← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

السرقة يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أنَّ الحنفيَّة قالوا: لا يُقطع السارق في سرقته من ذي رحم مَحْرَم (١)، وقال الجمهور: يُقطع (٢). • بل قال الحنفيَّة: لا يُقطع في السرقة من صهره -وهو: كل ذي رحم محرم من امرأته- أو من خَتَنِه وهو: زوج كل ذي رحم محرم منه (٣). • وقال الحنفيَّة: إذا ملك السارقُ العين المسروقة بهبة أو بيع أو غيرهما سقط القطع مطلقًا (٤)، وقال الجمهور: لا يسقط إذا ملك المال بعد الرفع إلى الحاكم (٥). • وقال الحنفيَّة: لا يُقطع من سرق في دار الحرب أو دار البغي (٦)، وقال الجمهور: يُقطع في الجملة (٧).

стр. 632

• بل قال الحنفيَّة: لا يُقطع السارق إذا كان أخرسَ أو كان أعمى (١). • وقال الحنفيَّة: لو سرق نصابًا ثم نقصت قيمته بعد السرقة سقط القطع (٢)، وقال الجمهور: لا يسقط (٣). • وقال الحنفيَّة: لو سرق جماعة منهم غير مكلف أو ذو شبهة من المسروق منه -كأبي المسروق منه أو شريكه- لم يقطعوا جميعًا (٤)، وقال المالكيَّة: يقطع شريك غير المكلف ولا يقطع شريك ذو الشبهة (٥)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: يقطع المكلف ومن لا شبهة له (٦). • وقال الحنفيَّة: من سرق عينًا فقطع فيها ثم عاد فسرقها مرة ثانية فلا قطع (٧)، وقال الجمهور: يقطع (٨).

стр. 633

• وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: لا يقطع من سرق الماشية من المرعى ولو كان معها الراعي (١)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: يقطع إذا كان معها راعٍ يرعاها (٢). • وقال الحنفيَّة -وكذا المالكيَّة-: إذا سرق الضيف من مضيفه فإنه لا يقطع مطلقًا (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يُقطع الضيف في سرقة ما أحرزه عنه المضيف (٤). • وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: لا يُقطع الرجل بالسرقة من زوجته، ولا تُقطع الزوجة بالسرقة من زوجها (٥)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يُقطعان إذا كان المال محرزًا عنهما (٦).

стр. 634

• وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة- لا يُقطع من سرق مصحفًا (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: يُقطع سارق المصحف (٢). • بل قال الحنفيَّة: لا قطع في سرقة كتب العلوم الشرعية ككتب التفسير والحديث والفقه على وجه العموم (٣)، وقال الحنابلة: يُقطع سارقها (٤). • وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: لا يُقطع من سرق ما أمر الشرع بكسره كآلة لهو ونحوها من المحرمات مطلقًا (٥)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: إن كانت تبلغ بعد كسرها نصابًا قطع (٦).

стр. 635

• وقال الحنفيَّة -وكذا الحنابلة-: لا قطع على من سرق ثالثة أو رابعة، ويحبس حتى يتوب (١)، وقال المالكيَّة والشافعيَّة: تقطع يده اليسرى في سرقته الثالثة، وتقطع رجله اليمنى في سرقته الرابعة (٢). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: لو سرق جماعة فمن شرط القطع أن يصيب كل واحد منهم نصابًا (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: لو سرقوا نصابًا واحدًا قطعوا (٤). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر أن المالكيَّة على الضدِّ من مذهب الحنفيَّة؛ إذ انفردوا بإيجاب الحد في جملة من المسائل، من ذلك: • أنهم قالوا: لا يشترط في إقامة حد السرقة مطالبة المسروق منه بالمال (٥)، وقال الجمهور: طلب المسروق منه المال شرط في إقامة الحد (٦).

стр. 636

• وقال المالكيَّة: لو ادعى السارق ملك العين المسروقة وليس ثمة بينة لم يسقط القطع (١)، وقال الجمهور: يسقط بمجرد الدعوى (٢). • وقال المالكيَّة: يُقطع الولد في السرقة من مال أبويه (٣)، وقال الجمهور: لا يقطع (٤). • وقال المالكيَّة: يُقطع السارق من بيت المال (٥)، وقال الشافعيَّة: يقطع إن أفرز

стр. 637

عنه ولم يكن له حق فيه، فإن أفرز وله فيه حق أو لم يفرز أصلًا لم يقطع (١)، وقال الحنفيَّة والحنابلة: لا يقطع مطلقًا (٢). • وقال المالكيَّة: يُقطع السارق من المغنم (٣)، وقال الجمهور: لا يقطع في الجملة (٤). • وقال المالكيَّة: يُقطع من سرق من شريكه بشرط أن يكون المال محجوبًا عنه، وأن يسرق أكثر من نصيبه في الشركة (٥)، وقال الجمهور: لا يقطع (٦). • وقال المالكيَّة: لا يسقط القطع إذا ملك السارق المال المسروق بهبة أو نحوها بعد خروجه من الحرز (٧)، وقال الجمهور: يسقط إذ كان الملك قبل

стр. 638

رفعه إلى الحاكم (١). • وقال المالكيَّة: يُقطع من سرق حرًّا صغيرًا (٢)، وقال الجمهور: لا يقطع (٣). المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ الحنفيَّة أوسع المذاهب في درء حد السرقة، إلا أنه من خلال النظر في كتب الخلاف تبيَّن للباحث وجود مسألتين خرجتا من حيث النظر العام عن توسعهم في الباب، هما: الإقرار في حد السرقة، والقطع في التعاون على السرقة. الفرع الأول: الإقرار في حد السرقة. تحرير محل النزاع: تقدَّم الإجماع على أن حد السرقة يثبت بالإقرار، ولكن اختلف العلماء في العدد الذي يصح به على قولين. الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: يثبت حد السرقة بالإقرار مرتين، وهو مذهب الحنابلة (٤).

