[مسألة] (١)
• واختلف العلماء فيمن أحكم بعض أدوات الاجتهاد ولم يبق إلا شيء يسير منها وقد أشرف على المعظم وقارب رتبة المجتهدين:
فقال الأكثرون من علماء الأصول: لا يُعتد بخلافه (٢).
فَصْل (٣)
الصَّبِيُّ إذا أحكم رتبة الاجتهاد، وأحكم أدواته وخالف: لا يعتد بخلافه؛ وكذلك الكافر.
فَصْل (٤)
وأما الفاسق: إذا أحكم أدوات الاجتهاد؛ اختلف الناس:
فقال الأكثر: لا يُعتد (٥) بخلافه (٦).
стр. 212
وقال آخرون: يُعتد بخلافه.
فَصْلُ (١)
يجوز أن ينقص عددُ المجمعين عن عدد أهل التواتر (٢).
ومن النَّاسِ مَنْ قال: لا يجوز أن ينقص أهل الإجماع عن عدد أهل التواتر؛ لأنَّ الله تعالى ضمن حفظ الدين، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحَافِظُونَ﴾ (٣).
стр. 213
فَصْلٌ (١)
اختلف الناس في المجتهد الواحد (٢)؛ هل يُعتدُّ بخلافه أم لا؟
• فقال قوم: لا يُعتدُّ بخلافه.
• وقال الأكثرون من علماء الأصول: إنَّ خلافَ الواحدِ مُعتدٌّ به.
فَصْلٌ (٣)
اختلف الناس في إجماع من عدا الصحابة - من التابعين وغيرهم -؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟
• فقال قوم: إنَّه لا يكون حُجَّةً.
• [٩٢/ ظ] وقال آخرون: إجماعهم حُجَّةٌ.
فَصْلٌ (٤)
اختلف الأصوليون في انقراض عصر المجمعين؛ هل هو شرط في انعقاد الإجماع وكونه حُجَّةً أم لا؟
• فصار الأكثر من الأصوليين إلى أنَّه ليس بشرط.
• وقال آخرون: هو شرط في انعقاد الإجماع، وكونه حُجَّةً (٥).
стр. 214
مسألة (١)
اختلف الأصوليون في الإجماع؛ هل يجوز أن يكون صدر عن الاجتهاد والرأي أم لا؟
• فقال قائلون (٢): إنَّه لا يجوز أن يكون الإجماع صادراً عن الاجتهاد.
• وقال آخرون: إنَّه يجوز أن ينعقد الإجماع عن الاجتهاد، وهو الذي
اختاره الشافعي.
والذي قال لا يجوز أن يصدر الإجماع عن اجتهاد قال: إنَّ الاجتهاد والقياس ظن وتخمين، وهو أمر يختلف فيه.
стр. 215
فَصْلٌ في الإجماع وانقسامه (١)
اعلم أنَّ الإجماع ينقسم إلى قسمين (٢):
• إجماع على أمر لا أثر للإجماع فيه؛ كالإجماع على الإيمان وشرائطه، والإجماع على الصلوات الخمس والحج والزَّكوات؛ فهذا وما شاكله من الأحكام - كالبيع والنكاح وغير ذلك - ليس لأهل الإجماع فيه إلا النقل، فيؤديه صاغر عن كابر، ويأخذهُ خَلَفٌ عن سلف؛ لأنها ثابتة بنص الكتاب والسُّنَّة. فهذا النوع من الإجماع يكفر جاحده (٣)، ويفسق تاركه (٤).
• والقسم الثاني: ما اتفق المجتهدون على إثبات حكمه ولا مدخل للعامة فيه، ولا لمن تميز بطرف من العلوم؛ غير أنَّه يُضاف إلى كل الأمة؛ لأنَّ العامة أتباع للعلماء، وإنَّما عليهم الانقياد لما يذكره العلماء. ومن شدا طَرَفًا من العلم أيضاً، فهو مقلد للمجتهد، وهذا النوع من الإجماع (٥) لا يكفر جاحده، ويُفسق.
