← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وخلاصةُ الباب: • أنّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب في باب السَّلم، ويعود هذا في مجمله إلى سعتهم في باب الغرر. • وأمَّا الجمهور فإنَّهم صاروا إلى الضيق في الباب؛ لكونهم أضيق في تحقيق مناط الغرر عند تطبيقه في باب السَّلم، والله أعلم. * * *

стр. 492

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب الشركة تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على أبواب المعاملات المالية الأحكام المتعلقة بالشركات، ويفرد عامَّتهم في ذلك كتابًا أو بابًا أطلقوا عليه: باب الشركة (١)، وأفرد جمهور العلماء أحكامَ المضاربة في باب منفصل عن باب الشركة أطلقوا عليه: باب المضاربة، أو باب القراض (٢). والشركة في اللغة: الاختلاط والاقتران (٣)، وتأتي بوزن نِعْمَة: (شِرْكَة) وهي

стр. 493

أفصحها (١)، وبوزن سَرِقَة: (شَرِكَة)، وقيل كذلك بوزن تَمْرَة: (شَرْكَة) (٢). وأما في الشرع فللشَّركة إطلاق عام وخاص، فأما العام فهو: «اجتماع في استحقاق أو تصرف» (٣)، ويعرف أيضًا بأنه: «ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع» (٤). وأما الإطلاق الخاص فلها أكثر من معنى: ٧. فيراد بها الشركة في الملك أو الاستحقاق؛ كالاثنين يملكان عينًا بمنافعها بإرث أو شراء، أو الاثنين يشتركان في حق الرقبة، كما لو قذفهما إنسان بكلمة واحدة (٥). ٨. ويراد بها شركة الإباحة؛ ككون الناس مشتركين في صلاحية التملك بالأخذ والإحراز للأشياء المباحة التي ليست في الأصل ملكًا لأحد كالماء والشجر، وهذا اصطلاح اختص به الحنفيَّة (٦). ٩. ويراد بها شركة العقود؛ كشركة العِنان والمضاربة والوجوه والأبدان والمفاوضة، وهذا الإطلاق هو المراد عند الفقهاء في باب الشركة (٧)، وهو المراد أيضًا في هذا المبحث.

стр. 494

وقد ألَّف كثير من المعاصرين في أحكام الشركات على وجه الخصوص، وأطالوا الكلام فيها، ومن أعيان هذه المؤلفات: الشركات في الفقه الإسلامي للشيخ علي الخفيف ﵀، والشركات في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد العزيز الخياط ﵀ (١)، والشركات وأحكامها في الفقه الإسلامي للدكتور محمد تاويل ﵀، وغير ذلك كثير (٢). ومن الحسن ذكر تعاريف أنواع الشركات -وهي: العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة- وبيان المراد بها عند الفقهاء قبل الشروع في الكلام على الأحكام الفقهية، لا سيما وأن المصطلح الواحد قد يجري ذكره في كتب المذاهب مع الاختلاف الظاهر بين المعاني عندهم فيها (٣). فأما شركة العِنان -بكسر العين، وقيل: بفتحها- (٤) فالمراد بها: «أن يشترك اثنان بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما وربحه لهما» (٥)، وهذا المعنى لشركة العنان إنما هو من حيث الجملة، وإلا فبين المذاهب خلاف عريض في شروط شركة العنان،

стр. 495

وما يصح منها وما لا يصح (١). واختلف في سبب تسميتها بالعنان، فقيل: سميت بذلك لأنَّ كل واحد من الشريكين عان صاحبه -أي عارضه- بمال مثل ماله وعمل مثل عمله (٢)، وقيل: «بل ذلك من عنان الدابة؛ أي: استويا في الشيء فكان لكل واحد منهما أن يعن -أي: يمنع- صاحبه من التصرف، وذلك إذا أراد فسخ الشركة» (٣)، وقيل في تسميتها وجه ثالث وهو «أنها شبهت في تساويهما في المال والبدن بالفارسين، إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير، فإن عنانيهما يكونان سواء» (٤)، وقيل غير ذلك (٥). وأما شركة الأبدان -وتسمى شركة الصنائع وشركة الأعمال وشركة التقبُّل وشركة التضمُّن وشركة المتحرِّفة (٦) - فالمراد بها: «أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصنَّاع يشتركون على أن يعملوا في صناعتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم» (٧)، ووجه تسميتها ظاهر. وأمَّا شركة الوجوه -وتسمى شركة المفاليس (٨)، وشركة الجاه (٩)، وشركة

