← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

• وقال الحنفيَّة: إذا أكره إنسانٌ آخرَ على القتل فالقصاص يكون على المكرِه الآمر فقط (١)، وقال الجمهور: القصاص يكون على المكرِه والمكرَه جميعًا (٢). • وقال الحنفيَّة: لا يقتل شريك الأب في القتل ولو كان عامدًا (٣)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: شريك الأب العامد يقتصُّ منه (٤). وتقدم أنَّ المالكيَّة يقولون بالقصاص من الأب إذا قصد القتل، فالقصاص من الشريك من باب أولى (٥). المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدّم يظهرُ جليًّا أنَّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب إمضاء لحكم القصاص، ولكن عند النظر في كتب الخلاف يظهر وجود مسألة خرجت عن هذا التوسع منهم، وهي مسألة اشتراط المكافأة بين القاتل والمقتول.

стр. 562

الفرع الأول: اشتراط المكافأة بين القاتل والمقتول. تحرير محل النزاع: اتفقت المذاهب الأربعة على أن العبد إذا قتل الحر أنه يقتص منه (١)، وأجمعوا على أن الكافر إذا قتل المسلم أنه يقتل به (٢)، ولكن اختلفوا في الحر يقتل العبد، وفي المسلم يقتل الكافر هل يقتص منهما أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: المكافأة ليست بشرط، فيقتل المسلم بالذمي، ويقتل الحر بعبد غيره، وهو مذهب الحنفيَّة (٣). القول الثاني: المكافأة شرط فلا يقتل حر بعبد، ولا يقتل مسلم بذمي إلا في قتل الغيلة فإن المسلم والحر يقتلان بالذمي والعبد، وهو مذهب المالكيَّة (٤). القول الثالث: المكافأة شرط مطلقًا فلا يقتل حر بعبد، ولا يقتل مسلم بذمي، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (٥).

стр. 563

ويظهرُ في هذا الفرع أنَّ المالكيَّة صاروا إلى قول أضيق من قول الحنفيَّة، وسبب قولهم بعدم القصاص في غير الغيلة أدلة: أما كون الحر لا يقتل بالعبد فاستدلوا على ذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» أخرجه الدارقطني (١). ووجه الدلالة من الحديث: ظاهر، «وهو نص في موضع الخلاف» (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمرو ﵄ قال: «كان أبو بكر وعمر ﵄ لا يقتلان الرجل بعبده» أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (٣). وقال الباجي ﵀: «الدليل على ما نقوله أن هذا إجماع الصحابة؛ لأنه مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن الزبير

стр. 564

وزيد بن ثابت ﵃ ولا مخالف لهم» (١). الدليل الثالث: أن العبد يقاس على البهائم بجامع أنها تباع وتشترى، والبهائم لا قصاص فيها فكذا العبد (٢). الدليل الرابع: أنَّ القصاص في اللغة (المماثلة) ولا مماثلة بين العبد والحر، فامتنع القصاص بينهما (٣). وأما كون المسلم لا يقتل بالذمي فاستدلوا على ذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: عن أبي جحيفة ﵁ قال: «قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر» أخرجه البخاري (٤). ووجه الدلالة من الحديث: قوله: (لا يقتل مسلم بكافر)، وهذا نص في المسألة (٥). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» أخرجه أبو داود وابن ماجه (٦).

стр. 565

ووجه الدلالة من الحديث: مفهوم المخالفة، من جهة أن «دم الكافر لا يكافئ دم المؤمن، وإذا لم يكافئه فالقصاص مرتفع» (١). الدليل الثالث: أن الكافر الذمي يقاس على الكافر المستأمن والحربي، فإنه لا يجب القصاص فيهما باتفاق، والجامع في القياس هو: النقصان الواقع من أجل الكفر (٢). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال المسائل المتقدمة يظهر بجلاء أن المالكيَّة هم أوسع المذاهب إمضاء لحكم القصاص، ولكن يقوم سؤال: هل ثمة سبب يمكن رد الباب إليه؟ للجواب عن هذا السؤال؛ لا بد من النظر في أدلة المالكيَّة في المسائل التي انفردوا فيها، ويظهر أن العموم أقوى مستمسك للمالكية في مسائل القصاص، ويمكن أن يقال: إن توسع المالكيَّة في عمومات أدلة القصاص هو الذي أدى بهم إلى السعة في الباب. ولكن ثمة سبب آخر يظهر أنه أكثر اتِّجاهًا، يمكن بيانه من خلال مقدمتين: المقدمة الأولى: أن القصاص إنما شرع في أصله سدًّا لذريعة القتل وصيانة للدماء، وقد جاء في الكتاب: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، والمراد: «أن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل» (٣)، وهذا هو معنى سدِّ

