← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30163

التعليقة في أصول الفقه للكيا - قطعة منه

الكيا الهراسي

Полный текст (357 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المخبرون على ذلك، ولا يقال ذلك. لكن يقال: هذا باطل؛ لأنَّ التَّواطؤ من مثل هذا العدد لا يتصور، وفيه إبطال الشرائع والنبوات، وسدّ باب التواتر مع الاتفاق من الأعصار في ثبوتها؛ فبان بهذا فساد قولهم. * فإن قالوا (١): فنحن نرى الحشوية والمجسمة وهم خلق كثير يتواطؤون على المحال، ويُنكرون الضروريات، ويقولون بقدم الحروف، ولا ينكشف لهم، ولا يرجعون عنه. • قلنا: هؤلاء إذا حقق عليهم القولُ: لا يقولون بالقدم حقيقةً؛ فإنَّا إذا قلنا لهم: هذا المصحف متى ابتدئ؟ ومتى كُتب؟ ومتى خُتم؟ ذكروا زمانًا؛ وجريان الزمان وتجدد المدَّة على القديم محال، وإنَّما أتوا بلفظ «القدم»؛ لأنهم اعتقدوا أنَّ فيه نوع تعظيم، ولفظ «الخلق» و «الحدث» فيه إهانة وابتذال؛ فصاروا إلى العبارة، لا إلى الحقيقة. * فإن قيل: أنتم قد علمتم قُبْحَ ما قبَّحناه، وحُسْنَ ما حسَّنَّاه، فجميع ما قلنا إنه حسن قلتم إنَّه حسن، وجميع ما قلناه إنَّه قبيح قلتم إنَّه قبيح؛ فقد توافقنا على الحكم، وإنَّما اختلفنا في الطريق والمدرك فيه والمسلك؛ ولا يضرُّ الاختلاف في الطَّريق بعد التوافق على الحكم؛ هذا كما أنَّ الكعبي قال: «إِنَّ العلم الحاصل عقيب خبر التواتر نظري، وسائر العلماء قالوا: ضروري (٢)».

стр. 72

وإنَّما وقع الخلاف في طريقه بعد الوفاق على حصول أصل العلم، فلم يضر ذلك؛ كذلك فيما نحن فيه. • قلنا: نحن نبني الخلاف بيننا وبينكم في الحكم من وجهين: أحدهما: أن عندكم إِنَّما حَسُنَ من الله تعالى إيلام البهائم والأطفال؛ لأنَّه يعوّضهم عليه في العقبى، فيحشرهم وينشرهم، ويجعل لهم مراتع يرتعون فيها، ويجب عليه ذلك؛ ولو لم يفعله، لقبح ذلك منه عقلا، وعندنا لا يجب على الله تعالى التعويض، ولا هو قبيح منه ذلك، فهذا خلاف في الحكم، لا في الطَّريق. الثاني: أنَّ عندنا يجوز أن يَرِدَ الشَّرع، فيحسن ما نقبّحه، ويقبح ما نعده حسنًا، وعندكم لا يجوز أن يرد الشرع بذلك؛ فبان أن الخلاف بيننا حاصل في الحكم أيضا.

стр. 73

وأما الطريقة الإلزامية فهو أنا نقول: إذا قلتم «إنَّ الحَسَن إنَّما كان حسنًا بصفة نفسه، ولما هو عليه من ذاته»، فلا يجوز أن يتغيَّر ويتبدل عن صفة نفسه، ويصير القبيح حسنًا والحسن قبيحا. * قالوا: كذا نقول، لا يجوز أن ينقلب ويتبدل صفة نفسه ما دامت النفس باقيةً. • قلنا: فإذا كان الأمر بهذه الصفة، فيلزم من مساق هذا الكلام ألا يجوز أن يوجد صدق إلا وهو حسن، ولا كذب إلا وهو قبيح. * قالوا: كذلك نقول؛ لا يجوز أن يكون صدق قبيح، ولا كذب حسن. • قلنا: فنحن نريكم [فساد] ذلك: بيانه (١): وهو أنَّ بعض الظَّلمة لو أنه طلب قتل نبيٍّ، فهرب النَّبيُّ من بين يديه، وهو يقتص أثره، ويطلب حتفه شاهرًا سيفه ليقتله، فانتهى [٧٦/ و] النَّبيُّ إلى طريق ضيّق - هو مفرق طرق كثيرة - فدخل في بعض تلك المنافذ والعواطف فابتنى فيه، فصادف الظَّالم رجلًا على مفرق الطريق فسأله: أين النَّبيُّ؟ وأين استقر؟ (٢) أتقولون: إنَّه يصدق هذا الرجل أو يكذب؟