стр. 496

الذمم (١) - فالمراد بها: «أن يشترك وجيهان عند الناس، ليبتاعا في الذمة إلى أجل، على أن ما يبتاعه كل واحد يكون بينهما، فيبيعانه ويؤديان الأثمان، فما فضل فهو بينهما» (٢). سميت بذلك؛ لأن «رأس مالهما وجههما، فإنه إنما يباع في النسيئة ممن له في الناس وجه» (٣)، وقيل: سميت بذلك لما فيها من ابتذال الوجوه بين الناس (٤). وأمَّا شركة المضاربة -وتسمى القِراض- فالمراد بها: «أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه» (٥)، والمضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السير فيها، وسمي هذا العقد مضاربة؛ «لأن المضارب يسير في الأرض ويسعى فيها لابتغاء الفضل» (٦)، وقيل: «يحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم» (٧).

стр. 497

وأما شركة المفاوضة فإن للمذاهب في بيان المراد منها مذاهب (١): فحقيقتها عند الحنفيَّة: «أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما وديْنِهما» (٢)، ولا تنعقد عند الحنفيَّة إلا بلفظ المفاوضة، أو بالنص على جميع ما تقتضيه المفاوضة (٣). وحقيقتها عند المالكيَّة أن: «يفوض كل واحد التصرف في البيع والشراء والضمان والكفالة والتوكيل والقراض وما فعله لزم الآخر إن كان عائدًا إلى تجارتهما ولا يكونان شريكين إلا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما دون ما ينفرد به كل واحد من ماله» (٤). وحقيقتها عند الشافعيَّة: أن يشترط الشريكان «أن يكون ما يملكان من المال بينهما، وأن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الآخر بغصب، أو بيع، أو ضمان» (٥)، وهم بهذا المعنى يقاربون تعريف الحنفيَّة. وأما الحنابلة فللمفاوضة عنهم إطلاقان: الأول: أن يجمعا بين جميع الشركات

стр. 498

المتقدم ذكرها (العنان والوجوه والأبدان والمضاربة) (١). والثاني: «أن يشتركا في كل شيء يملكانه، وما يلزم كل واحد منهما من ضمان غصب، أو جناية أو تفريط، وفيما يجدان من ركاز أو لقطة» (٢). وسمِّيت هذه الشركة بالمفاوضة؛ «لأنهما جميعًا يعملان ويشرعان في الأخذ والإعطاء، ويستويان في الربح، ومنه يقال: تفاوض الرجلان في الحديث إذا شرعا فيه جميعًا» (٣)، وقيل: من الفوض، ومنه: فاض الماء إذا عم؛ وذلك لأنها شركة عامة في جميع التجارات (٤)، وقيل غير ذلك (٥). وأشير هنا إلى أنَّ باب الشركات مما قد نُصَّ فيه على السعة والضيق، من ذلك قول د. عبد العزيز الخياط ﵀: «فصَّل الفقهاء أحكام الشركة، وميزوا أنواعها، وتوسَّع الفقهاء في بيان ما يباح منها وما لا يباح، فأجاز الإمامان مالك وأبو حنيفة وكثير من الفقهاء أنواعًا من الشركات كالمفاوضة والعنان والأبدان والمضاربة والوجوه (عند أبي حنيفة)، ثم جاء الإمام الشافعي فأداه اجتهاده إلى تضييق أنواع الشركة فلم يجز إلا العنان والمضاربة … » (٦)، ونصَّ الشيخ الباحث: دبيان الدبيان -حفظه الله- على أنَّ مذهب الشافعيَّة «من أضيق المذاهب في الشركات» (٧).

стр. 499

وأختم تمهيد الباب بالقول: إن باب الشركة يبحث الأحكام المتعلقة بالشركات إما من جهة أصلها؛ كحكم شركة العنان، وحكم شركة الأبدان، وحكم شركة المفاوضة، وحكم شركة الوجوه. وإما من جهة ما يتعلق بها من شروط وأحكام؛ كحكم خلط المالين في الشركة، وحكم اختلاف الربح عن قدر رأس المال، وحكم السفر بمال الشركة، وحكم بيع الشريك بالدين، ونحو ذلك من مسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على جواز الشركة في الجملة (١)، وأجمعوا على صحة شركة العنان (٢)، وأجمعوا على صحة جعل الذهب والفضة رأس المال في شركة العنان (٣)، وأجمعوا على أن الموت مبطل لشركة العنان (٤)، وأجمعوا على أن الربح في الشركة لا يجوز إلا أن يكون مشاعًا (٥)، وأجمعوا على صحة شركة العنان من غير ذكر الأجل (٦)، وأجمعوا على صحة شركة

