стр. 141
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 30163
التعليقة في أصول الفقه للكيا - قطعة منه
الكيا الهراسي
Полный текст (357 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 142
وليس عنهما في ذلك نصّ؛ غير أنَّ قولهما يدلُّ على ذلك في مسألة، وهي أنَّ القاذف إذا أناب:
- قُبلت شهادته عند الشافعي؛ لأنَّ الاستثناء تعقّب جملا، فرجع حكمه إلى الكل.
- وقال أبو حنيفة: لا يُقبل؛ لأن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة.
فَصْلٌ معقود في الأدلة المخصصة (١)
اعلم أنَّ الأدلة المخصصة منقسمة:
* إلى أدلة متَّصلة.
* وأدلة منفصلة.
стр. 143
فأما المتصلة؛ فتنقسم أيضا:
* إلى الاستثناء،
* وإلى التقييد بالشرط والصفة.
والمنفصلة أيضا منقسمة:
* إلى ما يوجب العلم،
* وإلى ما يوجب الظن.
ومعنى التخصيص لا يرجع إلى الألفاظ حقيقة، وإنما يرجع إلى قصد المتكلم إلى بعض المسميات التي تندرج في اللفظ عند إطلاقه؛ فهو بقصده خصص مسميات، وعبر عنها بلفظ يقتضي الاستغراق لولا أنه قصده.
فقصد المتكلم هو المخصص على الحقيقة، لا أن اللفظ العام صار خاصا؛ فإن العام قط لا يصير خاصا، كما الخاص لا يصير عاما؛ فعلى هذا إذا سمعت الفقيه يقول: «إن أدلة الكتاب أو السنة أو القياس خصت هذا العموم»؛ فهذا الكلام ليس على حقيقته؛ لأن العام لا يصير خاصا، والدليل لا يجعل العموم خصوصا، وإنما المخصص هو قصد المتكلم.
وأما المنفصل المنقطع منه (١) -: فباطل على ما بينا.
وكذلك إذا كان التخصيص بالأدلة المنفصلة جاز تأخيره (٢)، وقد بينا فيما
стр. 144
تقدَّم؛ فهذه الفروقُ كلُّها راجعة إلى الدليل المخصص (١).
فَصْلٌ في الشُّرُوطِ (٢)
اعلم أن الشروط منقسمة:
* إلى شروط عقلية.
* وإلى شروط نقلية شرعية.
- فأما الشروط العقلية: فهي كالحياة شرط للعلم والقدرة.
- وأما الشروط الشرعية: فكالطَّهارة والستارة شرطان لصحة الصلاة.
فافتقار العقلي إلى شرط كافتقار الشرعي إلى شرطه.
وقد يكون الشيء الواحد شرطًا في أشياء كثيرة، كالإيمان: شرط في صحة جميع العبادات، والحياة: شرط للعلم [والقدرة] (٣).
وقد تكون الشروط الكثيرة شرطًا لصحة الشيء الواحد، كالطَّهارة والستارة واستقبال القبلة؛ [فإنها] شرط لصحة الصلاة.
ومتى زادت الشروط: قلَّ المشروط؛ ومتى قلَّت الشروط: كثر المشروط (٤).
стр. 145
مثال ذلك: أنه إذا قال القائل: «اقتلوا المشركين»؛ كان ذلك مقتضيا لقتل الكلّ؛ لعدم شرط مخصص؛ فإذا قال القائل الآمر (١): «إِلَّا من أدَّى الجزية»، فقد قلَّ مَنْ وجب قتله؛ ولو قال أيضا: «إِلَّا النساء والصبيان والرهبان والمشايخ»، قل أيضًا (٢).
فَصْلٌ في حمل المطلق على المقيد وكيفية الكلام فيه (٣)
* بعض الفقهاء قالوا: المطلق والمقيد من قبيل العموم والخصوص.
* وقال بعضهم: ليس من قبيل العموم والخصوص (٤)، وإنَّما هو من قبيل الزيادة (٥).
* اعلم أنَّ المطلق: هو العام، والمقيَّد: هو الخاص، وإنَّما يُحمل المطلق
стр. 146
على المقيد بدليل؛ من قياس أو غيره.
وقال قوم: «إِنَّ المطلق يُحمل على المقيد من غير دليل ولا قياس»، وهذا جهل؛ لأن المطلق إذا كان في واقعة، والمقيد في واقعة أخرى؛ لا يقتضي ذلك على مجرده حمل أحدهما على الآخر - لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما مستقل في صفته (١) -، وإنما (٢) إذا كان مع المقيد دليل أقوى وأرجح مما في المطلق، وأدلّ على العمل به من دلالة دليل الإطلاق على الاستغراق.
أما الذين قالوا: «يجوز حمل المطلق على المقيد من غير دليل»، فقالوا ذلك من وجهين:
أحدهما: ظاهر ما وجدوه في كتاب الله من حمل المطلق على المقيد، مثل قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (٣). قالوا: قيد المعطوف بما قيد المعطوف عليه حتى صار المراد بقوله (٤): «والذاكرات الله كثيرا».
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ (٥)، تقديره: «ونقص من الأموال، ونقص من الأنفس، ونقص من الثَّمرات»، فلما كان كلُّ مطلق من هذا مقيدًا بما تقدم من مقيد، دلنا ذلك أنه يُحمل المطلق على المقيد من غير دليل.
стр. 147
جواب ذلك: أنا لو لم نحمل المطلق على المقيد في هذا الموضع: أدى إلى أن [لا] يكون الكلام مستقيماً ولا منتظماً؛ لأنه ليس إذا حمل مطلق لا يستقل بنفسه، ولا يصح الابتداء [به]، على مقيد يستقل بنفسه عند عطفه عليه وارتباطه به: ما يدل على أنه يجب أن يُحمل مطلق مستقل بنفسه يصح الابتداء به على مقيد مستقل بنفسه يصح الابتداء به من غير عطف ولا رابطة ودليل يقتضي حمل أحدهما على الآخر (١).