стр. 74

* إن قلتم يصدق، فمعاذ الله من هذا الكلام؛ لأن فيه فسادين: قتل لنبي معصوم، وإبطال شريعة (١)، فكيف يقال: إنَّه يصدق مع ما فيه من الانطواء على هذه المفاسد. * وإن قلتم يكذب، فقد صار الكذب حسنًا في بعض الأحوال (٢)؟! * فإن قالوا: نقول: إنَّه يصدق، والصدق على حالته هذه حسن، والكذب قبيح. * قلنا: أجمع الناس على أنَّ الصدق في هذه الحال قبيح، وأنَّ الكذب حسن، وكذلك لا قبيح في عالم (٣) الله تعالى أعظم من القول بأنَّ الله ثالث ثلاثة، وأن محمدًا ساحر، ثُمَّ قد أباح الشَّرع هذا القول والتلفظ به في حال الضرورة حتَّى إِنَّ مِنْ العلماء من قال: يجب ذلك؛ فدلَّ أنَّه ليس قبيحاً لنفسه؛ إذ لو كان قبيحاً لعينه، لما تغيرت صفة نفسه. * فإن قالوا: إِنَّما حَسُن في هذه المواضع؛ لأنَّه اقترنت به أمور حسنةٌ غطت على قبحه، فصار مغموراً بما اقترن به من الحسن، كالصغائر في جنب الطاعات. • قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان مُبقى على ما كان من صفة النفس إلَّا أنه تغطى بأمورٍ، لَبَقِيَ على ما كان عليه من قبل اقتران الأمور به، ونحن نعلم أنه لم يبق على ما كان، بل قد زال حكم صفة النفس حتى لا يحسن الدم واللوم عليه.

стр. 75

أما الطريقة البرهانية اعلم أنَّ غموض المسألة إنَّما كان وتَنَشَّأَ من تلبس في عبارتها؛ فإذا كشف عن ذلك، اتضح مقصودها، وذلك أن يقال: هذه الأمور مما يعرفها العقلاء بعقولهم، ويدركون قُبح المقبَّحات، وحُسن المستحسنات بأوائل أذهانهم، وإنما كان ذلك لسر؛ وهو ميل الطباع ونفرتها. وذلك لأن الطباع تميل إلى ما فيه مسرتها، وتنفر عما فيه مضرتها، وهذا لا يختص بالعقلاء؛ فإنَّ البهائم تميل طباعها إلى نفعها، وتنفر عن مضارها. غيرَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يسمَّى «حكيمًا» لأنَّه ينظر ويتفكر في عاقبة الأمر، ويفرّق بين الخير والشَّرِّ، ومنهم مَنْ لا ينظر في ذلك، فلا يقال له «حكيم». فنقول: هذا الذي تميل إليه الطباع وتنفر عنها، إنَّما هو لأغراض ومقاصد، فمالت الطباع ونفرت لأغراضها. فالكل متفقون على مراعاة المصلحة والفائدة، وليس كلامنا في هذا الفن، إنَّما كلامنا فيما هو حَسَنٌ وقبيح، وذلك إنَّما هو من تكاليف الشرع وأمره ونهيه. * فإن قيل: نرى الخلق مطبقين مجمعين من لدن آدم إلى زماننا هذا على حسن الثناء والمدح لمن فعل الحسن، وعلى استحسان مكارم الأخلاق والإنعام والإكرام وإذلال المعروف وابتداء الجميل، ويطبقون على ضدّ ذلك من ذم من أساء وظلم وتعدى وأتى بالقبائح!

стр. 76

* قلنا: إنَّما كان ذلك كذلك؛ لأنَّ فيه انتظام أمر المعاش، وصلاح الخلق، وقوام الدُّنيا، وكلُّ ذلك عائد إلى الأغراض. [٧٦/ ظ] * فإن قيل: لو كان حُسن المستحسنات وقبح المقبحات لا يُعلم إلا بالسمع: كان ينبغي ألا يعلمه إلَّا مَنْ علم السمع وقال به، وأَنَّ مَنْ لا يعلم السمع ولا عرفه قط ولا صدق رسوله: لا يعرفه، ونحن نرى البراهمة والمنجمين وجميع من عدا الشرعيين يعرفون حُسن الحَسَن وقبح القبيح؛ فعلمنا أن ليس طريق ذلك السمع، وإنَّما طريقه العقل. * قلنا: هذا الكلام يتطرق إليه تقسيم، وذلك أنهم يعرفون ذلك على معنى ميل طباعهم إلى أهويتهم (١).