стр. 500

المضاربة (١)، وأجمعوا على صحة شركة المضاربة في الذهب والفضة (٢)، وأجمعوا على أن عقد المضاربة عقد غير لازم (٣)، وأجمعوا على أن الربح في المضاربة على ما اصطلح المتشاركان عليه (٤)، وأجمعوا على أن المضارب لا يستحق الربح حتى يستوفي رأس المال (٥)، وأجمعوا على أن استحقاق المضارب للربح لا يكون إلا بعد تنضيض رأس المال (٦)، وأجمعوا على أن العامل يبيع ويشتري بغير مشورة رب المال (٧)، وأجمعوا على أن المضارب مؤتمن لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط (٨)، وأجمعوا على بطلان شرط ربِّ المالِ الضمانَ على العامل (٩)، وأجمعوا على أنَّ المضارب إذا خالف ما نهاه عنه رب المال -كأن ينهاه أن يبيع نسيئة فيبيع بها، أو ينهاه عن شراء سلعة معينة فيشتريها- أنه ضامن (١٠)، وأجمعوا على أنه يجوز للمضارب السفر بمال المضاربة إن أذن له رب المال، وأنه لا يجوز له السفر به إن منعه (١١).

стр. 501

ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على جواز التفاضل في رأس مال شركة العنان (١)، واتفقوا على عدم صحة جعل العروض رأس المال في شركة المضاربة (٢)، واتفقوا على عدم جواز جعل الدين رأس مال في شركة المضاربة (٣)، واتفقوا على فساد المضاربة المبهمة وهي: التي لا يعرف فيها الربح (٤)، واتفقوا على أن المضارب لا يستحق نفقة ما دام في الحضر إذا لم يكن ثمة شرط (٥)، واتفقوا على أنه يجوز للمضارب أن يستأجر من يعمل معه فيما لم تجرِ العادة بتولي المضارب له (٦)،

стр. 502

واتفقوا على أنه لا يجوز للمضارب إعطاء المال لمضاربٍ آخر بمطلق العقد (١)، واتفقوا على أنه إذا هلك بعض المال بعد التصرف أن التالف يجبر من ربح الباقي، وأن المضارب لا يستحق شيئًا حتى يكمل رأس المال (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل المتعلقة بباب الشركة، ومن رؤوس هذه المسائل: حكم شركة الأبدان، وحكم شركة المفاوضة، وحكم خلط المالين في الشركة (٣). الفرع الأول: حكم شركة الأبدان. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على أصل جواز الشركة، لكن اختلفوا في حكم شركة الأبدان على قولين. الأقوال، وأشهر أدلة المضيِّق في المسألة: القول الأول: المنع، وهو مذهب الشافعيَّة (٤).

стр. 503

القول الثاني: الجواز في الجملة، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع من شركة الأبدان، وهم الشافعيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم (٢). ووجه الدلالة من الحديث: أن الشركة في الأبدان فيها غرر كثير من جهة أنه لا يدري كم يكسب كل واحد منهما، وكذلك يحتمل أن يعمل أحدهما ولا يعمل الآخر، أو يعمل أحدهما أكثر من عمل الآخر، وهذا غرر مبطل للشركة (٣). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» متفق عليه (٤). ووجه الدلالة من الحديث: أن شرط الشريكين في شركة الأبدان بأن يكون عمل بدنهما قسمة بينهما شرط ليس في كتاب الله تعالى، فوجب أن يكون باطلًا (٥).

стр. 504

الدليل الثالث: أنَّ شركة الأبدان شركة عريت عن مشترك في الحال وهو المال، فوجب أن تكون باطلة قياسًا على الاشتراك فيما يستوهبانه أو فيما يرثانه (١). الفرع الثاني: حكم شركة المفاوضة. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على أصل جواز الشركة، لكن اختلفوا في حكم شركة المفاوضة على قولين. الأقوال، وأشهر أدلة المضيِّق في المسألة: القول الأول: المنع، وهو مذهب الشافعيَّة (٢). القول الثاني: الجواز في الجملة، وهو مذهب الجمهور (٣). وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع مطلقًا، وهم الشافعيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:

стр. 505

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» أخرجه مسلم (١). ووجه الدلالة من الحديث: ما في شركة المفاوضة من غرر عظيم، حتى قال الماوردي ﵀: «لا غرر أعظم من المفاوضة» (٢)، والنهي يقتضي الفساد (٣). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» متفق عليه (٤). ووجه الدلالة من الحديث: أن الشروط في شركة المفاوضة شروط ليست في كتاب الله، فوجب أن تكون باطلة (٥). الدليل الثالث: أن شركة المفاوضة متضمنة لشركة الأبدان، وتقدم أدلة النهي عن شركة الأبدان (٦). الفرع الثالث: حكم خلط المالين في الشركات. تحرير محل النزاع: تقدَّم إجماع العلماء على جواز شركة العنان من حيث الجملة، ولكن اختلفوا هل خلط المالين شرط في صحة الشركة أم لا؟ قولان في ذلك.