стр. 639

القول الثاني: يثبت حد السرقة بالإقرار مرة واحدة، وهو مذهب الجمهور (١). ويظهرُ في هذا الفرع أنَّ الجمهور ومنهم الحنفيَّة أضيق من الحنابلة في درء الحد، من جهة أن الحنابلة لا يُقيمون حد السرقة بالإقرار مرة واحدة. وسبب قول الحنفيَّة بأنَّ الإقرار في السرقة يصحُّ ولو كان مرة واحدة يعود إلى أن الأصل عدم التكرار في الأقارير؛ لأنه إخبار، والمُخْبَر لا يزداد بتكرار الخبر، وليس فيه تهمة فيحتاج إلى زيادة العدد كالشهادة، وأمَّا الإقرار في الزنى فإنَّه جاء على خلاف القياس فلا يقاس عليه (٢). الفرع الثاني: القطع في التعاون على السرقة تحرير محل النزاع: إذا تشارك جماعة في سرقة، فدخلوا إلى الحرز وأخرج كل واحد منهم نصابًا فلا خلاف في كون القطع يجب عليهم جميعًا، ولكن لو أخرج العين المسروقة واحد، وكانت قيمتها بقدر أنصبتهم، فإن أهل العلم مختلفون، هل القطع يجب على المخرج وحده أم على كل من شارك؟

стр. 640

الأقوال، وسبب الاستثناء في المسألة: القول الأول: يجب القطع على المخرج فقط، وهو مذهب المالكيَّة والشافعيَّة (١). القول الثاني: يجب القطع على كل من شارك، وهو مذهب الحنفيَّة والحنابلة (٢). ويظهر هنا أيضًا أن الحنفيَّة صاروا إلى قول أضيق من قول المالكيَّة والشافعيَّة، وسبب قول الحنفيَّة بالقطع هو أن هذه السرقة فيها شبه للسرقة الكبرى -وهي قطع الطريق- ومعلوم أن القطع في قطع الطريق يكون لجماعتهم فهنا أيضًا، ثم لو قيل بعدم القطع لأدى ذلك إلى سد باب حد السرقة؛ لأنه جرت عادة السرّاق أن يتولى بعضهم إخراج المتاع، ويتولى آخرون الدفع (٣). وأنبه إلى أن الحنفيَّة ذكروا أن القياس عدم القطع، ولكن خالفوا القياس لما تقدم (٤). المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. من خلال ما تقدم بيانه يظهر أن الحنفيَّة هم أوسع المذاهب درءًا لحد السرقة، وعند التأمل في أدلة آحاد المسائل يمكن القول: إن عموم مسائل الخلاف في الباب يمكن ردها إلى تحقيق مناط قاعدة (الحدود تدرأ بالشبهات) فالجمهور -كما تقدم

стр. 641

في باب حد الزنى- متفقون على أصل القول بها، إلا أنه قد يقع الخلاف بينهم في عين الشبهة هل هي قوية يدرأ بها الحد أم لا؟ فأمَّا الحنفيَّة فإنهم يتوسعون غاية التوسع في إعمال هذه القاعدة، ودائرة الشبه عندهم أوسع منها عند غيرهم، وقد نص ابن حزم ﵀ على ذلك (١)، أما المالكيَّة فيضيقون دائرة الشبه المسقطة للحدود فصار مذهبهم بذلك أضيق، ويأتي بين المذهبين: الشافعيَّة والحنابلة. إذا تبين ذلك فإن هذا السبب غاية في الظهور في نصوص أئمة المذاهب: فمن الحنفيَّة: يذكر الزمخشري ﵀ أن عدم القطع في النبَّاش لتمكن الشبهة في المال وفي الحرز وفي الملك (٢)، وتقدم قريبًا بيان وجه ذلك. وقال القدوري ﵀ في سرقة العين مرة أخرى: إنه لا قطع؛ لأن «العين في حقه صارت غير مقومة بالإتلاف، وهذا شبهة» (٣). ونبَّه السرخسي ﵀ إلى أن عدم قطع يد السارق ورجله في المرة الثالثة والرابعة راجع إلى أن الصحابة ﵃ قد «اختلفوا في هذه المسألة اختلافًا ظاهرًا، واختلافهم يورث شبهة» (٤). وذكر الزيلعي ﵀ أنه لا قطع في سرقة ما كان أصله مباحًا؛ «لأن الشركة العامة التي كانت في هذه الأشياء قبل الإحراز تورث الشبهة ما دامت باقية على تلك الصفة