стр. 77

مسألة (١) * شكر المنعم واجب بالسمع. * وقالت المعتزلة: يجب عقلا. * قالوا: نقول: الشكر هو الإقدام على المستحسنات، والإحجام عن المستقبحات العقلية (٢). قلنا لهم: لا يخلو أن يكون الشكر عائداً إلى غرض الشاكر أو المشكور:

стр. 78

أما الشاكر، فلا غرض له في الشكر (١). * فإن قالوا: فإذا قلتم: «لا يُعلم شيء إلَّا بالسمع»، كان فيه إبطال للسمع ورد لما جاءت به الرسل، وهذا هو السؤال الملقب بـ: «إفحام الأنبياء» صلوات الله عليهم (٢). وبيان ذلك: وهو أنَّ «النَّبيَّ» إذا تصدَّى للنبوة والرسالة، وتحدى النَّاس بمعجزاته، ودعا الخلق إلى طاعته واتباعه فيما جاء به يقول هذا المدعو: «لا يلزمني قبول قولك، والنَّظر في معجزتك؛ لأنَّ ذلك لا يلزمني إلا بالسمع، ولم يثبت السمع عندي، ولا استقرَّ الشَّرع الموجب للنظر؛ والعقل لا يوجب، فلا يجب عليَّ النَّظَرُ»، وفي هذا إفحام للأنبياء، ورد الحجج الله تعالى على خلقه، وسد لباب الإيمان على الخلق، وفيه إبطال الشرائع؛ وكلُّ مذهب يؤدي القول به إلى بطلان الشرائع، فهو باطل. وقرروا هذا على وجه آخر، فقالوا: أنتم إذا قلتم بأنَّ النظر في السمع يجب بالسمع، كان فيه إبطال للسمع؛ لأنَّه إنَّما يكون النظر واجبًا بالسمع في فروع السمع دون أصله، فأنتم إذا أوجبتم النظر في السمع بالسمع، فقد أوجبتموه لتعلموا السمع بالسمع، وفي هذا جعلُ السَّبب مُسَبَّبا والموجِبِ مُوجَبًا، وهذا باطل.

стр. 79

• قلنا: نقلب السؤال والإلزام عليكم؛ فنقول: ما ألزمتمونا في الشرع المنقول، يلزمكم قبله في قضيَّات العقول؛ فإنَّا نقول: أنتم ماذا تقولون؟ أتقولون إنَّ النَّظر يجب بمجرد العقل، أم بأمرٍ زائد عليه؟ * فإن قلتم بمجرد العقل، فباطل؛ لأنه لو كان يُعلم، لاشترك العقلاء فيه. فلما وقع الخلاف، دل أنَّه لا يُعلم (١) بمجرد العقل. * فإن قالوا: لا بُدَّ من أمر زائد. • قلنا: وما ذلك الأمر الزائد؟ * قالوا: الخاطرة (٢) التي تخطر للعاقل في نفسه وتُجاري حسه، فيقول: «لعل لي ربا إن شكرته أثابني، وإن كفرته عاقبني»، فيحدوه عقله عند جريان الخواطر له على النظر في سلوك طريق النجاة والإعراض عن سلوك طريق الهلاك. • قلنا: فهذه الخواطر تقع بكل عاقل أم ينفك منها عاقل؟ * فإن قالوا: لا يتصور أن ينفك منها عاقل، فمحال؛ فإنَّا نعلم أهل القرى والرساتيق (٣) لا تجري لهم هذه الخواطر.

стр. 80

* وإن قالوا: بل يتصور أن ينفك بعض العقلاء عنها. • قلنا: فهذا الخاطر (١) يخلقها الله تعالى وتقع ضرورةً، أم هو يخطر بها [و] ويجيلها بباله؟ * فإن قالوا: يخلقها الله تعالى، فباطل؛ لأنَّه لو وقع ذلك، لكان يشترك فيه العقلاء. * وإن قالوا: بل يقف على اختياره وإيثاره وهو يخطرها بقلبه. • قلنا: هذا غرضنا، ليس أنَّ النظر يجب عليه بهذا الخاطر مع تمكنه من الإعراض عن إجالته بقلبه وتركه إيَّاها، فكذلك نقول: إنَّ النَّظر واجب عليه بالسمع، ولا يجب قبل مجيء الرسول (٢).

стр. 81

مسألة (١) اختلف النَّاس في أحكام أفعال العقلاء قبل ورود الشرع: * فقال أهل السُّنَّة: إنَّه لا حكم لها (٢). * فأَمَّا مَنْ عداهم من طبقات الخلق، فإنَّهم اختلفوا: - فمنهم من قال: هي على الحظر. - ومنهم من قال: على الإباحة. - ومنهم من قال: على الوقف (٣).

