← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30163

التعليقة في أصول الفقه للكيا - قطعة منه

الكيا الهراسي

Полный текст (357 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بمنزلة جملتين عُطف إحداهما على الأخرى، ثُمَّ خُصَّ المعطوف بأمرٍ يَخصه بصفة أو بشرط: لا يقتضي هذا عود التخصيص إلى المعطوف عليه، بل لكل حكمه، فلا يشتركان في الوصف (١). نظير هذه المسألة: قوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا البر بالبر … إِلَّا كيلا بكيل» (٢). * فالشافعي يحرّم بيع الحفنة بالحفنتين بهذا الحديث، ويقول: قوله: «لا تبيعوا البر بالبر» عام يشمل المكيل وغير المكيل؛ فأحمله على مخصوصه، وأحرم البيع على الإطلاق في البر؛ وقوله: «إِلَّا كيلا بكيل» تخصيص لبعض المحال؛ فاستثناء المكيل يعود إلى المكيل، ويبقى الباقي على عمومه، فلا يجوز بيع المكيل بالمكيل ولا بيع الحفنة بالحفنتين؛ غير أنَّ حُرمة بيع المكيل بالمكيل يكون معللا؛ لعدم (٣) التساوي، وما ليس بمكيل محرَّم بما ورد فيه من اللفظ العام. * وأبو حنيفة يقول: قوله: «إلا كيلا بكيل» راجع إلى ما تقدم من نهيه عن بيع البر بالبر، فيصير كأنَّ النَّهي تناول المكيل فقط؛ لأنَّ ما تعقّب من الاستثناء ولعل الصواب ما أثبت.

стр. 177

يقتضي الرجوع إلى ما تقدم، فيجعله جملةً واحدةً. وأبو الحسين البصري خالف القولين، وقال: «أتوقّف». مسألة (١) إذا وردت جملتان؛ إحداهما مستقلة والأخرى [غير] مستقلة، وعطف ما لا يستقل على ما يستقل، وأضمر في الجملة المعطوفة زيادة؛ هل يكون في المعطوفة عليه مثل ذلك الإضمار ويعود الإضمار [٨٩/ ظ] إلى (٢) الجملة الأولى المعطوف عليها أم لا؟ … (٣) قال أبو الحسين البصري: بل تكون الزيادة المضمرة في الجملة المعطوفة راجعة إلى الجملة الأولى، وإليه ذهب أبو حنيفة. فنبين أولا مثال ذلك: * قوله صلى الله عليه: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» (٤): - فأبو حنيفة يقول: المضمر في قوله: «ولا ذو عهد» معناه: لا يُقتل ذو عهد

стр. 178

بكافرٍ، فالمظهر في المعطوف عليه هو الذي أضمر في المعطوف، فكان تقدير الكلام: «لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد بكافر». قال: لأن الوصف يقتضي التشريك، والواو ظاهر العطف والتشريك، ومن قضيَّة العطوف والتشريك أن يشتركا في الإعراب والمعنى، ولا يتحقق حكم العطف والتشريك إلَّا إذا رُدَّت إلى الجملة الأولى وساوتها في حكمها. - والشافعي يقول: قوله: «لا يُقتل مسلم بكافر» مستقل بنفسه يحمل على ظاهره، وقوله: «ولا ذو عهد في عهده» محمول على أنَّه لا يجوز قتله ابتداءً بكفره. قال: لأن العطف فيما لا يتصل يقتضي أن يُشرك (١) بين المعطوف والمعطوف عليه في قدر ما يستقل به؛ فإذا استقل بأن يُشرك بينهما في معنى، فقد زالت الضرورة وحصل الاستقلال. ونحن نقول: قد اشتركا في نفي أصل القتل، فلا يقتل مؤمن بكافر، ولا يُقتل ذو العهد، وليس من شرطه أن يشتركا في جميع الأحكام، وهذا لأن العطف إذا كان له وجه صحيح مستقل - وهو التسوية بينهما في نفي أصل القتل، وهو الحكم الخاص - كان أولى من إثبات التَّزَيُّد في كل حكم، وهذا لأنَّ الجملتين إذا أمكن إفراد كل واحدة منهما بحكم، وجب تمييزها عن الأخرى، فلا تجعل الواو موجبةً لتساويهما مع ظهور الفائدة، فصارت هذه بمثابة قول القائل: «لا تقتل النصارى بالحديد، ولا اليهود في الأشهر الحرم»، هذا العطف لا يقتضي إلا الاشتراك في نفي أصل القتل؛ وإن اختلفا في صفته، فلا يقتل النصارى بالحديد في الأشهر الأخر، ولا في أشهر الحرم، ولكن يجوز قتلهم بغير حديدٍ؛

стр. 179

ولا يُقتل اليهود في أشهر الحرم؛ فيُحمل قتل النّصارى على أنه نهي عنه في الأشهر كلها بالحديد، وأنه نهي عن قتل اليهود في أشهر الحُرُمِ بالحديد وبغيره؛ تسوية بين الجملتين من غير أن يُشرك بينهما من كل وجه؛ كذلك في مسألتنا. * * *

