← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الدليل الرابع: أنه لو قيل بوجوب الحد في اللِّواط لكان ذلك من قبيل القياس في الحدود؛ لأنَّ اللواط مقيس على الزنى، والقياس لا يجري في الحدود (١). الفرع الثاني: حكم الحد فيمن استأجر امرأة ليزني بها. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أن من استأجر امرأة لتطبخ له أو تخدمه فزنى بها أنَّ عليه الحد (٢)، ولكن اختلفوا فيمن استأجر امرأة لأجل الزنى -كأن يقول لها: استأجرتك للزنى، أو قال: خذي هذا المال لأزني بك، أو قال: مكنيني بكذا- (٣) هل يحدُّ أم لا؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: أنَّه لا يحدُّ في ذلك، وهو مذهب الحنفيَّة (٤). القول الثاني: أنَّ عليه الحدَّ، وهو مذهب الجمهور (٥).

стр. 597

وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بأنَّه لا يحدُّ، وهم الحنفيَّة كذلك، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه «أُتِيَ بِامْرَأَةٍ لَقِيهَا رَاعٍ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ عَطْشَى، فَاسْتَسْقَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إِلَّا أَنْ تَتْرُكَهُ فَيَقَعَ بِهَا، فَنَاشَدَتْهُ بِاللهِ فَأَبَى، فَلَمَّا بَلَغَتْ جَهْدَهَا أَمْكَنَتْهُ، فَدَرَأَ عَنْهَا عُمَرُ الْحَدَّ بِالضَّرُورَةِ» أخرجه عبد الرزاق (١). وفي لفظ رواه أبو الطفيل ﵁ قال: «أَنَّ امْرَأَةً أَصَابَهَا جُوعٌ، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَسَأَلَتْهُ الطَّعَامَ، فَأَبَى عَلَيْهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ نَفْسَهَا، قَالَتْ: فَحَثَا لِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ تَمْرٍ، وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ جُهِدَتْ مِنَ الْجُوعِ، فَأَخْبَرَتْ عُمَرَ فَكَبَّرَ، وَقَالَ: (مَهْرٌ مَهْرٌ مَهْرٌ، كُلُّ حَفْنَةٍ مَهْرٌ). وَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ» أخرجه عبد الرزاق (٢). ووجه الدلالة: أن عمر ﵁ إنَّما درأ عن المرأة الحد لا لأجل الضرورة، وإنما لأجل ما أعطاها من المال، ولذا سماه عمر مهرًا، والمهر يكون في باب النكاح، فصارت تلك شبهة يدرأ بها الحد (٣).

стр. 598

الدليل الثاني: أنَّ من استأجر امرأة لأجل الزنى قد عقد على بضعها عقدًا مقتضاه التمليك، فصار كنكاح المتعة، وهذه شبهة يدرأ بها الحد (١). الدليل الثالث: أنَّ أهل اللغة لا يسمون الوطء الذي يترتب على العقد زنى، وهم لا يفصلون بين الزنى وغيره إلا بالعقد، «فكذلك لا يفصلون بين الاستئجار والنكاح؛ لأن الفرق بينهما شرعي، وأهل اللغة لا يعرفون ذلك فعرفنا أنَّ هذا الفعل ليس بزنى لغًة، وذلك شبهة في المنع من وجوب الحد (٢). الفرع الثالث: سقوط الشهادة بالتَّقادم في حد الزنى. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين أهل العلم أن حدَّ الزنى يقام إن شهد عليه أربعة شهود ولم يتأخروا في أداء الشهادة، ولكن اختلفوا إن تأخَّروا في أداء الشهادة -وهو ما يعرف بالتَّقادم- هل يقام بتلك الشهادة الحدُّ أم لا؟ قولان في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة الموسِّع في المسألة: القول الأول: أنَّ الشهادة تسقط بالتقادم، والتقادم في الزِّنى: (شهر)، وهو مذهب الحنفيَّة (٣).

стр. 599

القول الثاني: عدم سقوط الحدِّ بالتَّقادم، وهو مذهب الجمهور (١). وعليه فإن أوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بسقوط الحدِّ بالتقادم، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين: الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ عَلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَنْ ضِغْنٍ» أخرجه عبد الرزاق (٢).