стр. 82

كتاب التكاليف (١) اعلم أنَّ «التكليف» مأخوذ من الكلفة والمشقة، وهو تحمل ما فيه تعب على النفس، وثِقَل على البدن. * فإن قيل: فما تقولون إن ورد (٢) الشَّرع بأكل الطَّيِّبات والملاذ، والاستمتاع بالوجوه الحسان: أيكون هذا تكليفا أم لا؟ • قلنا: - إن قال لنا: اعملوا ما شئتم، وجعل زمام الخيرة إلينا فيما نفعله: لم يكن تكليفا. - وإن حد لنا حدا، وبَيَّنَ مرادًا، وعيَّنَ وقتًا، وشرط شروطاً: كان هذا تكليفا. وأما حد «التكليف» في الشرع؛ فقد اختلفت عبارتهم: * فمنهم من قال: «هو الدُّعاء إلى ما فيه مشقَةٌ وكُلفةٌ». * ومنهم من قال: «هو إلزام ما فيه كلفة ومشقة». فنشأ من هذا الاختلاف مسائل لفظية ومعنوية. فأما اللفظية؛ فمن ذلك:

стр. 83

«المندوب إليه» هل هو داخل في التكاليف أم لا؟ (١) * فمنهم من قال هو داخل في التكليف، وهو قول من قال: «إنَّ التكليف هو الدعاء إلى ما فيه كلفة ومشقة». وأمَّا مَنْ قال: «هو إلزام ما فيه مشقَّةٌ»، قال: «المندوب إليه ليس بداخل تحت التكليف». مسألة (٢) «المباح» هل هو داخل تحت التكليف أم لا؟ للسنة في ذلك مخالفان: * منهم من قال: هو من قبيل التكاليف؛ لأنه يجب على كل عاقل أن يُميّز بين المباح وغيره، وهو قولُ بعض أصحابنا (٣). * والثاني من المخالفين - وهو قول [الكعبي من] (٤) المعتزلة؛ فقال: «لا مُباحَ في الشريعة؛ لأنَّه ما من مباح إلا ويتضمَّنُ فعله ترك المحظور المنهي عنه المحرم فعله، وبنى ذلك على أنَّ الأمر بالشَّيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده» (٥).

стр. 84

مسألة (١) ومن هذا القبيل أيضا - ما يرجع الخلاف فيه إلى عبارة -: ما قاله أصحاب أبي حنيفة من الفرق بين الواجب والفرض (٢)؛ فقالوا: «الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجب: ما ثبت بدليل مجتهد فيه». واعلم بأنه لا بُدَّ أوَّلاً من أن نبيِّن معنى «الواجب» و «الفرض» في اللُّغة حتَّى نَبني عليه المقصود. اعلم بأنَّ «الفرض» في اللغة: هو التَّقدير والتَّحديد؛ قال الله تعالى: ﴿سُورَةٌ

стр. 85

أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا﴾ (١)، وسميت الفرائض فرائض؛ لأنَّها مقدرة، ومنه فرض القاضي، ومنه فُرضة القوس. وأما الواجب في اللُّغة: هو الثَّابت اللازم، ومنه يقال: «وجب الحائط»، إذا سقط، ووجبت الشمس، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٢)، يعني إذا سقطت، وقال النبي صلى الله عليه: «إذا وجب المريض فلا تبكين بائسا (٣)» (٤)، يعني [/] إذا فاضت نفس الميت، فلا تبكوا عليه (٥). مسألة (٦) ومن المسائل اللفظية: إطلاق الفقهاء وقولهم بأنَّ: «هذا فرض عين»، و «هذا فرض كفاية»، وهذا خلاف في اللفظ. ويتبين ذلك بأن نذكر حد الواجب وحقيقته؛ وأسد العبارات فيه: «هو ما تُعرّض للعقاب بتركه»، وهذا موجود في فرض الكفاية؛ فإنَّهم إذا تركوه وعطلوه: حرجوا كلهم، فصار كما في فرض العين، فلا فرق بينهما على التحقيق.

стр. 86

* فإن قال قائل: كيف تقولون إنَّه واجب على الجميع، ومعلوم أنه إذا قدم البعض على فعله وفعلوه، سقط عن الباقين؟ • قلنا: نحن لا نقول إنَّه سقط بفعل البعض، ولكن هذا واجب أوجبه الله تعالى لمقصود؛ فإذا فعل البعض، فقد حصل المقصود الذي لأجله وجب، فزال الحكم لزوال عِلَّتِهِ. فصل معقود فيما يجوز أن يَرِدَ الشَّرع به من التكاليف وما لا يجوز، ومن يجوز تكليفه ومَن لا يجوز (١) نبدأ بما يجوز أن يرد الشرع به من التكاليف وما لا يجوز، ونُصدّر هذا الفصل بـ: «تكليف العاجز هل يجوز أم لا؟»، وهذا مفتاح الكلام. * فعلى مذهب أهلِ السُّنَّة القول بجواز ورود (٢) الشرع بتكليف ما لا يطاق. * وأما من خالفهم من المعتزلة وغيرهم قالوا: لا يجوز؛ لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى. فصل معقود فيمن يجوز تكليفه ومن لا يجوز * قال مخالفو أهل السواد: إِنَّ كُلَّ حالةٍ تنافي فهم الخطاب؛ فإنَّها تنافي التكليف.