стр. 180

كتاب المفهوم (١) اعلم أنَّ هذا النوع من الدَّليل سُمِّي بأسماء؛ منها: «مفهوم الخطاب»، و «دليل الخطاب»، و «لحن الخطاب»، و «فحوى الخطاب»، و «التنبيه». وهو منقسم إلى: * مفهوم الموافقة. * ومفهوم المخالفة. فأما مفهوم الموافقة؛ فهو إثبات الحكم في غير المنطوق به على الوجه الذي ثبت في المنطوق به على موافقته ومطابقته. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ [لَهُمَا] أُفٍّ﴾ (٢)؛ نص على تحريم التأفيف، ثُمَّ فُهم من هذا الكلام تحريم أنواع التعنيف وضروبه من السب والشتم والضرب وغير ذلك، حتى لو نص الشرع على الجمع بينهما: استحال ذلك وعُدَّ تناقضاً؛ فإنَّه لو قال: «لا تقل لهما أف واشتمهما» … (٣). واختلف الأصوليون بعد ذلك في أنَّ هذا الحكم؛ هل هو مستفاد؟

стр. 181

من نفس اللفظ فحسب، أو هو مستفاد من قرائن ومخايل اقترنت باللفظ؟ * فقال قوم: إنَّه مفهوم من نص اللفظ؛ بدليل التناقض عند الجمع. * وقال قوم - وهم المحققون -: إنَّ هذا غير نص، وإنَّما هو مستفاد ومفهوم من قرائن ومخايل اقترنت باللفظ، وهو سياق الآية (١). ولهذا نظائر في كتاب الله تعالى، و [من] ذلك: قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٣)، ولا حبل ممدود، ولا عُروة، وإِنَّما أراد أوامر الله تعالى والمحافظة على دينه وحدوده. وقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ (٤)، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٥)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَهُمْ﴾ (٦)، إلى غير ذلك؛ فهذا القسمُ الأَوَّلُ. والقسم الثاني: وهو مفهوم المخالفة. مثاله: قوله صلى الله عليه: «في سائمة الغنم زكاة» (٧)، دل تخصيصه السائمة بالزكاة على أن المعلوفة لا زكاة فيها.

стр. 182

والمشهورُ عن الشافعيِّ وجُلُّ أصحابه: [أنه] يدلُّ على نفي الحكم عما عدا المذكور، وإليه ذهب أكثر الأصوليين (١) (٢).

стр. 183

كتابُ الأفعال (١) الأفعال تنقسم: * إلى فعل لا حكم له. * وإلى فعل له حكم. أما الذي ليس له حكم زائد على وجوده: فهو كفعل الشاهي والغافل والذاهل وأفعال المجانين والصبيان والبهائم؛ فإنَّ هذه الأفعال لا تُوصَف بالحُسن والقبح، ولا بالإباحة والحظر، فلا يتعلق به ذم ولا مدح. وأما ما له حكم زائد على وجوده فينقسم: * إلى أفعال الباري تعالى. * وإلى أفعال المكلفين. أما أفعال الباري تعالى: فكلها حسنةٌ. وأما أفعال المكلفين فتنقسم: * إلى أفعال الأنبياء. * وإلى أفعال غيرهم من العباد.

стр. 184

أما أفعال الأنبياء صلوات الله عليهم - وهي المقصودة: - فقال أهل الجماعة: الإجماع بأنَّهم معصومون، وأنَّ ذلك مُدرَك بالسَّمع (١)، ولا مجال للعقل في إثبات عصمتهم (٢). - وأما المعتزلة؛ فإنَّهم قالوا: إِنَّ ذلك مُدرَك بالعقل؛ وذلك أنه لو جاز عليهم مقارفةُ الكبائر والفواحش، لكان في ذلك تنفير الأتباع عن الاتباع، وما أدى إلى ذلك، كان ممتنعاً عقلا؛ لأنَّهم بعثوا للاتِّباع والاقتداء بهم؛ فإذا ارتكبوا الكبائر، نفروا عنهم. وأما الصغائر؛ فاختلف النَّاس في ذلك: * فمن أصحابنا من قال: ليس هنالك صغائر. - ومنهم (٣) من أثبت الصَّغائر - في الذُّنوب (٤) - والكبائر. واختلفوا في جواز الصغائر على الأنبياء: * فمنهم من جوَّزها (٥).

стр. 185

* ومنهم من لم يجوز - وهو الصحيح على مذهب أهل الجماعة .. * وأما المعتزلة؛ فإنَّهم أثبتوا الصغائر وجوزوها على الأنبياء ﵇ وقالوا: هي التي لا وعيد عليها، وإذا فعلها لا يَفْسُقُ بها. فصل معقود في جواز التأسي بأفعال النبي صلى الله عليه (١) الناس مختلفون في ذلك: * أَمَّا مَنْ جوز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم فقال: لا يجوز التأسي بفعل النَّبي صلى الله عليه قبل أن يدل الدليل على جوازه. * وأما من لم يجوز عليه الصغائر … (٢). وقالت المعتزلة: يجب علينا أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه فيما يفعله - عقلا ـ، ولا يجوز لنا مخالفته. فصل معقود في تقرير رسول الله صلى الله عليه؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟ (٣) تقريره ﵇ على الفعل والتَّركِ حُجَّةٌ بشرطين:

стр. 186

أحدهما: أن يكون الفاعل مسلما يرى امتثال أوامره، واتباع مراسمه، واجتناب نواهيه. والثاني: أن يكون النَّبيُّ صلى الله عليه عالما بما يجري، غير ساهي، ولا غافل، ولا ناسي. وأما الكُفَّار الذين لا ينفعهم وعظه؛ فإذا فعلوا فعلا بمشاهدة النَّبي صلى الله عليه؛ فإقراره لهم على أفعالهم لا عبرة بهم (١). قال الشافعي: إذا كان هذا في مجرد إقراره، فما ظنك باستبشاره بالأمر وابتهاجه وفرحه به، فأولى أن يكون ذلك حُجَّةً وأدلَّ على كونه مشروعاً من الإقرار، وبنى (٢) [على] هذا الأصل: مسألة (٣) وهي جواز القيافة وصحتها وكونها حُجَّةً يثبت بها الحكم؛ لما رُوي أنَّ النَّبي صلى الله عليه دخل على عائشة وأسارير وجهه تبرق (٤) فقال: «يا عائشة،