فَصْلٌ
اعلم أن من قال بحمل المطلق على المقيد عند وجود الدليل، اشترط في جواز ذلك شروطا:
* من ذلك (٢): ألا يكون المطلق يتجاذبه أصلان مقيدان؛ كلُّ واحدٍ منهما بالإضافة إلى المطلق على حد سواء، ولا يكون انجذابه إلى أحدهما أولى من انجذابه إلى الآخر؛ فإنه إذا كان كذلك، توقفنا في حمله على أحدهما؛ لعدم الدليل.
مثاله: هو أنَّ الله تعالى ذَكَرَ الصّيام في كفَّارة اليمين مطلقاً من غير تقييدٍ بالتتابع، ولا بالتفريق، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٣)، وفي صوم كفارة الظهار قيَّد بالتتابع، فقال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٤)، وفي صوم
стр. 148
التمتع قيد بالتفريق، فقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١).
فلما كان المطلق قد عارضه هذان الأصلان، ولم يكن لما نص فيه على التتابع مزية على ما نص فيه على التفريق: لم يكن حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر، وهذا يرجع إلى عدم الدليل، ويبطل الإلحاق (٢).
* ومن الشروط: ألا يكونا متباينين متباعدين، كالعتق في الكفَّارة والشهادة؛ فإنَّ الله تعالى أطلق ذكر الرقبة في كفَّارة الظهار، فقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وقال في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (٤)، فأطلق ذكر الرقبة ولم يقيد بالعدالة، وقال في الشهادة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ (٥)، فقيد الشهادة بالعدالة.
ولكن لما تباعد ما بين الشَّهادة والكفَّارة، لم يكن نصه على اعتبار العدالة في الشهادة قاضياً وموجبًا اعتبار صفة العدالة في الكفارة أيضا؛ ولذلك (٦) لما تباعدا: عدم الدليل المقرّب لأحدهما من الآخر (٧).
стр. 149
* فمذهب الشافعي: أنَّه يُحمل المطلق على المقيد، وهو مذهب مالك (١).
* ومذهب أبي حنيفة: أنَّه لا يُحمل؛ واختلف أصحاب أبي حنيفة في علة المنع من الحمل:
- فقال معظمهم: إنَّما لم يجز ذلك لأنَّه إذا شُرط في المطلقة الإيمان: فقد زاد في نص القرآن، والزيادة في النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز إلا بمثله.
- وقال آخرون منهم: إنَّما لم يُحمل المطلق على المقيد لا لأنَّ ذلك يعقب زيادةً، ولكن نقول إنه تخصيص، غير أنَّ هذا النوع من الدليل الذي تذكرونه لا يجوز التخصيص به، ولا يصلح أن يكون مخصصاً.
فصل (٢)
فأما الأدلة المنفصلة؛ فهي تنقسم قسمين:
* إلى ما يوجب العلم ويفضي إلى اليقين.
* وإلى ما يوجب الظَّنَّ.
- فأما الأدلة الموجبة للعلم: فهي مصدَّرة بأدلة العقل؛ لأنَّ العمومات لا يجوز انطواؤها على ما يخالف الأدلة العقلية.
стр. 150
كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٣)، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ هذه الآيات دالة على الاستغراق وقد أخرجنا منها المجانين، ومن لا عقل له - كالصغار -.
وكذلك قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤)، فاقتضى دليل العقل إخراج ذاته سبحانه وصفاته عن انطواء هذا اللفظ عليها وإن كانت أشياء.
واعلم أن من النَّاس من خالف في هذا فقال: لا يُعَدُّ تخصيصًا، ولا يسمى به؛ لأنَّ التخصيص: «هو أن يُخرج من اللفظ بعض ما دخل تحت اللفظ»، وهاهنا المخرج لم يتناوله اللفظ، ولا يتوهم دخول ما يقتضي العقل إخراجه في اللفظ، بل يقال: لم يدخل ذلك في اللفظ، ولهذا سفّه الله آراء أقوام، حيث توهموا مثل ذلك واعتقدوا أنَّ من جرى هذا المجرى تناولهم اللفظ، وإنَّما أخرج بدليل العقل، وذلك في قصة عبد الله بن الزبعرى، لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٥) قال: «اليوم أخصم محمدًا»، فجاء إليه وقال: «يا محمد، إنَّ المسيح والملائكة عبدوا من دون الله، أفيكونون في النَّارِ حَصَبَ جَهَنَّمَ؟»، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى
стр. 151
أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (١) (٢) في معرض الإنكار عليهم في اعتقادهم دخول
هؤلاء تحت اللفظ (٣).
مسألة: هل يجوز تخصيص العموم بالقياس أم لا؟ (٤)
* أما الفقهاء وكلُّ مَنْ خصَّ بخبر الواحد، خصَّ بالقياس أيضًا.
* وقال قوم: يخص بالقياس الجلي، ولا يخص بالقياس الخفي.
والقياس الجلي مثاله: قوله صلى الله عليه: «لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان» (٥)، فعلمنا من هذا أنَّ العلة فيه كونه غير مقتدر على استيفاء النَّظر وكمال الاجتهاد؛ لأنَّ الغضب يُذهل خاطره، ويأخذه حيرة ودهشة تمنعه من توفر النَّظَر، ثُمَّ نحن قسنا عليه الخائف والحزين والذي يعرض له من العوارض الجبلية والأمور التي تشغله عما هذا سبيله، - كالجوع المفرط، ومدافعة الخارج، وما شاكل ذلك - في كونه مانعا من توفر النَّظَر.
* قال القاضي: «أنا أتوقف فيه؛ فإنّي إذا توقفت عند معارضة خبر الواحد الصريح، فعند معارضة القياس أولى» (٦).
стр. 152
والذي ذكره القاضي من قوله: «إنَّ هذا مظنونٌ، وفي العموم أيضا ظن من وجه؛ فقد تعارضا» (١): هذا فيه نظر (٢)؛ وذلك أن يقال:
اعلم أنَّ الظُّنون مختلفة الأنواع؛ قد يزيد بعضُها على بعض، فلا تنحصر مراتبها:
- فمنها ما يتأخر [عن] العلم ويقارب أوائل اليقين.