стр. 506

الأقوال، وأشهر أدلة المضيِّق في المسألة: القول الأول: اشتراط خلط المالين، وهو مذهب الشافعيَّة (١). القول الثاني: عدم اشتراط خلط المالين، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بأنَّ خلط المالين شرط في صحة الشركة، وهم الشافعيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: أنه مع خلط المالين يتحقق معنى الشركة (٣)، وذلك أن «أسماء العقود المشتقة من المعاني يجب تحقق تلك المعاني فيها، ومعنى الشركة: الاختلاط والامتزاج» (٤). الدليل الثاني: أنه لو صحِّحت شركة العنان من دون خلط المالين لأدَّى ذلك إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الآخر؛ لأنه قد يربح بمال أحدهما دون الآخر (٥).

стр. 507

الدليل الثالث: أنه يحتمل أن يتلف مال أحدهما أو ينقص قبل الخلط، وحينئذ لا يمكن قسمة الآخر بينهما (١). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الشافعيَّة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب الشركة يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أن الشافعيَّة قالوا: اتحاد رأس المال شرط في صحة شركة العنان (٢)، وقال المالكيَّة: يشترط الاتحاد بين المالين في النقدين دون بقية الأموال (٣)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: لا يشترط اتحاد المالين مطلقًا (٤). • وقال الشافعيَّة: لا يجوز للمضارب السفر بالمال إلا بإذن خاص (٥)، وقال الجمهور: يجوز للمضارب السفر بالمال بمطلق العقد ما لم يمنعه رب المال (٦).

стр. 508

• وقال الشافعيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا تصح شركة الوجوه (١)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: شركة الوجوه جائزة (٢). • وقال الشافعيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا يجوز في شركة المضاربة البيع نسيئة إلا بإذن خاص (٣)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: يجوز البيع نسيئة بمطلق العقد (٤). • وقال الشافعيَّة -وكذا المالكيَّة-: الربح في شركة العنان لا يجوز أن يكون إلا على قدر رأس المال (٥)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: يجوز اختلاف الربح عن قدر رأس المال (٦). • وقال الشافعيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا يجوز توقيت الشركة بوقت معيَّن (٧)،

стр. 509

وقال الحنفيَّة والحنابلة: يجوز ذلك (١). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يُلحظ التقارب بينها، إلا أن الحنفيَّة وكذا الحنابلة هم أوسع المذاهب في باب الشركات، وذلك ظاهر فيما تقدم من المسائل. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في باب الشركات هم الشافعيَّة، إلا أنه من خلال النظر في كتب الخلاف العالي تبيَّن للباحث وجود مسألتين خرجتا من حيث النظر العام عن ضيق الشافعيَّة في الباب، هما: جنس رأس المال الجائز في شركة العنان، وحكم اجتماع شركة القراض مع شركة العنان. الفرع الأول: جنس رأس المال الجائز في شركة العنان. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على صحة جعل النقدين رأس المال في شركة العنان، واختلفوا في جعل غير النقدين -كالعروض- رأس مال في شركة العنان على أقوال. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: تصح شركة العنان بالعروض مثلية كانت أو غير مثلية إلا الطعام، وهو مذهب المالكيَّة (٢).

стр. 510

القول الثاني: تصحُّ شركة العنان في المثليَّات دون المتقوَّمات، وهو مذهب الشافعيَّة (١). القول الثالث: تصح شركة العنان بالنقدين مطلقًا، وبالتِّبر (٢) والفلوس (٣) إذا جرى التعامل بهما، وهو مذهب الحنفيَّة (٤). القول الرابع: لا تصح شركة العنان إلا بالنقدين المضروبين: الذهب والفضة، وهو مذهب الحنابلة (٥). ويظهرُ في هذا الفرع أن الشافعيَّة أوسع مذهبًا من الحنفيَّة ومن الحنابلة، وسبب جواز الشركة بالعروض المثلية عند الشافعيَّة هو: أن العروض المثليَّة يمكن خلطها، فإذا خلطت ارتفع التمييز بينها فشابهت النقدين (٦).