стр. 642

والحدود تدرأ بها» (١). واستدل الحصكفي ﵀ على أنَّ الأعمى والأخرس لا يقطعان إذا سرقا لوجود الشبهة، ووجه ذلك: أن الأخرس ربما ينطق بشبهة، وأما الأعمى فإن المال يشتبه عليه (٢). والملاحظ في كلِّ ما تقدم أن المسائل تختلف إلا أنَّ معنى الشبهة قائم فيها جميعًا عند الحنفيَّة. وبهذا يصح أن يقال: إن هذا هو السبب الذي صار بالحنفيَّة إلى السعة في الباب. وأمَّا الجمهور فلم يسلموا وجود الشبهة في الصور المتقدمة، وبذلك قام الحد عندهم تمسكًا بأصل وجوبه. فمن المالكيَّة يظهر القاضي عبد الوهاب ﵀ مثالًا جليًّا على ذلك، فإنه نص على عدم وجود الشبهة في مسألة نقصان قيمة المسروق عن النصاب بعد إخراجه من الحرز (٣)، وعلى عدم وجودها في ملك السارق العين المسروقة بعد ثبوتها (٤)، وعلى عدم وجود الشبهة في تكرار السرقة للعين نفسها (٥)، وعلى عدم وجودها في النبَّاش (٦)، وعلى عدم وجودها في السرقة من الأقارب (٧).

стр. 643

ونصَّ الفندلاوي ﵀ على عدم وجود الشبهة في سرقة ما كان أصله مباحًا (١)، ولما ذكر استدلال الحنفيَّة بوجود الشبهة في ملك العين المسروقة بعد القطع قال: «ادعاؤهم الشبهة المسقطة للقطع باطل … » (٢)، ثم بيَّن وجه بطلانها، ونص على مثل ذلك في سرقة العين مرة أخرى (٣). وأما الشافعيَّة فقد نصَّ الزنجاني ﵀ في سرقة ما أصله على الإباحة بأن الحنفيَّة تدعي قيام الشبهة، ثم بيَّن بطلان ذلك (٤). وذكر أن الحنفيَّة تدعي الشبهة في سرقة الفواكه الرطبة وما يتسارع إليه الفساد باعتبار نقصان المالية، ثم بيَّن بطلان ذلك أيضًا (٥). وذكر أيضًا أن مأخذ الحنفيَّة في عدم القطع في النباش هو وجود الشبهة، ثم أبطل ذلك (٦). وبنحو هذا قرر ابن الدهان ﵀ في تقويم النظر (٧). وقال الرافعي ﵀: «لمَّا تكلَّم [يعني الغزالي] في الشبهة المؤثرة في دفع القطع، أردفها بما لا يؤثر، وقد يظن تأثيره، وفيه صور … » (٨) ثم عدَّد جملًا من المسائل التي قال الحنفيَّة فيها بدرء الحد. وذكر السبكي ﵀ في الأشباه والنظائر خمس عشرة مسألة من مسائل السرقة التي يجب فيها الحد عند الشافعيَّة، ثم ختم ذلك بقوله: «والعلة فيها كلها أنه أخرج

стр. 644

نصابًا كاملًا من حرز مثله لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع» (١). والمتأمل يعلم أن الحنفيَّة يوافقونهم في جميع هذه القيود سوى انتفاء الشبهة، فصار هو سبب الخلاف في الباب. وأما الحنابلة: فابن قدامة ﵀ يذكر في جملة من المسائل أنَّ الدليل في وجوب الحد هو العموم، ويقرر عدم وجود الشبهة في محل النزاع كما في مسألة السرقة من الضيف (٢)، والسرقة من الأقارب (٣)، والاشتراك في السرقة مع غير المكلف (٤)، وكيفية إخراج المال من الحرز (٥). وأختم هذا المطلب بالإشارة إلى أمور: الأمر الأول: أن الاختلاف في قوة الشبهة وضعفها هو الذي أدى بالمالكيَّة إلى الضيق في الباب؛ وذلك أنهم قالوا فيما انفردوا به من المسائل -كالسرقة من المغنم، والسرقة من بيت المال، والسرقة من مال الوالد-: إن الشبهة لا تقوى على درء الحد، في حين رأى الجمهور أن تلك من الشبهات القوية التي يدرأ بها الحد (٦). وفي ذلك يقول بهرام ﵀: «لم يراع أهل المذهب الشبهة التي في بيت المال للسارق، وكذلك على المشهور في الغنيمة؛ لضعفها» (٧).

стр. 645

والذي يظهر لي أن المالكيَّة إنما جنحوا إلى هذا المسلك تمسكًا بأصل سد الذرائع، وقد تقدم قريبًا في باب القصاص (أن المالكيَّة هم أوسع المذاهب إعمالًا لهذا الأصل). وهنا في باب السرقة يلحظ ذلك في أثناء نصوصهم، من ذلك أن القاضي عبد الوهاب ﵀ لما ذكر مسألة اللص الظريف -وهو من يدعي ملك المال بعد ثبوت السرقة- قال: «القطع شرع لصيانة الأموال وحفظها، وفي قبول دعوى السارق ذريعة إلى إسقاط هذا المعنى؛ لأن كل سارق يمكن أن يدعي المسروق لنفسه ليتخلص من القطع» (١)، وقال في مسألة الاشتراك في السرقة: «القطع شرع لصيانة الأموال لئلا تهتك ويجترأ عليها، كالقصاص المشروع لحفظ النفوس ثم كان الاشتراك في القتل لا يمنع القود؛ لأن في منعه إبطال الغرض الذي وضع له، كذلك الاشتراك» (٢). ويقال في باب الزنى ما قيل في باب السرقة، بل يصح القول: إن المالكيَّة لهم ميل واضح إلى إقامة الحد في جميع أنواع الحدود. والأمر الثاني: أن الظاهرية لهم ميل جلي إلى إقامة الحدود، وذلك راجع إلى هذا السبب بعينه؛ إذ إنهم لم يقولوا بأصل القاعدة، وقد قرَّر ابن حزم ﵀ هذا المعنى بوضوح، ومن ذلك أنه قال: «ذهب قوم إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات، وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة وإنما هو الحق