стр. 216
واعلم أنَّ هذا الإجماع ينقسم قسمين:
• قسم: صرَّحوا به وأفصحوا: فهو حُجَّةٌ تحرم مخالفته - كاتفاقهم على قتال البغاة ومانعي الزَّكاة وغير ذلك -.
• القسم الثاني: ألا يُفصحوا به ولا ينطقوا بحكمه، لكنهم سكتوا؛ وهو مثل أن يجتمع جمع من الصحابة (١) ثُمَّ يُفتي واحد منهم في مسألة فيما بينهم، وسمعوا ذلك منه وسكتوا عنه، ولم ينكروا عليه؛ فسكوتهم في هذا الموضع إجماع منهم على أنَّ ما أفتى به حكم شرعي يجوز الأخذ به.
وبمثل هذا الطريق ثبت كونُ القياس حُجَّةً مجمعا عليه؛ فإنَّ بعض الصحابة كان يحكم بالقياس، ويرى أنه طريق شرعي؛ ومنهم من لم يعمل به ولم يُنكر على من عمل به، فسكوتُ السَّاكتين مع علمهم بأن غيرهم عمل به دليل وإجماع منهم على كونه حُجَّةً وطريقاً شرعيا؛ وإلا فلو كان حرامًا لما سكتوا عن إنكاره.
وكذلك إذا سكتوا عند فتوى أحدهم بما لا مجال للقياس فيه: يُعلم أنَّه لا يستند إلا إلى قاطع، فيُعلم أنهم ما سكتوا إلا لأنهم علموا القاطع.
مثاله: ما روي عن عمر أنه قضى في دية اليهود والنصارى بثلث دية [٩٣/ و] المسلم، وفي دية المجوسي ثمانمئة درهم (٢)؛ فهذا أمر لا يهتدى إليه بالقياس؛ فلما سكتوا عنه: علمنا أنهم علموا القاطع المُثبت لهذا الحكم، فسكتوا عن إنكاره.
стр. 217
فَصْل (١)
إذا ثبت أنهم لا يسكتون إلا على ما هو شَرْع؛ فإذا أفتى بعضُهم وسكت الباقون؛ فهل يكون سكوتُ الساكتين موافقةً أم لا؟
• فعند الشافعي لا يدلُّ على الموافقة.
• وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يدلُّ على الموافقة (٢).
مسألة (٣)
إجماع أهل المدينة ليس بحجة على تجردهم وانفرادهم؛ هذا ما اتفق عليه الكل.
وحُكي عن مالك أنَّه قال: إجماع أهل المدينة حُجَّةٌ ويحرم مخالفته.
стр. 218
وقال قوم من أصحابه: إنَّما أراد مالك بهذا أنَّ روايتهم مقدَّمة على رواية غيرهم.
مسألة (١)
إذا اختلفت الصحابة على قولين؛ هل يجوز إحداث قول ثالث أم لا؟
اختلف العلماء في ذلك وأطلقوا أقوالهم في النفي والإثبات:
• فقال قوم: لا يجوز إحداث ثالث (٢).
• وقال آخرون: يجوز.
فصل (٣)
إذا اجتمعت الصحابة على دليل حكم: لم يجز إحداث دليل آخر.
فأما إذا استدلُّوا بدليل في مسألة من غير أن يقطعوا القول بأنَّ الحكم صادر عنه، وإنَّما أجمعوا على الحكم؛ فإنَّه يجوز أن يُحدَثَ دليل آخر.
• مثال ذلك: أنا عرفنا من وضع الشرع أنَّه يجب في التَّيَمُّمِ القَصدُ إلى الصعيد؛ فلو أنَّه وقف في مهب الريح حتَّى سَفِتَ التُّرابُ على أعضاء تيممه ونوى؛ هل يجزئه ذلك، كما لو وقف تحت ميزاب حتَّى جرى الماء عليه؟
قال بعض أصحابنا (٤): إذا تحقق وصول الغبار إليه يجزئه، والعِلَّةُ فيه أنَّ
стр. 219
القصد وصول الطهور إلى محل الفرض وقد وجد.