стр. 187

أما ترين إلى مجزّز ابن عمرو (١) المدلجيّ، وقد نظر إلى أسامة وزيد وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضُها من بعض» (٢)، فاستبشر بذلك وبَشَّر، وهو لا يُسَرُّ بغير حقّ؛ فدل ذلك على جواز القيافة. قيل له: إنما يكون حُجَّةً إذا اتحد محمله فلم يحتمل إلا ما ذكرتم؛ وأما إذا تعدد المحمل، فلا يكون حُجَّةً، وههنا تعدد محمله: - لأنه يحتمل أن يكون فرحةً بانقطاع مطاعن الكفار والمنافقين عن سب أسامة وزيد؛ فإنَّهم كانوا قد طعنوا في أسامة، فسُرَّ رسول الله ﷺ عليه بالرد عليهم. - ويحتمل أن يكون فرحه لما ذكرتم، فلا يكون حُجَّةً فيه؛ يحقق ذلك أنَّ القيافة إنَّما تكون حُجَّةً ويثبت بها النسب إذا لم يكن هناك نسب ثابت؛ وأما إذا كان النسب ثابتًا، فلا تكون حُجَّةً (٣).

стр. 188

فَصْلٌ معقود في سكوته صلى الله عليه؛ هل يُحتج به أم لا؟ اعلم أن سكوته ينقسم: • إلى ما يكون حُجَّةً. • وإلى ما لا يكون حُجَّةً. أما ما لا يكون حُجَّةً: فهو كلُّ موضع: - لو قُدِّرَ ثبوتُ الحكم: لم يُحتج إلى بيان. - وأن يكون المسكوت عنه ما يُفهم من المنطوق به. - أو يكون السائل ممَّن يعلم حكم المسكوت عنه من بيان سابقٍ. - أو يمكنه الاستدلال في تعرف حكمه. أما ما يكون سكوتُه حُجَّةً (١)؛ فهو مثل: أن يُسأل صلى الله عليه عن قضية وسبب يتضمن عدة أحكام، فيُبيّن بعضها، ويكون الحكم المسكوت عنه مما لو قُدِّرَ ثبوته لوجب بيانه: - لأنه مما يُحتاج إلى بيانه؛ ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. - ولم يكن قد وكله إلى بيان سابق.

стр. 189

- ولم يكن السَّائلُ ممَّن يمكنه الاستدلال على المسكوت بالمنطوق. - ولم يكن المسكوت عنه مما يُفهم من المنطوق به. فنقول: إنَّ السكوت عن الحكم مع هذه الشروط دليل على عدم ثبوته. مثاله: ما رُوي أنَّ أعرابيا رآه النَّبيُّ صلى الله عليه وعليه جُبَّةُ صوفٍ مضمَّخةٌ بالخلوق، فقال له صلى الله عليه: «انزع الجُبَّة واغسل الصفرة، واصنع في عُمرتك ما كنت صانعا في حَجَّتك» (١)، [٩١/ و] وسكت عن ذكر الفدية ولم يبينها، والوقت وقت الحاجة، والأعرابي جاهل بالاستدلال وبالحكم أيضا؛ فإنَّه إذا كان جاهلا بتحريم اللبس، فلأن يجهل وجوب الفدية أولى، ومع هذا لم يبينه؛ فدلَّ أنه لا يجب. ومن شرائط كون الشكوتِ حُجَّةً: أن يكون الحُكم المسكوت عنه مما لو قدر ثبوته، لتشوقت الطباع إلى نقله، وتسارع إلى ذكره؛ لغرابته وكونه بِدْعاً عجيبًا، وجميع هذه الشرائط كانت موجودةً في حقّ الأعرابي. ومن هذا القبيل: ما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ عليه فقال: «هلكتُ وأهلكتُ، فقال له صلى الله عليه: ماذا صنعت؟» فقال: «واقعتُ أهلي في نهار شهر رمضان»، فقال له صلى الله عليه: «أعتق رقبة» (٢)، وسكت عن إيجابها عن امرأته، مع أنَّ الأعرابي لم يُحسن الاستدلال بأنَّها لا تجب عليها، والوقت وقت الحاجة، فدل أنَّ الكفارة لا تجب عليها.

стр. 190

• فإن قيل: النَّبيُّ صلى الله عليه قد سكت في هذا الموضع عن أشياء كثيرة، ثُمَّ لا يدلُّ سكوته على أنَّها غيرُ واجبة؛ بل هي واجبة، كالغُسل والمهر (١) والقضاء وغير ذلك، ثُمَّ لا يُستدلُّ بسكوته على انتفاء هذه الأحكام، فكذلك لا تنتفي بسكوته الكفَّارةُ. قيل له: إنَّما كان ذلك؛ لأن تلك الأحكام ممَّا وكله إلى البيان السَّابق، وكان الأعرابيُّ عالماً بها، فلم يحتج إلى بيانها؛ أمَّا الكفَّارةُ لمَّا جهل أمرها، بينها له، ولولا جهله لما احتاج إلى بيان؛ فسكوته عن البيان وقت الحاجة دليل على عدم الوجوب. • فإن قيل: لا نُسلِّم أنَّه أخر البيان عن وقت الحاجة في حق المرأة؛ لأنَّ وقت الحاجة في حقِّها أن تكون هي قد سألت عن واقعتها، وإنَّما هي وقتُ الحاجة في حق السَّائل وقد بيَّن له، ولعلَّ المرأة لو كانت حاضرةً لأنكرت، فكيف يكون بيانُ حكمه بيانَ حكمها ولم تسأل هي؟! (٢).