стр. 646

لله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة؛ لقول رسول الله ﷺ : «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَارَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»، وإذا ثبت الحد لم يحل أن يدرأ بشبهة لقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]» (١)، بل عقد ابن حزم فصلًا في كتابه (الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس) على تناقض أهل الرأي في إسقاط الحدود بالشبهات (٢)، فنتج من ترك الظاهرية لأصل هذه القاعدة ضيق واضح في درء الحدود بوجه عام، وفي حد السرقة بوجه أخص، ولأجل ذلك انفردوا بجملة من كبار المسائل في باب السرقة، منها: • أن الحرز ليس بشرط في السرقة عندهم، فيقطع من سرق من غير حرز (٣)، وتقدم أن المذاهب الأربعة يقولون بشرطية الحرز. • وقال الظاهرية: يقطع الوالد بالسرقة من مال ابنه (٤)، وتقدم أن المذاهب الأربعة يقولون: لا يقطع.

стр. 647

• وقال الظاهرية: يقطع الشريك مطلقًا (١)، وتقدم أن المذاهب الأربعة لهم في ذلك تفصيل. • وقال الظاهرية: يجب القطع فيمن سرق من الثمر المعلق (٢)، وتقدم أن المذاهب الأربعة يقولون: لا يقطع. • وحكي عن داود الظاهري ﵀: أن العبد يقطع بالسرقة من مال سيده (٣)، وتقدم اتفاق المذاهب الأربعة على عدم القطع. • وغني عن القول: أن أهل الظاهر يوافقون المالكيَّة على القول بالقطع في السرقة من الغنيمة (٤)، والسرقة من بيت المال (٥)، وسرقة الحر الصغير (٦). الأمر الثالث -وهو الأخير-: أن فهم سبب التوسع والضيق له ثمرة عظيمة من جهة إلحاق بعض الصور المتنازع فيها، ومن ذلك أنّ الحصكفي ﵀ حكى عن بعض متأخري الحنفيَّة جواز إكراه السارق على الإقرار، فقال ابن عابدين متعقبًا له: «مقتضى صنيعه أنَّ ذلك صحيح في حق القطع، ولا يخفى ما فيه؛ لأن القطع حد يسقط بالشبهة والإنكار أعظم شبهة مع أنه سيأتي أنه لا قطع بنكول عن اليمين، وأنه لو أقر ثم هرب لا يتبع، فيتعين حمل ما ذكره على صحته في حق الضمان» (٧)؛ أي أنَّه يحمل قول من أفتى بالإكراه على ترتب الحكم في ضمان المسروق لا وجوب الحد.

стр. 648

وخلاصةُ الباب: • أنّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في درء حد السرقة، وسبب ذلك أن وسعوا دائرة الشبه المسقطة للحد. • وأمَّا المالكيَّة فهم على الضد من ذلك، فلم يعتبروا بكثير من الشبه، وتمسكوا بأصل إقامة الحد. • وأما الشافعيَّة والحنابلة فهم وسط بين المذهبين إلا أنهم أقرب إلى المالكيَّة، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 649

الفصل الثالث: الاتساع أو الضيق في باب الأشربة والأطعمة وفيه مبحثان: • المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب الأشربة. • المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب الأطعمة.

стр. 650

المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب الأشربة تمهيد: يتكلم العلماء ﵏ على أحكام الأشربة، ولهم في الكلام عليها طريقتان: الأولى: الكلام على أصل شربها عند الكلام على أحكام الذبائح والصيد والأطعمة، وإفراد باب خاص بها يسمى (كتاب أو باب الأشربة)، والكلام على الحد فيها عند الكلام على الحدود (١). والثانية: الكلام عليها أثناء كتاب الحدود فقط عند الكلام على حد المسكر (٢). والأشربة جمع شراب، وهو: (ما شُرب من أيِّ نوع كان) (٣)، وقيل هو: «كل مائع رقيق يشرب ولا يتأتَّى فيه المضغ محرمًا كان أو حلالًا» (٤). والمعنى الاصطلاحي

стр. 651

لا يخرج عن هذا في الجملة، وإن كان كثير من الفقهاء يخص الأشربة في المعنى الاصطلاحي بما كان محرمًا (١). ولعظيم أمر الأشربة أفرد كثير من العلماء فيها كتابًا خاصًّا، وهذا الإفراد جاء من متقدمي العلماء ومن متأخريهم، من ذلك كتاب الأشربة للإمام أحمد ﵀ (٢)، وذكر ابن تيمية ﵀ أن الإمام أحمد صنف «كتابًا كبيرًا في الأشربة ما علمتُ أحدًا صنف أكبر منه، وكتابًا أصغر منه» (٣)، وألف ابن قتيبة ﵀ في (الأشربة واختلاف الناس فيها) (٤)، ومن المؤلفات في الأشربة في زماننا: الأشربة وأحكامها في الشريعة الإسلامية (٥)، وأحكام الأطعمة والأشربة (٦). وأشير إلى أنَّ الكلام في الأشربة متوجه إلى جهتين: الجهة الأولى: الكلام على حرمة الأشربة وإباحتها من حيث الأصل. والجهة الثانية: الكلام على ثبوت حد الخمر.