стр. 566

الذرائع. يقول ابن القيم: «لولا القصاص لفسد العالم، وأهلك الناس بعضهم بعضًا ابتداء واستيفاء، فكأن في القصاص دفعًا لمفسدة التجرِّي على الدماء بالجناية وبالاستيفاء، وقد قالت العرب في جاهليتها: (القتل أنفى للقتل)، و (سفك الدماء يحقن الدماء)» (١). والمقدمة الثانية: أن أكثر المذاهب إعمالًا لقاعدة سد الذرائع هم المالكيَّة (٢). وينتج من هاتين المقدمتين: أن سعة المالكيَّة في إمضاء القصاص إنما حصل لسعتهم في قاعدة سد الذرائع. وقد ألمح بعض العلماء إلى أن أصل مشروعية القصاص إنما هو سد لذريعة القتل: فمن المالكيَّة: يقول ابن رشد ﵀ في مسألة القسامة: إن مالكًا «زعم أن العلة في ذلك حوطة الدماء؛ وذلك أنَّ القتل لما كان يكثر، وكان يقل قيام الشهادة عليه؛ لكون القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات جعلت هذه السنة حفظًا

стр. 567

للدماء» (١). ويلاحظ أن السبب عند المالكيَّة في مشروعية القسامة إنما هو الاحتياط للدماء، وفي القول بها سدٌّ لذريعة القتل حال الخلوات. وقال الأبياري ﵀: «قال علماء الشريعة: كل مسلك يطرق إلى الدماء الهرج من غير معاناة شاقة ولا عسر، فهو مردود. وهذا يمثل بالقول في القتل بالمثقل؛ إذ القصد بالقتل بهذه الآلات ليس عسيرًا ولا نادرًا، فنفي القصاص فيه يفسد قاعدة الدماء، وهو مضاد لهذه القاعدة، التي هي أهم قواعد الشريعة وأحقها بالحفظ والرعاية» (٢). ونص الونشريسي ﵀ في قتل الجماعة بالواحد على أن: «الجماعة تقتل بمقتضى القاعدة التي نبه على مصلحتها بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فمعناه أنَّ بمشروعية القود يقع الانزجار عن الدماء، فلو لم يشرع القود على القاعدة لاتخذ الظلمة الاستعانة ذريعة إلى إسفاك الدماء، فوجب القصاص بمقتضى حكمة القاعدة الضرورية» (٣). وذكر أن «قاعدة الدماء مبنية على الاحتياط حرصًا على الحياة وزجرًا للجناة» (٤). ومن الشافعيَّة: يقول ابن دقيق العيد ﵀: «صيانة الدماء من الإهدار: أمر ضروري والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إزهاق الأرواح، فلو لم يجب القصاص بالقتل

стр. 568

بالمثقل لأدى ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى إهدار القصاص، وهو خلاف المقصود من حفظ الدماء» (١). ومن الحنابلة: قال ابن القيم ﵀ في معرض بيانه لأمثلة سد الذرائع عمومًا: «من ذلك: أن الصحابة ﵃ اتفقوا على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان القصاص يقتضي المساواة: لئلا يتخذ ذريعة إلى إهدار الدماء، وتعاون الجماعة على قتل المعصوم». وهذه النصوص في غاية البيان على أنَّ أصل تشريع القصاص إنما هو سدٌّ لذريعة القتل. ومن جهة أخرى فإن سبب ضيق الحنفيَّة في باب القصاص يرجع -والله أعلم- إلى شبهة رأوها في محل النزاع «والقصاص يسقط بالشُّبهة» (٢)؛ ولذا استدل القدوري ﵀ على سقوط القصاص من شريك الأب بوجود الشبهة (٣)، واستدل بوجود الشبهة على سقوط القصاص من المكرَه (٤). واستدل السرخسي ﵀ على سقوط القصاص في القتل بالمثقل بوجود الشبهة، ووجهها: «أنَّ المثقل ليس بآلة للقتل بأصل الخلقة وإنما هو آلة للتأديب» (٥). وقال الكاساني ﵀ في القصاص: «الشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة، وعلى هذا يُخَرَّج القتل بضربة أو ضربتين على قصد القتل أنه لا يوجب القود؛ لأن الضربة

стр. 569

أو الضربتين مما لا يقصد به القتل عادة بل التأديب والتهذيب، فتمكنت في القصد شبهة العمد، وعلى هذا يخرج قول أصحابنا ﵃ في الموالاة في الضربات أنها لا توجب القصاص خلافًا للشافعي»، ثم قال: «إذا جاء الاحتمال جاءت الشبهة وزيادة، وعلى هذا يُخَرَّج قول أبي حنيفة ﵁ في القتل بالمثقل أنه لا يوجب القود خلافًا لهما، والشافعي ﵏» (١). والملاحظ أن معنى الشبهة حاضر عند فقهاء الحنفيَّة في إسقاط القصاص. وسيأتي -بحول الله- في باب الحدود أنَّ الحنفيَّة ضيَّقوا إقامة الحدود بوجود أدنى شبهة، وهذا يبين شدَّة تماسك الأبواب وارتباطها عندهم. وأما الجمهور فلم يسلموا وقوع الشبهة في المسائل السابقة؛ ولذا يقول السمعاني وهو من فقهاء الشافعيَّة في مسألة القتل بالمثقَّل:» الخلاف بيننا وبين الخصم [يعني الحنفيَّة] أن سبب القود هل وجد في مسألة المثقل أم لا؟ فالخصم يقول: لم يوجد لأنَّه يدعي شبهة في السبب، ونحن ندعي أن السبب قد وجد وأنه لا شبهة» (٢). وبنحو هذا قرر ابن الدهان ﵀ في كتابه تقويم النظر (٣)، بل نص الونشريسي من المالكيَّة على أنَّ «القصاص يثبت مع الشبهة» (٤). ويحسن في ختام هذا المبحث الإشارة إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: أنّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب أيضًا إمضاءً لحكم القسامة، وتقدَّم أنهم أجازوا القصاص بها، وجعلوا معنى اللوث واسعًا يشمل كل شبهة كالتدمية الحمراء، ولعل هذا يعود إلى ما تقرَّر من أنهم يحتاطون في أمر الدماء، ويسدون الذرائع الموصلة إليه، ولذلك توسعوا في طرائق ثبوت القتل ومنها القسامة.