стр. 191

فَصْلٌ معقود في سكوت الراوي عن نقل حكم من أحكام الفعل؛ هل يكون حُجَّةً أم لا؟ (١) قال الشافعي في «الرسالة»: «سكوتُ الرَّاوي عن نقل حكم من الأحكام» ينقسم: • إلى ما يكون سكوته دليلا على عدم ثبوت الحكم، • أو إلى ما لا يكون دليلا [عدم] على ثبوت الحكم. أمَّا المحل الذي يكون السكوت فيه حُجَّةً؛ فهو أن ينقل القصة مستقصاة (٢) والحديث مستوفى (٣) من أوله إلى آخره، ولا يذر منه شيئًا، ثُمَّ إذا اختلف في حكم مضافًا إلى تلك القصة المنقولة ولم يذكره الراوي، فيدل على أنَّ ما لم يروه ولم ينقله: غير ثابت. مثال هذا: ما روي عن بعض النَّاس أنَّه قال: يُضم الجلد إلى الرجم في حق المحصن إذا زنا، والشَّافعي قال: «لا يُضمُّ الجَلد إلى الرجم»؛ واحتج بقصة ماعز، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه رجمه ولم يجلده؛ فلو جلده لنقله الراوي، كما نقل الحديث جملةً.

стр. 192

• فإن قيل: إنَّما يُنقل ما تتوق النفس إلى قوله وتتوفر الدواعي عليه، ويكون من المهمات ويعظم وقعه في النفوس، وذلك هو الرجم؛ فأما الجلد، فهو بالإضافة [٩١/] إلى الرجم كالمتلاشي (١)؛ فمن نقل الرجم، يجوز ألا ينقل الجلد، فلا يدل ذلك على أنَّه غير ثابت (٢). ويتصل بهذا أمر: وهو أنَّ ما كان من الغرائب والعجائب إذا لم ينقله الرَّاوي، دلَّ ذلك على عدمه. مثاله: ما روي عن النَّبي صلى الله عليه أنه أقاد مسلما بكافر، وقال: «أنا أحقُّ مَنْ وفى بذمته» (٣). • فالشَّافعيُّ يردُّ هذا الخبر ولا يصحِّحه (٤). • ومن أصحاب أبي حنيفة من يصحِّحه ويبتغي له تأويلا (٥).

стр. 193

فَصْلٌ معقود في أفعال رسول الله ﷺ عليه إذا اختلفت؛ هل يعارض بعضها بعضًا أو ينسخ بعضها بعضًا؟ (١) اعلم أنَّ رسول الله ﷺ عليه إذا فعل فعلين مختلفين لم ينف أحدهما الآخر: فيكونان جائزين. مثاله: ما روي عن رسول الله ﷺ عليه في صلاة الخوف أنَّه صلَّى في موضع على وجه، وصلى في وقت آخر على وجه. قال (٢): الشافعي أخذ بأحدهما، وأبو حنيفة أخذ بالآخر، فكان كلُّ واحدةٍ من الصلاتين صحيحتين؛ إذ لا يتصور التعارض بينهما حقيقةً؛ لأنه لا يجتمع الفعلان في وقت واحد، فلا يُقضى بالتعارض. هذا من حيث التعارض. وأما النسخ: فلا يُقضى أيضًا بكون الفعل الثاني ناسخا للأول؛ لأنَّ النَّسخَ إنَّما يكون للدائم المستمر. وفي التعارض أيضًا: مثل ما روي أنَّه صلى الله عليه سجد للسَّهو قبل السَّلام (٣)، ورُوي أيضًا أنَّه سجد للسهو بعد السلام (٤)، فالشافعي قال: «السجود قبل السلام»، وأبو حنيفة يقول: «بعد السَّلام»؛ والجميع جائز (٥).

стр. 194

فصل (١) اختلف الأصوليون في شرع من قبلنا (٢)؛ هل هو شرع لنا أم لا؟ • فصار صائرون إلى أنه يلزمنا، وهو قول كثير من أصحاب أبي حنيفة - كمحمد بن الحسن وغيره - ما لم يثبت نسخه. • وصار آخرون إلى أنه ليس شرعا لنا، وهذا مال إليه كثير من أصحاب الشافعي، وقد ذهب إليه الشافعي في بعض أجوبته، وعليه المحققون من الأصوليين. • ونقل عن أبي زيد في ذلك تفصيل؛ وذلك أنه قال: «ما حكاه الله تعالى في كتابه من الأحكام الثابتة في شرع من قبلنا، فهو شرع لنا ويلزمنا؛ وما لم يحكه لنا، فلا يكون شرعا لنا» (٣).

стр. 195

بابُ التَّأْوِيلَاتِ فَصْلٌ (١) • المجمل لا يجوز التَّعلُّق به أصلاً؛ لا في المظنون فيه ولا في المقطوع به؛ لأنه مجهول لا يُعلم المراد به. • فأمَّا الظَّاهر؛ فيجوز أن يُحتج به في المظنونات؛ لأنَّ الظَّاهر يفيد الظَّنَّ، وهو المطلوب. فَصْلٌ معقود في بيان ما يُعَدُّ مُجملاً وليس منه (٢) [ومنه] ما حُكي عن أبي عبد الله البصري أنَّه قال: «العامُّ إذا افتقر إلى شروط تضم إليه لا يُنبئ اللفظ عنها: كان مجملاً لا يُحتج به»؛ لأنه لا يمكن العمل به إلا بتلك الشُّروط، واللفظ لا ينبئ عنها. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، لما كان هذا اللفظ يفتقر [٩٨/ و] إلى شروط أُخر تضم إليه: كان مجملاً.