يقال لهم: هذا ما لا يخفى على السابقين والصدر الأول، فقالوا (١): «هذا لا يجزئه»، فدل أنهم صاروا إلى التعبد وأنَّ الشرع ورد بالقصد إلى الصعيد، وأنَّ ما أثبتناه من الدليل لا يصلح أن يكون دليلاً.
وكذلك أيضًا اختلفوا في إيجاب الكفارة على المطاوعة في نهار رمضان على الوقاع:
- فقال قوم: لا يجب عليها.
وتردد قولُ الشَّافعي في هذه المسألة - في وجوب الكفّارة عليها ـ؛ ولو كان معنى يعول عليه: لما اختلف قوله فيه.
مسألة (٢)
إذا اتفق أهلُ الإجماع على فعل من الأفعال؛ فهل تكون أفعالهم وإجماعهم عليه - حُجَّةً تدلّ على وجوبه أم لا؟
اختلف الأصوليون في ذلك:
فقال القاضي أبو بكر: لا يتصور الاجتماع على فعل واحدٍ؛ فإنَّ إجماع أهل التَّواتر في ساعةٍ واحدةٍ على فعل واحد مستحيل وجوده (٣).
стр. 220
فَصْل (١)
إجماعُ مَنْ تقدَّم من الأمم السالفةِ قبلنا؛ هل هو حُجَّةٌ أم لا؟ (٢)
فقال قومٌ: ليس هو حُجَّةً.
وقال آخرون: يكون حُجَّةً (٣).
كتاب الأخبار (١)
فصل
حكي عن الجاحظ أنه قال: الأخبار تنقسم إلى أربعة أقسام:
• قسم منها صدق لا ريب فيه - كخبر الله تعالى ورسوله -.
• ومنها كذب قطعا - وهو قول الكفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةِ﴾ (٢).
• وقسم متردد بين الصدق والكذب - كقول القائل: «زيد في الدار»، وما جرى هذا المجرى -.
• القسم الرابع: أن يعلم الإنسان أن زيدا في الدار، ثم خرج زيد عن الدار ولم يعلم بخروجه فسئل عنه: «هل زيد في الدار؟»، فقال: «نعم»؛ فإن هذا لا يوصف بكونه صدقا ولا كذبا.
فصل (٣)
إذا ثبت ما ذكرناه من انقسام الخبر إلى الصدق والكذب؛ فنقول:
الصدق ينقسم:
стр. 223
• إلى ما يُعلم ضرورةً من جهة الخبر نفسه.
• وإلى ما يُعلم صدقه لا من جهة الخبر، وإنَّما يُعلم من دليل آخر.
- أما ما يُعلم الصدق بدليل آخر لا من جهة الخبر: كقول القائل في النهار: «إنَّ هذا نهار، وهذه شمس»، «وأنَّ السَّواد والبياض لا يجتمعان في محلّ واحد».
- وأما ما يُعلم صدقه من نفس الخبر؛ فينقسم:
• إلى ما يُعلم ضرورةً.
• وإلى ما يُعلم بطريق النَّظَرِ والاستدلال.
- أما ما يُعلم بالنظر والاستدلال، فكخبر الرسول؛ يُعلم صدقه بالنظر والاستدلال في معجزته.
- وأما ما يُعلم ضرورةً: فهو كالإخبار (١) عن البلدان النائية والأمم السالفة.
وقالت السمنيَّة: خبر التواتر لا يوجب العمل بحال، وإنَّما يفيد الظَّنَّ؛ كأخبار الآحاد.
وهكذا السوفسطائية يذهبون.
стр. 224
فصل معقود في الشرائط المعتبرة في حصول العلم بخبر التواتر (١)
اعلم أن الشرائط المعتبرة في حصول العلم [تنقسم]:
• إلى متفق عليها.
• وإلى شرائط مختلف فيها:
- فمن الشرائط المتفق عليها (٢):
هو خبر التواتر بالأمم الخالية والبلاد النائية.
فصل معقود في بيان حكم الزيادة إذا لم تنقل نقل الأصل؛ هل تقبل أم لا؟ (٣)
في ذلك خلاف:
فالذي استقر من مذهب أبي حنيفة: أن الجماعة إذا رووا حديثا على وجه، وانفرد أحدهم بزيادة لم تنقلها الجماعة: لا تقبل الزيادة.