стр. 511

الفرع الثاني: حكم اجتماع المضاربة مع شركة العنان. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع العلماء على جواز شركة العنان منفردة، وعلى جواز شركة المضاربة منفردة أيضًا، ولكن اختلفوا في حكم اجتماعهما معًا في شركة واحدة -كأن يكون من أحدهما مال وعمل ومن الآخر عمل فقط- على قولين. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: المنع، وهو مذهب المالكيَّة (١). القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهر هنا أن الشافعيَّة صاروا إلى قول أوسع من قول المالكيَّة، ولعل سببَ الجواز عند الشافعيَّة أنَّ العنان والمضاربة تجوزان منفردتين فجازتا مجتمعتين. المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال المسائل المتقدمة يظهر بجلاء ضيق الشافعيَّة في باب الشركة نسبة إلى مذهب الجمهور، ولعل سبب هذا يعود إلى أمر واحد، وهو أن الشافعيَّة رأوا إعمال المعنى اللغوي في أحكام الشركة؛ وذلك أن الشركة تقتضي لغة: الاختلاط، والاختلاط لا يكون إلا في المال، ومن هنا قالوا: لا تصح الشركة إلا في الأموال.

стр. 512

ورأوا أن الشركات التي لا يتأتَّى فيها خلط أنها لا تصح كشركة الأبدان والوجوه والمفاوضة، وأن الشركة لا تصح إلا بخلط بين المالين (١). وأما الجمهور فخالفوهم في هذا، ورأوا أنَّ الشركة تصح بمطلق العقد، وأنَّها تصح ولو لم يكن ثمة خلط أو مال. وقد ألمح إلى هذا المعنى بعض علماء المذاهب الأربعة: فمن الحنفيَّة: يقول الكاساني ﵀: «وأما الكلام في شركة الأعمال والوجوه فوجه قول الشافعي ﵀ أنَّ الشركة تنبئ عن الاختلاط، ولهذا شرط الخلط لجواز الشركة؛ ولا يقع الاختلاط إلا في الأموال» (٢)، وذكر أن الشركة لا تصح عند الشافعي ﵀ إلا لأجل استنماء المال، ثم بين بطلان هذا المعنى، وبين أن الشركة إذا صحت لاستنماء المال فإنها تصح لتحصيله من باب أولى (٣). وأشار إلى قريب من هذا المعنى السرخسي ﵀ في حكم شركة المفاوضة (٤). ولما ذكر المرغيناني ﵀ قول الشافعيَّة باشتراط اتحاد جنس رأس المال في شركة العنان قال: «وهذا بناءً على اشتراط الخلط وعدمه، فإنه عندهما شرط ولا يتحقق ذلك في مختلفي الجنس» (٥). ومن المالكيَّة: يقول الفندلاوي ﵀: «شركة الأبدان جائزة وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز. واحتج أصحابه فقالوا: عقد الشركة لا ينعقد إلا على محل

стр. 513

معلوم موجود، ويعنون بالمحل الموجود المعلوم: المال الذي تنعقد به الشركة … » (١)، ثم بيّن أن محل العقد في شركة الأبدان إنما هو العمل، وأن العقد على العمل جائز، ودفع ما قرره الشافعيَّة من أنهم يقولون بجواز المضاربة، وهي عقد على عمل (٢). وقال ابن رشد ﵀ في سبب الخلاف في شركة المفاوضة ومأخذ الشافعي في المنع-: «عمدة الشافعي: أن اسم الشركة إنما ينطلق على اختلاط الأموال، فإن الأرباح فروع، ولا يجوز أن تكون الفروع مشتركة إلا باشتراك أصولها» (٣). ومن الشافعيَّة: استدلَّ الماوردي ﵀ على فساد شركة الوجوه بأنها «شركة في غير مال فوجب أن تكون باطلة» (٤)، واستدلَّ الماوردي أيضًا على فساد شركة الأبدان بأنها «شركة عريت عن مشترك في الحال فوجب أن تكون باطلة» (٥). وقرَّر ابن السمعاني ﵀ هذا السبب بأوضح تقرير؛ وذلك أنه قال مستدلًّا على فساد شركة الأبدان: «مدار المسألة تحقيقًا: على أن الشركة مختصة بالأموال عندنا … » (٦)، ثم قال في المسألة التي تعقبها وهي اشتراط خلط المالين: «مدار المسألة تحقيقًا: على الحرف الذي تقدم ذكره في المسألة التي قبلها» (٧)، يعني مسألة شركة الأبدان، ثم قال في مسألة التفاضل في الربح مع التساوي في رأس المال: «مدار المسألة تحقيقًا على ما تقدم من أنَّ الركن في هذا العقد هو المال، والعمل تبع عندنا، وعندهم: الأمر بخلاف ذلك» (٨). وإني لأنبِّه هنا إلى أن ابن السمعاني