- ومنها ما يتأخر [عن] الشك ويقارب الجهل.
[فلا يساوى] في النظر في كلِّ واحدٍ من الظَّنَّين (٣)؛ فقد يكون منها ما هو
стр. 153
أقوى وأغلب من الآخر فيترجح ظنٌّ على ظنٍّ (١)؛ وما وضع «كتاب الترجيح» إلَّا لهذا؛ فإن كان الظَّنِّيُّ الموجود في العموم أغلب: عُمل به؛ وإن كان الظَّنُّ المستفاد من القياس أغلب: عُمل به؛ ليس كالعلمين إذا حصلا لا يتضادان؛ لأنَّ اليقين ليس وراءه درجة أصلا يترقى إليها.
أما ما يتعلق بما ذكره بعض العلماء من الفرق بين القياس الجلي والخفي:
قال الشيخ (٢): ليس هذا بقياس؛ لأنَّه مقطوع به، والقياس ما كان في رتبة الظَّنِّ، وهذا ليس في مقام الظَّنِّ، وإنَّما هو المنصوص عليه.
أما القاضي قال: «هذا الذي قالوه إنَّه قياس جلي: جهل من هؤلاء المدعين، بل هذا أمر يكاد يُعرف قطعاً من فحوى قوله صلى الله عليه».
[فقد] تبيَّن سفه رأي أصحاب داود ومن وافقهم على قولهم حيث قالوا: إنَّ قول رسول الله صلى الله عليه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثُمَّ يغتسل به» (٣) يُحمل على ظاهره في أنَّ الإنسان لو بال في كوز، ثُمَّ صبَّ ذلك في الماء، جاز أن يغتسل به فيه؛ أو تغوط فيه: حلَّ له أن يتطهر به؛ ومن قال مثل ذلك لا يُكَالَمُ.
стр. 154
وبهذا الطريق حرمنا أكل مال الغير ولبسه والانتفاع به وأخذ مال اليتيم، وإن كانت الآية إنَّما تناولت الأكل، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ (١)، فلا يقال: إنَّ التحريم مقصور عليه، بل الأكل وغيره سواء في التحريم واستحقاق الوعيد؛ لأنَّه يُعلم من فحوى الآية، وقرينة الحال: التسوية بينهما.
وكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) على هذا التقدير.
[فإن قيل:] فقد حكي عن الشافعي أنَّه قال: «إذا استنبط من العموم قياس، وذلك القياس يعكس على المستنبط منه بالإبطال: كان القياس باطلاً في نفسه».
واعلم أنَّ هذا على خلاف ما تدلُّ عليه مسائله.
- والذي صح عنه: أنَّه قال - مع اختلاف أقواله في القاتل هل يرث أم لا؟: «إنَّ القاتل إذا كان حاكماً أو جلادًا أو ما جرى هذا المجرى أنَّه يرث. فقيل له: كيف يرث وقد قال النبيُّ صلى الله عليه: "لا يرث القاتل من مال مقتوله شيئًا" (٣)، وهذا قاتل؟ أجاب بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه إنَّما أراد بقوله القاتل الذي
стр. 155
يكون القتل منسوبًا إليه من كلّ وجه، ولم يكن قاتلاً بحق، فتأثير القتل (١) بغير حق، ففهم من مقصوده صلى الله عليه أنَّ المحروم: هذا القاتل؛ فأما إذا لم يكن القتل منسوبًا إليه من جميع الوجوه؛ فلا. والقاتل بحق لا تنسب إليه القتل من كل وجه، بل هو منتف عنه؛ لأنَّ المغلّب جهة الحق الذي استحق عليه، فيكون الحق قد قتله، ولهذا لا يُنسب إليه، وعن هذا قال علي ﵇: «ما من مسلم يموت في حد فأجد في نفسي شيئًا منه - الحق (٢) قتله - إلا شارب الخمر؛ فإنَّه شيء رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه» (٣). فإذا كان على هذا السبيل، خرج عن العموم.
стр. 156
- ومن ذلك أيضا ما صح عنه (١) أنه قال: «إنَّ لمس ذوات المحارم لا ينقض الوضوء»، فقيل له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢)، وهذا قد لمس، فيجب أن ينتقض وضوؤه؟ فقال: «نعم؛ إِلَّا أَنَّ الله تعالى استاق اللمس في استياق الأحداث الناقضة من خروج الخارج وغيره، وذكر اللمس لأنَّه أمر قد يتعقبه خروج الخارج في العادة، فالظاهر في هذا المحل أنَّه إنَّما أراد في هذا المحل اللمس المجرَّدِ للشَّهوة، وهذا إنَّما يتحقق في لمس غير المحرمات؛ فأَمَّا لمسهن، فلا؛ وهذا أمر يلوح مقترناً بسماع اللفظ ومعرفة الاستنباط» (٣).
فصل معقود في أفعال رسول الله صلى الله عليه؛ هل يُخص بها العموم أم لا؟ (٤)
اعلم أنَّ الناس اختلفوا في أفعال رسول الله صلى الله عليه؛ هل يُخص بها أم لا؟
وليس الكلام في الفعل الصادر من رسول الله صلى الله عليه المنقول آحادًا، وإنما الكلام فيما نُقل ورُوي عنه تواترا؛ لأنَّه إذا كان أحادا ولا صيغة له يُفصح بالمقصود: فهو مطَّرَحُ.
стр. 157
إنَّما إذا كان ثابتاً متواترا مقطوعاً به، وكان بعد هذا محتملا لأمور، متردّدًا بين أشياء؛ هل يُخص به أم لا؟
* صار صائرون إلى أنَّه يُخَصُّ به العموم، وإلى هذا ذهب الشافعي والفقهاء بأسرهم.
* وصار آخرون إلى أنَّه لا يُخَصُّ به العموم، وإليه ذهب القاضي.
