← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30163

التعليقة في أصول الفقه للكيا - قطعة منه

الكيا الهراسي

Полный текст (357 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

* فمذهب أهل الجماعة الواجب أحدها لا بعينه، وبأيّها كفر، سقط عنه الفرض (١). * ونُقل عن أبي هاشم بن الجبائي أنَّه قال: «الوجوب يتعلق بالجميع». مسألة (٢) حكي عن الشيخ من أهل الجماعة: «أمر المعدوم جائز سائغ»، وصحتْ الحكاية عنه، وإنَّما رُسمت هذه المسألة لإثبات الكلام القديم (٣). وأما المعتزلة؛ فإنَّهم أطبقوا على أنَّ الأمر للمعدوم لا يجوز، وأَبَوْا هذا غاية الإباء، وشدَّدوا القول فيه والنكير على قائله (٤).

стр. 107

مسألة (١) أجمع جماهير العلماء على أنَّ المأمور بالشَّيء يعلم أنَّه مأمور قبل أن يفعل ما أمر به؛ هذا ما أطبقت الأمة عليه قبلنا، إلى أن نبغ أبو هاشم، فقال: «المأمور لا يعلم ما أمر به، ولا أنَّه مأمور قبل الإتيان بالفعل» (٢). مسألة (٣) * الذي اتفق عليه آراء أهل الجماعة أنَّ الفعل الحادث حال حدوثه يكون مأمورا به (٤). * فأما المعتزلة؛ فإنَّهم أبوا ذلك كُلَّ الإباء، وقالوا: لا يجوز أن يكون مأمورا به حال حدوثه، وإنَّما يكون مأمورا به حالة عدمه (٥).

стр. 108

فَصْلٌ الأمر مطلق ومقيد … (١) مسألة (٢) إذا ورد الأمر بعد الحظر؛ فما حكمه؟ اختلف الناس فيه: * فقال قوم: إنه يُحمل على الإيجاب. * وقال آخرون: إنه على الإباحة (٣).

стр. 109

مسألة إذا ورد الأمر بعد الأمر من غير أن يتصل أحدهما بالآخر، ومن غير قرينة تدلُّ على أنه أريد به الأمرُ الأَوَّلُ؛ ما حكمه؟ اختلف العلماء فيه: * فقال بعضهم: يُحمل الثاني على التأكيد - إذا لم يرتبط أحدهما بالآخر ـــ، ويكون كلُّ واحدٍ منهما مُنَكَّرًا (١). وقال آخرون: يحمل على الاستئناف؛ لأنه مستقل بنفسه من غير أن يُحمل على ما يُحمل [عليه] الأَوَّلُ (٢). وليس صورة المسألة أن يقول له: «ادخل الدار»، ثُمَّ يقول بعد ذلك: «ادخل الدار». وإنما المسألة فيما إذا قال له اليوم: «صَلّ»، ثُمَّ قال مِنْ الغد: «صَلّ». وحكي عن الشافعي «مسألة في الأقارير»، اعتقد كلُّ واحدٍ من الفريقين أنَّ الشافعي صار إلى ما قاله، ظنا (٣) بموافقة الشافعي. والأصوليون بأجمعهم أبداً تراهم يتنافسون على مذهب الشافعي في

стр. 110

الأصول؛ علما منهم بتلطف نظره، وتدقيق فكره فيما يرجع إلى الأصول. والمسألة المحكية عن الشافعي أنَّه قال: «إذا قال يوم السبت: لفلان عليَّ درهم، ثُمَّ قال في يوم الأحد: عليَّ له درهم، فإنَّه لا يلزمه إلا درهم واحد، ولا يُحمل يوم الأحد على درهم مستأنف، بل يُحمل على الأول» (١). * فمن صار إلى أنَّ الأمر الثاني يُحمل على التأكيد قال: إِنَّ الشَّافعي غلب فرعًا في الأقارير، ومذهبه أنَّ الثاني يُحمل على الأول، فيكون تأكيدًا. * وقال من صار إلى أنَّه يُحمل على الاستئناف: إنَّ الشَّافعي لم يرد ما ذكره؛ لأنه إنما قال ذلك في الإقرار، والإقرار خبر، والخبر قد يتكرر ويتردد على المخبر الواحد مراراً؛ وما تنازعنا فيه: إنشاء - فإن قوله: «افعل»، ليس خبرًا وإقرارًا -؛ والإنشاء لا يرجع إلى الأول. مسألة (٢) اختلف العلماء في العبادات البدنية؛ هل يدخلها النيابة أم لا؟ * فالذي عليه أهل الجماعة جواز ذلك. * وخالف أصحاب أبي حنيفة في ذلك. * وأنكرت المعتزلة ذلك أشدَّ إنكار، وإنَّما قالوا ذلك؛ لما تقرر من أصلهم أنَّ العبادات الصادرة والأوامر الصادرة من الشرع في حق العبد إنَّما توجه نحوه

стр. 111

على سبيل الابتلاء والاختبار؛ ليرى المطيع من غيره، ويستحق الثوابَ على فعلها بطاعته لمولاه؛ والابتلاء والامتحانُ إنَّما يتحقق بفعل الإنسان بنفسه؛ فأمَّا ابتلاء زيد بفعل عمرو: ليس له معنى.

