стр. 526
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30160
السعة والضيق في الأبواب الفقهية
يوسف العودة
Полный текст (778 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 527
وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم جواز الفسخ، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: أن الجنون والبرص والجذام لا ينعدم به المقصود من النكاح، وهو قضاء الشهوة والتمكن من الوطء، وإنما يخل به، والإخلال بهذا المقصود لا يضر عقد النكاح (١).
الدليل الثاني: القياس على عيب العمى والشلل ونحوه من جهة أن هذه العيوب تفوت استيفاء بعض الثمرة، ومع ذلك لا فسخ فيها (٢).
الفرع الثاني: حكم الفسخ بعيوب المرأة المانعة من الوطء.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم اتفاق المذاهب الأربعة على أصل الفسخ بالعيوب في النكاح، وتقدم كذلك أنهم اتفقوا على أن العيوب في الرجل المانعة من الوطء -وهي العنة والخصاء والجب- عيوب يحق للمرأة الفسخ به، ثم اختلفوا فيما إذا كانت العيوب في المرأة تمنع من وطئها -كالقرن والرتق- هل يحق للرجل فسخ النكاح بذلك؟ قولان لأهل العلم.
الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة:
القول الأول: المنع، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).
стр. 528
القول الثاني: الجواز، وهو مذهب الجمهور (١).
وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم جواز الفسخ، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٢٥].
ووجه الدلالة من الآية: العموم فيها؛ وذلك أن الله أمضى النكاح ولم يفصِّل ظهر بها عيب أم لم يظهر (٢).
الدليل الثاني: أن العيوب في المرأة لا تفوت المقصد من النكاح وهو التمكن من الوطء من جهة أنه يمكن معالجة العيوب فيها بإزالة ما فيها من قرن بكسره، أو رتق بشقه، وهذا بخلاف الرجل فإن جبه وعنته لا يمكن معالجتهما (٣).
الدليل الثالث: قياس التنبيه؛ وذلك أنَّ فوات الاستيفاء بالموت قبل الدخول لا يوجب الفسخ، ففواته بهذه العيوب لا يوجب الفسخ من باب أولى (٤).
الدليل الرابع: أن الطلاق في يد الزوج إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها بالعيب،
стр. 529
ومع كون الطلاق في يد الزوج لا حاجة إلى إثبات خيار الرد (١).
الفرع الثالث: حكم الفسخ بالعيوب الحادثة بعد النكاح.
تحرير محل النزاع:
تقدم أنَّ العيب إذا كان موجودًا في أحد الزوجين قبل النكاح ولم يعلم به الآخر أنه يجوز له الفسخ حال العلم به، وأمَّا إذا حدث العيب بعد النكاح فهو على قسمين:
القسم الأول: العنَّة، فهذا لا يجوز الفسخ به عند المذاهب الأربعة، وتقدّم أن من وطئ مرة واحدة فقد زالت عنه العُنَّة.
القسم الثاني: ما سوى العنة من العيوب، فهذا هو محل النزاع، وقد اختلف العلماء في جواز الفسخ بذلك على قولين.
الأقوال، ودليل المضيق في المسألة:
القول الأول: عدم جواز الفسخ بالعيوب الحادثة مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (٢).
القول الثاني: التفصيل، وهو أن العيب إذا حدث بالزوجة فلا خيار للزوج مطلقًا، وأما إذا حدث بالزوج فإن للزوجة الخيار في (الجنون والبرص والجذام) دون غيرها من العيوب، وهو مذهب المالكيَّة (٣).
стр. 530
القول الثالث: جواز الفسخ بالعيوب الحادثة في الجملة، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (١).
وعلى ذلك فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بالمنع من الفسح بالعيوب الحادثة مطلقًا، وهم الحنفيَّة أيضًا.
وقد استدلوا على هذه المسألة بأنَّ الفسخ بالعيوب لا يكون إلا في عيوب الرجل المانعة من الوطء، ثم إن الواجب على الزوج هو الوطء مرَّة واحدة في النكاح، وأمَّا الزيادة على الواحدة فواجب ديانةً لا قضاءً؛ ولذا لا يحق للمرأة الفسخ به (٢).
الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب.
يظهر للناظر أنَّ الحنفيَّة من خلال ما تقدم من المسائل هم أضيق المذاهب في باب عيوب النكاح، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا؛ وذلك:
стр. 531
• أن الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة- قالوا: الفتق في المرأة ليس بعيب (١)، وقال المالكيَّة والحنابلة: الفتق عيب (٢).
• وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: البخر في الفرج ليس بعيب (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: البخر في الفرج عيب (٤).
• وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: الرغوة في الفرج التي تمنع لذة الوطء ليست بعيب (٥)، وقال المالكيَّة والحنابلة: هي عيب (٦).
• وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: العِذْيَطة -وهي التغوط أثناء الجماع- (٧) ليس بعيب (٨)،
стр. 532
وقال المالكيَّة: العِذْيَطة عيب في الرجل والمرأة (١)، وقال الحنابلة: سلس البول أو الغائط عيب مطلقًا في الرجل والمرأة (٢).
ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر بوضوح أنَّ الشافعيَّة يأتون بعد الحنفيَّة في الضيق في الباب، والمالكيَّة أوسع من الشافعيَّة، وأمَّا الحنابلة فهم -بلا ريب- أوسع المذاهب في الباب، ويدل على ذلك:
• أن الحنابلة قالوا: الاستحاضة عيب يفسخ به النكاح (٣).
• وقال الحنابلة: البَخَر في الفم (٤) عيب في الرجل والمرأة (٥).
• وقال الحنابلة: الخنوثة الواضحة عيب (٦).
• وقال الحنابلة: الباسور (٧) عيب (٨).
стр. 533
• وقال الحنابلة: الناصور (١) عيب (٢).
• وقال الحنابلة: القروح السيالة في فرج المرأة عيب (٣).
• وقال الحنابلة: القرع إذا كانت له رائحة منكرة عيب (٤).
• وقال الجمهور: جميع ما تقدم ليس بعيب (٥).
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب.
من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ أضيق المذاهب في الفسخ بعيوب النكاح هم الحنفيَّة، ومن خلال النظر في كتب الخلاف وكتب المذاهب لم يتبين لي وجود مسألة خرجت عن هذا الضيق سوى مسألة الخصاء، فإن الحنفيَّة نصوا على أنه
стр. 534
عيب يفسخ به (١)، ونصَّ الشافعيَّة على أنه ليس بعيب (٢)، ولكن عند التحقيق يؤول قول الحنفيَّة والشافعيَّة إلى معنى واحد وهو: أن الخصيَّ إذا أمكنه الوطء فليس بعيب، وإذا لم يمكنه فهو عيب؛ لأنه داخل في معنى العُنَّة (٣)، على حين هو عند المالكيَّة والحنابلة عيب بذاته ولو أمكنه الوطء (٤). وعلى ذلك فلا استثناء في الباب، بل تصحُّ المسألة شاهدة على ضيق الحنفيَّة والشافعيَّة وسعة المالكيَّة والحنابلة، والله أعلم.
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
من خلال المسائل المتقدمة يظهر بجلاء أن الحنفيَّة هم أضيق المذاهب في الباب، وأن الحنابلة هم أوسع المذاهب في الباب، وأن الشافعيَّة أقرب إلى الحنفيَّة، وأن المالكيَّة أقرب إلى الحنابلة، وعند النظر في أدلة المذاهب يظهر سبب ذلك، وهو الاختلاف بين المذاهب في السبب الذي من أجله شرع التفريق بالعيوب بين الزوجين.
فالحنفيَّة ذهبوا إلى أن العلة هي عدم التمكن من الوطء فحسب، ولا يعارض هذا المقصد إلا عيب العنة والجب فانحصر التخيير بهما، وأما عيوب المرأة فيمكن
стр. 535
معالجتها من وجه، ومن وجه آخر يمكن للرجل الفرقة من دون تفريق الحاكم بخلاف عيب الرجل المانع من الوطء، وأما سائر العيوب كالجنون والبرص والجذام فإنها لا تمنع من الوطء ولذا لا تخيير فيها.
وأمَّا الجمهور فإنهم أخذوا بالنُّصوص الواردة عن الصحابة ﵃ في الفسخ بعيوب النكاح، من ذلك ما جاء عن عمر ﵁ في التفريق بعيب الجنون والبرص والجذام (١)، وبالتفريق بعيب العنَّة (٢). ولكن اختلفوا في الزيادة على هذه العيوب الثلاثة:
فذهب الشافعيَّة إلى أن ما يفوت الوطء -بالمعنى العام- موجب للفسخ، وبذلك انحصرت العيوب عندهم بالسبعة: (الجب والعنة، والجنون والبرص والجذام،
стр. 536
والقرن والرتق)، وأما ما سواها من العيوب فلا تخيير فيها؛ لعدم النص فيها، ولكونها لا تفوت مقصود النكاح.
وبنحو ما ذهب إليه الشافعيَّة ذهب المالكيَّة إلا أنهم وسعوا دائرة العيوب في الفرج، فقالوا بأن بخر الفرج، والفتق، والعذْيَطة ونحوها من عيوب الفرج توجب التخيير.
وذهب الحنابلة إلى أن كل عيب يفوت الوطء أو تحصل به النفرة بين الزوجين أنَّه موجب للتخيير، وبهذا اتسعت عندهم دائرة العيوب، وتفردوا بجمل من المسائل لم يقل بها غيرهم.
وقد نصَّ على هذه المعاني جملة من فقهاء المذاهب:
فمن الحنفيَّة: يذكر الزيلعي ﵀ أن الجب والعنة «لا يمكن القياس عليهما؛ لأنَّهما يعدمان المقصود من النكاح، وهو قضاء الشهوة، والتوالد والتناسل وغيرهما من العيوب لا يعدمه، بل يخل به، ألا ترى أن القرناء والرتقاء يمكن الوصول إليهما بالفتق والشق» (١).