اعلم بأن الذي يقتضيه نظر الأصول أن يكون الحقُّ فيما قاله القاضي (١)، والكلام في هذه المسألة يأتي مستوفى في أفعال رسول الله صلى الله عليه (٢)، إلَّا أنا نذكر هاهنا شيئًا، فنقول:
إنَّ العموم بصيغه يدلُّ على الاستغراق ويقتضيه، وفي القول دعاء للغير إلى اعتقاد ذلك، وأما الفعل فليس له صيغة تدلُّ على شيء، فيحتمل أن يكون ذلك الفعل الذي فعله من خصائصه؛ لأنه صلى الله عليه اختص بأشياء لا خفاء بها. وينضم إلى هذا أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه قد ينسى وقد يُخطئ وإن كان لا يقر عليه، ومن النَّاسِ مَنْ يجوز الصغائر - على الأنبياء - والغلط والنسيان، فيحتمل الفعل أحد هذه الوجوه؛ فإذا تعددت وجوه صارفة (٣): لم يجز أن يُقصر على وجه واحد، ولا يكون بيانًا لشيء، ولم يظهر من جهته صلى الله عليه الدُّعاء إلى فعله الذي فعله؛ فإن ظهر ذلك بقوله: كانت الحُجَّةُ في قوله، كما قال صلى
стр. 158
الله عليه: «صلُّوا كما رأيتموني أصلّي» (١).
فإذا ثبت ذلك: فقد كان العمل بمقتضى ما له صيغة تدلُّ على الغرض أولى؛ _ لأنه اتحد فيه وجه الدلالة - ممَّا لم يبين فيه دلالته على غرض (٢).
* وقال الشافعي (٣): «يجوز تخصيص العموم بفعل رسول الله صلى الله عليه». واحتج بحديث ابن عمر أنَّه قال: «رأيتُ رسول الله صلى الله عليه جالسًا على لبنتين يقضي حاجته مستقبلًا بيت المقدس» (٤)، «وإذا كان على ما ذكر، يكون مستدبرًا للكعبة»، فخصَّ به عموم قوله صلى الله عليه: «إذا ذهب أحدكم لقضاء الحاجة، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول» (٥)، فخص اللفظ العام بالصحراء دون البنيان، فقال: «يجوز إذا كان هنالك شيء شاخص من جدار أو سترة».
فصل معقود في جواز نسخ العموم بعادات المخاطبين (٦)
اختلف الناس في ذلك (٧).
стр. 159
اعلم أنا لا نعني بذلك عادة الناس التي كانوا ألفوها فيما بينهم؛ فإنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه بعث لنقلهم عن تلك العادات المألوفة إلى الأحكام التي لم تكن عندهم معروفةً.
وإنَّما نعني بالعادة أن يكون اللفظ موضوعاً في الأصل للاستغراق، ثُمَّ أَلِفوا التخاطب والاستعمال عند الإطلاق في شيء من تلك الأشياء.
مثال ذلك: أنَّ «الدَّابَّة» اسم وضع في اللغة لكل ما دبَّ ودرج، ثُمَّ صار مستعملا في العرف في الدابَّة المخصوصة، - البهيمة المعروفة ـ؛ فإذا ورد لفظ (الدَّابَّة) من الشارع؛ هل يختص بهذه البهيمة المعروفة ويُحمل على ما ألفوه فيما بينهم أم يكون اللفظ عاما في كل ما يدبُّ؟
يُنظر في ذلك:
* فما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه واستعمل ذلك أو أقرهم عليه أو وافقهم على استعماله ونقله صاغر عن كابر، وأداه أوَّل إلى آخر، أو ثبت أنه صلى الله عليه كان يخاطب كلَّ قوم بلغتهم: حُمِلَ ذلك على العادة المعروفة عند المخاطبين.
* وإن كان لا يخاطبهم في جميع خطابه إلا بلغة الحجاز ولغة بني هاشم؛ فإنَّ الحكم يكون على ما عُرف من خطابه في لغته دون العادة، فلا يجوز أن يُخص به العموم.
هذا كما استدلَّ الشَّافعي في إثبات العلة في الربا بقول رسول الله صلى الله عليه ونهيه عن بيع الطعام بالطعام (١):
стр. 160
* قال الشافعي: «وهذا اسم شامل لكل مطعوم».
* وأصحاب أبي حنيفة حملوا هذا الحديث على الحنطة والشعير، وقالوا: اسم الطعام إذا أُطلق إنَّما ينصرف إلى الحنطة والشعير، فلهذا يقال: «سُوق الطَّعام».
- … (١)
- ولأنَّ هذه لغةٌ مولدةٌ، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه، ولم يخاطبهم به؛ فإذا لم يكن ذلك ثابتًا في عصره، فلا يُحمل اللفظ عليه.
فَصْلٌ معقود في اللفظ إذا كان له عُرفان (٢)
* عُرف لغوي، وعُرف شرعي؛ ثُمَّ أُطلق في الشرع؛ فإنَّه يُحمل على عُرف الشرع دون عُرف اللغة؛ لأنَّه أقرب إلى حال رسول الله صلى الله عليه:
فإنَّه إنَّما يقصد البيان لأحكام الشرع؛ لأنَّه بعث مبينا للشرائع لا للغات؛ وصدر عن صاحب الشرع لفظ يجب أن يُحمل على عُرف الشرع إلَّا أَنْ يَصرفه صارف من قرينة أو غيرها.
* فإن لم يكن له عُرف شرعي: حمل على مقتضى الموضوع العقلي في اللغة، ولا يُحمل على غير ذلك من اللغات المولدة على ما بينا (٣).
стр. 161
فَصْل (١) ومِمَّا يجوز تخصيص العموم به أيضًا: إقراره صلى الله عليه (٢).
وإقراره ينقسم قسمين:
* إقرار على الفعل.
* وإقرار على الترك.
- أما الإقرار على الفعل: مثل أن يرى صلى الله عليه فاعلا يفعل فعلا على مناقضة عموم الكتاب أو السُّنَّة، فيدل إقراره عليه على جوازه، وكونه شرعًا، فيكون ذلك تخصيصا للعموم.