стр. 112

كتاب النواهي (١) عند أهل الجماعة أن حقيقة الأمر والنهي واحدة، وهو: الاقتضاء والطلب؛ إلا أن الأمر اقتضاء الفعل، والنهي اقتضاء الترك. فأما في أصل الطلب: فعلى صفة واحدة (٢)، وبينهما افتراق في تفاصيل، من ذلك: - أن الأمر لا يقتضي الدوام، والنهي يقتضي الدوام. - والأمر قد يكون على الفور وقد لا يكون - على ما اختلف الناس فيه ـ، والنهي على الفور. - وكذلك الأمر يجوز أن يرد بشيء من أشياء لا بعينه على سبيل التخيير. وهل يجوز أن يرد النهي عن شيء من أشياء لا بعينه؟ - مثل أن يقول: «لا تفعل هذا أو هذا» ـ؛ اختلف الناس في ذلك: * قال قوم: ليس هذا تخييرا في ترك أحدهما، بل قوله: «لا تفعل هذا»، نهي عنه صريحا، وقوله: (أو هذا)، ضم نهي آخر إلى النهي الأول، قالوا: فهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٣)، معناه: ولا كفورا (٤).

стр. 113

D:\ تنسيق\مراجعة ٧\مراجعة ٨\جديد\التعليقة في الأصول للكيا\التعليقة في الأصول للكيا ٠١

стр. 114

[مسألةً: هل النهي يقتضي الفساد؟] (١) اختلف الناس: * فقال الفقهاء وأهلُ الظَّاهر في النهي المطلق: يدلُّ على فساد المنهي عنه. * وقال المحققون من الأصوليين (٢): إنَّ مجرد النهي ومطلقه لا يدلُّ على فساد المنهي عنه. * وقال أبو الحسين البصري (٣): «إن كان ذلك في العبادات: دلّ على فساد المنهي عنه؛ وإن كان في غيرها من عقود المعاملات: لا يدل على فساد المنهي عنه».

стр. 115

مسألة (١) اختلف العلماء في الصَّلاة في الدار المغصوبة على مذاهب: * فالذي ذهب إليه أبو هاشم الجبائي أنَّها باطلة غير مجزئة، وهي معصية لله تعالى، ولا يجوز أن يرد الشرع بصحتها وكونها طاعةً، ويستحيل ذلك. * وقال الفقهاء: إنَّها طاعةٌ من وجه، ومعصية من وجه؛ فمن حيث كونها صلاة طاعةٌ، ومن حيث كونها شغلاً لملك الغير معصيةٌ. مسألة (٢) وهي أن من توسط أرضًا مغصوبةً، ثُمَّ تاب وأناب؛ فما الذي يفعل؟ وماذا يجب عليه؟ أطبق المسلمون على أنه يجب عليه أن يقصد أقرب الطرق، ويتوخى أقصر (٣) المسالك، ويختاره للخروج منها، ويُسرع في عدوه ويشتد في خروجه؛ فإذا فعل ذلك كان طائعا الله تعالى في خروجه ولا إثم عليه؛ هذا ما اتفقت عليه الفرق؛ إلَّا ما حكي عن أبي شِمْرٍ المرجئ أنه قال: «يكون عاصيا بخروجه، كما كان عاصيا بدخوله»، ولم يتابعه على ذلك أحد (٤). ***

стр. 116

مسألة (١) وقد بنى الفقهاء على ذلك مسألة فقهيَّةً، فقالوا: لو أنَّ الرَّجل كان مخالطاً لأهله في ليل شهر رمضان، ثُمَّ طلع عليه الفجر وهو مخالط؛ فإنَّه يجب عليه النزع، وهو مأمور به؛ فنزع، فإلى أن يستكمل النزع فهو مخالط مواقع مجامع، فهل يكون عاصيا بالنزع أم لا؟ اختلف الناس في ذلك: * فمذهب أهل الجماعة: أنه لا يكون عاصيا؛ لأنَّ هذا الفعل متردد بين أن يكون مباحاً وبين أن يكون واجبًا؛ فأيهما كان: فلا وجه للتأثيم. * ومن الناس من قال: إنَّه يكون عاصياً، والفعل يكون معصيةً؛ لأنَّه مخالط بعد الفجر. مسألة مشكلة (٢) وهي أن يقال: إذا علم قطعاً أنَّ الفجر يطلع عليه وهو مخالط؛ بأن يُخبره نبي صادق أنه قد بقي من الليل زمان لا يمكنه أن يخالط فيه، فلا ينزع إلا مع الفجر؛ فإنه إذا جامع وطلع عليه الفجر فنزع: فهل يأثم إلى أن يستكمل النزع؟ وهل تحرم عليه المخالطة أم لا؟ فنقول: الأمر فيه متردد (٣): يحتمل أنه لا يحرم عليه ذلك ولا يأثم؛ ويحتمل