стр. 514

لم يذكر في مسائل الشركة إلا هذه المسائل الثلاث (١)، ومع ذلك اتَّحد المأخذ فيهنَّ جميعًا، وهذا مشعر بجلاء إلى أن هذا المعنى هو سبب الضيق عند الشافعيَّة. وهنا تنبيه: وهو أنَّ الشافعيَّة وإن قالوا بأن الشركات مخصوصة بالمال إلا أنهم قالوا بصحة المضاربة، ومعلوم أنها على غير مال، وأجاب الشافعيَّة عن ذلك بأن الإجماع منعقد على جوازها، ومستند هذا الإجماع ما أخرجه مالك ﵀ في قصة ابني عمر مع عمر وأبي موسى ﵃ كما ذهب إلى ذلك بعضهم (٢)، وقال بعض الشافعيَّة: مستند الإجماع إباحة الشارع لعقد المساقاة (٣).

стр. 515

ومن الحنابلة: يقول ابن تيمية ﵀ في بيان مأخذ الشافعي في المنع من شركة الوجوه: «لم يجوزها الشافعي بناء على أصله، وهو: أنَّ مذهبه أن الشركة لا تثبت بالعقد وإنما تكون الشركة شركة الأملاك خاصة فإذا كانا شريكين في مال كان لهما نماؤه وعليهما غرمه، ولهذا لا يجوز شركة العنان مع اختلاف جنس المالين ولا يجوزها إلا مع خلط المالين ولا يجعل الربح إلا على قدر المالين. والجمهور يخالفونه في هذا ويقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك وشركة عقود» (١). والمتأمل في كلام الشيخ يلحظ ذكره لبعض المسائل التي ضيق فيها الشافعيَّة بناء على هذا الأصل. وأشير هنا إلى وجود سبب آخر له تأثير ظاهر في ضيق الشافعيَّة في الباب، وهو أنهم -أعني الشافعيَّة- أضيق المذاهب في باب الغرر (٢)، وتقدَّم الكلام على باب الغرر في مبحث منفصل، فأغنى ذلك عن إعادة الكلام هنا.

стр. 516

وخلاصةُ الباب: • أنّ الشافعيَّة هم أضيق المذاهب في باب الشركة؛ وذلك أنهم ذهبوا إلى أن قوام الشركة هو المال، وأن من شرط المال الخلط ليتحقق المعنى اللغوي في الشركة؛ ولذا ذهبوا إلى فساد الشركات التي لا يحصل فيها خلط باستثناء المضاربة. • وأمَّا الجمهور فإنهم ينازعونهم في هذا المعنى؛ إذ لم يروا الخلط شرطًا في صحَّة الشركة، وذهبوا إلى أنَّ الشركات تصحُّ بالعقد ولو لم يكن ثمة مال، والله أعلم. * * *

стр. 517

الباب الثالث: الاتساع أو الضيق بين المذاهب الأربعة في غير العبادات والمعاملات وفيه ثلاثة فصول: • الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في كتاب النكاح. • الفصل الثاني: الاتساع أو الضيق في كتاب الجنايات، والحدود. • الفصل الثالث: الاتساع أو الضيق في باب الأشربة، والأطعمة.

стр. 518

الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في كتاب النكاح وفيه مبحث واحد: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب عيوب النكاح.

стр. 519

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب عيوب النكاح تمهيد: يذكرُ العلماء ﵏ في أثناء الكلام على أحكام النكاح العيوبَ التي يجوز حال وجودها فسخ النكاح، ويفردون لذلك بابًا أو فصلًا يسمونه باب (العيوب في النكاح) (١)، أو (باب العنين) (٢)، أو (باب الخيار في النكاح) (٣). ومراد الفقهاء بعيوب النكاح: النقائص بين الزوجين التي تؤثر في المعنى المقصود بالنكاح (٤). وبابُ الفسخِ بالعيوبِ في النِّكاح من الأبواب المهمة حتى نصَّ أبو بكر ابن العربي ﵀ على أنَّ مسألة الفسخ بين الزوجين بالعيوب من أكبر مسائل الفقه، وذكر أنَّ العلماء اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا (٥).