стр. 570

والأمر الثاني: أنَّ المالكيَّة قالوا: لو سقط القصاص عن القاتل بعفو أو غيره فإنه يعزَّر بمئة جلدة، ويحبس سنة (١)، وذهب الجمهور إلى عدم التعزير في ذلك (٢). وهذه المسألة تبين شدة احتياط المالكيَّة في أمر الدماء وسد الذرائع الموصلة إليه أيضًا، من جهة أنهم جعلوا العقوبة على القاتل عمدًا واقعة لا محالة، فإما أنْ يقتص منه ولي الدم، وإما أن يجلد ويحبس. والأمر الثالث: أنَّ المالكيَّة ذهبوا إلى أنَّ توبة القاتل عمدًا لا تصح، وذهبوا إلى عدم صحَّة إمامته في الصلاة (٣)، ونازع في هذا الجمهور: فذهبوا إلى أن التوبة تقبل (٤)؛ لأن التوبة إذا قبلت في الكفر فقبولها في الكبائر من باب أولى (٥). ويظهر

стр. 571

-والعلم عند الله- أن المالكيَّة إنما صاروا إلى قولهم هذا مبالغة في تحقيق سد الذرائع الموصلة إلى القتل، وهذا في غاية الاتساق والانضباط منهم في الباب. وخلاصةُ الباب: • أنّ المالكيَّة هم أوسع المذاهب إمضاءً للقصاص، وسبب هذا أن القصاص شرع سدًّا لذريعة القتل، والمالكيَّة هم أوسع المذاهب في سد الذرائع. • وأمَّا الحنفيَّة فصاروا إلى الضيق في الباب؛ لكون الشبهات تُسقط القصاص، والشبهات عندهم أعمُّ من غيرهم من المذاهب. • وأما الشافعيَّة والحنابلة فتوسطوا بين المذهبين؛ لأنهم لم يتوسعوا في الشُّبَه المسقطة للقصاص كما هو الحال عند الحنفيَّة، ولم يتوسَّعوا في سدِّ الذريعة كما توسَّع المالكيَّة، والله أعلم. * * *

стр. 572

المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب القصاص فيما دون النفس تمهيد: تقدم أنَّ العلماء ﵏ يُفردون لأحكام الجنايات كتابًا خاصًّا بها، وأنهم يفردون للجناية على النفس بابًا في ذلك، ثم يتبعون ذلك بذكر أحكام الجناية على ما دون النفس، وتعددت طرائقهم في تسمية الباب، فأسماه بعضهم: (باب القصاص فيما دون النفس) (١)، ومنهم من سماه: (باب القصاص في الأطراف والجراح) (٢). والجناية على ما دون النفس تتنوع إلى أربعة أنواع: «أحدها: إبانة الأطراف، وما يجري مجرى الأطراف، والثاني: إذهاب معاني الأطراف مع إبقاء أعيانها، والثالث: الشجاج، والرابع: الجراح» (٣)، والشجاج: هي الجروح المختصة بالوجه، وأما إن كانت في الجسد فتسمَّى جراحًا (٤). ومراد الباحث بالضيق في الباب: القول بعدم القصاص، والمراد بالسَّعة: القول بالقصاص كما هو الحال فيما تقدم من القصاص في النفس.

стр. 573

والمسائل الداخلة في الباب هي المسائل التي لها تعلُّق بالقصاص فيما دون النفس؛ كالقصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، والقصاص في جناية العبد على العبد فيما دون النفس، والقصاص في جناية الجماعة على الواحد فيما دون النفس، والقصاص في قطع الذكر، والقصاص في قطع الأجفان، والقصاص في قطع اللسان، ونحو ذلك من مسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على مشروعية القصاص فيما دون النفس في الجملة (١)، وأجمعوا على أنه لا قصاص في الجناية على ما دون النفس خطأ (٢)، وأجمعوا على أنَّ العين بالعين والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن (٣)، وأجمعوا على أنَّ القصاص جارٍ في الأطراف إذا قطعت من المفصل، والأطراف هي: (اليد والذراع والرجل والساق) (٤)، ولا خلاف أنه لو قلع الأعور عين الأعور أن فيه القصاص (٥)، ولا خلاف في القصاص إذا جنى من له أذن واحدة على من له أذنان (٦)، وأجمعوا على أنه لا يقتص من الحر في جنايته على العبد فيما دون النفس (٧)، وأجمعوا على أنه لا قصاص في نقص العين (٨).