стр. 117

أن يأثم ويَخْرَجَ. ومقتضى الأصول ألا يحرج؛ لأنَّ مخالطة الليل مباحة، وهو في ابتداء المخالطة في الليل؛ فأما النزع مع الفجر: فهو أمر واجب، وهو مأمور به؛ فلا يأثم، ولا يكون الفعل محرمًا عليه. مسألة (١) نرى الفقهاء يقولون: إنَّه يجوز أن يجتمع الأمر والكراهة في الشيء الواحد، فيكون مأمورا به وهو مكروه. فيقال لهم: هذا لا يصح؛ لأنَّ الأمر هو الطلب الجزم، والاقتضاء المحض؛ فمقتضاه: كونُ الفعل أولى من التّرك؛ وأما الكراهة فمعناها: كون الترك أولى من الفعل؛ فالمكروه ما قيل فيه: «الأولى ألا يفعل»، وهذا تناقض؛ فكيف يجتمعان؟! فأحدهما طلب الفعل، والآخر طلب ترك الفعل؛ فمثل هذا لا يجوز أن يرد الشرع به. ***

стр. 118

كتاب العموم والخصوص (١) اعلم أنَّ الأمر والنهي ينقسم إلى «العام» و «الخاص» و «المشترك». وإن شئت قلت: إلى «ظاهر» و «نص» و «مجمل»؛ ورُبَّما جعل الشافعي المجمل نصًا في شيء، وربَّما جعل الظاهر نصا (٢). ومعنى «العُموم» في اللغة: مأخوذ من الشمول، ومنه سُمِّيت العامة: عامةً، وقولهم: سَنةٌ عامة، ومطر عام. و [أما] معناه في الاصطلاح؛ فقد اختلف فيه: * فقال قوم: «هو كلُّ لفظ عم به شيئين فصاعدا في جهة واحدة» (٣)، فعلى هذا قول القائل: «ضرب زيد عمرا»، ليس بعموم؛ لأنَّ النُّطق شملهما، ولكن من جهتين؛ فهذا من حيث كونه ضاربًا، وذاك من حيث كونه مضروبا. * وقال آخرون: «العموم ما تناول كُلَّ ما صلح له، واستغرق جميعه»، فعلى هذا التثنية والعدد المخصوص ليس بعام.

стр. 119

فَصْل (١) اعلم أَنَّ النَّاس اختلفوا في العموم؛ هل يوجد في المعاني أو يختص بالألفاظ؟ * فقال قوم: إنَّه يوجد في المعاني، واستدلُّوا على ذلك بقولهم: «شملهم العطاء»، و «شملهم الإحسان»، و «عمَّهم العطاء والإحسان». * وقال آخرون (٢): إنَّه يختص بالألفاظ فقط، ولا يقع العموم [في المعاني]؛ لأنَّ المعنى الواحد لا يشمل الكُلَّ؛ فإنَّ اللذة التي حصلت لزيد غير اللذة التي حصلت لعمرو. مسألة في صيغة العموم (٣) اعلم أنَّ النَّاس مختلفون في أنَّه هل للعموم صيغةٌ أو لا؟ * (فحكي عن بعضهم: أنَّه ليس للعموم صيغةٌ. * وقال [آخرون]: له صيغة) (٤).

стр. 120

* وحكي عن أبي الحسن (١): «أنَّه لا صيغة للعموم»، وهو مذهب المرجئة. * وأما الفقهاء وأهلُ الظَّاهر: فذهبوا إلى أن للعموم صيغة تقتضي الاستغراق والشمول؛ لا من طريق نص في الاستغراق، ولكن من طريق الظاهر، وهو الذي نصره الشافعي في كثير من كتبه (٢). قالوا (٣): والوعيد لا يلحق العصاة؛ لأنَّ الآيات المتناولة للوعيد متعارضةٌ، كقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمِ﴾ (٤)، وقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ … الآية﴾ (٦). وهذه الآياتُ في معارضتها ومقابلتها آيات، كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (٧)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٨)، فلم يمكن القول بالعموم مع التعارض، وهذا

стр. 121

لا يعتمد عليه (١) (٢). فصل (٣) اعلم أنَّ «الألف واللام» إذا دخلت على ألفاظ الجموع، كان مقتضاها الاستغراق؛ هذا ما صار إليه كثير من الأصوليين والفقهاء. وحكي عن أبي هاشم الجُبَّائي أنَّه قال: «لا يدلُّ على الاستغراق، بل يقتضي تعريف الجنس» (٤). فصل (٥) الاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، كان مقتضيا للاستغراق (٦).