стр. 87

* وهم - يعني السواد - يجوزون ذلك. فَصْلٌ (١) * المجنون غير مخاطب بشيء أصلا، ولا مكلف. * [وقال] (٢) من خالف أهل السواد: أليس يقال: إنَّ الدين واجب على المجنون، وكذلك الميت؟ فلو لم يكن مكلفا، لم يوصف بأنه يجب عليه الدين. مسألة (٣) * السكران الذي لا يفهم الخطاب غير مخاطب؛ لأنَّه غير عالم بما يُكلّف. * وقال من خالف أهل السُّنَّة: هو مخاطب؛ لأنه أثم بترك الصوم والصلاة، فدل على أنه مخاطب، وكذلك طلاقه واقع. مسألة (٤) الكُفَّار مخاطبون بالفروع؛ هذا ما وقع عليه الإطباق من معظم الأصوليين من المعتزلة وغيرهم (٥).

стр. 88

ولم يُحْكَ عن الشافعي، ولا عن أبي حنيفة نص في الخطاب، وإِنَّما اسْتُدِلَّ على مذهب كل واحدٍ منهما في هذه المسألة بفروع المسائل: - فعند الشافعي في فروعه: مذهبه خطاب الكفار. - وعند أبي حنيفة أنَّ الكُفَّار غير مخاطبين؛ دل على ذلك فروعه. فَصْلٌ (١) ومما يتصل بذلك: «المكره». * وهو مكلّف عند أهل السنة، والإكراه لا ينافي التكليف. * ونقل عن المعتزلة أنَّ المكره غير مكلف. وهذا النقل غلط، وذلك من وجهين: أحدُهما: أنَّ المسطور عنهم (٢) أنَّ الملجأ ليس بمكلف - وهو المضطر المضطهد الذي لا قدرة له ولا اختيار ـ؛ فاعتقد الفقهاء بأنَّ «المكره أيضا غير

стр. 89

مكلَّف وهو في معنى الملجأ»، وليس الملجأ والمكره سِيَّانِ (١). الوجه الثاني: أنَّ القدرة إذا لم تكن صالحةً للدين، بطلت المحنة واستحقاق الثواب والعقاب. وعند الفقهاء لفظ «الإكراه» و «الإلجاء» بمعنى [٧٨/ و] واحد، لا يفرّقون بينهما، والمعتزلة تفرّق على ما نُقل؛ وأصح ما قيل عنهم: إنَّ المكره أولى أن يكون مكلفا، وعلى هذا بنى المعتزلة أصولهم.

стр. 90

كتاب اللغات (١) فصل اعلم بأن الإنسان (٢) لما لم يكن مكتفيا بنفسه في مهماته وغير ذلك، احتاج إلى معرفة اللغة، القدر الذي ينال به معرفة ما يجب عليه معرفته (٣). واعلم أن للأسماء حقيقة ومجازا (٤).

стр. 91

قال (١): فصل معقود في النفي المضاف إلى الجنس المطلق (٢) كقوله صلى الله عليه: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (٣)، و «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٤)، و «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (٥): - فهذا نفي للجنس، وهو صحيح. - حُجَّةٌ عندنا، نحتج به. - وليس بمجمل. * وقال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم: «هذا من قبيل المجملات التي لا يُحتج بها، ولا يصح التَّعلُّق بها». ووجه إجماله: أنه متردّد بين نفي الصوم الحقيقي الذي هو الإمساك لغةً، وبين نفي الصوم الشرعي؛ وإذا كان محتملا لهما جميعًا، ثبتا مجملا؛ فوجب التوقف فيه.

стр. 92

مسألة أخرى يُدعى فيها الإجمال، وليس بمجمل (١) وذلك مثل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٢)، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣). * قال قوم (٤): «هذا مجمل»، وليس ذلك بمجمل. * [وقال … ] (٥): عندنا - يعني مذهب أبي حنيفة - أنه ليس بمجمل (٦). مسألة معقودة في أنَّ القياس هل يجري في اللغات أم لا (٧)؟ (٨) استقرار المحققين من الأصوليين أنَّ اللُّغات لا تثبت قياسًا، ولا يجري ذلك فيها (٩).

стр. 93

وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة، وعزي هذا إلى الشافعي، ولم يدل عليه نصه، وإنَّما دلت عليه مسائله (١) (٢).

стр. 94

مسألة (١) * إذا كان اللفظ الواحد له عُرفٌ: محمل في اللغة، ومحمل في الشرع؛ فإذا أُطلق في اللغة، ثُمَّ استولى عليه عُرف الشريعة، وجب حمله - إذا أُطلق - على عُرف الشرع، ولا يُحمل على عُرف اللغة إلا بدليل. * وقال كثير من أصحاب أبي حنيفة: بأنَّه يُحمل عليهما جميعاً، كالنكاح يقع على الجماع، ويقع على العقد. مسألة (٢) * يجوز (٣) إطلاق اللفظ الواحد ويُراد به معنيان مختلفان ويُحمل عليهما