- وأما إقراره على الترك: فمثل ما روي عنه ﷺ -شائعا مستفيضاً- أنَّه كان يبت دعاته ويُنفذ جُباته إلى الأقطار والأطراف لأخذ الزكاة، ولم يُنقل أن أحدًا منهم أخذ الزكاة من الخضراوات، ولا نُقل أنه صلى الله عليه أمر أحدًا منهم بأخذها من الخضراوات؛ فإقراره على ترك الأخذ يدلُّ على تخصيصه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣).
وأبو حنيفة يذهب إلى إيجاب الزكاة في الخضراوات، ثُمَّ إنَّه لما رأى هذا
стр. 162
الدليل صادمًا له ورافعا لمذهبه: أحدث مذهبًا، [فقال]: «إذ يقال (١): «إنَّ الإمام لا يجب عليه أخذ الصدقة من هذه الأشياء، وإنَّما الواجب على ربِّ المال أن يفرقها بنفسه، بخلاف سائر الزكوات»».
فَصْلٌ (٢)
ومما يُخص به العموم أيضا: دليل الخطاب.
على القول الذي نقول إنَّه حُجَّةٌ: فهو كسائر الأدلة التي يُخص بها العموم، وذلك مثل أن يقول: «أكرم الناس جميعًا؛ مَنْ دخل الدار منهم». دليل خطاب هذا اللفظ يقتضي أنَّ من لا يدخل: لا يستحق الإكرام، ولم يكن ذلك في اللفظ.
فنقول: اجتمع دليلان أحدهما خاص، والآخر عام، فقدم الخاص على العام، فيُغلّب (٣) الخاص؛ وبهذا استدلَّ الشَّافعي على مَنْ ادَّعى وجوب الزكاة في المعلوفة لعموم قوله: «في الماشية صدقة» أو «في النعم زكاة» (٤). فقال الشَّافعي: «بلى، ولكن صح أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «في سائمة الغنم زكاة» (٥)، فلمَّا
стр. 163
خص السائمة بالذكر، عُلم أنَّه لا بُدَّ أن يكون لهذا القدر من التخصيص فائدةٌ؛ ولم تكن تلك الفائدة إلا قصر الحكم عليه؛ لأنَّ دلالته خاصة، ودلالة ذاك عامة، فقضى بالخاص على العام، وهو قوله: «في النَّعم الزَّكاةُ»».
وعلى هذا؛ إذا تعارض قياسان: أحدهما كُلِّيٌّ والآخرُ جزئي؛ فإنَّما يُقدَّم الجزئي؛ لأنَّه أخص، وهذا يأتي في كتاب الترجيحات إن شاء الله (١).
فصل (٢) هل يجوز تخصيص العموم بفعل الراوي ورأيه ومذهبه أم لا؟
* فالذي عليه المعظم من المحققين أنه لا يجوز ذلك، وهذا هو مذهب الشافعي؛ قال الشافعي: «الاعتبار بما رواه، لا بما رآه». ونُقل أنَّه قال: «رواية الراوي أولى من مذهبه ورأيه»، وفعله لا عبرة به مع نقله.
* ونقل عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: «يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي».
وهذا غير صحيح:
لأن رأيه ليس بأولى من رأي غيره.
ولأنَّه ممَّن يُقَرُّ على الخطأ ويجوز عليه الزلل، فكيف يترك القول المقطوع به بقول موهوم صحتُه؟! قال الشافعي: «كيف أترك الحديث لآراء قوم لو لقيتهم
стр. 164
لحاججتهم بالحديث!» (١).
- ولأن قول رسول الله صلى الله عليه حُجَّةٌ، وقول الراوي ليس بحُجَّةٍ، وفعله صلى الله عليه أيضًا حُجَّةٌ، وفعل الراوي (٢) ليس بحُجَّةٍ، فكيف يُترك الحُجَّة بما ليس بحُجَّةٍ!؟ فكان عموم اللفظ مقدما على أقوالهم وآرائهم.
فالعمل بالعموم أولى من تركه والرجوع إلى رأي الراوي ومذهبه.
هذا كما روي عن ابن عباس أنَّه قال: قال صلى الله عليه: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣)، وصح من مذهبه أن المرتدة لا تقتل.
فهذا كلام رسول الله صلى الله عليه؛ كيف يُترك بمجرد رأي الراوي واجتهاده، وليس له تعلق باللفظ، ولا يرتبط به بحال.
بلى، لو كان لفظ الحديث متردداً بين محامل جمةٍ وجهات شتى - مثل أن يكون محتملا عدة احتمالات -، ثُمَّ حَمل الراوي الحديث على بعض محتملاته وخص به، فيكون ما حمله الراوي عليه أولى بالاعتبار، فيقدم ذلك على غيره؛ لأنه أعرفُ بشواهد الأحوال وقرائن المقال (٤).
стр. 165
مثال ذلك: ما رُوي أنَّ عمر اجتاز على طلحة الصراف (١) وعنده مالك بن أوس بن الحدثان - وقد أعطاه ورقًا ليأخذ منه ذهبًا ـ، فقال له طلحة: إنَّ الخازنة غائبة، فلو غبت ساعةً وجئتَ حتّى تجيء الخازنة الغائبة، فسمعه عمر فعلاه بالدرة فقال: لا تفارقه حتى يعطيك حقك أو يرد عليك ورقك، سمعت رسول الله صلى الله عليه: «الذهب بالذهب رِبًا إِلَّا هاء وهاء، والفضة بالفضة ربًا إلَّا هاء هاء … » وساق الحديث (٢).
قال الشافعي: «لما كان قوله صلى الله عليه «يدا بيد» يحتمل الغيبية، ويحتمل القبض في المجلس، وحَمَلَهُ عمر على القبض: رجعنا إلى تأويله لذلك اللفظ، فرجَّحناه على تأويل غيره».