стр. 122

وحكي عن أبي هاشم أيضًا أنه قال: لا يقتضي الاستغراق، وإنَّما هو [لتعريف] الجنس، كما تقدم مثل ذلك. واعلم أن فائدة قولِ مَنْ قال: «إِنَّ ذكر الألف واللام لا يدلُّ على الاستغراق، وإنَّما يقتضي الجنس» يظهر فيما إذا حمل اللفظ على واحدٍ ممَّا يقتضيه؛ فإنَّه يقول: «قضيتُ حقَّ اللفظ لما ورد وإنَّما يقتضي الجنس، والواحد من الجنس». ومن قال: «إنَّ ذكرهما يدلُّ على الاستغراق» يقول: «يجب (١) حمله على العموم إلا أن يَرِدَ دليل يقتضي التخصيص، ولا يكون قاضيًا حق اللفظ عند وروده إلا أن يحمله على الجمع والاستغراق، ولا يجوز حمله على واحد من الجنس»، والله أعلم. فصل (٢) إذا ورد صيغة جمع الكثرة منكَرةً، دلت على الاستغراق عند علماء الجماعة. وعند أبي هاشم الجُبَّائي: أنَّه لا يقتضي الاستغراق، بل يُحمل على أقل الجمع. قال: لأنَّ النَّاس قد اختلفوا في أقل الجمع؛ فقال قوم: هو اثنان، وقال قوم: هو ثلاثة؛ فقد اتفقوا على أنَّ الثلاثة جمع حقيقةً. فمن قال: «إنَّ لفظ الجمع إذا ورد لا يقتضي الاستغراق» قال: «لأنه إذا حمل على ثلاثة، كان محمولاً على حقيقته؛ لأنه حقيقة في الثلاثة».

стр. 123

فَصْلٌ (١) فأما ما أُلحق بالعموم وليس منه: فمن ذلك: الأسماء المشتركة - كلفظ العين والقُرْء واللون (٢) - وما جرى مجرى ذلك من الاسم الواحد الواقع على معاني مختلفةٍ إذا ورد مطلقًا، ولم يكن هناك قرينة تدل على أحدهما؛ قد اختلف الناس فيها: * فصار صائرون إلى أنَّها تُحمل على الاستغراق، وكان عامًا فيهما جميعاً إذا تجرد عن قرينة تخصصه بأحدهما. * وصار آخرون إلى أنها لا تقتضي الاستغراق، ولا يُحمل (٣) عليهما جميعاً. أما مَنْ قال: «يُحمل عليهما جميعًا» استدل على ذلك بأنَّ شوف الشَّرع إلى تكثير الفوائد والمنافع، لا إلى تقليل ذلك؛ وإذا لم ترد قرينةٌ، فقد تصدى لنا أمران؛ إما أن تُهمَل اللفظ ونطرحه؛ وإما أن نستعمله ونقرّره، فرأينا الإعمال أولى من الإهمال، فحملناه على العموم. قيل لهم: إذا قلتم إنَّها مستغرقة وحملتم هذه الأسماء على العموم، لم يكن فرق بينها وبين ألفاظ العموم، فلا بُدَّ من الفرق وإظهار المزية، فما الفرق؟ * قالوا: الفرق بينهما أنَّ ألفاظ العموم إذا وردت وطرقت الأسماع بها:

стр. 124

- تُحمل على العموم قبل الفرض على [وجود] أدلة التخصيص، والبحث والفحص عنها؛ فإذا لم نلق (١)، حملناه على عمومه. - فأما الأسماء المشتركة، فلا تحمل على الاستغراق إلا بعد البحث عن قرينة التخصيص، فإذا لم نلق، بل تجردت عن القرائن المخصصة بأحد معنييه، فحينئذ حملناه عليهما جميعاً. وهذا قول من خالف العامة والسُّنَّة (٢) (٣). فَصْلٌ (٤) حُكي عن الشافعي أنَّه قال: «ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال» (٥). مثال ذلك: أن يُذكر للنَّبي صلى الله عليه وآله أنَّ زيدًا قد أفطر، فيقول: «عليه كفَّارةٌ»؛ فإنَّ إجابة الرسول صلى الله عليه عن السؤال وتركه للاستفصال عن كيفية الحال مع الاحتمال يُتنزَّل منزلة صريح المقال. وذلك لأنَّ اللفظ يحتمل أن يكون بالجماع أو بالأكل والشرب؛ فإيجابه