стр. 600

ووجه الدلالة: أن هذا الأثر إما أن يكون مشتهرًا بين الصحابة ﵃ ولم يخالفه غيره فهذا إجماع، وإما أن يكون غير مشتهر فهو قول صحابي لم يخالف غيره من الصحابة فكان أولى من القياس (١). الدليل الثاني: أنَّ الشاهد في الزنى مخير بين أن يحتسب الأجر في الشهادة، أو يحتسب الأجر في الستر، «فالتَّأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعد ذلك لضغينة هيجته أو لعداوة حرَّكته فَيُتَّهم فيها، وإن كان التأخير لا للستر يصير فاسقًا آثمًا؛ فتيقنا بالمانع» (٢)، وهذه شبهة يدرأ بها الحد (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في درء حد الزنى في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في الباب يظهر ما يؤيد هذا المعنى بشِدَّة، وذلك: • أن الحنفيَّة قالوا: إذا أقرَّ الرّجل أنه زنى بامرأة بعينها وأنكرت المرأة، أو عكس ذلك بأن تقر المرأة وينكر الرجل لم يحد الرجل ولا المرأة (٤)، وقال

стр. 601

الجمهور: على من أقر منهما الحد (١). • وقال الحنفيَّة: لا يقبل الإقرار في الزنى إلا أربع مرات في أربعة مجالس (٢)، وقال الحنابلة: يشترط في الإقرار أن يكون أربع مرات، ويصح ولو كان في مجلس واحد (٣)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يصح الإقرار في الزنى مرة واحدة (٤). • وقال الحنفيَّة: إذا شهدت البينة بزنى فصدّقهم ولم يقر أربع مرات فلا حدَّ عليه (٥)، وقال الجمهور: عليه الحد (٦).

стр. 602

• وقال الحنفيَّة: إذا مكَّنت المكلَّفة غير المكلَّف -كالمجنون والصبي- من الزنى بها فلا حد عليهما جميعًا (١)، وقال المالكيَّة: يجب الحد على المكلفة في وطء المجنون دون الصبي (٢)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: على المكلفة الحد (٣). • وقال الحنفيَّة: إذا ثبت زنى المحصن بالبينة وجب على الشهود حضور الرجم والبداءة به، وإذا ثبت بالإقرار وجب على الإمام البداءة به (٤)، وقال الجمهور: بداءة الشهود أو الإمام غير واجبة (٥). • بل قال الحنفيَّة: لو مات بعض الشهود أو غابوا أو خرجوا عن أهليَّة الشهادة بعمى أو خرس أو فسق قبل إقامة الرجم سقط (٦).

стр. 603

• وقال الحنفيَّة: لا يثبت حد الزنى بإقرار الأخرس ولو كانت إشارته مفهومة (١)، وقال الجمهور: يصحُّ إقراره بالإشارة المفهومة (٢). • بل قال الحنفيَّة: لو أقر رجل أنَّه زنى بامرأة خرساء، أو أقرَّت امرأة أن رجلًا أخرس زنى بها فلا حدَّ مطلقًا (٣). • وقال الحنفيَّة: إذا زنى الإمام الأعظم الذي ليس فوقه إمام فلا حدَّ عليه (٤)، وقال الجمهور: عليه الحد (٥).

стр. 604

• وقال الحنفيَّة: من زنى في دار الحرب أو في دار البغي فإنه لا يحد مطلقًا (١)، وقال الحنابلة: يحد إذا رجع إلى دار الإسلام (٢)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يحد في دار الحرب إن أمنت الفتنة (٣). • بل قال الحنفيَّة: المسلم إذا زنى ثم ارتد -عياذًا بالله- ولحق بدار الحرب ثم رجع مسلمًا فإن الحد يسقط عنه (٤). • وقال الحنفيَّة: وطء الأجنبية في الموضع المكروه -وهو الدبر- لا حد فيه (٥)، وقال الجمهور: فيه حد الزنى (٦). • وقال الحنفيَّة: لو عقد على امرأة عقدًا مجمعًا على تحريمه؛ كامرأة خامسة، أو على ذات محرم، أو على أختين معا فحصل الوطءُ لم يحد (٧)، وقال

стр. 605

الجمهور: يجب الحد إن لم يكن جاهلًا (١). • بل قال الحنفيَّة: لا يُحد من عقد على امرأة متزوجة ثم زنى بها (٢). • وقال الحنفيَّة: لا يقيم السيد على عبيده الحدود إلا بإذن الإمام (٣)، وقال الجمهور: يقيم السيد على عبده الحد في الجملة (٤). • وقال الحنفيَّة: لو وطئ الابن جارية أبيه ظانًّا الحلَّ فلا حد عليه (٥)، وقال الجمهور: هو كالأجنبي وعليه الحد (٦). • وقال الحنفيَّة: لو وطئ المرتهن الأمة المرهونة ظانًّا الحل فلا حدَّ عليه (٧)،

стр. 606

وقال الجمهور: عليه الحد إلا أن يكون قد أذن له الراهن (١). • وقال الحنفيَّة: لو وطئ الزوج أمة زوجته ظانًّا الحل فإنه لا يحد (٢)، وقال الحنابلة: إذا أحلت المرأة جاريتها لزوجها فوطئها فلا حد عليه ويجلد مئة جلدة (٣)، وقال المالكيَّة: إن أحلتها له فعليه التعزير، وإلا فعليه الحد (٤)، وقال الشافعيَّة: عليه الحد (٥). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: لو ادعى الزاني أنَّ المرأة زوجته سقط الحدُّ بلا بينة (٦)، وقال المالكيَّة والحنابلة: إن شهد عليهما بالزنى فدعوى الزوجية