стр. 574

ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على جواز القصاص في الموضحة (١)، واتفقوا على عدم القصاص في الجناية على الشعور كشعر اللحية والرأس (٢)، واتفقوا على عدم القصاص فيما فوق الموضحة (٣)، واتفقوا على أنه لا يقطع العضو الصحيح بالأشل (٤)، واتفقوا على أن من شرط القصاص المماثلة في الاسم والموضع فلا تقطع يمين بيسار (٥)، واتفقوا على أنه لا قصاص في اللطمة ونحوها (٦). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب القصاص فيما دون النفس،

стр. 575

ومن رؤوس هذه المسائل: القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، والقصاص في جناية العبد على العبد، والقصاص في جناية الجماعة على الواحد فيما دون النفس (١). الفرع الأول: حكم القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس. تحرير محل النزاع: تقدم في المبحث السابق أن القصاص يجري بين الرجل والمرأة في النفس عند المذاهب الأربعة، ولكن اختلفوا هل يجري القصاص بينهما في جناية أحدهما على الآخر فيما دون النفس؟ قولان للعلماء في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: عدم القصاص، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: جواز القصاص، وهو مذهب الجمهور (٣). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم القصاص، وهم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين:

стр. 576

الدليل الأول: أنَّ أطراف الآدمي حكمها حكم الأموال؛ لأنها وقاية للأنفس كالأموال، ثم إنه لا مماثلة في الدية بين طرف المرأة والرجل؛ فاقتضى ذلك عدم جريان القصاص بينهما (١). الدليل الثاني: القياس على عدم جريان القصاص بين اليمين واليسار؛ وذلك أن التفاوت بين طرف المرأة وطرف الرجل في المنفعة ظاهر، فيد الرجل تصلح لنوع من المنافع لا تصلح لها يدُ المرأة، وكذا عكسه، فصارت كالتفاوت بين منفعة اليمين واليسار (٢). الفرع الثاني: حكم القصاص في جناية العبد على العبد فيما دون النفس. تحرير محل النزاع: تقدم أن العلماء مجمعون على أصل مشروعية القصاص فيما دون النفس، وأنه يجري بين الأحرار. ولكن اختلفوا في جناية العبد على العبد فيما دون النفس هل يكون فيها القصاص أم لا؟ قولان للعلماء في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة المضيق في المسألة: القول الأول: عدم القصاص، وهو مذهب الحنفيَّة (٣). القول الثاني: جواز القصاص، وهو مذهب الجمهور (٤).

стр. 577

وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم القصاص، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين: الدليل الأول: عن عمران بن حصين ﵄ «أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَاسٌ فُقَرَاءُ. فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا» أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد (١). وأخرجه الدارمي والطَّحاوي بلفظ: «أَنَّ عَبْدًا لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ، فَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا قِصَاصًا» (٢). ووجه الدلالة من الحديث على اللفظ الثاني ظاهر (٣). الدليل الثاني: أنَّ أطراف العبيد حكمها حكم الأموال؛ ولا مماثلة في القيمة بين طرفي العبدين، «وإن تساويا فيهما فذلك بالحرز والظن، وليس بيقين فصار شبهة

стр. 578

فامتنع القصاص» (١). الفرع الثالث: حكم القصاص في جناية الجماعة على الواحد فيما دون النفس. تحرير محل النزاع: تقدَّم في المبحث السابق أنَّ الجماعة تقتل بالواحد باتِّفاق المذاهب الأربعة، ولكن اختلفوا في جناية الجماعة على الواحد فيما دون النفس هل يقتص منهم أم لا؟ الأقوال، وأشهر أدلة المضيِّق في المسألة: القول الأول: عدم القصاص، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: جواز القصاص، وهو مذهب الجمهور (٣). وعليه فأضيق المذاهب في هذه المسألة من ذهب إلى عدم القصاص في قطع الجماعة للواحد، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: أن كل واحد من الجناة قاطع بعض اليد فتنتفي المماثلة في القصاص؛ لأن القطع حصل باعتماد أكثر من يد، فيضاف البعض إلى كل واحد،

стр. 579

وبهذا ينتفي القصاص (١). الدليل الثاني: أن المماثلة في قطع الأطراف بالطرف منتفية في الذات، ويحقق هذا المعنى أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء، والفائت هو المماثلة من حيث الوصف فقط فلأن يسقط القصاص بالفوات في الذات أولى من سقوطه حال التفاوت بالوصف (٢). الدليل الثالث: أنَّه لا مماثلة بين الأيدي واليد في المنفعة؛ لأنَّ من المنافع ما لا يتأتى إلا باليدين كالخياطة، ومنفعة اليدين أكثر من منفعة يد واحدة عادة (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح ضيق الحنفيَّة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أن الحنفيَّة قالوا: لا يقطع الذكر بالذكر ولو قُطِع من أصله إلا أن تقطع الحشفة فقط، فتقطع حشفة الجاني (٤)، وقال الجمهور: يقطع الذكر بالذكر مطلقًا (٥).

стр. 580

• وقال الحنفيَّة: لا يقطع اللسان باللسان (١)، وقال الجمهور: فيه القصاص (٢). • وقال الحنفيَّة: لا قصاص في قلع العين (٣)، وقال الجمهور: فيه القصاص (٤). • وقال الحنفيَّة: لا قصاص في الأليتين (٥)، وقال الجمهور: فيهما القصاص (٦).