стр. 196

وكذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (١)، وما جرى هذا المجرى من الألفاظ، فقال: «إنَّ الحكم يفتقر إلى بيان شروط لا يُنبئ اللفظ عنها، فوجب أن يكون مُجملا». وحقق هذا فقال: «اتفقنا على أن قوله سبحانه: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) مُجمل؛ لأنَّ الحكم يفتقر إلى بيان شروط لا ينبئ اللفظ عنها؛ كذلك غيرها». ثُمَّ قال: «الحاجة إلى بيان شروط الحكم كالحاجة إلى بيان نفس الحكم، ثُمَّ الاحتياج إلى بيان نفس الحكم يجعل اللفظ مُجملا؛ فكذا الحاجة إلى بيان شرط الحكم؛ وجب أن تجعل اللفظ مُجملا» (٣). فَصْلٌ آخر فيما أُخرج من العموم ولا يجوز إخراجه منه (٤) مثل قوله صلى الله عليه: «أيُّما امرأة نكحت نفسها من غير إذن وليُّها فنكاحها باطل» (٥)، هذا لفظ عام ذكره صلى الله عليه مبتدئا به، شارعًا شارحًا من غير سؤال، ولا يجوز حمله إلا على الأشهر الأظهر الأغلب الأبدر إلى

стр. 197

الأفهام، ولا يجوز أن يُحمل على الشَّاذَّ الأندر الذي يجوز ألا يكون مقصودًا له صلى الله عليه، ولا يخطر بباله. أصحاب أبي حنيفة قالوا: هذا ما أراد به الأحرار، ولا العبيد، ولا الحرائر والإماء، وإنما أراد به المكاتبة. قيل لهم: يخاطبنا الشَّرع بمثل هذا اللفظ العام، ثُمَّ لا يريد به ما هو الأعم الأكثر الأغلب الأشهر، بل يريد به النادر وهي المكاتبة؟! فهذا لا يجوز (١). فَصْلٌ (٢) ومما يتصل بما ذكرنا: • المناهي التي رويت في البيع؛ كنهيه صلى الله عليه عن بيع حبل الحبلة والملاقيح والمضامين (٣)، وعن بيعتين في بيعة (٤)، كل هذا يدلُّ على التحريم. فيستدل الشافعي على تحريم بيع اللحم بالحيوان بقوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا اللحم بالحيوان» (٥)، فيقول: هذا نهي وتحريم.

стр. 198

فيقول أصحاب أبي حنيفة: «هذا محمولٌ على الكراهة والتَّنزيه»، وله نظائر. فيقول الشَّافعيُّ: هذا نهيٌ من جهة رسول الله صلى الله عليه فيما يرجع إلى باب البيع، ونواهيه كلها محمولةٌ على التَّحريم في هذا القبيل. ومن هذا القبيل: النَّهيُ عن نكاح الشِّغار (١): فيقول الحنفيُّ: هذا محمولٌ على الكراهة. ويقول الشَّافعيُّ: إذا كانت نواهيه في البيع محمولةً على التَّحريم؛ ففي النكاح أولى. فَصْلٌ معقودٌ في بيان من التَّأويلات الفاسدة (٢) اعلم أنَّ «كُلَّ تَأويلٍ يتضمَّن إبطال تعليل رسول الله صلى الله عليه: فهو باطِلٌ - أو يكون مُبطِلاً». مثاله: ما يستدلُّ أصحاب أبي حنيفة في عتق القريب بالملك بقوله صلى الله عليه: «من ملك ذا رَحِمٍ مُحَرَّم، عُتِق عليه» (٣).

стр. 199

قالوا: هذا الحديث لم يصح عن رسول الله ﷺ عليه؛ غير أنا نتأوَّله على تقدير الصحة، فنحمله على الأصول والفصول - وهم الوالدون [٩٨/ ظ] والمولودون دون غيرهم ـ، وحمله على هؤلاء أولى. وهذا تأويل بعيد؛ لأنه ﷺ عليه أخرج الكلام في ذكر الرحم المحرم. فَصْلٌ معقود في بيان من فاسد التأويل (١) أن نقول: «كُلُّ تأويل يَعُمُّ أحاديث رسول الله ﷺ عليه بأسرها ويشمل معظمها: فهو باطل». مثل: ما يستدلُّ أصحاب الشافعي في أنَّ الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، يختار أربعاً بحكم العقد الأول ويفارق البواقي؛ لما روي أن ابن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ عليه: «أمسك أربعًا منهن وفارق البواقي» (٢). وأصحاب أبي حنيفة يقولون: يحتمل أن يكون هذا في ابتداء الإسلام قبل الحصر في الأنكحة ولم يكن على الناكح حجرٌ، ثُمَّ بعد ذلك طرأ التحريم ونسخ الإطلاق. فيقول الشافعي: هذا تأويل باطل؛ لأنَّه لا ينفك منه حديث، فيقال: لعل

