة أيام (١)، وقال الجمهور: لا يجوز مطلقًا (٢). • وقال المالكيَّة: يجوز بيع المُسْلم فيه قَبل قبضه للمسلم إليه بشروطه (٣)، وقال الجمهور: لا يجوز ذلك (٤). • وقال المالكيَّة: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه لأجنبي بشروطه (٥)، وقال

стр. 483

الجمهور: لا يجوز (١). • وقال المالكيَّة: يجوز الشركة والتولية في المسلم فيه قبل قبضه (٢)، وقال الجمهور: لا يجوز (٣). • وقال المالكيَّة: يصح خيار الشرط في السَّلم ثلاثة أيام ما لم ينقد الثمن (٤)، وقال الجمهور: لا يصح خيار الشرط في السَّلم مطلقًا (٥).

стр. 484

• وقال المالكيَّة: يصح السَّلم في الأردأ والأجود (١)، وقال الشافعيَّة: يصح في الأردأ ولا يصح في الأجود (٢)، وقال الحنابلة: لا يصح مطلقًا (٣). • وقال المالكيَّة: يصح السَّلم في الرؤوس والأكارع (٤)، وقال الجمهور: لا يصح (٥). • وقال المالكيَّة: يصح السَّلم في المركبَّات كالغالية (٦)، وقال الجمهور: لا يصح ذلك (٧).

стр. 485

ثم عند إمعان النظر في المذاهب الثلاثة يرى الناظر أنَّ الحنفيَّة ضيَّقوا في بعض كبار المسائل (١) في باب السَّلم، ومن ذلك أنهم قالوا: • لا يجوز السَّلم في الحيوان ولا في الرقيق (٢)، وقال الجمهور: السَّلم في الحيوان والرقيق جائز (٣). • وقال الحنفيَّة: لا يصح السَّلم في المنقطع، ومن شرط السَّلم وجوده من حين العقد إلى زمن التسليم (٤)، وقال الجمهور: يجوز السَّلم في المنقطع إذا كان الغالب وجوده زمن التسليم (٥). • وقال الحنفيَّة: لا يصح السَّلم في الأثمان: الذهب والفضة (٦)، وقال الجمهور: يصحُّ السَّلم فيها بشرط أن يكون الثمن من غيرها (٧).

стр. 486

المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب في باب السَّلم، إلا أنه من خلال النظر في كتب الخلاف العالي، وكتب رؤوس المسائل تبيَّن للباحث وجود مسألة خرجت عن سعتهم في الباب، وهي: حكم السَّلم الحال. الفرع الأول: حكم السَّلم الحال. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين العلماء -كما تقدّم- في صحة السَّلم المؤجل إلى زمن معلوم، ولكن وقع الخلاف بينهم هل الأجل شرط في صحة السَّلم -فيقال بفساد السَّلم الحال- أم ليس بشرط؟ قولان للمذاهب في ذلك. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: عدم اشتراط الأجل وجواز السَّلم الحال، وهو مذهب الشافعيَّة (١). القول الثاني: اشتراط الأجل، وعدم صحة السَّلم الحال، وهو مذهب الجمهور (٢).

стр. 487

ويظهرُ أن المالكيَّة أضيق من الشافعيَّة في هذا الفرع، وهذا مخالف لما تقرَّر من سعتهم في الباب، وسبب منع المالكيَّة من السلم الحال يعود إلى أمور: الأمر الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» متفق عليه (١). ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أمر بالأجل، والأمر هنا للوجوب (٢). الأمر الثاني: أنَّ اشترط الأجل في السَّلم يخرج العقد من بيع ما ليس عند الإنسان المنهي عنه، فإذا فقد الأجل صار من المنهي عنه (٣). الأمر الثالث: أنّ في السَّلم الحال غررًا؛ «لأنه إن كان عنده فهو قادر على بيعه معينًا حالًّا فعُدوله إلى السَّلم قصد للغرر، وإن لم يكن عنده فالأجل يعينه على تحصيله والحلول يمنع ذلك ويعيِّن الغرر» (٤). الأمر الرابع: أنَّ السَّلم عقد وضع للرخصة والارتفاق من المشتري للبائع بتسليم الثمن إليه لينتفع به إلى حلول الأجل، فإذا تسلم المشتري المسلم فيه حين تسليمه للثمن بطلت الرخصة المشروعة فيه (٥).