стр. 581

• وقال الحنفيَّة: لا قصاص في الأجفان (١)، وقال الجمهور: فيهما القصاص (٢). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يلحظ الناظر بينها تقاربًا من حيث الجملة، وإن كان المالكيَّة أشدهم توسُّعًا في إثبات القصاص فيما دون النفس (٣)، والله أعلم. المطلب الثالث: المسائل المستثناة من الضيق في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ الحنفيَّة أضيق المذاهب في باب القصاص فيما دون النفس، إلا أنه من خلال النظر في كتب المذاهب المعتنية بفروع المسائل تبيَّن للباحث وجود مسألة خرجت من حيث النظر العام عن ضيقهم في الباب هي: جناية المسلم على الذمي فيما دون النفس. الفرع الأول: حكم القصاص في جناية المسلم على الذمي فيما دون النفس. اختلف العلماء ﵀ فيما إذا جنى المسلم على الذمي فيما دون النفس هل يقتص منه أم لا؟

стр. 582

الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: جواز القصاص، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: عدم جواز القصاص، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهرُ في هذا الفرع أن الحنفيَّة توسعوا في أمر القصاص بخلاف الجمهور، وهذا جارٍ على خلاف ما تقرَّر من ضيقهم في الباب، وسبب قول الحنفيَّة في القصاص يعود إلى أنَّ طرف المسلم والكافر متساويان في الدية، فصار كالحر المسلم يعتدي على الحر المسلم فإنه يقتصُّ منه (٣). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال المسائل المتقدمة يظهر ضيق الحنفيَّة في القصاص فيما دون النفس دون غيرهم من المذاهب، وعند النظر في أدلة المسائل يظهر أن سبب هذا الضيق

стр. 583

يعود إلى أمرين: الأول: أن الحنفيَّة ذهبوا إلى الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، فلا قصاص حتى يستوي الطرفان في الدية، على حين ذهب الجمهور إلى أن كل ما جاز فيه القصاص في النفس فهو جائز فيما دون النفس. والثاني: أن الحنفيَّة شددوا في شرط المماثلة في القصاص فيما دون النفس فمنعوا من إمكان المماثلة في جملة من الصور، فضاق بذلك المذهب عندهم، على حين ذهب الجمهور إلى إمكان المماثلة فقالوا بالقصاص، وقد نصَّ على هذين السببين جملة من علماء المذاهب. فأما السبب الأول فمن الحنفيَّة يقول السغدي ﵀: كان أبو حنيفة «يسلك فيما دون النفس مسلك الأموال» (١). وذكر السرخسي ﵀ هذا المعنى، ثم قال: «وعلى هذا الأصل لا يقطع يدان بيد واحدة عندنا؛ للتفاوت في البدل» (٢). وأما الجمهور فإنهم ذهبوا إلى أنَّ القصاص فيما دون النفس حكمه حكم القصاص في النفس. فمن المالكيَّة يقول القاضي عبد الوهاب ﵀ مستدلًّا على القصاص في جناية الجماعة على الواحد فيما دون النفس: «كل من لم يمنع جريان القصاص في النفس لم يمنع جريانه في الأطراف» (٣).

стр. 584

ونصَّ ابن شاس ﵀ على «أن كل شخصين يجري بينهما القصاص في النفوس من الجانبين يجري في الأطراف» (١)، ثم قال: «ولا تقطع اليد السليمة بالشلاء لعدم التساوي في المنفعة؛ لا لتفاوت البدل» (٢)، والمالكيَّة هنا لما اتفقوا في النتيجة مع الحنفيَّة دفع ابن شاس بهذا التقرير ما قد يتوهَّم من الاشتراك في الاستدلال. ومن الشافعيَّة يقول الماوردي ﵀: «كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما في الأطراف والجراح، سواء اتفقا في الدية كالحرين المسلمين أو اختلفا في الدية؛ كالرجل والمرأة والعبيد إذا تفاضلت فيهم، وإن لم يجز القصاص بينهما في النفس لم يجز في الأطراف؛ كالمسلم مع الكافر، والعبد مع الحر» (٣). ومن الحنابلة يقول الكلوذاني ﵀: «كل من أقيد بغيره في النفس أقيد به الطرف، وكل من لا يقاد بغيره في النفس لا يقاد به في الطرف» (٤). ويلحظ أن الجمهور في جميع ما تقدم سلكوا في القصاص فيما دون النفس مسلك القصاص في النفس. وأشير في ختام الكلام على هذا السبب إلى أن سبب قول الحنفيَّة بأن القصاص يجري بين المسلم والذمي في الجناية فيما دون النفس هو بعينه هذا السبب، ووجهه أن دية المسلم والذمي واحدة، يقول السرخسي ﵀ لما ذكر أن القصاص