стр. 200

هذا كان قبل التحريم فيتضمن منع التعلُّق بالأخبار؛ فإنَّه ما من حديث مروي إلَّا ويمكن أن يقال في تأويله: «لعله كان في الوقت الذي كان هذا الحكم جائزا، ثُمَّ نسخ ذلك!». فَضْلٌ معقود في بيان آخر من فاسد التأويل (١) أن نقول: «كُلُّ تأويل مقتضاه إبطال مقصود الشارع فيما قصده من التعميم الذي دل عليه لفظه: هو باطل». مثاله: قوله صلى الله عليه: «لا يُقتل مؤمن بكافر» (٢)، وقد استدل بذلك (٣) أصحاب الشافعي (٤) على الحنفي. فيقول الحنفي: هذا محمول على المعاهد أو على النساء والصبيان دون الذمي. فيقول الشافعي: هذا باطل؛ لأنَّه تأويل يتضمن إبطال ما قصده الشارع من التعميم؛ والدليل على أنه قصد صلى الله عليه التعميم وجوه: • أحدها: أنه ذكر النكرة في سياق النفي، والنكرة متى تعقب النفي كانت من أبلغ الصيغ في اقتضاء التعميم، فيصير كأنه قال: «لا يقتل مؤمن ما بكافر ما».

стр. 201

• الثاني: أنَّ النبي ﷺ عليه حزب النَّاس حزبين، وقسمهم قسمين، وحكم في حق أحد القبيلين بحكم ونفاه عن الآخر، فاقتضى ذلك تفاوت ما بين القسمين. • الثالث: أنه ﷺ عليه أشار إلى التعليل بقوله: «لا يقتل مؤمن بكافر»، لا يُقتل «مؤمن» لإيمانه «بكافر» لكفره، وهذا إشارة إلى التعليل، فالعلة موجودة في حق كل كافر؛ فاقتضى ذلك عموم الحكم في حق كُلّ كافر، ولا يخص بعضهم عن بعض. فصل معقود في بيان من فاسد التأويل والضابط: هو أنَّ «كل تأويل إذا عُضد بقياس وأيد به، وكان متضمن التأويل إبطال القياس، بأن يكون (١) القياس منتقضاً بمجمل الحديث: فذلك التأويل باطل في نفسه». مثال ذلك: ما يستدلُّ الشَّافعي في أنَّ بيع اللحم بالحيوان لا يجوز بقوله صلى الله عليه: «لا تبيعوا اللحم بالحيوان» (٢). فيقول الحنفي: هذا محمول على الكراهة. فيقال: هذا محتمل، ولكنه [٩٩/ و] لا بُدَّ من دليل، فبأي دليل حملتم عليه؟

стр. 202

فيقول: بالمعنى الجلي والقياس الظاهر؛ وذلك أنَّ الحيوان ليس بمال ربوي، واللحم مال ربوي؛ فقد باع مال الربا بما ليس بمال الربا، فصح البيع؛ كما لو باع الثياب بالدراهم. فيقال لهم: فلم يكن أيضا [مكروها]؛ كبيع الثوب بالدرهم، فبطل التأويل. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ هذا التعليل يقتضي ألا يكره بيع اللحم بالحيوان لما ذكرتم من المعنى. ومن هذا القبيل أيضا: ما يذكره أصحاب أبي حنيفة على استدلال أصحاب الشافعي في مسألة الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة، فإنّه يختار أربعًا منهن ويفارق البواقي بقوله صلى الله عليه لابن غيلان - وكان قد أسلم وتحته عشر نسوة: «اختر أربعًا منهنَّ، وفارق البواقي» (١). فيقول الحنفي (٢): يحتمل أن يكون نكاحه في صدر الإسلام حين لم يكن في العدد حصر، فكان الانعقاد على حكم الإسلام جائزاً صحيحاً، ثُمَّ طرأ التحريم بعد ذلك، فلم يبطل الكلّ. فيقول الشافعي: هذا يبطل بحديث ابن غيلان؛ فإنَّ الإسلام لما طرأ اقتضى بطلان بعض الأنكحة، وليس بطلان بعض الأنكحة أولى من بعض، فهلا قلت: «يبطل الجميع؛ لأن مقتضى القياس أن يبطل الجميع لموضع التدافع، ثُمَّ لم يفعل النبي ﷺ عليه ذلك.

стр. 203

فصل ومما يتصل بما قدمنا (١): «أنَّ التأويل متى كان يتضمن إبطال ما قصده رسول الله ﷺ عليه: كان باطلاً». مثال ذلك (٢): ما يستدل به الشافعي في نفي جواز أداء القيم والأبدال في الزكوات من الحديث النَّص، وهو ما روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه أنه قال: «في أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة»، واستاق الأوقاص حتى ذكر بنت مخاض، ثُمَّ قال: «فإن لم يكن في إبله بنت مخاض، فابن لبون ذَكَرٌ» إلى أن قال: «في كُلِّ أربعين بنت لبون، وفي كُلِّ خمسين حِقَّةٌ» (٣). قال الشافعي: فهذا الاستياق على هذا الوجه فيما يجب في كُلِّ نصاب يدل على أنه لا يجوز أخذ القيم والبدل في الزكوات. وأصحاب أبي حنيفة يتأوَّلون هذا ويحملونه على محمل، ويقولون: إنَّما ذكر ما يجب في النُّصُب، ولم يذكر القيمة تسهيلا على أرباب الأموال؛ لتعذر النقد على أهل المواشي وتمكن أهل المدن من النقود. قال الشافعي: هذا التأويل باطل؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه تولى البيان واستقصاه. وهذا إجراء للقياس في العبادات، وإجراؤه في العبادات لا يجوز.