стр. 652

ووجه هذا التفريق أنه ليس ثمة تلازم بين تحريم الشراب ووجوب الحد، نعم كل ما يلزم في شربه الحد فهو محرم، ولا عكس؛ فليس كل محرم يلزم بشربه الحد. والمسائل الداخلة في الباب هي المسائل المتعلقة بأحكام الأشربة وأحكام حد المسكر: كحقيقة الخمر المحرم، وحكم شرب النبيذ، وحكم شرب الخمر حال العطش، وحكم تخليل الخمر، وحكم شرب الخمر لأجل التداوي، وحكم الحد في شرب القليل من غير عصير العنب، وحكم الحد إذا أقر الشارب ولم توجد منه رائحة الخمر، وحكم الحد بتقيؤ الخمر، ونحو ذلك من المسائل. المطلب الأول: المسائل المجمع والمتفق عليها في الباب. أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب. أجمع العلماء ﵏ على تحريم الخمر في الجملة قليلها وكثيرها، وأن فيها الحد (١)، وأجمعوا على أنَّ عصير العنب المشتد إذا غلى وقذف بالزبد أنه خمر (٢)، وأجمعوا على تحريم شرب ما يسكر ويزيل العقل (٣)، وأجمعوا على كفر مستحل

стр. 653

الخمر المجمع على تحريمه (١)، وأجمعوا على أنه لا إثم على من شرب الخمر بإكراه (٢). ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب. اتفقت المذاهب الأربعة على نجاسة الخمر (٣)، واتفقوا على أنَّ الخمر إذا تخلَّلت بنفسها طهرت وحلَّت (٤)، واتفقوا على جواز دفع الغصَّة بالخمر إذا اضطر إليها (٥)، واتفقوا على تحريم التداوي بالخمر (٦)، واتفقوا على أنه يحرم شرب السَّكَر

стр. 654

والفضيخ ونقيع الزبيب قليلها وكثيرها إذا غلا واشتد وقذف بالزبد (١)، واتفقت المذاهب على أنه لا قتل في شرب الخمر، وأن ما ورد في القتل في المرة الرابعة أنه منسوخ (٢)، واتفقت المذاهب الأربعة على عدم الحد فيمن سكر بأكل الجامدات

стр. 655

المُذْهِبة للعقل؛ كالحشيشة والأفيون والبنج (١).

стр. 656

المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب. اختلف العلماء ﵏ في جملة من المسائل في باب الأشربة من جهة أصل حكمها ومن جهة إقامة الحد فيها، ومن رؤوس هذه المسائل: حقيقة الخمر المحرم، وحكم شرب الخمر حال العطش، وحكم الحد في شرب قليل السَّكر والفضيخ ونقيع الزبيب إذا لم يسكر (١). الفرع الأول: حقيقة الخمر المحرم. تحرير محل النزاع: تقدم أن العلماء مجمعون على أصل تحريم الخمر، وتقدم أنه لا خلاف بينهم أنَّ عصير العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد أنه من الخمر، ولكن وقع النزاع بينهم وطال في غير ذلك. الأقوال، وأشهر أدلَّة الموسع في المسألة: القول الأول: الخمر هي النِّيء من ماء العنب إذا غلى واشتد بشرط أن يقذف بالزبد، وهو مذهب الحنفيَّة (٢). القول الثاني: الخمر هي النِّيء من ماء العنب إذا غلى واشتد وإن لم يقذف بالزبد،

стр. 657

وهو مذهب الشافعيَّة (١). القول الثالث: الخمر اسم لكل ما يخامر العقل، وهو مذهب المالكيَّة والحنابلة (٢). وعليه فأوسع المذاهب في المسألة من قصر الخمر على (عصير الخمر المشتد بشرط أن يقذف بالزبد)، وهم الحنفيَّة. وقد استدل الحنفيَّة على قولهم من جهتين: الأولى: اختصاص الخمر بالعنب، والثانية: اشتراط قذف الزبد حتى يقال بالتحريم. أما اختصاص الخمر بالعنب دون سائر المسكرات فاستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالسّكرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» أخرجه العقيلي في كتابه الضعفاء (٣).