стр. 585

فيما دون النفس يسلك به مسلك الأموال: «وعلى هذا الأصل قلنا يجري القصاص بين المسلم، والذمي فيما دون النفس؛ للمساواة بينهما في البدل» (١). وأما السبب الثاني -وهو رعاية المماثلة حال القصاص- فقد نص عليه جملة من فقهاء الحنفيَّة: يقول الزيلعي ﵀: «القصاص يبنى على المماثلة، فكل ما أمكن رعاية المماثلة فيه يجب القصاص، وما لا فلا» (٢)، ثم ذكر جملة من المسائل التي انفرد بها الحنفيَّة -كعدم القصاص في اللسان والذكر-، واستدلَّ على عدم القصاص فيهما بأنَّهما «ينقبضان وينبسطان فلا يمكن اعتبار المماثلة فيهما» (٣). واستصحب هذا الأصل الكاساني ﵀ في القصاص في ثدي المرأة وفي الخصيتين، فقال: «لم يذكر [أي: السمرقندي] حكم ثدي المرأة أنه هل يجب فيه القصاص أم لا؟ وكذا لم يذكر حكم الأنثيين في وجوب القصاص فيهما، وينبغي أن لا يجب القصاص فيهما؛ لأن كل ذلك ليس له مفصل معلوم فلا يمكن استيفاء المثل» (٤). وهذا التخريج من الكاساني حال عدم وجود النقل في غاية الوضوح على أنَّ الحنفيَّة يميلون إلى التشدد في رعاية المماثلة، بل هذه ثمرة من ثمرات معرفة اتجاه المذهب في الباب. وأمَّا الجمهور فينازعون في هذا، ويذهبون إلى إمكان المماثلة في كثير من الصور؛ لكونها تنتهي إلى حد معلوم.

стр. 586

فمن المالكيَّة: استدلَّ ابن شاس والقرافي -رحمهما الله- على القصاص في الذكر والأجفان ونحوهما بأنَّها تقبل التقدير (١). ومن الشافعيَّة استدل الشيرازي ﵀ على القصاص في قطع الذكر: بـ «ـأنَّه ينتهي إلى حد فاصل يمكن القصاص فيه من غير حيف فوجب فيه القصاص» (٢). واستدلَّ العمراني ﵀ على القصاص في الأَلْيتين بأنَّهما «ينتهيان إلى حد فاصل، فهما كاليدين» (٣). ومن الحنابلة: استدل ابن قدامة على جريان القصاص في قطع الذكر بأن «له حدًّا ينتهي إليه، ويمكن القصاص فيه من غير حيف، فوجب فيه القصاص؛ كالأنف» (٤)، وذكر بأن العين تقلع بالعين؛ «لأنها تنتهي إلى مفصل، فجرى القصاص فيها كاليد» (٥)، وبهذا المعنى استدل أيضًا على القصاص في الأنثيين (٦). وخلاصةُ الباب: • أنّ الحنفيَّة صاروا إلى الضيق في باب القصاص فيما دون النفس لأنهم اشترطوا في القصاص اتفاق مالية الطرفين، ولأنهم شددوا في أمر المماثلة، وذهبوا إلى عدم إمكانها في جملة من الصور.

стр. 587

• وأمَّا الجمهور فذهبوا إلى أن القصاص فيما دون النفس حكمه حكم القصاص في النفس، ولم يشترطوا اتفاق الماليَّة بين الطرفين، ومن جهة أخرى ذهبوا إلى إمكان المماثلة في كثير من الصور فصار مذهبهم بذلك أوسع، والله أعلم. * * *

стр. 588

المبحث الثالث: اتساع المذاهب وضيقها في باب حد الزنى تمهيد: يتكلَّم العُلَماء ﵏ على أحكام الحدود في كتاب مستقل، ولعظيم أمر الزنى (١)، وكثرة أحكامه؛ جرى عامتهم على إفراده في باب منفرد (٢). والحد في اللُّغة: المنع (٣). ولأجل ذلك سمي البوَّاب حدَّادًا؛ لمنعه الناس من الدخول، وسمي التعريف الجامع المانع حدًّا؛ لأنه يجمع معاني الشيء ويمنع دخول غيره فيه (٤). وهو في الاصطلاح: «عقوبة مقدَّرة شرعًا لتمنع من الوقوع في مثله» (٥)، وعليه: «فلا يسمى التعزير حدًّا؛ لعدم التقدير، ولا القصاص؛ لأنه حق العبد» (٦).

стр. 589

وقد أطال القرافيُّ ﵀ في بيان الفرق بين الحدِّ والتَّعزير فذكر في ذلك عشرة أوجه، أشهرها: أن الحد مقدَّر وأنَّ التعزير ليس بمقدر (١). وذكر ابن نجيم ﵀ أن الحدود والقصاص تفترق في سبعة أمور، أشهرها: أنَّ القصاص يصح العفو فيه، ولا يصح في الحدود (٢). وأما الزنى فهو في اللغة: (الرقي على الشيء) (٣). ويجوز فيه القصر (الزنى) وهي لغة الحجاز وبها جاء القرآن، ويجوز المدُّ (الزناء) وهي لغة نجد، وقيل: تميم (٤). وقد اختلف أهل العلم في تعريفه شرعًا لاختلافهم في جملة من أحكامه: فعرَّف الحنفيَّة الزنى بأنه: «وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك، وشبهة الملك» (٥). وعرَّفه المالكيَّة بأنه: «مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حله عمدًا» (٦). وعرَّفه الشافعيَّة بأنه: «إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خالٍ عن الشبهة مشتهى» (٧).