стр. 95

جميعاً، ما لم يكونا متضادين (١)، كالنهي عن الفعل بلفظ: «افعل»، في مثل قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣)؛ فإنَّ الفعل والتّرك متضادان كالأمر والنهي. * وقال الجبائي، وأبو الحسين البصري: «لا يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين إلا أن يكونا مشتركين في معنى وتجمعهما حقيقةٌ واحدةٌ، وذلك كاللون؛ فإنه وإن دخل تحته أشياء مختلفة ومتضادة - كالسواد والبياض - لكن الجميع مشترك في اللونية». مسألة (٤) هل يجوز أن يكون في القرآن لفظ لا يُعقل معناه أم لا؟ اختلف الناس في ذلك: * فقال قوم: لا يجوز ذلك، وليس في كتاب الله تعالى لفظ لا يُعقل معناه. * وقال قوم: يجوز ذلك؛ وقد ورد ذلك، وذلك قول الله: ﴿كهيعص﴾ (٥)، و ﴿حم﴾ (٦)، و ﴿الم﴾ (٧)، و ﴿الر﴾ (٨)، وما أشبه هذا.

стр. 96

مسألة (١) اختلف النَّاس هل يجوز أن يكون في القرآن ما ليس من لغة العرب أم لا؟ أما الشافعي؛ فقد شدَّد القول في ذلك، وقال: «ذلك فريةٌ على الله تعالى»، وجوز ذلك غيره (٢).

стр. 97

كتاب البيان (١) وهو أوَّلُ كتاب صدر الشافعي [رسالته به] (٢). اختلف الناس في حده: فقال بعض أصحاب أبي حنيفة (٣): البيان هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التَّجَلِّي، وقد استطرف الناس هذا الحد، وقالوا: البيان أوضح ممَّا حُدَّ به. فصل معقود في مراتب البيان (٤) فقد قسم الشافعي البيان في كتاب «الرسالة» (٥) على خمسة أقسام (٦): * الأول: البيان التام الذي يظهر ويشترك في دركه الخاص والعام من غير احتياج إلى نظر، مثل قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٧)، وكذلك قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرِ﴾ (٨)، فهذا لا يختلف

стр. 98

فيه اثنان. * القسم الثاني: ما انحط عن الأوَّل في الرتبة وافتقر إلى معرفته بنظر وتأمل، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ … الآية﴾ (١)؛ فإن معرفة وجوب الغسل متحققة، فأما كون الواو مرتبةً أو عاطفةً، وكون الفاء للتعقيب أم لا؛ فيحتاج إلى زيادة نظر وتأمل. * والقسم الثالث: ما دون ذلك في الرتبة، وهو ما بين الله تعالى أصله جُملةً، ووكل بيان تفصيله إلى الرسول صلى الله عليه وآله، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)، وآية الحج (٣)، وما أشبه ذلك من شروط السرقة والحد في الزنا؛ فإنَّه لو اقتصر على مجرد قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، لم يعقل المراد به، بل كان يقال: أي رب كيف نقيم الصلاة؟ فبين النَّبيُّ صلى الله عليه مواقيتها وغير ذلك من الأحكام؛ وكذلك سائر الفرائض. * القسم الرابع: ما وكل بيانَ جُمَلِه، وتفاصيله، وشرعه، وبيانه إلى الرسول ﷺ ، كالأحكام التي بدأ ببيانها أو حكم فيها عند سؤالهم إياه من القضايا والحكومات، فبينه بأقواله وأفعاله. * القسم الخامس: هو القياس. وهذا تقسيم حسن؛ إلا أنه لم يذكر فيه بيان الإجماع وهو المقصود

стр. 99

الأعظم؛ لأنه من أعلى مراتب البيان (١). فصل في تأخير البيان (٢) لا خلاف في أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ إلا على القول بجواز تكليف ما لا يطاق؛ إذا قلنا بجوازه: جاز (٣). فأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة، فقد اختلف الأصوليون فيه: فذهب أهل الجماعة إلى أن تأخيره إلى وقت الحاجة جائز على الإطلاق. * وذهب جمهور المعتزلة إلى أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل وتأخير تخصيص العموم إلى وقت الحاجة (٤). * وذهب أبو الحسين البصري منهم إلى أنه يجوز تأخير بيان المجمل، ولا يجوز تأخير تخصيص العموم (٥). * ومنهم من عكس وقال بالضّدّ.

стр. 100

كتاب الأوامر (١) * قال أهل الجماعة (٢): الأمر من قبيل الكلام، وقسم من أقسامه؛ وذلك أنَّ الكلام هو المعنى القائم بالنفس - وهو شيء زائد على العلم والقدرة والإرادة والاعتقاد وما أشبه هذه الأعراض -؛ فأما الصيغ والعبارات التي هي هذه الأصوات المقطّعة والحروف المنظومة؛ فإنَّها دلالاتُ وُضعت اصطلاحاً. * وقالت المعتزلة وغيرهم: لا نعرف كلام النفس، وقالوا: الكلام هو هذه الحروف والأصوات. واختلفت أجوبة الشيخ أبي الحسن في هذه الصيغ والعبارات: هل تُسمَّى كلاما حقيقةً أم لا؟ -فقال في موضع: إنَّها ليست كلامًا حقيقةً، إنما الكلام الحقيقي هو القائم بالنفس. - وه وقال في «الأجوبة عن المسائل» (٣): إنَّها كلام حقيقةً.