قال الشافعي: «وكيف لا يكون كذلك ولا نتبع تأويلهم، وقد شهدوا وغبنا، وسمعوا وأخبرنا، واطلعوا على القرائن وما اطلعنا». وقد يشاهد المعاين قرائن ما يغيب عنا، فيكون ما يراه من الوجوه أولى؛ لأنَّه أعرفُ بمخارج الكلام ومقصودِ الرسول صلى الله عليه، فكان المصير إلى تأويلهم أولى من هذا، بخلاف مخالفة الحديث بمجرد الرأي والمذهب ومجرّد المعتقد من غير أن يكون راجعا إلى احتمال اللفظ أو غيره؛ لأنَّ ذلك ترك للحديث من غير دليل ولا احتمال وجه له، وذلك باطل؛ فإنَّ الرَّاوي محجوج بالحديث في هذه الحالة كغيره، فكيف يترك الحديث بقوله؟! وهذا واضح لا غبار عليه.
стр. 166
فَصْلٌ معقود فيما يجوز ادعاء العموم فيه وما لا يجوز (١).
* اعلم أنَّ العموم يجوز ادعاؤه في الألفاظ المستغرقة كلها -كألفاظ العموم، والجموع، والمعرَّف بالألف واللام إلى غير ذلك-.
* ومما يُدعى فيه العموم: الأسماء المبهمة كـ: «من»، و «ما»، و «أين»، و «حيثما» (٢)، وكذلك النكرة في سياق النفي، كقوله: «ما رأيت رجلًا» (٣).
* ويجوز ادعاؤه أيضًا في فتوى رسول الله صلى الله عليه وحكمه:
كما لو حكم وأفتى في حق شخص بحكم؛ فإنَّه يعم ذلك الحكم لكل
стр. 167
شخص؛ إلَّا أنَّ هذا العموم لا يكون مُتَلَقَّىً من اللفظ، وإنَّما هو يُستفادُ من دليل آخر، وهو قوله صلى الله عليه: «حكمي في الواحد حكمي في الجماعة» (١).
- وكذلك لو حكم بحكم وعلَّله: كان المعتبر عموم علَّتِه.
* وكذلك أيضًا يجوز ادّعاء العموم في المعاني المُطَّردة والعلل العامة، كما رُوي أنَّه صلى الله عليه «سها فسجد» (٢)، وما أشبه ذلك.
فَصْلٌ (٣)
اختلف الناس في أقلِّ الجمع (٤):
стр. 168
فقال قوم: اثنان، وبه قال القاضي.
وقال آخرون: ثلاثة، وبه قال الشيخ أبو المعالي (١).
ونقول:
- ليس من صورة المسألة (٢) ولا من غرضنا: الجمع المتصل المضمر (٣) المخاطب أو النظم (٤) المتّصل بكلام الواحد وإشارته فيه إلى نفسه إذا كان معه غيره، كقوله: «فعلنا»، و «صنعنا»، فرُبَّما يكون الفاعل واحدا وليس معه غيره؛ لأنَّ هذا اللفظ مما لا يجري فيه التثنية والجمع.
- وليس تصور المسألة أن يُضاف شيء إلى شيء فيجمع نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (٥)، والمعنى «قَلْبَاكُما»،: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦)، فهذا جمع.
والمسألة موضوعة على رأي المعممين، لا على ما جرى النزاع فيه (٧).
стр. 169
فَصْلٌ معقود في بناءِ الخاصِّ على العامِّ (١)
إذا اجتمع عامٌّ وخاصٌّ في قضيةٍ واحدة؛ كيف العملُ؟
اختلف الناسُ في حَمْلِ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبه - العامُّ والخاصُّ - إذا لم يُمكِنِ الجمعُ بينهما:
* فالذي نُقِلَ عن الشافعيِّ - وهو مذهبُ الفقهاءِ -: أنَّ الخاصَّ يُقضى به على العامِّ كيف تصرفتِ الحالُ، سواءٌ كان الخاصُّ متقدِّماً والعامُّ وَرَدَ بعدَه، أو كان العامُّ متقدِّماً والخاصُّ واردٌ بعدَه (٢).
* والصحيح فيه: ما ذكرَه القاضي، فقال: هذا يستدعي تفصيلاً، وهو أن يقال:
- لا خلافَ أنَّهما إذا وَرَدَا معاً؛ فإنَّه يُقضَى بالخاصِّ على العامِّ، كقوله تعالى: «اقتُلوا المشركين إلاَّ من أعطى الجزية» (٣).
стр. 170
- فأما إذا وردا مفترقين:
- إن كان الخاص واردا بعد العام؛ فلا شك في أن الخاص يقضى به على العام إذا كان الخاص نصا لا يحتمل التأويل، ويكون العمل به فيما خصه.
- «فأما إذا كان الخاص واردا بعد العام وكان الخاص في احتمال التأويل بمثابة العام؛ فإنهما يقعان (١) ويتعارضان، ولا يترجح أحدهما على الآخر» (٢).
مثال ذلك:
أن يستدل الشافعي: على أن الزكاة لا تجب في الخضراوات، ولا في الناقص عن خمسة أوسق من التمر صدقة.
ويستدل الحنفي: على وجوب الزكاة في هذه الأموال بقوله صلى الله عليه: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر» (٣)، وهذا
стр. 171
عام في كل مال؛ فيُحمل على مقتضاه؛ ويقول: إِنَّ العُشر واجب في كلّ ما يُنبته الآدميون، وفي كلّ قدرٍ؛ فلم يعتبر جنساً مخصوصاً من الزرع، ولا قدرًا مخصوصاً.
فقال له الشافعي: فقد قال صلى الله عليه: «ليس في الخضراوات زكاة» (١)، وقال أيضا: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» (٢)، فالخبر الذي ذكرتم إذا يُخرجه التخصيص (٣)، فَأَحْمِلُه:
- على غير الخضراوات ممَّا يُسقى، ويُعشر؛
- وعلى التمر إذا كان خمسة أوسق؛ بدليل هذين الخبرين.