стр. 607

لا تسقط الحد إلا أن يأتيا ببينة (١). • بل قال الحنفيَّة: من زنى بامرأة فقال: اشتريتها، فإنَّه لا يحد ولو كانت حرَّة (٢). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: لا حد على الرجل إن أكره على الزنى (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يحد (٤). فهذه إحدى وعشرون مسألة تبيِّن سعة الحنفيَّة في درء حدِّ الزنى، ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يميل الناظر إلى أنَّ المالكيَّة على الضد من الحنفيَّة؛ وذلك أنهم انفردوا فقالوا بوجوب الحد دون غيرهم من المذاهب في جملة من المسائل، من ذلك: • أنهم قالوا: ظهور الحمل في غير المتزوجة يوجب الحد (٥)، وقال الجمهور: لا تحد المرأة بالحمل (٦).

стр. 608

• وقال المالكيَّة: الشهادة على الشهادة تقبل في الزنى وفي الحدود عمومًا (١)، وقال الجمهور: لا تقبل الشهادة على الشهادة في الحدود (٢). • وقال المالكيَّة: إذا قامت البينة على امرأة بالزنى فإنها تحدُّ ولو شهد أربع نسوة على بكارتها أو رتقها (٣)، وقال الجمهور: إن شهد لها النساء بالبكارة فلا حد (٤). • وقال المالكيَّة: من وطئ أمة من الغنائم قبل القسمة فإنه يحد (٥)، وقال الجمهور: لا يحد (٦).

стр. 609

• وقال المالكيَّة: من زنى بامرأة ميتة فعليه الحد (١)، وقال الجمهور: لا حد عليه (٢). وثمة تقرير لابن تيمية ﵀ أختم به هذا الفرع، وذلك أنه ذكر أن مذهب مالك «من أبلغ المذاهب إقامةً للحدود» (٣). المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في درء الحد في باب الزنى، إلا أنه من خلال النظر في كتب المذاهب المعتنية بالخلاف العالي تبيَّن للباحث وجود مسألتين خرجتا من حيث النظر العام عن سعتهم في الباب، وهما: الرجل يطأ الأجنبية يجدها على فراشه وهو يظنها زوجته، واختلاف شهود الزنى في تعيين زاويته في البيت (٤). الفرع الأول: وطء المرأة في الفراش يحسِبها الرجل زوجته. اختلف العلماء في الرجل يجامع أجنبية وجدها على فراشه وهو يظنها امرأته،

стр. 610

هل يجب بذلك الحدُّ أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة. القول الأول: أنَّ هذا من الشُّبه التي يدرأ بها الحد، وهو مذهب الجمهور (١). القول الثاني: وجوب الحد إلا في الأعمى يدعو امرأته فتجيبه الأجنبية بقولها: (أنا امرأتك، أو أنا فلانة)، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). والمتأمل في هذا الفرع يجد أنَّ المسألة جرت على خلاف ما تقرَّر من سعة الحنفيَّة في درء حد الزنى، واستدل الحنفيَّة على وجوب الحد بدليلين: الدليل الأول: عن أبي روح شبيب الشامي ﵀ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُوَاعِدُ امْرَأَةً فِي مَكَانٍ يَأْتِيهَا فِيهِ، فَعَلِمَتْ بِذَلِكَ امْرَأَةٌ، فَجَلَسَتْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَصَابَ مِنْهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ نَظَرَ فَإِذَا هِيَ لَيْسَ بِجَارِيَتِهِ، فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ ﵄ فَقَالَ عَلِيٌّ: اضْرِبِ الرَّجُلَ الْحَدَّ فِي السِّرِّ، وَاضْرِبِ الْحَدَّ الْمَرْأَةَ فِي الْعَلَانِيَةِ» أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة (٣).

стр. 611

ووجه الدلالة من الأثر ظاهر. الدليل الثاني: عدم وجود الشبهة؛ وذلك لأمرين: الأول: أنه يقدر على مشاهدة المرأة أو سؤالها، «ومن رجع إلى الظن وهو يقدر على المشاهدة والسماع لم يعتد بظنه، كمن اجتهد في القبلة وبحضرته من يسأله عنها» (١). والثاني: أنَّ مجرد وجود المرأة على فراشه لا اشتباه فيه بعد طول الصحبة، وهذا لأنَّه قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التي في بيتها، فلم يكن الظن حينها مستندًا إلى دليل (٢). الفرع الثاني: الاختلاف بين شهود الزنى في تحديد زاويته في البيت. تحرير محل النزاع: اتفقت المذاهب على أن شهود الزنى إذا اختلفوا في تعيين الزاوية في البيت الواسع أن شهادتهم مردودة (٣)، ولكن اختلفوا فيما إذا كان الزنى في البيت الضيق جدًّا واختلفت الشهادة، وذلك بأن عيَّن بعضهم زاوية، وعين بعضهم زاوية أخرى، هل تقبل بذلك شهادتهم ويقام على الزاني الحد أم لا، قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة. القول الأول: عدم ثبوت الحد عند الاختلاف مطلقًا، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة (٤).