стр. 488

المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال المسائل المتقدمة ظهر بجلاء سعة المالكيَّة في باب السَّلم مقارنة بغيرهم من المذاهب، وعند التأمل في أدلة المسائل يمكن القول: إن الخلاف في جملة من مسائل باب السَّلم يعود إلى اختلاف المذاهب في باب الغرر، وقد تقدم في باب الغرر تقرير أن المالكيَّة هم أوسع المذاهب في الغرر، ولعل عامة مسائل الباب تصحُّ أن تكون مثالًا لذلك. وأنبه إلى أن هذا السبب لم يجئ على كل مسائل السَّلم، فبعض المسائل قال المالكيَّة بالسعة فيها وليس دليلهم في ذلك انتفاء الغرر-كمسألة تأخير الثمن عن مجلس العقد-، وكذا الجمهور فربما ضيقوا في بعض المسائل لأدلة أخر غير وجود الغرر. وإذا نظر الباحث في نصوص الأئمة يلمس حضور هذا المعنى: فمن الحنفيَّة يقول الزيلعي ﵀ في البيع إلى الحصاد والجداد: «لا يجوز البيع إلى هذه الآجال؛ لأنها تتقدم وتتأخر فتكون مجهولة» (١)، وقال أيضًا: «لا يجوز السَّلم في أطراف الحيوان كالرأس والأكارع للتفاوت الفاحش وعدم الضابط» (٢). وقال شيخي زاده ﵀: «ولا يصح في الجوهر؛ لتفاوت آحاده» (٣). وهذا واضح في أن سبب المنع هو وجود الغرر. ومن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀: «يجوزُ السَّلم في الرؤوس

стр. 489

والأكارع؛ لأنَّه يصحُّ ضبطها بالصفة من السمانة والجنس» (١). ونقل القرافي عن المازري -رحمهما الله- قوله: «يجوز السَّلم في الياقوت ونحوه ومنعه (ح) و (ش)؛ لتعذر ضبطه بالصفة لفرط التفاوت في الصفاء والجودة، وإن ضبطه تعذر الوفاء به. ونحن نمنع المقامين بل يضبط بشدة الصفاء وقلته وتوسطه وكبر الحبة وصغرها … » (٢). ولما ذكر ابن رشد الحفيد ﵀ الخلاف في السَّلم إلى الحصاد والجذاذ أعقب ذلك بقوله: «فمن رأى أنَّ الاختلاف الذي يكون في أمثال هذه الآجال يسير أجاز ذلك؛ إذ الغرر اليسير معفو عنه في الشرع، وشبهه بالاختلاف الذي يكون في الشهور من قبل الزيادة والنقصان، ومن رأى أنه كثير، وأنه أكثر من الاختلاف الذي يكون من قبل نقصان الشهور وكمالها لم يجزه» (٣). ومن الشافعيَّة: نصَّ الشافعي ﵀ على منع السَّلم في الرؤوس والأكارع؛ لاشتباهه وتباينه (٤)، وكذلك نص على منع السَّلم في الدر واللؤلؤ (٥)، وعلى منعه إلى الحصاد والجذاذ لأجل هذا المعنى (٦). وقال العمراني ﵀: «ولا يجوز السَّلم في شيء من الجواهر؛ لأن كبر أجسامها ووزنها وصفاتها مقصود، وأثمانها تختلف لذلك. وذلك لا يضبط بالصفة» (٧)،

стр. 490

ونص أيضًا على فساد السَّلم إلى الحصاد والجذاذ؛ لاختلاف ذلك وعدم انضباطه (١). ومن الحنابلة: يقول ابن قدامة ﵀ في السَّلم: «لا يصح فيما لا ينضبط، كالجوهر واللؤلؤ ونحوها؛ لأنها تختلف اختلافًا متباينًا بالكبر والصغر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها» (٢). واستدل ابن المنجى ﵀ على فساد السَّلم في الأجود بأنه «ما من جيد إلا ويحتمل أن يوجد أجود منه فلا ينحصر» (٣)، وكذا الأردأ فهو غير منحصر (٤). وبالجملة فيلحظ من النصوص المتقدمة أن سبب الفساد يعود عند الجمهور إلى الجهالة وعدم الانضباط، على حين يذهب المالكيَّة إلى أنه منضبط تأتي عليه الصفة، وتخرجه من حد الجهالة، وهذا بعينه هو تحقيق المناط الذي يعود إليه جلُّ الخلاف في باب الغرر. وأشير في ختام هذا المطلب إلى أن الغرر قد يختلف باختلاف الزمان وكذا المكان، فبعض المسائل التي وقع فيها النزاع في الزمان الماضي، يضعف فيها النزاع كثيرًا في زماننا، فكثير مما نص الفقهاء على عدم إمكان ضبطه في زمانهم، صار ضبطه اليوم في زماننا من الممكنات (٥).