واستدلَّ البابرتي ﵀ على عدم الفسخ في عيب الجنون والبرص والجذام بأنَّ «الأصل عدم الخيار؛ لما فيه من إبطال حق الزوج، وإنما يثبت في الجب والعنة؛ لأنهما يخلان بالمقصود المشروع له النكاح وهو الوطء؛ لأن شرعية النكاح لأجل الوطء وهذه العيوب غير مخلة به فافترقا» (٢).
ونصَّ العيني ﵀ على أنَّ المقصود من عقد النكاح هو (التمكن من الوطء)، ولا يفوت هذا المقصد إلا الجب والعنة، فعليه ينحصر التخيير بهما (٣).
стр. 537
ومن الشافعيَّة: يقول الشافعي ﵀ بعد استدلاله بأثر عمر ﵁: «فإن قال قائل فهل فيه من علة جعلت لها الخيار غير الأثر؟ قيل: نعم، الجذام والبرص فيما يزعم أهل العلم بالطب والتجارب تعدى الزوج كثيرًا وهو داء مانع للجماع لا تكاد نفس أحد أن تطيب بأن يجامع من هو به، ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به» (١). وذكر أن القرن موجب للتخيير؛ لأنه «مانع للجماع الذي له عامة ما نكحها» (٢).
ويقول الشربيني ﵀ بعد ذكره للعيوب في النكاح:» قد علم مما تقرر أنَّ جملة العيوب سبعة، واقتصار المصنف على ما ذكر من العيوب يقتضي أنه لا خيار فيما عداها، فلا خيار بالبخر، والصنان، والاستحاضة، والقروح السيالة، والعمى، والزمانة، والبله، والخصاء، والإفضاء، ولا بكونه يتغوط عند الجماع؛ لأن هذه الأمور لا تفوت مقصود النكاح» (٣).
وقال ابن قاضي شهبة ﵀ «ولو وجده خنثى واضحًا فلا في الأظهر؛ لأنه لا يفوت مقصود النكاح؛ إذ ليس فيه إلا زيادة ثقبة في الرجل، وسِلْعة في المرأة» (٤) ثم ذكر القول الثاني -وهو قول مرجوح- ثبوت الخيار في الخنثى من أجل النُّفرة (٥)، ويستفاد من هذا أنَّ مجرد النفرة ليس من العيوب الموجبة للفسخ عند الشافعيَّة.
ومن المالكيَّة: قال الإمام مالك ﵀: «ولا يرد من النساء في النكاح إلا من العيوب
стр. 538
الأربع: الجنون والجذام والبرص والعيب الذي في الفرج» (١). والملاحظ أن مالكًا عمَّم عيب الفرج ولم يقصره على ما يمنع الوطء فحسب كما هي طريقة الشافعيَّة.
وقال ابن يونس ﵀: «رأى عمر بن الخطاب وعلي ﵄ وغيرهما رد النساء من العيوب الأربعة: الجنون، والجذام، والبرص، وعيب الفرج. قال الشيخ: ولا مخالف لهم؛ لأنها عيوب تؤثر في الاستمتاع المقصود، وتنقص كمال اللذة فوجب أن يثبت معها الخيار، أصله الجب والعنة» (٢). ويظهر أن ابن يونس فهم من أثر عمر عموم عيب الفرج، لا خصوصه بما ورد فيه الأثر.
وبيَّن الزرقاني ﵀ سبب الفسخ بعيب الفرج بأنه «مما يخفى، وأما غير ذلك فالغالب عليه أن لا يخفى، فغير المشترط مقصر في استعلام ذلك» (٣).
ومن الحنابلة: يظهر واضحًا جليًّا أن تفويت مقصود النكاح -وهو الوطء-، أو حصول النفرة موجبان للفسخ في استدلال ابن المنجى ﵀ على مسائل العيوب في النكاح؛ إذ يقول مستدلًّا على أن الرتق والقرن والعفل مثبت لخيار الفسخ: ذلك «يمنع من استيفاء مقصود النكاح، أشبه الجب والعنة» (٤)، وقال: و «أما كون الفتق مثبتًا للخيار أيضًا؛ فلأن فيه تنفيرًا من الوطء، وربما فات مقصود الوطء، أشبه الجب والعنة» (٥)، وفي هذا دلالة على أنَّ التنفير موجب للفسخ بذاته، وقال أيضًا: «وأمَّا كون كل واحد من الجذام والبرص مثبتًا للفسخ؛ فلأنهما يثيران نفرة في النفس تمنع
стр. 539
قربان أحدهما الآخر» (١)، وقال: «وأما كون الجنون مثبتًا للفسخ أيضًا؛ فلأنه يثير النفرة المذكورة، ويخاف ضرره» (٢)، وذكر أنَّ البخر في الفم والفرج، واستطلاق البول والغائط، والقروح السيَّالة، والباسور والناصور توجب الفسخ لأنها تثير النفر بين الزوجين (٣).