стр. 612

القول الثاني: ثبوت الحد بهذه الشهادة، وهو مذهب الحنفيَّة والحنابلة (١). ويظهر هنا أيضًا أنَّ الحنفيَّة صاروا إلى قول أضيق من قول المالكيَّة والشافعيَّة، وهو جارٍ على خلاف ما تقرر من سعتهم في الباب، واستدلوا على هذا القول بأنه يمكن حمل الشهادة على الصحة؛ وذلك لجواز أن يكون ابتداء الفعل وقع في زاوية من البيت، وانتهاؤه وقع في زاوية أخرى منه، وهذا على وجه الاستحسان، وإلا فالقياس لا يقتضيه (٢). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال المسائل المتقدمة يظهر بجلاء سعة الحنفيَّة في درء حدِّ الزنى دون غيرهم من المذاهب، وعند النظر في أدلة المسائل المختلف فيها يمكن القول: إن عامة المسائل يمكن ردها إلى سبب واحد، وهو أن الحنفيَّة توسعوا في معنى الشبه التي يدرأ بها حد الزنى دون غيرهم من المذاهب (٣)، فجعلوا جملة من الأحوال شبهة يدرأ بها الحد، ونازع في ذلك الجمهور فلم يروها شبهة تنهض لدرء الحد.

стр. 613

وقد نصَّ على هذا السبب عامة علماء المذاهب: فمن الحنفيَّة: يقول السرخسي ﵀: إن الأخرس لا يحدُّ بالإقرار؛ «لأنه لو كان ناطقًا ربما يدعي شبهة تدرأ الحد وليس كل ما يكون في نفسه يقدر على إظهاره بالإشارة، فلو أقمنا عليه كان إقامة الحد مع تمكن الشبهة» (١). ولما قرر السرخسي أن الحد يدرأ بدعوى الرجل أو المرأة النكاح ذكر دليل الجمهور بأن «كل زانٍ لا يعجز عن دعوى نكاح صحيح أو فاسد فلو أسقطنا الحد بمجرد الدعوى لا نسد باب إقامة الحد»، ثم قال: «ولكنا نقول كما أمرنا بإقامة الحدود فقد أمرنا بدرئها بالشبهة» (٢). واستدل الزمخشري ﵀ على سقوط الحد في نكاح المحارم حتى لو علم التحريم بأن «العقد وإن كان لا ينعقد على المحرم، ولكن وجد صورة العقد، فصار شبهة في سقوط الحد، والحد مما يدرأ بالشبهات» (٣). واستدلَّ ابن الهمام ﵀ على عدم الحد في المستأجرة للزنى فقال: «المستوفى بالزنى المنفعة وهي المعقود عليه في الإجارة لكنه في حكم العين، فبالنظر إلى الحقيقة تكون محلًّا لعقد الإجارة فأورث شبهة» (٤)، وبيَّن أيضًا أن الرجم يسقط

стр. 614

بعدم بداءة الشهود به؛ لأن الحد يدرأ بالشبهة (١). وقال زين الدين ابن نجيم ﵀: «الزاني لو ادَّعى أنها زوجته سقط الحد عنه، وإن كانت زوجة للغير ولا يكلف إقامة البينة للشُّبهة» (٢). والملاحظ أن المسائل تختلف، إلا أنَّ معنى الشبهة قائم في كلِّ ما تقدم من المسائل عند الحنفيَّة، بل إن الحنفيَّة لعظيم أمر الشبهة عندهم أفردوا لها بابًا مستقلًّا، وهو باب (باب الوطء الذي يوجب الحد والذي لا يوجبه) (٣). ومن المالكيَّة يقول الفندلاوي ﵀ في معرض جوابه على الحنفيَّة في مسألة من استأجر امرأة ليزني بها: «ادعاؤهم شبه العقد باطل؛ لأن العقد إذا لم يصادف محله لا يكون شبهة» (٤). وقال في نكاح المحارم: «ادِّعاء الشبهة في وطئهن مع العلم بالتحريم لأنه قارنه عقد نكاح محال؛ لأنه عقد باطل، وهوس حاصل، وهذيان وخذلان، فوجود ذلك العقد وعدمه سواء؛ لأن دليل الشرع قد دل على أن ذوات المحارم ليس هن محلًّا للنكاح من حرمن عليه، فإذا ثبت هذا فادعاؤهم الشُّبهة باطل» (٥). وتقدَّم أنَّ المالكيَّة انفردوا بقبول الشهادة على الشهادة في الحدود عمومًا، وذكر القرافي ﵀ دليل الجمهور وهو أن «الحدود تسقط بالشبهة، وتوهُّم الغلط في