стр. 658

ووجه الدلالة من الأثر: أنه عطف سائر المسكرات على الخمر، فدل ذلك على أن «اسم الخمر لا يتناول سائر الأشربة حقيقة؛ لأنَّ عطف الشيء على نفسه لا يليق بحكمة الحكيم» (١). الدليل الثاني: إطباق أهل اللغة على أنَّ الخمر اسم خاصٌّ بعصير العنب، وفي هذا يقول أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ وغيره: (ما اتُّخِذَ من غير العنب فليس بخمر) (٢)، وأما ما سوى عصير العنب من المسكرات فلها أسماء اختصت بها كالسَّكَر والفضيخ؛ فعلم من ذلك اختصاص الخمر بعصير العنب (٣). الدليل الثالث: أنَّ حرمة الخمر ثابتة بنص القرآن وبالإجماع فتكون قطعية، «وما هو قطعي لا يثبت إلا بقطعي، وكون النيء من ماء العنب خمرًا قطعي بلا خلاف فيثبت به، بخلاف غيره فإن فيه اختلافًا بين العلماء ﵏» (٤). وأما وجه اشتراط قذف الزبد فيها فوجهه أن «الغليان بداية الشدة، وكمالها بقذف بالزبد وسكونه؛ إذ به يتميز الصافي من الكدر، وأحكام الشرع قطعية فتناط بالنهاية كالحد وإكفار المستحل وحرمة البيع» (٥).

стр. 659

الفرع الثاني: حكم شرب الخمر حال العطش. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين العلماء أن الخمر محرمة من حيث الأصل، ولا خلاف بينهم أنه يجوز شرب الخمر لدفع الغصَّة إذا لم يجد غيرها، ولا خلاف بينهم أن العطشان إذا وجد غير الخمر لم يبح له شربها، وقد تقدم بيان ذلك. إلا أن العلماء اختلفوا هل يجوز شرب الخمر لدفع العطش إذا لم يجد غيرها؟ قولان لأهل العلم في ذلك. الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: الجواز، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: التحريم، وهو مذهب الجمهور (٢). وعلى ذلك فأوسع المذاهب في هذه المسألة من أباح شرب الخمر للمضطر، وهم الحنفيَّة كذلك. وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى:

стр. 660

﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. ووجه الدلالة من الآيتين: أن تحريم الخمر في القرآن مثل تحريم الميتة والخنزير، والميتةُ والخنزير يجوز أكلهما حال الاضطرار، فكذا الخمر يجوز شربها حال الضرورة (١). الدليل الثاني: قياس الأولى؛ وذلك أنَّ حرمة مال الغير آكد من حرمة الخمر، ومع ذلك يجوز أكل مال الغير حال الضرورة، فجاز شرب الخمر حال الضرورة من باب أولى (٢). الفرع الثالث: حكم الحد في شرب السَّكَر والفضيخ ونقيع الزبيب (٣) إذا غلى واشتد وقذف بالزبد ما لم يسكر. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين العلماء في جواز شرب نقيع الزبيب ونحوه إذا لم يشتد (٤)، وتقدم اتفاق المذاهب على تحريم شرب قليل السَّكَر والفضيخ ونقيع الزبيب إذا اشتد وقذف بالزبد، واتفقت المذاهب على وجوب الحد إن سكر من السَّكَر أو الفضيخ أو نقيع الزبيب (٥). ولكن اختلف العلماء فيمن شرب منها فلم يسكر إما لأنه شرب القليل، أو لأن جسده تعوَّدها، هل يحد بذلك أم لا؟

стр. 661

الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة: القول الأول: أنه لا يحد، وهو مذهب الحنفيَّة (١). القول الثاني: وجوب الحد، وهو مذهب الجمهور (٢). وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بعدم الحد، وهم الحنفيَّة أيضًا، وقد استدلوا على هذه المسألة بدليلين: الدليل الأول: أن حد الشرب إنَّما يجب في الخمر -وهو عصير العنب- أو في السُّكْر، وسائر الأشربة لا يتناولها اسم الخمر على الحقيقة، ومتناول القليل لم يسكر؛ فانتفى بذلك الحد (٣). الدليل الثاني: أن حرمة هذه اجتهادية وليست قطعية مثل حرمة عصير العنب، والحد يدرأ بالشبهة، ووجود الخلاف شبهة (٤). الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب. بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في أصل الأشربة، وفي

стр. 662

درء الحد في باب المسكر، وعند استقراء المسائل الخلافيَّة في البابين يظهر ما يؤيد هذا المعنى أيضًا، وذلك: • أن الحنفيَّة قالوا: لا حد في دُرْدِيِّ الخمر -وهو ما يثخن ويبقى في أسفل الإناء- (١) إذا لم يسكر وإن كان محرمًا (٢)، وقال الجمهور: هو بمنزلة الخمر يحد في قليله وكثيره (٣). • وقال الحنفيَّة: لو أقر على نفسه بشرب الخمر أو شُهِدَ عليه بالشرب وقد زالت رائحة الخمر فلا حد (٤)، ولم يشترط الجمهور وجود الرائحة في الإقرار والشهادة (٥).