وذكر البهوتي ﵀ أن العيوب في النكاح تثبت الفسخ لكل واحد من الزوجين؛ «لما فيه من النفرة» (٤).
وفي ختام هذا المبحث يحسن التنبيه على أمرين:
الأول: أنَّ مذهب أهل الظاهر من أضيق المذاهب في العيوب في النكاح؛ وذلك أنهم قالوا: لا يفسخ النكاح بالعيوب مطلقًا (٥)، وروي هذا القول عن بعض السلف (٦).
وعلى الضدِّ من مذهب أهل الظاهر اختيار ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- إذ وسَّعوا دائرة العيوب وأدخلوا في ذلك جملًا كثيرةً لم يقل بها أحد من المذاهب الأربعة (٧)، يقول ابن القيم: «وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها، فلا وجه له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين، أو الرجلين أو إحداهما، أو كون الرجل كذلك من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو مناف للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة
стр. 540
فهو كالمشروط عرفًا» (١)، بل مال شيخ الإسلام ﵀ إلى أنَّ الفسخ في عيوب النكاح لا تحتاج إلى حكم الحاكم (٢).
والأمر الثاني: أن العمل في بلادنا -المملكة العربية السعودية- قضاءً جارٍ على طريقة شيخ الإسلام، وأن عيوب النكاح غير معدودة (٣)، وإنما جرى التنبيه على هذا لأنَّ فسخ النكاح عند جمهور العلماء مقصور على حكم الحاكم، فكان من المستحسن الإشارة إلى ما عليه العمل.
وخلاصةُ الباب:
• أنّ الحنفيَّة هم أضيق المذاهب في باب الفسخ في عيوب النكاح؛ وذلك أنهم قصروا الفسخ على ما يفوِّت الوطء فحسب، وأما ما سوى ذلك من العيوب فلا فسخ فيها؛ لعدم تفويت هذا المقصد.
• وأمَّا الجمهور فإنهم أخذوا بما جاء عن الصحابة ﵃ في الباب، إلا أنهم اختلفوا، فمنهم من رأى المعنى قاصرًا على تفويت مقصد النكاح -وهو الوطء- كما هي طريقة الشافعيَّة، وكذا المالكيَّة غير أنهم زادوا عليهم عيوب الفرج -منعت الوطء أم لم تمنع- وجعلوها موجبة للتخيير، وأما الحنابلة فإنهم ذهبوا إلى أبعد من هذا، ورأوا أنَّ كل ما يفوِّت الوطء أو تحصل به
стр. 541
النُّفرة بين الزوجين أنه موجب للتخيير؛ فصار مذهبهم بذلك أوسع المذاهب في الباب، والله أعلم.
* * *
стр. 542
الفصل الثاني:
الاتساع أو الضيق في كتاب الجنايات والحدود
وفيه مباحث:
• المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب القصاص في النفس.
• المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب القصاص فيما دون النفس.
• المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب حد الزنى.
• المبحث الرابع: اتساع المذاهب وضيقها في باب حد السرقة.
стр. 543
المبحث الأول:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب القصاص في النفس
تمهيد:
يذكر العلماء ﵏ أحكام الاعتداء على النفس، ويفردون لذلك كتابًا أو بابًا يسمونه كتاب الجنايات (١)، أو كتاب الجراح (٢)، أو باب الدماء والقصاص (٣).
ولعظيم أمر القصاص وكثرة تفاريعه وشدَّة الخلاف فيه؛ أفرد بعض العلماء بابًا آخر في (شروط القصاص) (٤)، وأفرد بعضهم بابًا ثالثًا في (استيفاء القصاص) (٥).
والدماء كما قال ابن العربي ﵀: «خطيرة القدر في الدين، عظيمة المرتبة عند الله
стр. 544
تعالى» (١)، ولذلك حكى ابن عقيل ﵀ في كتابه (التذكرة) الخلاف على غير عادته في مسألة القسامة، ثم قال: «وإنما ذكرت الخلاف هاهنا؛ لأنه مما يعم به البلوى في معرفة الخلاف فيه الاحتياط للدماء» (٢). ونقل الحطاب ﵀ عن البساطي ﵀ قوله في باب الدماء والقصاص: «هو باب متسع متروك ينبغي الالتفات إليه» (٣).
والجنايات في اللغة: جمع جناية، وهو مصدر من فعل (جنى)، والمراد بها: الجرم والذنب (٤)، وقيل: التعدي على بدن أو مال (٥)، وقيل: اسم لما يكتسب من الشر (٦). والمعاني متقاربة.
والمراد بها في الشرع: «كل فعل عدوان على نفس أو مال» (٧)، لكن خُصِّصت بالعرف (بالتعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا أو كفارة) (٨)، ثم سموا الجنايات على الأموال: غصبًا، ونهبًا، وسرقة، وخيانة، وإتلافًا، واختلاسًا (٩).