стр. 615

الفرع مع الأصل شبهة معتبرة» (١)، ثم أجاب عن ذلك بقوله: «هذا الاحتمال شبهة متنازع فيها فنحن نمنعها، والشبهة ثلاثة أقسام: مجمع على اعتبارها، وعلى إلغائها، ومختلف فيها، فلا ينتفع الخصم إلا بالمجمع على اعتباره» (٢)، فنجد أن القرافي منع وجود الشبهة في الفرع المختلف فيه. ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀ في مسألة درء الحد بنكاح المحارم: «فإن قيل: العقد شبهة، قيل: الشبهة ما اشتبه حكمه بالاختلاف في إباحته كنكاح المتعة، وهذا غير مشتبه للنص على تحريمه فلم يكن شبهة» (٣). وقال في جوابه على قول أبي حنيفة ﵀ في مسألة وطء المرتهن: «قوله بأن الرهن شبهة فغلط؛ لأن الشبهة المسقطة للحد إما أن تكون شبهة عقد كالنكاح بلا ولي ولا شهود، أو شبهة ملك كالأمة بين الشريكين، أو شبهة في الفعل كمن وجد على فراشه امرأة فظنها زوجته أو يكون جاهلًا بالتحريم. وليس الرهن واحدًا من هذه فلم تكن شبهة في إسقاط الحد» (٤). وقال أبو المعالي الجويني ﵀ بعد أن قرَّر الشبه التي يدرأ بها الحد عند الشافعيَّة: «وأما أبو حنيفة فقد أتى بمناقضات بادية، وزعم أن كل ما يؤتى به على صيغة العقد دارئ للحد، وإن أجمع المسلمون على بطلانه، فقال: نكاح الأم يدرأ الحد عن الابن الذي يأتيها، وإن كان هذا على رتبة العقود الباطلة. ولو اشترى حرة ووطئها حدَّ، ولو استأجر امرأة على الزنى، أو أباحت نفسها، أو جاريتها حدَّ. وأبو حنيفة قال: لا يحد، وأقام الاستئجار على الزنى دافعًا للحد، ثم اكتفى بالمعاطاة، وقال:

стр. 616

لا حد على المرأة إذا مكنت مجنونًا، وعلى العاقل الحد إذا زنى بمجنونة، ولا حد عليه بخرساء في أمور لا يحويها ضبط، وليست من غرضنا» (١). ومن الحنابلة يظهر ابن قدامة ﵀ مثالًا واضحًا في منعه وجود الشبهة في محالِّ النزاع، من ذلك أنه قال في قول الحنفيَّة إن استئجار المرأة على الزنى شبهة من جهة ملكه منفعتها: «ليس بصحيح، فإنه إذا لم يسقط عنه الحد ببذلها نفسها له، ومطاوعتها إياه، فلأن لا يسقط بملكه نفع محل آخر أولى» (٢). وقال في مسألة اشتراط حضور شهود الزنى الرجم والبداءة به: «لا نسلم أن تخلفهم عن الحضور، ولا امتناعهم من البداءة بالرجم، شبهة» (٣). وقال في العقد على المحارم: «صورة المبيح إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة، والعقد هاهنا باطل محرم، وفعله جناية تقتضي العقوبة، انضمت إلى الزنى، فلم تكن شبهة» (٤). وقال في مسألة سقوط الحد بالتقادم: «الحد لا يسقط بمطلق الاحتمال، فإنه لو سقط بكل احتمال، لم يجب حد أصلًا» (٥). وأنبِّه في ختام المطلب إلى أنَّ هذا السبب يرجع إليه عامَّة المسائل في الباب، وإن كان ثمة مسائل لها أسباب أخرى مثل مسألة (عدم الحد في اللواط)، فهي عند الحنفيَّة راجعة إلى عدم دخولها في معنى الزنى، ثم القياس لا يجري عندهم في الحدود، وقد تقدَّم الكلام على ذلك. وخلاصةُ الباب: • أنّ الحنفيَّة توسَّعوا في معنى الشبهة الدارئة للحد في باب الزنى، فنتج عن ذلك سعتهم في درء حد الزنى.