стр. 663

• بل قال الحنفيَّة: لا يحد الأخرس إذا أقر على نفسه بشرب الخمر (١). • وقال الحنفيَّة: يجوز بيع المسكرات غير عصير العنب النيء (٢)، وقال الجمهور: لا يجوز (٣). • وقال الحنفيَّة: يجوز تخليل الخمر، وتطهر بذلك (٤)، وقال المالكيَّة: يكره تخليلها وتطهر (٥)، وقال الشافعيَّة والحنابلة: لا يجوز، وهي نجسة (٦). • وقال الحنفيَّة -وكذا الشافعيَّة-: لا يحد من تقيَّأ الخمر (٧)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يحد (٨). ثم عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة نجد بينها تقاربًا، إلا أن المالكيَّة طردوا أصلهم في تضييق دائرة الشبهات في الحدود، ومنها حد المسكر، ولأجل ذلك

стр. 664

قالوا: يحدُّ من وجدت منه رائحة الخمر (١)، وقال الجمهور: لا يحد (٢). المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب. من خلال ما تقدم يظهر جليًّا أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في إباحة الأشربة من وجه، وفي درء حد المسكر من وجه آخر، وعند النظر في كتب الخلاف، وفي كتب المذاهب لم يظهر لي ما يخرج عن هذا التقرير، والله أعلم. المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب. بعد بيان سعة الحنفيَّة في باب الأشربة من جهة أصل إباحتها، ومن جهة درء الحد في المحرم منها يقوم سؤال عن سبب هذا الاتساع، والجواب عن هذا لا يتأتَّى إلا من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل الخلافيَّة في الباب، وعند النظر في الأدلة يمكن استنباط سبب الاتساع عند الحنفيَّة. فأمَّا الجهة الأولى -وهي سعتهم في أصل إباحة الأشربة- فإن ذلك يرجع -والله أعلم- إلى أن الحنفيَّة ذهبوا إلى أن النَّهي عن الخمر غير معلل بعلة يمكن القياس فيها، والخمر عندهم -على ما تقدَّم- خاصٌّ بعصير العنب النيء، ولكن ذهب الجمهور إلى أن علة النهي هي الإسكار ومخامرة العقل، وعليه فكل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، سواء قيل بتسميته خمرًا أم لا.

стр. 665

وقد نصَّ على هذا السبب جملة من علماء المذاهب: فمن الحنفيَّة: يقولُ القدوري ﵀: «قال أصحابنا: تحريم الخمر غير معلل بعلة يقاس عليها، وقال الشافعي: تحريم الخمر معلَّل بوجود الشدة المطربة» (١). ولما ذكر الكاساني ﵀ استدلال الجمهور على تحريم النبيذ بأنه خمر، وأن الخمر ما خامر العقل، أجاب عن ذلك بقوله: الخمر اسم «للنيء من ماء العنب إذا صار مسكرًا حقيقة، ولسائر الأشربة مجاز؛ لأن معنى الإسكار والمخامرة فيه كامل، وفي غيره من الأشربة ناقص فكان حقيقة له مجازًا لغيره» (٢). وقال الزيلعي ﵀: «لا نسلم أنَّها سميت خمرًا لمخامرتها العقل، بل لتخمرها، ولئن سلمنا أنها سميت بالخمر لمخامرتها العقل لا يلزم منه أن يسمى غيرها بالخمر قياسًا عليها؛ لأن القياس لإثبات الأسماء اللغوية باطل، وإنما هو لتعدي الحكم الشرعي» (٣). ومن المالكيَّة: يقول ابن أبي زيد القيرواني ﵀: «لا فرق بين مسكر العنب ومسكر التمر وغيره، وإنما سميت خمرًا لمخامرتها العقل، والسكر إنما سمى سكرًا؛ لأنه يسكر لمخامرته العقل» (٤). وقال القاضي عبد الوهاب ﵀: «لما علمنا أنَّ العرب إنما سمت الخمر بهذا الاسم لوجود الإسكار والشدة المطربة، ولم يوافقونا على قصر ذلك على جنس ما توجد فيه دون غيره؛ وجب إجراء العلة حيث وجدت، وعلمنا بأنَّها علة بالطريق

стр. 666

الذي به تعلم العلل، وهو وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها؛ لأن العصير ما لم يشتد يسمى خمرًا، فإذا اشتد سمي بذلك، فإذا زالت الشدة زال الاسم» (١). ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀: «ما أسكر كثيره من جميع الأنبذة قليله حرام، ويجري عليه حكم الخمر في التحريم والنجاسة والحد، سواء كان نيئًا أو مطبوخًا» (٢)، ثم ذكر أنَّ أبا حنيفة لا يُعلِّل الخمر، وأنها مقصورة عنده على عصير العنب النيء (٣). وقال ابن الدهان ﵀: «استعمل المتأخرون من أصحابنا القياس في إثبات اسم الخمر للنبيذ، ثم أدخلوه بعد ذلك في العموم الوارد في تحريم الخمر؛ لأن الخمر ما خامر العقل وستره، وهذا المعنى موجود في النبيذ» (٤). ولما ذكر الزنجاني ﵀ الإجماع على تحريم عصير العنب المشتد إذا اشتد وأسكر، قال: «هل تحريمها لعينها، أم لعلة؟ فعندنا لعلَّة، وهي: الشدَّة المطربة. وقال أبو حنيفة ﵀: تحريمها لعينها لا لعلَّة. وفائدة هذا الخلاف: أنه إذا ثبت تحريمها لعلة شاركها في ذلك كل ما شاركها في العلة، وعندهم: يختص التحريم بها لعينها» (٥). ومن الحنابلة يقول أبو المواهب العكبري ﵀: «الخمر معلَّلة، وعلة تحريمها الشدَّة المطربة، وهي موجودة في كل شراب مسكر» (٦).