وأما القصاص فهو لغة: المماثلة (١٠)، والمعنى الشرعي قريب من المعنى اللغوي،
стр. 545
وهو «أن يُفعل بالفاعل مثل ما فعل» (١)، ويسمى أيضًا بالقود؛ «لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل في رقبته وتسلمه» (٢).
والجناية تتنوع، فمنها ما يُذهب النفس ويزهقها، ومنها ما دون ذلك، ولهذا جرى كثير من العلماء على القَسْم بين الجنايتين، فيبدؤون بذكر أحكام الجناية على النفس لأهميتها، ثم يتبعون ذلك بالكلام على الجناية على ما دون النفس (٣).
وفي هذا الباب سأتناول -بحول الله- السعة والضيق في القصاص حال الجناية على النفس، وفي الباب الذي يليه سأتناول الكلام على الجناية فيما دون النفس.
ومراد الباحث في الاتساع في هذا المبحث: القول بإمضاء القصاص في النفس، والمراد بالضيق: القول بعدم القصاص.
هذا وقد أشار العز بن عبد السلام ﵀ إلى مبالغة مالك ﵀ في صيانة الدماء (٤)، ونصَّ الذهبي ﵀ في (زغل العلم) على توسع مذهب مالك في الدماء بشيء من النقد، وذلك أنَّه قال: «اعلم أن في كل طائفة من علماء هذه الأمة ما يذمُّ ويعاب، فتجنَّبه» (٥)، ثم قال: «الفقهاء المالكيَّة على خير واتباع وفضل، إن سلم قضاتهم ومفتوهم من التسرع في الدماء والتكفير، فإنَّ الحاكم والمفتي يتعين عليه أن
стр. 546
يراقب الله تعالى، ويتأنى في الحكم بالتقليد ولا سيما في إراقة الدماء، فالله ما أوجب عليهم تقليد إمامهم، فلهم أن يأخذوا منه ويتركوا كما قال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ ، فيا هذا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك لم أبحت دم فلان؟ فما حجتك؟ إن قلت: قلدت إمامي، يقول لك: فأنا أوجبت عليك تقليد إمامك؟ … » (١). والملاحظ هنا أنَّ الذهبي أثبت سعة مذهب مالك بالقول في إراقة الدماء من جهة أنه قال: (فالله ما أوجب عليهم تقليد إمامهم) وبهذا يُعلم أن ما يعيبه الذهبي على المالكيَّة نابع في حقيقته من أصل المذهب، وليس مجرد اختيار أو اجتهاد حدث في زمانهم. وأنبِّه إلى أنَّ محل الاستشهاد في كلام الذهبي هو كون المذهب المالكي واسعًا في إراقة الدماء فحسب، وأما (وصفه للمالكيَّة بالتسرع، ومنعهم من تقليد إمامهم) وجعل ذلك محلَّ نقد، فهذه قضية تحتمل الصواب وعدمه، وليس غرض الباحث في هذه الأطروحة بالجملة الترجيح بين المذاهب، وعليه: فيمتنع الجزم بصواب هذا الوصف من الذهبيِّ للمالكيَّة أو خطئه.
والمسائل الداخلة في الباب هي: المسائل المختلف في القصاص فيها المتعلقة بالنفس؛ كالقصاص في قتل الوالد لولده، والقصاص في قتل الغيلة، والقصاص في شبه العمد، والقصاص عند الإكراه على القتل، والقصاص في القسامة (٢)، والقصاص حال الاشتراك في القتل، ونحو ذلك من المسائل.
стр. 547
المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب.
أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب.
أجمع العلماء ﵏ على تحريم القتل بغير حق (١)، وأجمعوا على أن القصاص مختص في قتل العمد (٢)، وأجمعوا على أن من ضرب ما يعلمه إنسانًا قاصدًا بمحدَّد -كسيف أو رمح- فجرحه جرحًا كبيرًا فمات منه أنَّه عمد (٣)، وأجمعوا على أن القصاص يجري بين الوالي والرعيَّة، وأنَّ السلطان إذا اعتدى عمدًا أن القصاص واجب عليه من نفسه (٤)، وأجمعوا على أن المرأة تقتل بالأنثى وبالذكر (٥)، وأجمعوا على أن الذمي يقتل بالذمي قصاصًا (٦)، وأجمعوا على أن القتل خطأ لا قصاص فيه كأن يرمي شيئًا فيصيب غيره (٧)، وأجمعوا على أن من قتل من يظن كافرًا في بلاد الحرب فبان مسلمًا أنه خطأ لا قصاص فيه (٨)، وأجمعوا على أنه لا قصاص على المجنون والصبي وكل من زال عقله بسبب يعذر فيه (٩)، وأجمعوا على أنه لا يقتل المسلمُ بالكافر الحربي قصاصًا (١٠)، ولا خلاف أن الذمي لا يقتل بالحربي (١١)،
стр. 548
وأجمعوا على أن الإكراه لا يبيح القتل وأن من أكره على القتل فقتل أنه آثم (١)، وأجمعوا على أنَّ العفو خير من القصاص في الجملة (٢)، وأجمعوا على أنه إذا عفا أحد أولياء الدم من الذكور أن القصاص يسقط ويُنتقل إلى الدية؛ لأن القصاص والدية لا يجتمعان (٣).
ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب.
اتفقت المذاهب الأربعة على جريان القصاص بين العبيد في النفس (٤)، واتفقوا على أن الجماعة تقتل بالواحد (٥)، واتفقوا على أن الرجل يقتل بالمرأة (٦)، واتفقوا
стр. 549
على أن السيد إذا قتل عبده أنه لا يقتل (١)، واتفقوا على جريان القصاص في السكران الآثم إذا قتل حال سكره (٢)، واتفقوا على أنه يجوز لولي الدم الصلح على أكثر من الدية (٣)، واتفقوا على أنه إن اشترك في القتل رجلان أحدهما عامد والآخر مخطئ أن القصاص لا يجب عليهما جميعًا (٤)، واتفقوا على أن المسلم لا يقتل بالمستأمن (٥).
стр. 550
المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب.
اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل المتعلقة بالقصاص في النفس، ومن أعيان هذه المسائل: حكم القصاص في شبه العمد، وحكم القصاص في قتل الوالد لولده، وحكم القصاص في قتل الغيلة (١).
الفرع الأول: حكم القصاص في شبه العمد.
تحرير محل النزاع:
تقدَّم الإجماع على أن القتل ينقسم إلى عمد فيه القصاص، وإلى خطأ لا قصاص فيه.
ولكن اختلف العلماء فيما بين هذين القسمين وهو شبه العمد -ويسمى عمد الخطأ وخطأ العمد- (٢) وحقيقته: (أن يقصد الضرب بآلة لا تقتل غالبًا) (٣)، هل هو قسم بذاته أو هو ملحق بالعمد؟
стр. 551
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: أنَّ قصد الضرب بآلة لا تقتل غالبًا على وجه العداوة عمد فيه القصاص، وهو مذهب المالكيَّة (١).
القول الثاني: أنَّ قصد الضرب بآلة لا تقتل غالبًا شبه عمد، وهو قسم بذاته ولا قصاص فيه، وهو مذهب الجمهور (٢).
وعليه فأوسع المذاهب إمضاء لحكم القصاص في هذه المسألة هم المالكيَّة؛ لقولهم بالقصاص فيما يُطلق عليه الجمهور (شبه العمد)، واستدلوا على هذه المسألة بدليلين:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣].
ووجه الدلالة من الآيتين: أنَّ الله ذكر الخطأ والعمد المحضين ولم يذكر ثالثًا،
стр. 552
فدلَّ ذلك على نفيه (١).
الدليل الثاني: أن معنى العمد (قصد الفاعل إلى الفعل)، ومعنى الخطأ: (وهو ما يكون من غير قصد) ويمتنع أن يجتمع المعنيان في الفعل الواحد؛ لأنهما صفتان متعاندتان (٢).
الفرع الثاني: حكم القصاص في قتل الوالد ولده.
تحرير محل النزاع:
اتفقت المذاهب الأربعة على أن القصاص جائز في قتل الولد لأبيه (٣)، وأما إذا قتل الوالد ولده فلذلك صورتان:
الأولى: أن يضربه غير مريد لقتله فيموت، فهذا لا قصاص فيه عند المذاهب الأربعة (٤).
стр. 553
والثانية: أن يضربه مريدًا قتله -كأن يُضجعه فينحره- فهذه الصورة هي محل النزاع، وقد اختلف فيها العلماء على قولين.
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: جواز القصاص، وهو مذهب المالكيَّة (١).
القول الثاني: امتناع القصاص، وهو مذهب الجمهور (٢).
وعلى ذلك فأوسع المذاهب قولًا بالقصاص في هذه المسألة من قال بجوازه في قتل الوالد لولده، وهم المالكيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
ووجه الدلالة من الآيتين: العموم فيهما (٣)، فإن الله أطلق القصاص في الآية الأولى، وجعل في الآية الثانية النفس بالنفس، وعموم ذلك يقتضي القصاص في قتل الوالد لولده.
стр. 554
الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» أخرجه أبو داود وابن ماجه (١).
ووجه الدلالة من الحديث: أن المراد بقوله تتكافأ دماؤهم «أي: يتساوون في القصاص والديات» (٢)، والولد مكافئ لوالده، وعليه: «فكل شخصين تكافأت دماؤهما فالقصاص جار بينهما» (٣).
الدليل الثالث: القياس؛ وذلك أن القصاص حق من حقوق الآدمي، فجاز أن يثبت للابن على الأب، كما تثبت سائر الحقوق (٤).
الدليل الرابع: القياس؛ وذلك أن الوالد وولده «شخصان متكافئان في الحرمة والدين، فكان القصاص جار بينهما كالأجانب» (٥).
الدليل الخامس: القياس؛ وذلك أن الأب امرؤ عاقل، فوجب عليه القصاص كما لو قتل الابن أباه (٦).