стр. 617

• وأمَّا الجمهور فلم يسلموا لهم معنى الشبهة في كثير من محال النزاع، وقالوا بوجوب الحد تمسُّكًا بأصل وجوبه، فصار مذهبهم بذلك أضيق، والله تعالى أعلم وأحكم. * * *

стр. 618

المبحث الرابع: اتساع المذاهب وضيقها في باب حد السرقة تمهيد: يذكر العلماء ﵏ في أثناء كلامهم على الحدود حد السرقة، ويفردون لذلك كتابًا أو بابًا يسمونه (كتاب السرقة) أو (كتاب القطع في السرقة) (١)؛ وهذا لعظيم أمر السرقة وكثرة مسائلها (٢). وقطع يد السارق جاء بيانه في القرآن والسنة والإجماع، فأمَّا القرآن فقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].، وأمَّا السنة فروت عائشة ﵂ أنَّ النبي ﷺ قال: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» متفق عليه (٣)، وقطع النبي ﷺ يد المرأة المخزوميَّة، وقال:

стр. 619

«إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» متفق عليه (١). وأمَّا الإجماع فقد حكى جمع من العلماء وجوب قطع يد السارق في الجملة (٢). والسَّرِقة -وهي بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح السين (سَرْقة)، ويجوز كسر السين (سِرْقة) (٣) - في اللغة: أخذ الشيء على وجه الخفاء والستر، ومن ذلك قولهم: (استرق السمع) (٤)، ويسمى المسروق (سرقة) وهو تسمية الشيء بالمصدر، وهذا على المجاز (٥). وأمّا في الشرع فإن السَّرِقة تُعرَّف باعتبار التحريم، وباعتبار وجوب الحد: فأمَّا الاعتبار الأول -وهو اعتبار التحريم- فهي: أخذ الشيء خفية بغير حق، نصابًا كان أم لا (٦).

стр. 620

وأمَّا الاعتبار الثاني -وهو وجوب الحد- فقد اختلفت المذاهب في تعريفها: فعرَّفها الحنفيَّة بأنها: «أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ» (١). وعرَّفها المالكيَّة بأنها: «أخذ مكلف حرا لا يعقل لصغره، أو مالا محترما لغيره، نصابا، أخرجه من حرزه بقصد واحد، خفية، لا شبهة له فيه» (٢). وعرَّفها الشافعيَّة بأنها: أخذ المال خفية ظلمًا من حرز مثله بشروط (٣). وعرَّفها الحنابلة بأنها: «أخذ مال محترم لغيره، وإخراجه من حرز مثله، لا شبهة فيه على وجه الاختفاء» (٤). وقد أفرد الكلام على أحكام السرقة جملة من المعاصرين، من ذلك: حد السرقة في الإسلام (٥)، وأحكام السرقة في الشرع الإسلامي (٦)، وحد السرقة في الشريعة الإسلامية (٧). وتكلم د. عبد العزيز المقحم -حفظه الله- على مسقطات حدِّ السرقة

стр. 621

في الإسلام (١)، وقريب من ذلك: الشبهة في حدي الزنى والسرقة (٢). والكلام في الاتساع والضيق في حدِّ السرقة مماثل لما تقدَّم في حد الزنى؛ إذ الكلام في الاتساع والضيق إنما هو في درئه. ومما يدخل من المسائل في الباب: حكم القطع في سرقة ما يسرع إليه الفساد، والقطع فيما كان أصله مباحًا، والقطع في السرقة من الوالدين، والقطع في السرقة من الأقارب، والقطع في سرقة أحد الزوجين من الآخر، والقطع في سرقة كتب العلم، وحكم القطع إذا ملك السارق المال المسروق بعد الرفع إلى الحاكم، ونحو ذلك من المسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب (٣): أجمع العلماء ﵏ على وجوب قطع يد السارق في الجملة (٤)، وأجمعوا على أن حد السرقة يثبت بشاهدين عدلين مسلمين حرين إذا وصفا السرقة وصفًا يجب به القطع (٥)، وأجمعوا على أن حد السرقة يثبت بالإقرار (٦)، وأنَّ حد السرقة إذا ثبت

стр. 622

ببينة أو إقرار لا يجوز تعطيله بالعفو ولا بالصلح (١)، وأنه إذا ثبت لا يسقط بالتوبة (٢)، وأجمعوا على أنه يجب على السارق رد العين المسروقة إذا كانت موجودة بعينها ولم تتغير (٣)، وأنه من سرق سرقة ثم سقط عنه القطع فإن الغرم واجب عليه (٤). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على أن الحرز شرط في حد السرقة (٥)، وأن النصاب شرط في حد السرقة أيضًا (٦)، وأن السارق تقطع يده اليمنى في السرقة الأولى وجوبًا (٧)، وأن القطع في اليد يكون من مفصل الكف (٨)، وأن السارق تقطع رجله اليسرى في السرقة الثانية (٩)،

стр. 623

وأن القطع في الرجل يكون من مفصل الكعب (١)، وأن حد السرقة يتداخل فلو سرق مرارًا أجزأ عن ذلك حد واحد (٢)، وأنه لا قطع في عام المجاعة في الجملة (٣)، وأنه لا يُقطَع الوالد بالسرقة من مال ولده (٤)، ولا العبد بالسرقة من مال سيده (٥)، وأنه لا قطع في سرقة الثمر المعلَّق (٦)،

стр. 624

وأنَّ السارق لا يقتل في المرة الخامسة (١)، وأنه لا قطع في الخيانة والنهب والاختلاس (٢). المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب السرقة، ومن رؤوس هذه المسائل: حكم القطع في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، وحكم القطع فيما كان أصله مباحًا، وحكم القطع في النباش (٣).