стр. 125

الكفَّارة عليه مع هذا الاحتمال يقتضي كونَ الحُكم عاما في المواضع؛ سواءً كان الجماع هو الذي أفطر به أو غيرُه، فيكون كأنه صلى الله عليه صرَّح بلفظ عام ابتداءً فقال: «من أفطر فعليه كفَّارةٌ»؛ فإنَّه يُحمل على العموم في حق كلِّ من أفطر؛ فكذلك في المثال الذي ذكرناه؛ لأنه لم يستفصل عن الحال عند السؤال. فهذا عام لا من جهة اللفظ (١)، بل بقرينة [حال] الرسول صلى الله عليه؛ حيث لم يستفصل، ولم يسأل عن حقيقة الحال؛ فإنَّ هذا وقت الحاجة، ولا يجوز له صلى الله عليه أن يؤخّر البيان عن وقت الحاجة؛ فلما أمسك، عُلم أنَّ الحكم لا يختلف، بل هو عام، والعموم المتلقّى من حاله لا يجوز أن يُضاف إلى اللفظ الذي لا دلالة فيه على العموم (٢). فَصْل (٣) ومما يلحق بالعام أيضا: إذا سأل سائل النَّبيَّ صلى الله عليه عن حكم خاص في حق نفسه، وعن شيء وقع له، وواقعة حدثت له، فيجيبه صلى الله عليه، فيقول: «عليك كذا وكذا» ــ كما قال للمجامع: «أعتق رقبة» (٤):

стр. 126

فإنَّ هذا الحكم يكون عاما، ويكون غيرُ السائل داخلا في هذا الحكم، ويلزمه مثل ما يلزم السَّائل إذا وُجد منه مثل ذلك السبب؛ لا تلقيا من اللفظ، ولكن من دليل آخر - وهو قوله صلى الله عليه: «حكمي في الواحد حكمي في الجماعة» _ (١). وأما اللفظ المنقول، فلا دلالة فيه على العموم بحال، ولأنه قد ثبت من وضع الدين وقواعد الشرع أنَّ النَّاس في الشَّرع شَرَع (٢)، وفي الدُّنيا (٣) فوضى. فَصْل (٤) ومما ألحق بالعموم: وهو أن يُسأل النبي صلى الله عليه عن حكم، فيعلله بعلَّةٍ تُوجد في غيره، فيكون ذلك الحكم عاما، حتَّى إِنَّ حكم غير المسئول عنه إذا وجدت العلة التي علل بها صلى الله عليه - حُكْمُ المسئول عنه. مثال ذلك: ما روي عنه صلى الله عليه [أنه] سئل عن الهرة، فعلل فقال: «إنَّها من الطَّوافين عليكم والطَّوافات» (٥)؛ فإنَّه يُلحق بهذا الفأرة وابنُ

стр. 127

عرس والحشرات وغيرها ممَّا وُجد فيه هذه العلة. يبقى أن يقال: هل هذا الإلحاق على هذا الوجه طريق مسلوك معمول به أم لا؟ نحن نشرح ذلك في كتاب القياس إن شاء الله (١). فَصْلٌ معقود في بيان مجمل (٢) الأدلة المخصصة التي بها يُعرف التخصيص (٣) وينبغي أن يُقدم على ذلك بيان معنى التخصيص في نفسه لغة واصطلاحا. اعلم أنَّ التخصيص - في اللغة -: «هو إفراد الشَّيء بالذكر»، وقولنا: «خصَّ الشَّيْءَ»، أي أفرده بالذكر. وهو في اصطلاح الأصوليين: «عبارة عن بيان مراد المتكلم من اللفظ العام، وأنَّ ما قام الدليل على تخصيصه لم يكن مرادًا باللفظ»؛ فإذا سمعت الفقيه يقول: «إِنَّ هذا مخصوص أو خاص»، «أو خُصَّ العموم»: فاعلم أنه ليس المراد به أنَّ اللفظ العام صار خاصا، ولا أنَّ اللفظ انقلب عن وصفه وحقيقته، وإنَّما معناه أنه علم مراد المتكلم من خطابه (٤).

стр. 128

إذا ثبت هذا؛ فاعلم أنَّ التخصيص ينقسم: * إلى تخصيص زمان. * وتخصيص أعيان. فالتخصيص في الأزمان هو النَّسخُ. والتخصيص في الأعيان هو ما قصد إثباته، وأنَّ ما خُصَّ، لم يكن مرادًا باللفظ. والحقيقة في النسخ وفي التخصيص واحدةٌ؛ فهذا بيان ما لم يرد من الأعيان، وذا بيان ما لم يُرد من الزَّمان بعد (١) النسخ. وبيانه: الأمر بالصلاة إلى بيت المقدس، ثُمَّ بعد ذلك الأمر بالصلاة إلى الكعبة؛ فإنَّا لما أمرنا بالصلاة إلى الكعبة، علمنا أن مراد الله تعالى كان في فعل الصلاة إلى بيت المقدس ذلك القدر من الزمان. وقد قال بعض الفقهاء: إِنَّ النَّسخ ليس بتخصيص، وبينهما فروق؛ لأنَّ النسخ إنَّما يكون في النصوص، والتخصيص يكون في العمومات والظواهر. فصل معقود في بيان القرائن المخصصة للعموم (٢) اعلم أن القرائن تنقسم: * إلى قرائن حالية.