стр. 555
الفرع الثالث: حكم القصاص من الممسك إذا علم أن غيره يريد قتله.
تحرير محل النزاع:
إذا أمسك إنسان رجلًا ليقتله آخر، فلا خلاف بين العلماء في وجوب القصاص من القاتل (١)، و «أما الممسك فإن كان القاتل يقدر على القتل من غير إمساك، أو كان المقتول يقدر على الهرب بعد الإمساك فلا قود على الممسك بالإجماع، وإن كان القاتل لا يقدر على القتل إلا بالإمساك، وكان المقتول لا يقدر على الهرب بعد الإمساك فقد اختلف الفقهاء في الممسك» (٢) على أقوال.
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: القصاص يكون على القاتل والممسك جميعًا، وهو مذهب المالكيَّة (٣).
القول الثاني: القصاص يكون على القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت، وهو مذهب الحنابلة (٤).
القول الثالث: القصاص على القاتل فقط، ويعاقب الممسك ولا يقتل، وهو مذهب الحنفيَّة والشافعيَّة (٥).
стр. 556
ويظهر في هذا الفرع أيضًا أن أوسع المذاهب إمضاءً لحكم القصاص هم المالكيَّة؛ لقولهم بالقصاص على الممسك دون غيرهم من المذاهب، واستدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
ووجه الدلالة من الآيات: العموم فيها (١).
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄ «أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم» أخرجه البخاري (٢).
ووجه الدلالة من الأثر: أنّ الممسك مشترك في القتل، وقال عمر ﵁: (لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم) فدل ذلك على أنه يقتص منه (٣).
الدليل الثالث: أنَّ القاتل إنما توصل إلى القتل بإمساك الماسك، ولولاه لنجا بنفسه وتخلص من ظلم الظالم، فصار القاتل كأنه آلة لهذا الماسك، فوجب أن يقتلا جميعًا (٤).
الدليل الرابع: قياس الممسك في القتل على ممسك الصيد ليقتله المحرم، فإن الجزاء عليهما جميعًا (٥).
стр. 557
الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب.
بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة المالكيَّة في باب القصاص في النفس في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك:
• أن المالكيَّة قالوا: لا مدخل للنساء في العفو في القصاص في الجملة (١)، وقال الجمهور: إذا عفا أحد ورثة الميت رجلًا كان أو امرأة سقط القصاص (٢).
• وقال المالكيَّة: لو قال رجل لآخر: (اقتلني) أو (إن قتلتني أبرأتك) فقتله فإن القاتل لا يبرأ، ولولي الدم القصاص (٣)، وقال الجمهور: لا قصاص في ذلك (٤).
стр. 558
• وقال المالكيَّة: تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح دون غيرها (١)، وقال الجمهور: لا تقبل شهادة الصبيان مطلقًا (٢).
• وقال المالكيَّة: التَّدمِية الحمراء -وهي قول المقتول وهو يتشحَّط في دمه: قَتلني فلان (٣) -لَوَثٌ يجيز لولي الدم القسامة (٤)، وقال الجمهور: لا تجوز القسامة بالتدمية الحمراء (٥).
• وقال المالكيَّة -وكذا الحنفيَّة-: لأولياء الدم الكبار من العصبة القصاص قبل بلوغ الصغار (٦)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: ينتظر ولي الدم الصغير حتى يكبر ويطالب بالقصاص (٧).
стр. 559
• وقال المالكيَّة -وكذا الشافعيَّة-: شريك الصبي في القتل يقتص منه (١)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: لا يقتص من شريك الصبي (٢).
• وقال المالكيَّة -وكذا الحنابلة-: يستحق ولي الدم قتل القاتل في القسامة (٣)، وقال الحنفيَّة والشافعيَّة: لا يثبت القصاص بالقسامة (٤).
ويمكن أن يستشهد هنا أيضًا على ميل المالكيَّة إلى جانب إمضاء القتل وتحتُّمه بمسألة الغيلة - «وهي القتل لأخذ المال» (٥) -، فالجمهور قالوا: قتل الغيلة كغيره يجوز للولي العفو (٦)، وقال المالكيَّة: يتحتم القتل فيمن قتل غيلة، ولا يسقط ولو
стр. 560
عفا ولي المقتول (١). ووجه ذلك: أن الغيلة من الفساد في الأرض، وقد أمر الله بالقتل والقطع والصلب على الإفساد في الأرض (٢).
ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر بجلاء أنَّ الحنفيَّة هم أضيق المذاهب قولًا بالقصاص؛ وذلك أنهم انفردوا بجملة من المسائل قالوا فيها بعدم القصاص، من ذلك:
• أن الحنفيَّة قالوا: قتل العمد مختص بما يُفرِّق الأجزاء، أما ما لا يفرِّق الأجزاء كالحجر والعصا ونحوه، فهو شبه عمد لا قصاص فيه (٣)، وقال الجمهور: ما لا يفرق الأجزاء إذا كان يقتل غالبًا فهو عمد فيه القصاص (٤). وهذه المسألة مسألة عظيمة يتفرع عنها جملة من المسائل كالقتل بالإلقاء من شاهق، والقتل بالتجويع والعطش، والقتل بالخنق، والقتل بالتغريق، والقتل بتسليط سَبُعٍ أو عقرب، وغير ذلك كثير (٥).