стр. 590

وعرَّفه الحنابلة بأنه: «فعل الفاحشة في قبل أو دبر» (١). وحدُّ الزنى مجمع عليه بين العلماء كما سيأتي، ولكن الحدود -ومنها حد الزنى- تدرأ بالشبهات، وأصل ذلك حديث عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» أخرجه الترمذي (٢). ولذا لما ذكر السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر (أربعين قاعدة يتخرَّج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية) ذكر قاعدة: (الحدودُ تسقط بالشُّبهات) (٣). ولكن وقع الخلاف الشديد في الشُّبه التي يدرأ فيها الحدّ، وكُتبَ في ذلك عدَّة

стр. 591

أبحاث، منها في عموم الحدود: (درء الحدود بالشبهات في الشريعة الإسلامية) (١)، و (الشبهات وأثرها في العقوبة الجنائية في الفقه الإسلام مقارنًا بالقانون) (٢)، وفي خصوص حدِّ الزنى: (الشبهات الدارئة لحدِّ الزِّنى في الشَّريعة الإسلامية) (٣). وبالجملة فقد اختلف أهل العلم في جملة وافرة من المسائل في باب الزنى (٤)، وسيأتي بيان كثير من ذلك -إن شاء الله- في هذا المبحث، وأنبِّه إلى أنَّ محلَّ سعة المذاهب وضيقها في هذا الباب هو في درء الحد. والمسائل الداخلة في هذا الباب: الحد في اللواط، وحكم من استأجر امرأة ليزني بها، وحكم التقادم في درء الحد، وعدد الإقرار في حد الزنى، وهل يكون في مجلس أو مجالس؟ وحكم إقرار الأخرس بالزنى، وحكم الشهادة على الشهادة في الزنى، ونحو ذلك من المسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب (٥). أجمع العلماء ﵏ على تحريم الزنى وأنه من الكبائر (٦)، وأجمعوا على أن من

стр. 592

وطء امرأة بالغة في قبلها من غير نكاح أو ملك يمين أو شبهة أن عليه الحد (١)، وأن الحد يجب بتغييب الحشفة ولو لم ينزل أو يدخل بقية الذكر (٢)، وأجمعوا على أن الحدود تدرأ بالشبهات في الجملة (٣)، وأنَّ من وطئ زوجته أو ذات يمين في حال محرَّم كالإحرام أو في الحيض أو في الدبر أنه آثم ولكنه ليس بزانٍ (٤)، وأجمعوا على أن المكرهة على الزنى لا حدَّ عليها (٥)، وأجمعوا على أنه لا حد على من لم يعلم بتحريم الزنى لكونه حديث عهد بإسلام أو نشأ في بادية بعيدة (٦)، وأن من علم التحريم وجهل الحد فإنه يحد (٧)، وأجمعوا على أن من شرط شهود الزنى أن يكونوا أربعة من الرجال عدولًا ظاهرًا وباطنًا (٨)، وأن من شرط الشهادة وصف الفعل صراحة بأن يشهدوا (أنهم رأوا ذكر الرجل في قُبُل المرأة) (٩)، وأنَّ حدَّ الزنى يثبت بالإقرار (١٠)، وأنَّ من شرط الإقرار أن يكون صريحًا (١١)، وأجمعوا على أنَّ عقوبة الزاني المحصن هي الرجم (١٢)،

стр. 593

وأنَّ عقوبة غير المحصن الجلد مئة جلدة (١). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على أنَّ وطء الأب جارية الابن شبهة يدرأ بها الحد (٢)، واتفقوا على أنه لا حد في المساحقة بين المرأتين (٣)، وأنه لا حد في إتيان البهيمة (٤)، وأنه لا حد في وطء الأمة المشتركة (٥)، وأنه لا حد في النكاح المختلف فيه كنكاح المتعة والنكاح بلا ولي أو بلا شهود (٦)، واتفقوا على أن من شرط الشهود في حد الزنى أن يكونوا أحرارًا (٧)، وأنه لا يجمع بين الجلد والرجم للمحصن في حد الزنى (٨).

стр. 594

المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب حد الزنى، ومن رؤوس هذه المسائل: الحد في اللِّواط، والحد فيمن استأجر امرأة ليزني بها، وسقوط الشهادة بالتقادم في حدِّ الزنى (١). الفرع الأول: حكم الحد في اللواط (٢). تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أنَّ «وطء الرجلِ الرجلَ جرمٌ عظيم» (٣)، ولكن اختلفوا هل يجب فيه حدٌّ أم لا؟ الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: لا حدَّ في اللواط وفيه التَّعزير، وهو مذهب الحنفيَّة (٤). القول الثاني: فيه الحد وهو حدُّ الزنى، وهو مذهب الشافعيَّة والحنابلة (٥).

стр. 595

القول الثالث: فيه الحد وهو الرجم بكل حال، وهو مذهب المالكيَّة (١). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بأنَّ اللوطي لا يحدُّ، وهم الحنفيَّة، وقد استدلُّوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. ووجه الدلالة في الآية: أنَّ الله أوجب على الرجلين الفاعلين الفاحشة الأذى، وهذا دليل على نفي وجوب الحد (٢). الدليل الثاني: أن الصَّحابة ﵃ اختلفوا في عقوبة اللُّوطي، ولو كان حدًّا مأثورًا عن النبي ﷺ لما اختلفوا في ذلك (٣). الدليل الثالث: أنَّ اللِّواط ليس بزنى؛ لأن الزنى اسم للوطء في قبل المرأة، ولذا يفرّق بينهما بالقول: (لاطَ وما زنى) (٤)، وكذلك فرَّق بينهما أهل اللغة؛ ولذا يقول الشاعر: مِن كَفِّ ذاتِ حِرٍ في زِيِّ ذِي ذَكَرٍ … لها مُحِبَّانِ لُوطِيٌّ وزَنَّاءُ (٥)