стр. 491

وخلاصةُ الباب: • أنّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب في باب السَّلم، ويعود هذا في مجمله إلى سعتهم في باب الغرر. • وأمَّا الجمهور فإنَّهم صاروا إلى الضيق في الباب؛ لكونهم أضيق في تحقيق مناط الغرر عند تطبيقه في باب السَّلم، والله أعلم. * * *

стр. 492

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب الشركة تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على أبواب المعاملات المالية الأحكام المتعلقة بالشركات، ويفرد عامَّتهم في ذلك كتابًا أو بابًا أطلقوا عليه: باب الشركة (١)، وأفرد جمهور العلماء أحكامَ المضاربة في باب منفصل عن باب الشركة أطلقوا عليه: باب المضاربة، أو باب القراض (٢). والشركة في اللغة: الاختلاط والاقتران (٣)، وتأتي بوزن نِعْمَة: (شِرْكَة) وهي

стр. 493

أفصحها (١)، وبوزن سَرِقَة: (شَرِكَة)، وقيل كذلك بوزن تَمْرَة: (شَرْكَة) (٢). وأما في الشرع فللشَّركة إطلاق عام وخاص، فأما العام فهو: «اجتماع في استحقاق أو تصرف» (٣)، ويعرف أيضًا بأنه: «ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع» (٤). وأما الإطلاق الخاص فلها أكثر من معنى: ٧. فيراد بها الشركة في الملك أو الاستحقاق؛ كالاثنين يملكان عينًا بمنافعها بإرث أو شراء، أو الاثنين يشتركان في حق الرقبة، كما لو قذفهما إنسان بكلمة واحدة (٥). ٨. ويراد بها شركة الإباحة؛ ككون الناس مشتركين في صلاحية التملك بالأخذ والإحراز للأشياء المباحة التي ليست في الأصل ملكًا لأحد كالماء والشجر، وهذا اصطلاح اختص به الحنفيَّة (٦). ٩. ويراد بها شركة العقود؛ كشركة العِنان والمضاربة والوجوه والأبدان والمفاوضة، وهذا الإطلاق هو المراد عند الفقهاء في باب الشركة (٧)، وهو المراد أيضًا في هذا المبحث.

стр. 494

وقد ألَّف كثير من المعاصرين في أحكام الشركات على وجه الخصوص، وأطالوا الكلام فيها، ومن أعيان هذه المؤلفات: الشركات في الفقه الإسلامي للشيخ علي الخفيف ﵀، والشركات في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الخياط ﵀ (١)، والشركات وأحكامها في الفقه الإسلامي للدكتور محمد تاويل ﵀، وغير ذلك كثير (٢). ومن الحسن ذكر تعاريف أنواع الشركات -وهي: العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة- وبيان المراد بها عند الفقهاء قبل الشروع في الكلام على الأحكام الفقهية، لا سيما وأن المصطلح الواحد قد يجري ذكره في كتب المذاهب مع الاختلاف الظاهر بين المعاني عندهم فيها (٣). فأما شركة العِنان -بكسر العين، وقيل: بفتحها- (٤) فالمراد بها: «أن يشترك اثنان بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما وربحه لهما» (٥)، وهذا المعنى لشركة العنان إنما هو من حيث الجملة، وإلا فبين المذاهب خلاف عريض في شروط شركة العنان،

стр. 495

وما يصح منها وما لا يصح (١). واختلف في سبب تسميتها بالعنان، فقيل: سميت بذلك لأنَّ كل واحد من الشريكين عان صاحبه -أي عارضه- بمال مثل ماله وعمل مثل عمله (٢)، وقيل: «بل ذلك من عنان الدابة؛ أي: استويا في الشيء فكان لكل واحد منهما أن يعن -أي: يمنع- صاحبه من التصرف، وذلك إذا أراد فسخ الشركة» (٣)، وقيل في تسميتها وجه ثالث وهو «أنها شبهت في تساويهما في المال والبدن بالفارسين، إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإن عنانيهما يكونان سواء» (٤)، وقيل غير ذلك (٥). وأما شركة الأبدان -وتسمى شركة الصنائع وشركة الأعمال وشركة التقبُّل وشركة التضمُّن وشركة المتحرِّفة (٦) - فالمراد بها: «أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصنَّاع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم» (٧)، ووجه تسميتها ظاهر. وأمَّا شركة الوجوه -وتسمى شركة المفاليس (٨)، وشركة الجاه (٩)، وشركة
следующие страницы →