стр. 204

ومن هذا القبيل: «أن يتأول بتأويل مقتضاه إسقاط ما ذُكر وإظهار ما أسقط». مثاله: ما يستدل به علماء أصحاب الشافعي من أن الفقراء في الكفارة يتعين اعتبار أعدادهم واستيفاؤها، من قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (١)؛ نصَّ على ستين، فتعين اعتبارهم. وأبو حنيفة يقول: لا يُشترط اعتبار عدد المساكين، بل يجوز صرفُ الطَّعام إلى مسكين في ستين يوماً؛ لأن تقدير الكلام: «فإطعام طعام ستين مسكينًا». [٩٩/ ظ] قال الشافعي: هذا فاسد بقضيَّةٍ لغويَّةٍ، وقضيَّةٍ شرعيَّةٍ: - أمَّا اللُّغويَّة: فهي (٢) أن نقول: الإطعام فعل متعدّي، والأفعال المتعدية تتعدّى إلى مفعول واحدٍ وإلى مفعولين، وهذا مما يتعدَّى إلى مفعولين. - وأمَّا القضية الشرعية: فهي أنَّ أبا حنيفة يقول: «لو دفع طعام ستين مسكينًا إلى واحدٍ في يوم واحدٍ، لا يجوز»؛ فلو كان تقدير الكلام ما ذكر، لوجب أن يجوز، ومع هذا لا يجوز بإجماع المسلمين. ومن هذا القبيل: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ (٣)، أشار إلى نَصْب القرابة عِلَّةً في الاستحقاق.

стр. 205

فيقول الشافعي: يجب أن يُعطوا حيث كانوا وكيف كانوا. وأبو حنيفة يقول: لا يستحقون بالقرابة إلا أن يكونوا فقراء. قال الشافعي (١): «الله تعالى نص (٢) على ذوي القربى من غير ذكر الفقر. والذي يحقق ذلك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وآله كان يعطي المياسير من قرابته، كالعباس والزبير، لأجل القرابة». فصل معقود في بيان من فاسد التأويل وذلك أن نقول: «كلام الرسول صلى الله عليه لا يُحمل إلا على إيضاح المشكلات، ولا يُحمل على الواضحات الجليَّاتِ». ألا ترى أنه لو جلس أديب يبين لنا الأسماء الظاهرة، كان هذا هزوا؛ وكذلك لو جلس مدرس يبين لنا بأنَّ هذا الثوب طاهر، والخشب طاهر لكان لعبا. ولذلك أمثلة في الشرع: منها: ما يستدل به الشافعي من أن المسلم لا يُقتل بالكافر من قوله: «ألا لا يُقتل مؤمن بكافر» (٣). قال أبو حنيفة: أراد الحربي.

стр. 206

• ومن ذلك: استدلال الشافعي في أنَّ عدد الطلاق معتبر بالرجال من قوله صلى الله عليه: «الطلاق بالرجال والعِدَّة بالنساء» (١). فيقول الحنفي: المراد به أن الرجل يملك الطلاق ويُطلق. قال الشافعي: هذا لا يخفى على صَبِيٌّ غَبِيٌّ (٢)، فأي فائدة في قول النبي ﷺ عليه!؟ • ومن ذلك: قوله صلى الله عليه: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا» (٣). فيقول الحنفي: المراد به: «المتساومان بالخيار ما لم يتبايعا». قال الشافعي: هذا أمر لا يُشكل على أحدٍ حتَّى يحتاج إلى بيان الشارع. • ومن ذلك: ما يستدلّ به أصحاب أبي حنيفة من المنفرد برؤية الهلال إذا أفطر بالجماع في ذلك اليوم لا تلزمه الكفارة بقوله صلى الله عليه: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» (٤).

стр. 207

فيقول الحنفي (١): أراد به: صوم كلُّ أحدٍ منكم يوم يصومه، وفطره يوم يفطره. فيقال له: هذا أمر لا يُشكل على أحدٍ حَتَّى يقصد الشارع بيانه، فلا بُدَّ أن يكون لقوله صلى الله عليه فائدة. • ومما يتصل بما قدمنا من الأمثلة: ما يستدل به الشافعي على [أنَّ] تعميم الأصناف الثمانية واجبُ بالزَّكاة. قال الحنفي: يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء الأصناف؛ لأنَّ الله إنَّما قصد بهذا بيان جهة الحاجة؛ ليكون الخطاب (٢) مصادفا للحاجة، وذلك يحصل إذا دفعه إلى بعضهم. من التأويل: قال الشافعي: لمس النساء يوجب الطهارة، وهو قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (٣)، فأوجب الطهارة عند (٤).

стр. 208

[من كتاب النُّسَخ] [بم يُعرف النُّسَخ] [٩٢/ و] (١) قاعدًا أو المؤتم قائماً، بل يجب عليهم أن يقعدوا. قال الشافعيُّ: وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ عليه أنَّه صلَّى في مرض موته بالنَّاس قاعدًا وهم قيام؛ وهذا تاريخ. • وقد يُعرف ذلك أيضًا بحالِ الرَّاوي: بأن يكون من متأخري الإسلام، فتكون روايته ناسخةً لرواية راوي متقدم الإسلام. مثاله: أنَّ الشَّافعيَّ احتجَّ في مسِّ الذَّكر برواية أبي هريرة، وهو من متأخري الإسلام، فكانت روايته أولى، مقدَّمةً ناسخةً لرواية طلق بن علي، وقد ثبت أنَّه كان يؤخذ من مراسم رسول الله ﷺ عليه بالأحدث فالأحدث. وأصحاب أبي حنيفة يستدلُّون على أنَّ مسَّ الذَّكر لا ينقض الوضوء برواية قيس بن طلق عن أبيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه سُئل عن مسِّ الذَّكر فقال صلى الله عليه: «هل هو إلَّا بضعة منك» (٢).