стр. 625

الفرع الأول: القطع في سرقة ما يتسارع إليه الفساد. تحرير محل النزاع: أجمع العلماء -كما تقدم- على أصل حد القطع في السرقة، ولكن اختلفوا في سرقة ما يُسرع إليه الفساد -كاللحم، والفواكه التي لا تبقى، والثمار الرطبة- هل يجب في ذلك حد القطع أم لا؟ قولان لأهل العلم. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم القطع، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: وجوب الحد، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهر أن أوسع المذاهب في هذه المسألة هم الحنفيَّة، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» أخرجه الخمسة (٣).

стр. 626

ووجه الدلالة من الحديث: عمومه؛ وذلك أنَّ عموم الحديث يشمل كل طعام يتسارع إليه الفساد ثمرًا كان أو كثرًا -وهو جمَّار النخل- (١) أو غيرهما (٢). الدليل الثاني: أنَّ في مالية ما يتسارع إليها لفساد نقصانًا؛ لأن المالية بالتموُّل، وذلك يكون بالصيانة والادخار لوقت الحاجة، وهذا لا يتحقق فيما يتسارع إليه الفساد فأورث ذلك شبهة العدم، والحدود تدرأ بالشبهات (٣). الدليل الثالث: أنَّ معنى الحرز ناقص فيما يسرع إليه الفساد؛ «لأنَّه لا يبقى، ونقصان معنى الحرز يمنع من وجوب القطع» (٤). الفرع الثاني: حكم القطع في سرقة ما كان أصله مباحًا. تحرير محل النزاع: تقدم إجماع أهل العلم على وجوب حد السرقة من حيث الجملة، ولكن اختلفوا

стр. 627

في سرقة ما كان أصله مباحًا وكان تافهًا في جنسه -كالصيد، والطير ولو دجاجًا أو بطًّا، والحشيش والقصب، والخشب الذي لم تدخله الصنعة، ونحو ذلك- هل يجب فيه الحد أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلَّة الموسِّع في المسألة: القول الأول: عدم القطع، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: وجوب القطع، وهو مذهب الجمهور (٢). ويظهر هنا أيضًا أن أوسع المذاهب في هذه المسألة هم الحنفيَّة؛ لقولهم بعدم القطع، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم- قال: «غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثًا أَسْمَعُهُ يَقُولُ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ» أخرجه أبو داود وأحمد (٣).

стр. 628

ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أثبت بين الناس شركة عامة في هذه الأمور، والشركة شبهة تمنع من وجوب القطع؛ إذ الحدود تدرأ بالشبهات (١). الدليل الثاني: أنَّ ما يوجد مباحًا في أصله تقلُّ رغبات الناس فيه، وقلَّما يؤخذ على كره من مالكه، وعليه فلا حاجة إلى الزجر، وفي هذا المعنى لم يشرع القطع فيما دون النصاب؛ لعدم الحاجة إلى الزجر فيه (٢). الدليل الثالث: أن الحرز غير تام فيما كان أصله مباحًا؛ لأن عادة الناس ألا يحرزوها كما يحرزون سائر أموالهم، والحرز شرط في وجوب القطع (٣). الفرع الثالث: حكم القطع في النبَّاش. اختلف أهل العلم في النبَّاش -وهو من ينبش القبور لأخذ أكفان الموتى، ويسمى أيضًا: المختفي والجيَّاف (٤) - هل يقام عليه حد السرقة أم لا؟ قولان لأهل العلم في ذلك.

стр. 629

الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: عدم القطع، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: وجوب القطع، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم قطع النبَّاش، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها: الدليل الأول: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا قَطْعَ عَلَى المُخْتَفِي» ذكره بعض فقهاء الحنفيَّة في كتبهم (٣). ووجه الدلالة من الحديث: أنَّ المختفي هو النباش بلغة أهل المدينة، والحديث نص في محل النزاع (٤).