стр. 129

* وإلى قرائن مقالية: - فأما القرائن الحالية؛ فلا يمكن حصرها وعدها، ولا وصفها ونعتُها؛ وإِنَّما يختص علمها بمن يشاهدها ويعاينها. - وأما المقالية، فتنقسم إلى: * متصلة. * ومنفصلة. - فالمنفصلة تنقسم: * إلى قطعي يوجب العلم. * وإلى ظنّي يوجب الظَّنَّ. - فأما ما يوجب العلم: فأدلة العقل؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، فدل العقل أنه تعالى وصفاته لا تدخل تحت هذا اللفظ. وكذلك قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢). ومن الأدلة القطعية: نص كتاب الله تعالى، والأخبار المتواترة، والإجماع. - وأما التي توجب الظَّنَّ: فأخبار الآحاد، والأقيسة الجلية.

стр. 130

فَصْلٌ (١) وممّا عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها: الرّقُّ ليس بقرينة مانعة من دخول العبيد تحت مطلق الخطاب الذي يتناول المسلمين؛ هذا ما عليه الجمهور من الأصوليين، وهو الصحيح (٢). وقال قوم: إِنَّ الرِّقَّ قرينة مانعة تمنع دخولهم تحت مطلق الخطاب (٣). فَصْلٌ (٤) وممّا عُدَّ من القرائن المخصّصة وليس منها: هو أنَّ الرسول صلى الله عليه؛ هل يدخل في الخطاب العام أم لا؟ قد اختلف النّاس في ذلك: * فقال قوم: إنَّه لا يدخل تحت مطلق خطاب الأمة. * وقال آخرون: إنَّه يدخل تحت مطلق الخطاب؛ ويقولون: إنَّ اللفظ شامل صالح للرسول ﵇ وغيره، وهو الصحيح.

стр. 131

فَصْلٌ (١) إذا حكم الله تعالى في حقّ رسوله صلى الله عليه بحكم وأمره بأمر؛ هل تشاركه فيه الأمة (٢)، ويكون الحكم عامًا لهم، أم يكون النبي صلى الله عليه مختصًا به؟ اختلف فيه: * فالصحيح: أنه يكون عامًا، ويكون حكم غيره حكمه فيه (٣)، كما إذا حكم النبي صلى الله عليه في حق واحد من أمته بحكم؛ فإن الحكم يكون عامًا في الكل، شائعًا في حق الجميع؛ كذلك هاهنا؛ تأسّسيا بالنَّبي صلى الله عليه وآله؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤). * وقال قوم: إنه يكون مختصا به (٥)؛ لأنَّه يختص بخصائص لا يشاركه فيها أحد، فكان هذا من جملتها. فَصْلٌ في أنَّ المخاطب؛ هل يدخل تحت الخطاب العام أم لا؟ (٦) اختلف الأصوليون فيه: * فقال قوم: لا يدخل تحته.

стр. 132

* وقال آخرون: يدخل تحته (١). فَصْل (٢) ومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها: خصوص السَّبَب الذي ورد الخطاب عليه. فلقد اختلف الأصوليون في خصوص السَّبَب، هل يمنع التَّعلُّق بعموم اللفظ أم لا؟ * فقال قوم: إنَّ ورود الخطاب العام على سبب خاص يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ويقتصر اللفظ على السَّبَب. * وقال آخرون: إنَّه لا يمنع التعلُّق بعموم اللفظ، ولا يقتصر اللفظ على السَّبَب، بل يجري على عمومه؛ وهو الصحيح (٣).

стр. 133

واعلم: أنَّ المسألة مفروضة في لفظ لا يستقل بنفسه دون سببه، كقوله صلى الله عليه - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرطب إذا يبس؟» فقيل: نعم، فقال: «فلا إذا» (١). ولذلك أمثلة كثيرة: * منها: ما رُوي أنه صلى الله عليه سئل عن ماء بئر بضاعة، أيتوضأ بها؟ - وأنَّها يُطرح فيها لحوم الكلاب والمحايض -، فقال صلى الله عليه وآله: «خُلق الماء طهورا، لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير طعمه أو ريحه» (٢). * وكذلك: قوله صلى الله عليه - وقد سئل عن رجل اشترى عبدا فاستغله، ثُمَّ وجد به عيبًا فردَّه، فطالبه البائع بالغلة والخراج، فقال: «الخراج بالضمان» (٣).

стр. 134

* وكذلك: روي أنه صلى الله عليه اجتاز على جماعة واقفين على شيء، فسأل عن ذلك، فقيل: «امرأة مقتولة»، فقال صلى الله عليه: «ما بالها قُتلت وهي لا تقاتل؟!» (١). ففي مثل هذه المواضع نقول: المعتبر عموم اللفظ، لا خصوص السبب، ونحتج بعموم اللفظ، فنسوي بين بئر بضاعة وغيرها، ويُسوَّى بين البيع وغيره. فَصْلٌ (٢) ومما عُدَّ من القرائن المخصصة وليس منها (٣): تخصيص العموم. اختلف النَّاس في العموم إذا خُصَّ؛ هل يجوز التعلق به أم لا؟ * فالذي عليه جماهير العلماء: جواز التعلق بالعموم المخصوص. * وقال عيسى بن أبان: «لا يجوز الاحتجاج به» (٤).