стр. 596

الدليل الرابع: أنه لو قيل بوجوب الحد في اللِّواط لكان ذلك من قبيل القياس في الحدود؛ لأنَّ اللواط مقيس على الزنى، والقياس لا يجري في الحدود (١). الفرع الثاني: حكم الحد فيمن استأجر امرأة ليزني بها. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أن من استأجر امرأة لتطبخ له أو تخدمه فزنى بها أنَّ عليه الحد (٢)، ولكن اختلفوا فيمن استأجر امرأة لأجل الزنى -كأن يقول لها: استأجرتك للزنى، أو قال: خذي هذا المال لأزني بك، أو قال: مكنيني بكذا- (٣) هل يحدُّ أم لا؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: أنَّه لا يحدُّ في ذلك، وهو مذهب الحنفيَّة (٤). القول الثاني: أنَّ عليه الحدَّ، وهو مذهب الجمهور (٥).

стр. 597

وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بأنَّه لا يحدُّ، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه «أُتِيَ بِامْرَأَةٍ لَقِيهَا رَاعٍ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ عَطْشَى، فَاسْتَسْقَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إِلَّا أَنْ تَتْرُكَهُ فَيَقَعَ بِهَا، فَنَاشَدَتْهُ بِاللهِ فَأَبَى، فَلَمَّا بَلَغَتْ جَهْدَهَا أَمْكَنَتْهُ، فَدَرَأَ عَنْهَا عُمَرُ الْحَدَّ بِالضَّرُورَةِ» أخرجه عبد الرزاق (١). وفي لفظ رواه أبو الطفيل ﵁ قال: «أَنَّ امْرَأَةً أَصَابَهَا جُوعٌ، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَسَأَلَتْهُ الطَّعَامَ، فَأَبَى عَلَيْهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ نَفْسَهَا، قَالَتْ: فَحَثَا لِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ تَمْرٍ، وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ جُهِدَتْ مِنَ الْجُوعِ، فَأَخْبَرَتْ عُمَرَ فَكَبَّرَ، وَقَالَ: (مَهْرٌ مَهْرٌ مَهْرٌ، كُلُّ حَفْنَةٍ مَهْرٌ). وَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ» أخرجه عبد الرزاق (٢). ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ إنَّما درأ عن المرأة الحد لا لأجل الضرورة، وإنما لأجل ما أعطاها من المال، ولذا سماه عمر مهرًا، والمهر يكون في باب النكاح، فصارت تلك شبهة يدرأ بها الحد (٣).

стр. 598

الدليل الثاني: أنَّ من استأجر امرأة لأجل الزنى قد عقد على بضعها عقدًا مقتضاه التمليك، فصار كنكاح المتعة، وهذه شبهة يدرأ بها الحد (١). الدليل الثالث: أنَّ أهل اللغة لا يسمون الوطء الذي يترتب على العقد زنى، وهم لا يفصلون بين الزنى وغيره إلا بالعقد، «فكذلك لا يفصلون بين الاستئجار والنكاح؛ لأن الفرق بينهما شرعي، وأهل اللغة لا يعرفون ذلك فعرفنا أنَّ هذا الفعل ليس بزنى لغًة، وذلك شبهة في المنع من وجوب الحد (٢). الفرع الثالث: سقوط الشهادة بالتَّقادم في حد الزنى. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين أهل العلم أن حدَّ الزنى يقام إن شهد عليه أربعة شهود ولم يتأخروا في أداء الشهادة، ولكن اختلفوا إن تأخَّروا في أداء الشهادة -وهو ما يعرف بالتَّقادم- هل يقام بتلك الشهادة الحدُّ أم لا؟ قولان في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة الموسِّع في المسألة: القول الأول: أنَّ الشهادة تسقط بالتقادم، والتقادم في الزِّنى: (شهر)، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).

стр. 599

القول الثاني: عدم سقوط الحدِّ بالتَّقادم، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فإن أوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بسقوط الحدِّ بالتقادم، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ عَلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَنْ ضِغْنٍ» أخرجه عبد الرزاق (٢).

стр. 600

ووجه الدلالة: أن هذا الأثر إما أن يكون مشتهرًا بين الصحابة ﵃ ولم يخالفه غيره فهذا إجماع، وإما أن يكون غير مشتهر فهو قول صحابي لم يخالف غيره من الصحابة فكان أولى من القياس (١). الدليل الثاني: أنَّ الشاهد في الزنى مخير بين أن يحتسب الأجر في الشهادة، أو يحتسب الأجر في الستر، «فالتَّأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حرَّكته فَيُتَّهم فيها، وإن كان التأخير لا للستر يصير فاسقًا آثمًا؛ فتيقنا بالمانع» (٢)، وهذه شبهة يدرأ بها الحد (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في درء حد الزنى في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى بشِدَّة، وذلك: • أن الحنفيَّة قالوا: إذا أقرَّ الرّجل أنه زنى بامرأة بعينها وأنكرت المرأة، أو عكس ذلك بأن تقر المرأة وينكر الرجل لم يحد الرجل ولا المرأة (٤)، وقال
следующие страницы →