стр. 630

الدليل الثاني: عن الزهري ﵀ قال: «أُخذَ نبَّاش في زمان معاوية زمان كان مروان على المدينة، فسأل من كان بحضرته من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة والفقهاء، فلم يجدوا أحدًا قطعه، قال: فأجمع رأيهم على أن يضربه ويطاف به». وجاء عن الزهري أيضًا: «أُتي مروان بن الحكم بقوم يختفون القبور - يعني ينبشون - فضربهم ونفاهم وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون» أخرجهما ابن أبي شيبة (١). ووجه الدلالة من الأثر ظاهر. الدليل الثالث: أنَّ القطع يدرأ بالشبهة، وقد تمكنت ها هنا الشُّبْهة في المال؛ لأنَّ المال يدخر والكفن إنما وضع للبلي، وتمكنت الشبهة في الحرز؛ لأن القبر لم يكن حرزًا لغير الكفن فلا يكون حرزًا له كذلك، وتمكنت الشبهة أيضًا في الملك؛ لأنه لا ملك للميت حقيقة ولا للوارث لتقدم حاجة الميت، ووجود واحدة من هذه الشبه تصلح لدرء الحد فكيف باجتماعها (٢). الدليل الرابع: أنَّ النباش لا يدخل في حكم السرقة؛ لأن أهل اللغة أفردوا للنباش اسمًا يغاير اسم السارق؛ فدل ذلك على أن كل واحد من الأمرين لا يسمى بالآخر (٣). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في جميع ما تقدم من المسائل دون غيرهم من المذاهب، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في باب حد

стр. 631

السرقة يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أنَّ الحنفيَّة قالوا: لا يُقطع السارق في سرقته من ذي رحم مَحْرَم (١)، وقال الجمهور: يُقطع (٢). • بل قال الحنفيَّة: لا يُقطع في السرقة من صهره -وهو: كل ذي رحم محرم من امرأته- أو من خَتَنِه وهو: زوج كل ذي رحم محرم منه (٣). • وقال الحنفيَّة: إذا ملك السارقُ العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما سقط القطع مطلقًا (٤)، وقال الجمهور: لا يسقط إذا ملك المال بعد الرفع إلى الحاكم (٥). • وقال الحنفيَّة: لا يُقطع من سرق في دار الحرب أو دار البغي (٦)، وقال الجمهور: يُقطع في الجملة (٧).

стр. 632

• بل قال الحنفيَّة: لا يُقطع السارق إذا كان أخرسَ أو كان أعمى (١). • وقال الحنفيَّة: لو سرق نصابًا ثم نقصت قيمته بعد السرقة سقط القطع (٢)، وقال الجمهور: لا يسقط (٣). • وقال الحنفيَّة: لو سرق جماعة منهم غير مكلف أو ذو شبهة من المسروق منه -كأبي المسروق منه أو شريكه- لم يقطعوا جميعًا (٤)، وقال المالكيَّة: يقطع شريك غير المكلف ولا يقطع شريك ذو الشبهة (٥)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: يقطع المكلف ومن لا شبهة له (٦). • وقال الحنفيَّة: من سرق عينًا فقطع فيها ثم عاد فسرقها مرة ثانية فلا قطع (٧)، وقال الجمهور: يقطع (٨).

стр. 633

• وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا يقطع من سرق الماشية من المرعى ولو كان معها الراعي (١)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: يقطع إذا كان معها راعٍ يرعاها (٢). • وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: إذا سرق الضيف من مضيفه فإنه لا يقطع مطلقًا (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يُقطع الضيف في سرقة ما أحرزه عنه المضيف (٤). • وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: لا يُقطع الرجل بالسرقة من زوجته، ولا تُقطع الزوجة بالسرقة من زوجها (٥)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يُقطعان إذا كان المال محرزًا عنهما (٦).

стр. 634

• وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة- لا يُقطع من سرق مصحفًا (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يُقطع سارق المصحف (٢). • بل قال الحنفيَّة: لا قطع في سرقة كتب العلوم الشرعية ككتب التفسير والحديث والفقه على وجه العموم (٣)، وقال الحنابلة: يُقطع سارقها (٤). • وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: لا يُقطع من سرق ما أمر الشرع بكسره كآلة لهو ونحوها من المحرمات مطلقًا (٥)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: إن كانت تبلغ بعد كسرها نصابًا قطع (٦).

стр. 635

• وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: لا قطع على من سرق ثالثة أو رابعة، ويحبس حتى يتوب (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: تقطع يده اليسرى في سرقته الثالثة، وتقطع رجله اليمنى في سرقته الرابعة (٢). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: لو سرق جماعة فمن شرط القطع أن يصيب كل واحد منهم نصابًا (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: لو سرقوا نصابًا واحدًا قطعوا (٤). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر أن المالكيَّة على الضدِّ من مذهب الحنفيَّة؛ إذ انفردوا بإيجاب الحد في جملة من المسائل، من ذلك: • أنهم قالوا: لا يشترط في إقامة حد السرقة مطالبة المسروق منه بالمال (٥)، وقال الجمهور: طلب المسروق منه المال شرط في إقامة الحد (٦).
следующие страницы →