стр. 135

* وقال القاضي أبو بكر: «العموم إذا خُصَّ: صار مجازا، ولكن يجوز التعلق به، بل ربما وجب أن يُحتج به» (١). * وقال آخرون (٢): إن كان التخصيص بدليل منفصل: صار مجازا، لا يجوز التعلق به؛ وإن كان بدليل متّصل - كالتقييد بالشَّرط والصفة أو الاستثناء -: لا يصير مجازاً، ويجوز التمسك به. * وقال قوم (٣): إن خُصَّ بدليل معلوم: جاز التعلق به؛ وإن خُصَّ بدليل

стр. 136

مجهول: لا يجوز التعلُّق به (١). فَصْلٌ فيما أُلْحِق بالعموم وليس منه (٢) وهو صيغ التذكير في جموع السلامة؛ إذا ورد مطلقا: * يختص بالذكور، ولا يتناول الإناث (٣)؛ هذا ما اختاره الشافعي، وإليه صار المحققون من الأصوليين. * وذهب شراذم من الأصوليين إلى أنهنَّ يدخلن تحت مطلق اللفظ، وبه قال داود. واعلم أنَّ ما ذكره الشافعي [مبنيٌّ] على أمرين: أحدهما: أن صيغة الجمع يبتني على التثنية ويتنوع عليه، والتثنية مبنية على لفظ الوحدان، وقد فرّق في الوحدان والتثنيات بين المذكر والمؤنث في وضع اللغة قطعاً؛ فإنَّه يقال: مسلم، ومسلمان، ومسلمةٌ، ومسلمتان.

стр. 137

والثاني: أن قال: وقد صح في الحديث (١) أن أم سلمة قالت: «يا رسول الله، إنَّ الله تعالى أكثر ذكرَ الرّجال في القرآن، ولا نجد للنساء ذكرًا، فنزلت الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٣)»، فلو كان جمع الذكران يتناول الإناث وأنَّ النساء يدخلن في مطلق الجمع: لما سألتِ النَّبيَّ صلى الله عليه عن ذلك. مسألة (٤) * اعلم أنَّ أدوات الشروط كُلَّها تقتضي العموم، [مثل]: «من» (٥)، و «ما»، و «أينما»، و «حيثما»؛ هذا ما عليه أهل اللغة، وطابقهم عليه الأصوليون. * وذهب شراذم من متفقهة أصحاب أبي حنيفة الذين لا علم لهم بالأصول: أن لفظة «من» تختص بالذكور، ولا تقع على الإناث. وهذا الذي ذكره هؤلاء غير صحيح؛ فإنَّ صيغة «من» موضوعةٌ للذكور والإناث، وتشتمل الفريقين شمولاً واحداً (٦). وقد قالوا: إِنَّ «من» لمن يعقل،

стр. 138

وأذن لنا في إطلاقها على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (١)، ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ (٢) (٣) فصل (٤) اعلم أن التخصيص يقع بالأدلة المنفصلة، والأدلة المتصلة. أما المتصلة: فتكون بالاستثناء والتقييد بالشرط (٥) والصفة. والاستثناء مأخوذ من: «ثنى الشيء»؛ أي عطفه، فكأن الكلام كان مسترسلا على مقتضاه، ثم بالاستثناء ثنى أعطافه، فرد أطرافه، صار كأنه قبض بعضه عن بعض؛ قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (٧).

стр. 139

فصل (١) فأما الاستثناء المنفصل: فباطل؛ هذا ما اتفق عليه الكل. وروي عن عبد الله بن عباس ﵀ أنه قال: «هو صحيح»، وهذا لا يليق به، ولا يصح عنه. ووجه فساده: إجماع الناس على [أن] من أقر لغيره بمال، ثم بعد شهر استثنى: عد هاذيا بنفسه، وإقراره لازم. وحكم الاستثناء المنفصل حكم خبر المبتدأ إذا تأخر، كقول القائل: «زيد»، ثم يقول بعد أيام: «قائم»، فإنه لا يعقل (٢). فصل (٣) * الاستثناء من غير الجنس جائز، وقد نقل الفقهاء عن الشافعي أنه قال: «لو أقر مقر فقال له: "علي عشرة إلا ثوبا"، صح الاستثناء». * أما أصحاب أبي حنيفة: فأنكروا ذلك. وأما أبو حنيفة؛ فنقل (٤) عنه أنه يجوز استثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون؛ فإن اختلف الجنس فيقول (٥): «له علي عشرة دنانير إلا درهمين»، وكذلك يقول: «له علي