стр. 101

مسألة (١) اختلف الناس في صيغة الأمر المجردة؛ ما مقتضاها؟ * فمذهب أهل الجماعة: أنَّ الأمر هو المعنى القائم بالذات، وقول القائل: «افعل»؛ عبارةٌ عنه، وصيغة له. * والأمر عند المعتزلة: قول القائل: «افعل»؛ قال قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد: «الأمر يدلُّ على الطلب وإرادة الامتثال وطاعة المأمور للأمر» (٢). مسألة (٣) اختلف الأصوليون في الأمر المطلق إذا ورد: ما مقتضاه؟ هل يقتضي التكرار أو يقتضي الفعل مرَّةً واحدةً؟ (٤)

стр. 102

* فصار صائرون إلى التكرار. *وصار آخرون إلى أنه لا يقتضي التكرار. فَصْلٌ ومما يتعلق بهذه المسألة مسألتان * إحداهما (١): أنه إذا ورد الأمر، وأُمِرَ المكلف بإيجاد فعل؛ هل يقع الاكتفاء فيه بما يقع عليه اسم الفعل المأمور به أم لا؟ اختلفوا: * فقال بعضهم: يجزئ، ولا يجب فعل كُلّ ما تناوله الاسم. * وقال بعضهم: لا يجزئ ذلك. مثاله: ﴿إنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ (٢) (٣). المسألة الثانية (٤): * أنَّ الأمر إذا كان مقيداً بالشرط أو معلقاً على صفة؛ فإنَّ الحكم لا يتكرر بتكرر الشَّرط والصفة إذا لم تكن الصفة عِلَّةً (٥).

стр. 103

* وقال كثير من الفقهاء: إنَّ الحكم يتكرر بتكرر الشرط والصفة. مسألة (١) مطلق الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟ فالذي عليه الجمهور من الأصوليين والفقهاء أنه لا يقتضي الفور، وهو الذي كان يميل إليه القاضي أبو بكر. والشافعي تكلَّم في الوجوب الموسّع (٢) وقرَّره (٣). وحكي عن زفر - وهو مذهب أبي حنيفة - أنه على الفور. مسألة (٤) * إذا قيد الأمر بالفعل في نص مخصوص، ووقت بوقت معين، فغاب ذلك الوقت: لم يجب القضاء بعد خروج الوقت إلا بأمر ثاني (٥) متجدّد؛ هذا الذي عليه المحصّلون من الأصوليين. * وقال شرذمة من الفقهاء: إنَّ القضاء يجب بالأمر الأول.

стр. 104

مسألة (١) وهي أنَّ موافقة المأمور للأمر؛ هل يدلُّ على إجزاء المأمور به إذا أتى به على الوجه الذي اقتضاه الأمر أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك: فالذي عليه الجمهور من العلماء أنَّه إذا أتى به على الوجه الذي اقتضاه الأمر أنَّه يدلُّ على إجزاء المأمور به، ووقع الموقع، خلافًا لأبي هاشم وشراذم من الفقهاء (٢). مسألة (٣) * أجمع المحققون من الأصوليين على أنَّ الوجوب لا يتضمن الجواز ولا الإباحة. * وذهب ناشئة الفقهاء إلى أنَّ الوجوب يتضمن الجواز ويقتضي الإباحة، فقالوا: إنَّ كلَّ واجب جائز، وليس كل جائز واجبًا، كما أن كل سواد لون، وليس كل لون سوادًا.

стр. 105

مسألة (١) * ذهب جماهيرُ الجماعة إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ نهيٌ عن ضدّه، والنهيُ عن الشيء أمرٌ بضده. * وذهب البعضُ إلى أنَّ الأمرَ بالشَّيءِ ليس نهياً عن ضدّه (٢). مسألة (٣) ذهب الكعبيُّ - شيخُ المعتزلةِ البغداديين - إلى أنه لا مباحَ في الشريعةِ، وإذا قال: لا مباحَ، قال: لا ندبَ فيها أيضاً (٤). مسألة (٥) إذا تناول الأمرُ أشياءَ على جهةِ التخييرِ بأن يوجبَ اللهُ خصلةً [٧٩/ ظ] من الخصال فيقول: افعل كذا أو كذا، كان الوجوبُ متعلقاً بواحدٍ منها غيرِ معينٍ، وأيهما فعل، خرج عن عُهدةِ الأمرِ به؛ كقوله تعالى في كفارةِ اليمينِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٦).