فقال أبو حنيفة: أنا أؤوّل ذاك الخبر الخاص، وأقول: «المراد: ليس فيه صدقة يأخذها الإمام ويفرّقها، بل ما فيه من الصدقة يؤديها ربُّ المال ويفرّقها؛ لأنه قدر يسير لا يُدفع إلى الإمام؛ بدليل خَبَرِي العام»، وهو قوله صلى الله عليه: فيما سقت السَّماءُ العُشْرُ.
الشافعي يعارضه، ويتأوَّل خبره، ويقول: المراد بقوله: «فيما سقت السَّماء العُشْرُ»، مما يقتات وقد بلغ خمسة أوسقٍ؛ بدليل قوله: «ليس في الخضراوات صدقة»، و «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ من التَّمر صدقةٌ».
فقد وقع التعارض في هذه الأخبار بكلِّ حالٍ، وحظ الأصول: التوقف فيما
стр. 172
هذا سبيله؛ إلَّا أَنَّ الترجيح يقع في كل واحدٍ من المذهبين بأدلَّةٍ أُخَرَ.
فصل (١)
إذا ورد عامان وأمكن تخصيص كلّ واحدٍ منهما بدليل العموم؛ فإنَّهما يتعارضان ولا يُقدَّم أحدهما على الآخر إلى أن يظهر وجه الترجيح.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٢)، هذا عام في جواز وطء كلّ ما ملكت بملك اليمين والنكاح جميعاً حتّى قال قوم: يجوز الجمع بين وطء الأختين في ملك اليمين؛ وورد عموم آخر، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣)، وهذا عام في تحريم الجمع بكلّ حالٍ في ملك اليمين وملك النكاح جميعاً:
* فمن ذهب إلى إباحة الجمع بين وطء الأختين في ملك اليمين قال: المراد به الجمع بين الأختين في النكاح.
* ومن قال: يحرم الجمع بين الأختين بكل حال قال: المراد بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في غير الأختين؛ فقد تساويا وتعارض العمومان من كل وجه.
فمقتضى نظر الأصول أن يُتوقف في ذلك، وهذا المعنى الذي أشار إليه علي ﵇، وقال: «التحريم أولى» (٤). واعلم أنَّ التحريم هاهنا ليس لأنه اتضح
стр. 173
دليل - لأن التعارض لا يقتضي إلَّا التَّوقف، ولا يقتضي حكما ـ؛ ولكن التحريم هو بدليل آخرَ، وهو التمسك بمقتضى الأصل.
ومن هذا القبيل: قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى أن قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (١)، فخصَّ أهل الكتاب بذلك دون سائر المشركين. وقال صلى الله عليه لمعاذ: «خُذْ مِنْ كلّ حالم دينارًا» (٢)، فهذان عامان.
* قال الشافعي: تمنع أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العرب، وإِنَّما تُؤخَذ من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، هذا عام في حقٌّ مَنْ أدى الجزية ومن لم يؤد؛ ويُحمل خبر معاذ على الحالم الكتابي.
* وأبو حنيفة يجوز أخذ الجزية من الوثني، ويتمسك بقوله صلى الله عليه المعاذ: «خُذْ مِنْ كلِّ حالم دينارًا»، أو يحمل الآية على أهل الحرب؛ والمنع محتمل.
فهذا تعارض بين العمومين، فيحكم بالتوقف إلى حين ظهور دليل الترجيح.
ومن هذا القبيل أيضا: قوله صلى الله عليه: «من بدل دينه فاقتلوه» (٤):
* فمن أوجب قتل المرتدة: احتج بعموم هذا.
стр. 174
* وَمَنْ منع: احتج بعموم قوله صلى الله عليه: «لا تقتلوا امرأةً ولا عسيفا» (١).
فالشافعي يقتل المرتدة، ويحمل قوله: «لا تقتلوا امرأةً» على غير المرتدة؛ ومن لم يقتل المرتدة، تمسك بقوله صلى الله عليه: «لا تقتلوا امرأةً»، وحَمَلَ قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» على الرجال.
فهذه أمثلة تعارض العموم؛ فافهمه وقس عليه.
مسألة (٢)
إذا ورد لفظ عام ثُمَّ تعقبه استثناء أو تقييد بصفة أو شرط يقتضي استنزال اللفظ العام عن عمومه وشموله، فهل يكون اللفظ العام باقيا على مقتضى الاستغراق والعموم؟ والتَّقييد بالصفة يختص بمن وُجدت تلك الصفة به، ويكون التقييد والتخصيص عائدا إلى العام بالتخصيص؟
هذا ما اختلف الأصوليون فيه؛ إلا أبا الحسين البصري؛ فإنَّه قال: يجب التوقف في ذلك (٣).
مثال هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
стр. 175
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١) خاص في حقٌّ مَنْ يصح منها العفو. وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ عام في حق (٢) كل مطلقة يقتضي إيجاب نصف المسمى لها، سواء كانت بالغةً أو غير بالغة؛ لأنه علق وجوبه على عدم المسيس، وعِلَّةُ الحكم قد وجدت. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يقتضي [أنها] يصح منها العفو، وهي البالغة. فهل تكون هذه الصفة قاضية على العموم الأوَّلِ بالتّخصيص حتَّى لا يجب نصف المسمى قبل الدخول إلا للبالغة؟
أو يكون العام على ما يقتضيه، ويكون الإسقاط مختصا بالبالغات؟
اختلف الناس في ذلك:
* فمذهب الشافعي وأصحابه وعامة المتكلمين: أنَّ اللفظ العام الأول على ما يقتضيه من الاستغراق (٣).
* وقال أبو حنيفة: بل ما تعقّب من الصفة يقتضي تخصيص اللفظ وتقييده بمَن وُجدت به تلك الصفة.
* وتوقف أبو الحسين البصري فيه.
والذي يدلُّ على ذلك (٤): أنَّ العموم ظاهر في الاستغراق، وهذا خصوص تطرق إليه بالشرط أو الاستثناء (٥)، فحمل كلُّ واحدٍ منهما على مقتضاه؛ أو صار
стр. 176
بمنزلة جملتين عُطف إحداهما على الأخرى، ثُمَّ خُصَّ المعطوف بأمرٍ يَخصه بصفة أو بشرط: لا يقتضي هذا عود التخصيص إلى المعطوف عليه، بل لكل حكمه، فلا يشتركان في الوصف (١).