стр. 520

ولأهمِّية هذا الباب -لا سيما مع حدوث أصناف كثيرة من العيوب في زماننا، وتطور طرق العلاج- كثُر التأليف فيه عند المعاصرين، ومن أعيان ما أُلِّف في الباب: التفريق بالعيب بين الزوجين والآثار المترتبة عليه (١). ويحسن التعريف بمشهور العيوب في النكاح -عافانا الله منها جميعًا- والمراد بها عند الفقهاء، قبل الشروع في أحكامها: فأما الجنون: فهو «مرض يزيل الشعور من القلب، مع بقاء القوة والحركة في الأعضاء» (٢). وعرِّف بأنه: «اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا» (٣). وأما الجذام: فهو «علة صعبة، يحمر منها العضو، ثم يسود، ثم ينقطع ويتناثر» (٤).

стр. 521

وأما البرص: فهو «بياض شديد يُبقِّع الجلد ويذهب دَمويَّته» (١). وأما العُنَّة: فهي العجر عن الجماع. ويقال: رجل عنِّين؛ أي: لا يقدر على الوطء (٢). وأما الجب: فقيل: هو مقطوع الذكر فقط (٣)، وقيل: هو مقطوع الذكر والخصيتين (٤). وأما الخِصاء: فهو سلُّ الخصيتين أو قطعهما أو رضُّهما مع بقاء الذكر (٥)، وقيل: الخصاء يطلق على مقطوع الذكر، أو على مقطوع الخصيتين (٦). وأما الفتق: فهو انخراق ما بين قبل المرأة ودبرها، أو انخراق ما بين مخرج البول والمني (٧).

стр. 522

وأما الرَّتْق: فهو التحام الفرج بالشفرين بحيث لا يمكن دخول الذكر فيه (١). وأما القَرَن -بفتح الراء، وقيل بسكونها- (٢): فهو «عظم في الفرج يمنع الجماع» (٣)، وقيل: «هو لحم يحدث فيه يسدُّه» (٤). وقيل: «مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إما غدة غليظة، أو لحمة مرتتقة، أو عظم» (٥). وأشير هنا إلى مسألة مهمة تتعلق بالباب، وهي هل الفرقة في عيوب النكاح طلاقٌ أم فسخٌ؟ ذهب الحنفيَّة والمالكيَّة إلى أنها طلقة بائنة (٦)، وذهب الشافعيَّة والحنابلة إلى أنها فرقة فسخ (٧). ومن ثمرات هذه المسألة: أنَّ الفسخ لا تنقص به عدد الطلقات فيما لو

стр. 523

عادت إليه بعقد جديد، بخلاف من قال إن الفرقة تطليقة بائنة فإنها تحسب عليه (١). والمسائل الداخلة في الباب: «ما يثبت به الخيار من العيوب وما لا يثبت به خيار» (٢)، سواء أكانت مشتركة بين الرجال والنساء؛ كالفسخ بالجنون والجذام والبرص، أو خاصة بالرجال؛ كالفسخ بالجب والعنة والخصاء، أو خاصة بالنساء؛ كفسخ بالرتق والقرن والفتق، ونحو ذلك من العيوب. • ومراد الباحث بالاتساع في هذا الباب: هو كثرة إثبات العيوب المبيحة للفرقة بين الزوجين، والمراد بالضيق عكس ذلك (٣). المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على أن العيوب في النكاح ليست كالعيوب في البيع من جهة أن النكاح لا يرد بالعيوب الصغيرة (٤)، وأجمعوا أن العيوب في النكاح إذا زالت -كالعنين تزول عنَّته- أنه لا يجوز التخيير بذلك (٥)، ولا خلاف بين العلماء أن الزوجين إذا علم أحدهما بالعيب قبل العقد أو بعده فرضي به؛ أنَّه لا خيار له (٦).

стр. 524

ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على أصل الفسخ بالعيوب في النكاح (١)، واتفقوا على الفسخ بعيب العنَّة والجب (٢)، واتفقوا على أنَّ العنة تزول بالوطء ولو مرة واحدة (٣)، واتفقوا على أن الفسخ في عيوب النكاح لا يكون إلا بحكم الحاكم (٤)، واتفقوا على أن العنين يؤجل سنة قمرية كاملة (٥)، واتفقوا على أنه لا فسخ في العقم والعور

стр. 525

والعرج والعمى والخرس والطرش (١) وقطع اليد أو الرجل (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب العيوب في النكاح، ومن أعيان هذه المسائل: حكم الفسخ بعيب الجنون والبرص والجذام، وحكم الفسخ بعيوب المرأة المانعة من الوطء، وحكم الفسخ بالعيوب الحادثة بعد النكاح (٣). الفرع الأول: حكم الفسخ بعيب الجنون والبرص والجذام. تحرير محل النزاع: تقدم اتفاق المذاهب الأربعة على أصل الفسخ بالعيوب، ثم اختلفوا هل الجنون والبرص والجذام عيب يحق لأحد الزوجين الفسخ به أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك.