стр. 106

* فمذهب أهل الجماعة الواجب أحدها لا بعينه، وبأيّها كفر، سقط عنه الفرض (١). * ونُقل عن أبي هاشم بن الجبائي أنَّه قال: «الوجوب يتعلق بالجميع». مسألة (٢) حكي عن الشيخ من أهل الجماعة: «أمر المعدوم جائز سائغ»، وصحتْ الحكاية عنه، وإنَّما رُسمت هذه المسألة لإثبات الكلام القديم (٣). وأما المعتزلة؛ فإنَّهم أطبقوا على أنَّ الأمر للمعدوم لا يجوز، وأَبَوْا هذا غاية الإباء، وشدَّدوا القول فيه والنكير على قائله (٤).

стр. 107

مسألة (١) أجمع جماهير العلماء على أنَّ المأمور بالشَّيء يعلم أنَّه مأمور قبل أن يفعل ما أمر به؛ هذا ما أطبقت الأمة عليه قبلنا، إلى أن نبغ أبو هاشم، فقال: «المأمور لا يعلم ما أمر به، ولا أنَّه مأمور قبل الإتيان بالفعل» (٢). مسألة (٣) * الذي اتفق عليه آراء أهل الجماعة أنَّ الفعل الحادث حال حدوثه يكون مأمورا به (٤). * فأما المعتزلة؛ فإنَّهم أبوا ذلك كُلَّ الإباء، وقالوا: لا يجوز أن يكون مأمورا به حال حدوثه، وإنَّما يكون مأمورا به حالة عدمه (٥).

стр. 108

فَصْلٌ الأمر مطلق ومقيد … (١) مسألة (٢) إذا ورد الأمر بعد الحظر؛ فما حكمه؟ اختلف الناس فيه: * فقال قوم: إنه يُحمل على الإيجاب. * وقال آخرون: إنه على الإباحة (٣).

стр. 109

مسألة إذا ورد الأمر بعد الأمر من غير أن يتصل أحدهما بالآخر، ومن غير قرينة تدلُّ على أنه أريد به الأمرُ الأَوَّلُ؛ ما حكمه؟ اختلف العلماء فيه: * فقال بعضهم: يُحمل الثاني على التأكيد - إذا لم يرتبط أحدهما بالآخر ـــ، ويكون كلُّ واحدٍ منهما مُنَكَّرًا (١). وقال آخرون: يحمل على الاستئناف؛ لأنه مستقل بنفسه من غير أن يُحمل على ما يُحمل [عليه] الأَوَّلُ (٢). وليس صورة المسألة أن يقول له: «ادخل الدار»، ثُمَّ يقول بعد ذلك: «ادخل الدار». وإنما المسألة فيما إذا قال له اليوم: «صَلّ»، ثُمَّ قال مِنْ الغد: «صَلّ». وحكي عن الشافعي «مسألة في الأقارير»، اعتقد كلُّ واحدٍ من الفريقين أنَّ الشافعي صار إلى ما قاله، ظنا (٣) بموافقة الشافعي. والأصوليون بأجمعهم أبداً تراهم يتنافسون على مذهب الشافعي في

стр. 110

الأصول؛ علما منهم بتلطف نظره، وتدقيق فكره فيما يرجع إلى الأصول. والمسألة المحكية عن الشافعي أنَّه قال: «إذا قال يوم السبت: لفلان عليَّ درهم، ثُمَّ قال في يوم الأحد: عليَّ له درهم، فإنَّه لا يلزمه إلا درهم واحد، ولا يُحمل يوم الأحد على درهم مستأنف، بل يُحمل على الأول» (١). * فمن صار إلى أنَّ الأمر الثاني يُحمل على التأكيد قال: إِنَّ الشَّافعي غلب فرعًا في الأقارير، ومذهبه أنَّ الثاني يُحمل على الأول، فيكون تأكيدًا. * وقال من صار إلى أنَّه يُحمل على الاستئناف: إنَّ الشَّافعي لم يرد ما ذكره؛ لأنه إنما قال ذلك في الإقرار، والإقرار خبر، والخبر قد يتكرر ويتردد على المخبر الواحد مراراً؛ وما تنازعنا فيه: إنشاء - فإن قوله: «افعل»، ليس خبرًا وإقرارًا -؛ والإنشاء لا يرجع إلى الأول. مسألة (٢) اختلف العلماء في العبادات البدنية؛ هل يدخلها النيابة أم لا؟ * فالذي عليه أهل الجماعة جواز ذلك. * وخالف أصحاب أبي حنيفة في ذلك. * وأنكرت المعتزلة ذلك أشدَّ إنكار، وإنَّما قالوا ذلك؛ لما تقرر من أصلهم أنَّ العبادات الصادرة والأوامر الصادرة من الشرع في حق العبد إنَّما توجه نحوه
следующие страницы →