стр. 667

ونصَّ ابن الجوزي ﵀ على أنَّ الخمر معللة، «وأن علة تحريمها الشدَّة المطربة، وهي موجودة في كل شراب مسكر، وعند أبي حنيفة تحريم الخمر غير معلل، وإنما ثبت بالنص» (١). وقال ابن تيمية ﵀: «كل ما كانت فيه هذه الشدَّة المطربة فهو خمر من أي مادة كان: من الحبوب والثمار وغير ذلك، وسواء كان نيئًا أو مطبوخًا» (٢). وأما سبب اتساع الحنفيَّة في درء حد المسكر فهو راجع عندهم إلى هذا السبب أيضًا، وهو أن الخمر مخصوصة بالعنب النيء، ولا حد فيما سوى ذلك، وراجع أيضًا إلى اتساع الحنفيَّة في الشبهة المسقطة للحد، فدرأ الحنفيَّة الحدَّ عن الأخرس بوجود الشبهة؛ «لأنه لو كان ناطقًا يحتمل أن يخبر بما لا يحد به كإكراه أو غص بلقمة» (٣)، ولم يحد شارب نبيذ التمر والزبيب ولو كان محرمًا؛ لأجل الخلاف فيه، ووجود الخلاف شبهة يدرأ بها الحد (٤). وقد تقدَّم في باب حد الزنى، وباب السرقة أن الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في الشبهات المسقطة للحد، وهذا الباب لا يخرج عما تقدم؛ ولذا سأكتفي بما ذكرته عن الجمهور هناك؛ لأنَّ مأخذ هذه الأبواب واحد. وأختم هذا الباب بتنبيه مهم: وهو أن مذهب أبي حنيفة وقريبٌ منه أبو يوسف -رحمهما الله- في غاية الاتساع في باب الأشربة، وعلى ذلك مشى كثير من متقدمي الحنفيَّة، ولكن الفتوى عند المتأخرين جارية على مذهب محمد بن الحسن ﵀ في كثير من مسائل

стр. 668

الأشربة، ومذهبه -أعني: محمد بن الحسن- يقترب من مذهب الجمهور في الضيق، ويتضح هذا التقرير في جملة من المسائل: المسألة الأولى: أنَّه يحل شرب النبيذ من غير العنب والتمر ولو اشتد وقذف بالزبد عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- بشرط ألا يشربه للتلهي والطرب، وإنما يُشرب للتقوي على الطاعة واستمراء الطعام والتداوي. وقال محمد بن الحسن ﵀: لا يجوز، وهو المفتى به عند الحنفيَّة؛ لفساد الزمان (١). المسألة الثانية: أنَّ نبيذ الزبيب والتمر يحل إذا طبخ أدنى طبخ عند أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله- بشرط ألا يشربه للتلهي والطرب، وقال محمد بن الحسن ﵀: لا يحل، وهو المفتى به عند الحنفيَّة (٢). المسألة الثالثة: أن من سكر من نبيذ غير (العنب والتمر) كنبيذ الحنطة والشعير والعسل والتين ونحوها فلا حدَّ عليه عند أبي حنيفة، قال الكاساني ﵀: «وهو الصحيح؛ لأنَّ الشرب إذا لم يكن حرامًا أصلًا فلا عبرة بنفس السكر» (٣)، ونص عليه السرخسي ﵀ في المبسوط (٤)، ولكنَّ المفتى به عند الحنفيَّة وجوب الحد (٥).

стр. 669

المسألة الرابعة: أنَّ السكران الذي يجب به الحد عند أبي حنيفة هو (من لا يعرف الرجل من المرأة ولا السماء من الأرض)، وأما ما دون ذلك كمن يخلط في كلامه أو يتمايل في مشيته فليس بسكران ولا حدَّ عليه، ولكن قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: من يخلط في كلامه ويهذي فهو سكران، وهو المفتى به عند الحنفيَّة (١). وهذا راجع إلى ما تقرر في غير موضع أن أبا حنيفة يدرأ الحد بأدنى شبهة، ووجه الشبهة: أنَّ السكران «إذا كان يميز بين الأشياء عرفنا أنه مستعمل لعقله مع ما به من السرور، فلا يكون ذلك نهاية في السكر، وفي النقصان شبهة العدم، والحدود تندرئ بالشبهات» (٢)، وقال ابن عابدين ﵀: «لما كان السكر متفاوتًا اشترط الإمام أقصاه درءًا للحد». إذا عُلم هذا التقرير فَهِم الناظر شدَّة نكير كثير من السَّلف والفقهاء على مذهب أهل الكوفة في باب الأشربة، وجعل هذه الاختيارات من قبيل الزلات (٣).

стр. 670

وخلاصةُ الباب: • أنّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في باب الأشربة، وفي درء حد المسكر؛ لأنهم قصروا الخمر على عصير العنب النيء، ولم يروا الحكم معلَّلًا، ولأنهم بالغوا في درء الحدود بأدنى شبهة. • وأمَّا الجمهور فهم أضيق من الحنفيَّة؛ لأنهم رأوا أن النهي عن الخمر معلَّل بمخامرة العقل، فكل شراب يُسْكر العقل ويُطْرب فهو محرَّم قليله وكثيره، ويلزم فيه الحد، ولم يتوسعوا في درء الحدود بالشبهات، والله أعلم. * * *
следующие страницы →