نظير هذه المسألة: قوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا البر بالبر … إِلَّا كيلا بكيل» (٢).
* فالشافعي يحرّم بيع الحفنة بالحفنتين بهذا الحديث، ويقول: قوله: «لا تبيعوا البر بالبر» عام يشمل المكيل وغير المكيل؛ فأحمله على مخصوصه، وأحرم البيع على الإطلاق في البر؛ وقوله: «إِلَّا كيلا بكيل» تخصيص لبعض المحال؛ فاستثناء المكيل يعود إلى المكيل، ويبقى الباقي على عمومه، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل ولا بيع الحفنة بالحفنتين؛ غير أنَّ حُرمة بيع المكيل بالمكيل يكون معللا؛ لعدم (٣) التساوي، وما ليس بمكيل محرَّم بما ورد فيه من اللفظ العام.
* وأبو حنيفة يقول: قوله: «إلا كيلا بكيل» راجع إلى ما تقدم من نهيه عن بيع البر بالبر، فيصير كأنَّ النَّهي تناول المكيل فقط؛ لأنَّ ما تعقّب من الاستثناء ولعل الصواب ما أثبت.
стр. 177
يقتضي الرجوع إلى ما تقدم، فيجعله جملةً واحدةً.
وأبو الحسين البصري خالف القولين، وقال: «أتوقّف».
مسألة (١)
إذا وردت جملتان؛ إحداهما مستقلة والأخرى [غير] مستقلة، وعطف ما لا يستقل على ما يستقل، وأضمر في الجملة المعطوفة زيادة؛ هل يكون في المعطوفة عليه مثل ذلك الإضمار ويعود الإضمار [٨٩/ ظ] إلى (٢) الجملة الأولى المعطوف عليها أم لا؟
… (٣)
قال أبو الحسين البصري: بل تكون الزيادة المضمرة في الجملة المعطوفة راجعة إلى الجملة الأولى، وإليه ذهب أبو حنيفة.
فنبين أولا مثال ذلك:
* قوله صلى الله عليه: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (٤):
- فأبو حنيفة يقول: المضمر في قوله: «ولا ذو عهد» معناه: لا يُقتل ذو عهد
стр. 178
بكافرٍ، فالمظهر في المعطوف عليه هو الذي أضمر في المعطوف، فكان تقدير الكلام: «لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد بكافر». قال: لأن الوصف يقتضي التشريك، والواو ظاهر العطف والتشريك، ومن قضيَّة العطوف والتشريك أن يشتركا في الإعراب والمعنى، ولا يتحقق حكم العطف والتشريك إلَّا إذا رُدَّت إلى الجملة الأولى وساوتها في حكمها.
- والشافعي يقول: قوله: «لا يُقتل مسلم بكافر» مستقل بنفسه يحمل على ظاهره، وقوله: «ولا ذو عهد في عهده» محمول على أنَّه لا يجوز قتله ابتداءً بكفره. قال: لأن العطف فيما لا يتصل يقتضي أن يُشرك (١) بين المعطوف والمعطوف عليه في قدر ما يستقل به؛ فإذا استقل بأن يُشرك بينهما في معنى، فقد زالت الضرورة وحصل الاستقلال.
ونحن نقول: قد اشتركا في نفي أصل القتل، فلا يقتل مؤمن بكافر، ولا يُقتل ذو العهد، وليس من شرطه أن يشتركا في جميع الأحكام، وهذا لأن العطف إذا كان له وجه صحيح مستقل - وهو التسوية بينهما في نفي أصل القتل، وهو الحكم الخاص - كان أولى من إثبات التَّزَيُّد في كل حكم، وهذا لأنَّ الجملتين إذا أمكن إفراد كل واحدة منهما بحكم، وجب تمييزها عن الأخرى، فلا تجعل الواو موجبةً لتساويهما مع ظهور الفائدة، فصارت هذه بمثابة قول القائل: «لا تقتل النصارى بالحديد، ولا اليهود في الأشهر الحرم»، هذا العطف لا يقتضي إلا الاشتراك في نفي أصل القتل؛ وإن اختلفا في صفته، فلا يقتل النصارى بالحديد في الأشهر الأخر، ولا في أشهر الحرم، ولكن يجوز قتلهم بغير حديدٍ؛
стр. 179
ولا يُقتل اليهود في أشهر الحرم؛ فيُحمل قتل النّصارى على أنه نهي عنه في الأشهر كلها بالحديد، وأنه نهي عن قتل اليهود في أشهر الحُرُمِ بالحديد وبغيره؛ تسوية بين الجملتين من غير أن يُشرك بينهما من كل وجه؛ كذلك في مسألتنا.
* * *
стр. 180
كتاب المفهوم (١)
اعلم أنَّ هذا النوع من الدَّليل سُمِّي بأسماء؛ منها: «مفهوم الخطاب»، و «دليل الخطاب»، و «لحن الخطاب»، و «فحوى الخطاب»، و «التنبيه».
وهو منقسم إلى:
* مفهوم الموافقة.
* ومفهوم المخالفة.
فأما مفهوم الموافقة؛ فهو إثبات الحكم في غير المنطوق به على الوجه الذي ثبت في المنطوق به على موافقته ومطابقته.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ [لَهُمَا] أُفٍّ﴾ (٢)؛ نص على تحريم التأفيف، ثُمَّ فُهم من هذا الكلام تحريم أنواع التعنيف وضروبه من السب والشتم والضرب وغير ذلك، حتى لو نص الشرع على الجمع بينهما: استحال ذلك وعُدَّ تناقضاً؛ فإنَّه لو قال: «لا تقل لهما أف واشتمهما» … (٣).
واختلف الأصوليون بعد ذلك في أنَّ هذا الحكم؛ هل هو مستفاد؟