стр. 140

عشرة أكرار (١) حنطةٍ إِلَّا كُرَّ شعير»؛ صح وجاز، إلَّا أنَّه يقول (٢): «لا بُدَّ أن يكون التقدير الواحد شملهما، كاستثناء المكيل من المكيل والموزون من الموزون». والشافعي يقول: «لا بُدَّ أن تكون المالية شاملةً لهما جميعًا، كما يقول: «لفلان عليَّ عشرة أكرارٍ من الحنطة إلا ثوبًا»، أو: «عليَّ ألف دينار إلَّا كُرَّ حنطة». واختلاف الجنس لا يؤثر عندهما جميعا: ح و ش (٣)، إذا كان التقدير الواحد شملهما» (٤). مسألة (٥) الاستثناء إذا تعقب جملا قد عُطف بعضُها على بعض؛ فهل يعود إلى جميعها أو يعود إلى الجملة الأخيرة؟ اختلف الناس في ذلك (٦):

стр. 141

* فالذي نُقل عن أصحاب الشافعي: أنَّه يعود إلى جميع الجُمَل (١). * ونُقل عن أصحاب أبي حنيفة: أنَّه يعود إلى الجملة الآخرة (٢).

стр. 142

وليس عنهما في ذلك نصّ؛ غير أنَّ قولهما يدلُّ على ذلك في مسألة، وهي أنَّ القاذف إذا أناب: - قُبلت شهادته عند الشافعي؛ لأنَّ الاستثناء تعقّب جملا، فرجع حكمه إلى الكل. - وقال أبو حنيفة: لا يُقبل؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة. فَصْلٌ معقود في الأدلة المخصصة (١) اعلم أنَّ الأدلة المخصصة منقسمة: * إلى أدلة متَّصلة. * وأدلة منفصلة.

стр. 143

فأما المتصلة؛ فتنقسم أيضا: * إلى الاستثناء، * وإلى التقييد بالشرط والصفة. والمنفصلة أيضا منقسمة: * إلى ما يوجب العلم، * وإلى ما يوجب الظن. ومعنى التخصيص لا يرجع إلى الألفاظ حقيقة، وإنما يرجع إلى قصد المتكلم إلى بعض المسميات التي تندرج في اللفظ عند إطلاقه؛ فهو بقصده خصص مسميات، وعبر عنها بلفظ يقتضي الاستغراق لولا أنه قصده. فقصد المتكلم هو المخصص على الحقيقة، لا أن اللفظ العام صار خاصا؛ فإن العام قط لا يصير خاصا، كما الخاص لا يصير عاما؛ فعلى هذا إذا سمعت الفقيه يقول: «إن أدلة الكتاب أو السنة أو القياس خصت هذا العموم»؛ فهذا الكلام ليس على حقيقته؛ لأن العام لا يصير خاصا، والدليل لا يجعل العموم خصوصا، وإنما المخصص هو قصد المتكلم. وأما المنفصل المنقطع منه (١) -: فباطل على ما بينا. وكذلك إذا كان التخصيص بالأدلة المنفصلة جاز تأخيره (٢)، وقد بينا فيما

стр. 144

تقدَّم؛ فهذه الفروقُ كلُّها راجعة إلى الدليل المخصص (١). فَصْلٌ في الشُّرُوطِ (٢) اعلم أن الشروط منقسمة: * إلى شروط عقلية. * وإلى شروط نقلية شرعية. - فأما الشروط العقلية: فهي كالحياة شرط للعلم والقدرة. - وأما الشروط الشرعية: فكالطَّهارة والستارة شرطان لصحة الصلاة. فافتقار العقلي إلى شرط كافتقار الشرعي إلى شرطه. وقد يكون الشيء الواحد شرطًا في أشياء كثيرة، كالإيمان: شرط في صحة جميع العبادات، والحياة: شرط للعلم [والقدرة] (٣). وقد تكون الشروط الكثيرة شرطًا لصحة الشيء الواحد، كالطَّهارة والستارة واستقبال القبلة؛ [فإنها] شرط لصحة الصلاة. ومتى زادت الشروط: قلَّ المشروط؛ ومتى قلَّت الشروط: كثر المشروط (٤).

стр. 145

مثال ذلك: أنه إذا قال القائل: «اقتلوا المشركين»؛ كان ذلك مقتضيا لقتل الكلّ؛ لعدم شرط مخصص؛ فإذا قال القائل الآمر (١): «إِلَّا من أدَّى الجزية»، فقد قلَّ مَنْ وجب قتله؛ ولو قال أيضا: «إِلَّا النساء والصبيان والرهبان والمشايخ»، قل أيضًا (٢). فَصْلٌ في حمل المطلق على المقيد وكيفية الكلام فيه (٣) * بعض الفقهاء قالوا: المطلق والمقيد من قبيل العموم والخصوص. * وقال بعضهم: ليس من قبيل العموم والخصوص (٤)، وإنَّما هو من قبيل الزيادة (٥). * اعلم أنَّ المطلق: هو العام، والمقيَّد: هو الخاص، وإنَّما يُحمل المطلق
следующие страницы →