стр. 209

فَصْلٌ (١) إذا قال الصَّحَابِيُّ - وقد رُوي له حديثٌ: «هذا منسوخ»، لا يُقبل منه حتَّى يُبَيِّنَ النَّاسِخَ؛ لأنه ربَّما اعتقد ما ليس بناسخ ناسخًا، وما ليس بمنسوخ منسوخًا. مثال ذلك: ما رُوي عن ابن مسعودٍ (٢) أَنَّه لمَّا رُوي له عن رسول الله ﷺ عليه [أنه] قال: «لا تحرّم الرَّضعة ولا الرَّضعتان» (٣)، قال: «كان ذلك ثُمَّ نُسخ، وآل أمر الرضاع إلى أن صار يحرم؛ قليله وكثيره» (٤).

стр. 210

كتاب الإجماع (١) حقيقة الإجماع وحده: «هو اتفاق علماء العصر من أهل الحل والعقد على حكم سمعي». • فإن قيل: ومن أهل الحل والعقد؟ • قلنا: هم أهل الاجتهاد. فصل (٢) اتفق المسلمون بأسرهم على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ مقطوع به، تحرم مخالفته؛ ولم يخالف في ذلك أحدٌ إِلَّا النَّظام (٣). فصل (٤) • لا يُعتد بخلاف العامة؛ لأنهم أتباع المجتهدين. • فأمَّا من شدا طرفًا من العلوم ولم يتبحّر فيها - كعلماء عصرنا ـ؛ فإنَّه لا يعتد بخلافهم (٥).

стр. 211

[مسألة] (١) • واختلف العلماء فيمن أحكم بعض أدوات الاجتهاد ولم يبق إلا شيء يسير منها وقد أشرف على المعظم وقارب رتبة المجتهدين: فقال الأكثرون من علماء الأصول: لا يُعتد بخلافه (٢). فَصْل (٣) الصَّبِيُّ إذا أحكم رتبة الاجتهاد، وأحكم أدواته وخالف: لا يعتد بخلافه؛ وكذلك الكافر. فَصْل (٤) وأما الفاسق: إذا أحكم أدوات الاجتهاد؛ اختلف الناس: فقال الأكثر: لا يُعتد (٥) بخلافه (٦).

стр. 212

وقال آخرون: يُعتد بخلافه. فَصْلُ (١) يجوز أن ينقص عددُ المجمعين عن عدد أهل التواتر (٢). ومن النَّاسِ مَنْ قال: لا يجوز أن ينقص أهل الإجماع عن عدد أهل التواتر؛ لأنَّ الله تعالى ضمن حفظ الدين، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحَافِظُونَ﴾ (٣).

стр. 213

فَصْلٌ (١) اختلف الناس في المجتهد الواحد (٢)؛ هل يُعتدُّ بخلافه أم لا؟ • فقال قوم: لا يُعتدُّ بخلافه. • وقال الأكثرون من علماء الأصول: إنَّ خلافَ الواحدِ مُعتدٌّ به. فَصْلٌ (٣) اختلف الناس في إجماع من عدا الصحابة - من التابعين وغيرهم -؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟ • فقال قوم: إنَّه لا يكون حُجَّةً. • [٩٢/ ظ] وقال آخرون: إجماعهم حُجَّةٌ. فَصْلٌ (٤) اختلف الأصوليون في انقراض عصر المجمعين؛ هل هو شرط في انعقاد الإجماع وكونه حُجَّةً أم لا؟ • فصار الأكثر من الأصوليين إلى أنَّه ليس بشرط. • وقال آخرون: هو شرط في انعقاد الإجماع، وكونه حُجَّةً (٥).

стр. 214

مسألة (١) اختلف الأصوليون في الإجماع؛ هل يجوز أن يكون صدر عن الاجتهاد والرأي أم لا؟ • فقال قائلون (٢): إنَّه لا يجوز أن يكون الإجماع صادراً عن الاجتهاد. • وقال آخرون: إنَّه يجوز أن ينعقد الإجماع عن الاجتهاد، وهو الذي اختاره الشافعي. والذي قال لا يجوز أن يصدر الإجماع عن اجتهاد قال: إنَّ الاجتهاد والقياس ظن وتخمين، وهو أمر يختلف فيه.

стр. 215

فَصْلٌ في الإجماع وانقسامه (١) اعلم أنَّ الإجماع ينقسم إلى قسمين (٢): • إجماع على أمر لا أثر للإجماع فيه؛ كالإجماع على الإيمان وشرائطه، والإجماع على الصلوات الخمس والحج والزَّكوات؛ فهذا وما شاكله من الأحكام - كالبيع والنكاح وغير ذلك - ليس لأهل الإجماع فيه إلا النقل، فيؤديه صاغر عن كابر، ويأخذهُ خَلَفٌ عن سلف؛ لأنها ثابتة بنص الكتاب والسُّنَّة. فهذا النوع من الإجماع يكفر جاحده (٣)، ويفسق تاركه (٤). • والقسم الثاني: ما اتفق المجتهدون على إثبات حكمه ولا مدخل للعامة فيه، ولا لمن تميز بطرف من العلوم؛ غير أنَّه يُضاف إلى كل الأمة؛ لأنَّ العامة أتباع للعلماء، وإنَّما عليهم الانقياد لما يذكره العلماء. ومن شدا طَرَفًا من العلم أيضاً، فهو مقلد للمجتهد، وهذا النوع من الإجماع (٥) لا يكفر جاحده، ويُفسق.
следующие страницы →