стр. 561
• وقال الحنفيَّة: إذا أكره إنسانٌ آخرَ على القتل فالقصاص يكون على المكرِه الآمر فقط (١)، وقال الجمهور: القصاص يكون على المكرِه والمكرَه جميعًا (٢).
• وقال الحنفيَّة: لا يقتل شريك الأب في القتل ولو كان عامدًا (٣)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: شريك الأب العامد يقتصُّ منه (٤). وتقدم أنَّ المالكيَّة يقولون بالقصاص من الأب إذا قصد القتل، فالقصاص من الشريك من باب أولى (٥).
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب.
من خلال ما تقدّم يظهرُ جليًّا أنَّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب إمضاء لحكم القصاص، ولكن عند النظر في كتب الخلاف يظهر وجود مسألة خرجت عن هذا التوسع منهم، وهي مسألة اشتراط المكافأة بين القاتل والمقتول.
стр. 562
الفرع الأول: اشتراط المكافأة بين القاتل والمقتول.
تحرير محل النزاع:
اتفقت المذاهب الأربعة على أن العبد إذا قتل الحر أنه يقتص منه (١)، وأجمعوا على أن الكافر إذا قتل المسلم أنه يقتل به (٢)، ولكن اختلفوا في الحر يقتل العبد، وفي المسلم يقتل الكافر هل يقتص منهما أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك.
الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة:
القول الأول: المكافأة ليست بشرط، فيقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بعبد غيره، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).
القول الثاني: المكافأة شرط فلا يقتل حر بعبد، ولا يقتل مسلم بذمي إلا في قتل الغيلة فإن المسلم والحر يقتلان بالذمي والعبد، وهو مذهب المالكيَّة (٤).
القول الثالث: المكافأة شرط مطلقًا فلا يقتل حر بعبد، ولا يقتل مسلم بذمي، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (٥).
стр. 563
ويظهرُ في هذا الفرع أنَّ المالكيَّة صاروا إلى قول أضيق من قول الحنفيَّة، وسبب قولهم بعدم القصاص في غير الغيلة أدلة:
أما كون الحر لا يقتل بالعبد فاستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» أخرجه الدارقطني (١).
ووجه الدلالة من الحديث: ظاهر، «وهو نص في موضع الخلاف» (٢).
الدليل الثاني: عن ابن عمرو ﵄ قال: «كان أبو بكر وعمر ﵄ لا يقتلان الرجل بعبده» أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (٣). وقال الباجي ﵀: «الدليل على ما نقوله أن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن الزبير
стр. 564
وزيد بن ثابت ﵃ ولا مخالف لهم» (١).
الدليل الثالث: أن العبد يقاس على البهائم بجامع أنها تباع وتشترى، والبهائم لا قصاص فيها فكذا العبد (٢).
الدليل الرابع: أنَّ القصاص في اللغة (المماثلة) ولا مماثلة بين العبد والحر، فامتنع القصاص بينهما (٣).
وأما كون المسلم لا يقتل بالذمي فاستدلوا على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن أبي جحيفة ﵁ قال: «قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر» أخرجه البخاري (٤).
ووجه الدلالة من الحديث: قوله: (لا يقتل مسلم بكافر)، وهذا نص في المسألة (٥).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» أخرجه أبو داود وابن ماجه (٦).
стр. 565
ووجه الدلالة من الحديث: مفهوم المخالفة، من جهة أن «دم الكافر لا يكافئ دم المؤمن، وإذا لم يكافئه فالقصاص مرتفع» (١).
الدليل الثالث: أن الكافر الذمي يقاس على الكافر المستأمن والحربي، فإنه لا يجب القصاص فيهما باتفاق، والجامع في القياس هو: النقصان الواقع من أجل الكفر (٢).
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
من خلال المسائل المتقدمة يظهر بجلاء أن المالكيَّة هم أوسع المذاهب إمضاء لحكم القصاص، ولكن يقوم سؤال: هل ثمة سبب يمكن رد الباب إليه؟
للجواب عن هذا السؤال؛ لا بد من النظر في أدلة المالكيَّة في المسائل التي انفردوا فيها، ويظهر أن العموم أقوى مستمسك للمالكية في مسائل القصاص، ويمكن أن يقال: إن توسع المالكيَّة في عمومات أدلة القصاص هو الذي أدى بهم إلى السعة في الباب.
ولكن ثمة سبب آخر يظهر أنه أكثر اتِّجاهًا، يمكن بيانه من خلال مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن القصاص إنما شرع في أصله سدًّا لذريعة القتل وصيانة للدماء، وقد جاء في الكتاب: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، والمراد: «أن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل» (٣)، وهذا هو معنى سدِّ