стр. 526

الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: المنع، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (٢).

стр. 527

وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم جواز الفسخ، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: أن الجنون والبرص والجذام لا ينعدم به المقصود من النكاح، وهو قضاء الشهوة والتمكن من الوطء، وإنما يخل به، والإخلال بهذا المقصود لا يضر عقد النكاح (١). الدليل الثاني: القياس على عيب العمى والشلل ونحوه من جهة أن هذه العيوب تفوت استيفاء بعض الثمرة، ومع ذلك لا فسخ فيها (٢). الفرع الثاني: حكم الفسخ بعيوب المرأة المانعة من الوطء. تحرير محل النزاع: تقدَّم اتفاق المذاهب الأربعة على أصل الفسخ بالعيوب في النكاح، وتقدم كذلك أنهم اتفقوا على أن العيوب في الرجل المانعة من الوطء -وهي العنة والخصاء والجب- عيوب يحق للمرأة الفسخ به، ثم اختلفوا فيما إذا كانت العيوب في المرأة تمنع من وطئها -كالقرن والرتق- هل يحق للرجل فسخ النكاح بذلك؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: المنع، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).

стр. 528

القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (١). وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم جواز الفسخ، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥]. ووجه الدلالة من الآية: العموم فيها؛ وذلك أن الله أمضى النكاح ولم يفصِّل ظهر بها عيب أم لم يظهر (٢). الدليل الثاني: أن العيوب في المرأة لا تفوت المقصد من النكاح وهو التمكن من الوطء من جهة أنه يمكن معالجة العيوب فيها بإزالة ما فيها من قرن بكسره، أو رتق بشقه، وهذا بخلاف الرجل فإن جبه وعنته لا يمكن معالجتهما (٣). الدليل الثالث: قياس التنبيه؛ وذلك أنَّ فوات الاستيفاء بالموت قبل الدخول لا يوجب الفسخ، ففواته بهذه العيوب لا يوجب الفسخ من باب أولى (٤). الدليل الرابع: أن الطلاق في يد الزوج إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها بالعيب،

стр. 529

ومع كون الطلاق في يد الزوج لا حاجة إلى إثبات خيار الرد (١). الفرع الثالث: حكم الفسخ بالعيوب الحادثة بعد النكاح. تحرير محل النزاع: تقدم أنَّ العيب إذا كان موجودًا في أحد الزوجين قبل النكاح ولم يعلم به الآخر أنه يجوز له الفسخ حال العلم به، وأمَّا إذا حدث العيب بعد النكاح فهو على قسمين: القسم الأول: العنَّة، فهذا لا يجوز الفسخ به عند المذاهب الأربعة، وتقدّم أن من وطئ مرة واحدة فقد زالت عنه العُنَّة. القسم الثاني: ما سوى العنة من العيوب، فهذا هو محل النزاع، وقد اختلف العلماء في جواز الفسخ بذلك على قولين. الأقوال، ودليل المضيق في المسألة: القول الأول: عدم جواز الفسخ بالعيوب الحادثة مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: التفصيل، وهو أن العيب إذا حدث بالزوجة فلا خيار للزوج مطلقًا، وأما إذا حدث بالزوج فإن للزوجة الخيار في (الجنون والبرص والجذام) دون غيرها من العيوب، وهو مذهب المالكيَّة (٣).

стр. 530

القول الثالث: جواز الفسخ بالعيوب الحادثة في الجملة، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (١). وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع من الفسح بالعيوب الحادثة مطلقًا، وهم الحنفيَّة أيضًا. وقد استدلوا على هذه المسألة بأنَّ الفسخ بالعيوب لا يكون إلا في عيوب الرجل المانعة من الوطء، ثم إن الواجب على الزوج هو الوطء مرَّة واحدة في النكاح، وأمَّا الزيادة على الواحدة فواجب ديانةً لا قضاءً؛ ولذا لا يحق للمرأة الفسخ به (٢). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. يظهر للناظر أنَّ الحنفيَّة من خلال ما تقدم من المسائل هم أضيق المذاهب في باب عيوب النكاح، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا؛ وذلك:
следующие страницы →