والذي اشتهر من مذهب الشافعي: أنها تقبل إذا كان الراوي لذلك عدلا ثقة.
стр. 225
• احتجَّ مَنْ قال: «لا تُقبل»:
- بأنَّ كُلَّهم سمعوا من شيخ واحدٍ في حالة واحدة، فيبعد كُلَّ البعد أن ينفرد بعضهم بشيء ولا يرويه الآخرون.
- ولأنَّ انفراده بالزيادة يقتضي إثبات شبهة (١).
• احتجَّ مَنْ قال: «بأنَّ الزيادة تقبل»:
قلنا ذلك (٢)؛ لأنَّ المجلس الواحد قد يكون فيه مَنْ يُصغي إلى الكلام، ثُمَّ يختلفون في الإصغاء والاستماع، فيكون بعضهم أحسن استماعًا وتلقفًا من بعض. وقد يظهر ذلك في الدُّروس والرُّوايات، فيجوز أن يوفَّق بعضُهم أو واحدٌ منهم لحسن التَّلقُّف، واستياق القصة من أولها إلى آخرها (٣).
стр. 226
فَصْلٌ معقود في خبر الواحد إذا ورد مخالفًا لقضية العقل (١)
فلا يخلو:
• إما أن يكون له وجه في التأويل.
• أو لا يكون له وجه في التأويل.
فإن كان الخبر مما لا تأويل له بحال: فهو باطل مردود (٢).
فَصْلٌ (٣)
اعلم أنا قد نترك أخبار رجال ورواياتهم في مواضع، ولا يكون ذلك تكذيبًا لهم، ولا يقتضي طعنا فيهم، ولكن يكون الترك لنوع خلل جرى في سماعه.
مثل أن يدخل المجلس وقد شرع رسول الله ﷺ عليه في كلامه، وذكر [٩٤/ و] بعضه، فأدرك هذا الرجل العجز دون الصدر، فروى ما سمع اعتقادًا منه أنه مستقل وهو مرتبط بما تقدم مما لم يسمعه، أو كان سمع الصدر دون العجز.
ولذلك أمثلة:
• منها: ما روي أنَّ عائشة لما روي لها أنَّ النبي ﷺ عليه وآله قال: «الشَّؤم في ثلاثة: الدار، والفرس، والمرأة» قالت: ما هكذا الحديث، إنَّما كان
стр. 227
رسول الله ﷺ عليه يحكي عن الجاهلية فقال: «كان يقال: الشُّؤم في ثلاثة» (١).
• وكذلك قيل لها: إنَّ النبي ﷺ عليه قال: «التاجر فاجر» (٢)، و «ولد الزنا شر الثلاثة»، فقالت: ما هكذا الحديث، إنَّما هذا مرتب على شيء تقدمه، وهو أنه ذكر للنبي صلى الله عليه أن تاجرًا خان أو كذب، فقال: «إنَّ التاجر فاجر»، يعني ذلك الذي ذكر.
وقوله: «ولد الزنا شر الثلاثة»؛ لأنه كان قد عقَّ أُمَّه وقال لها: «أنتِ فعلتِ كيت وكيت بعد توبتها». وليس يؤاخذ بجرم غيره ولا ذنب له (٣).
стр. 228
• وكذلك: الحديث المروي عنه: «أنَّ الميّت ليُعذَّب ببكاء أهله»، لما قيل لعائشة أن أبا هريرة يروي هذا، فقالت: إنَّما مر بقبر كافر وأهله يبكون عليه [فقال]: «إِنَّ الميّت ليُعذب وأهله يبكون عليه» (١).
فَصْلٌ (٢)
• اعلم أنَّ أخبار الآحاد إذا رواها الثقات؛ فإنَّها لا توجب العلم واليَقين (٣).
стр. 229
• وقالت الرَّافِضَةُ: لا توجب العمل أيضًا.
• وقال قوم من أصحاب الحديث: إنَّ الأحاديث متى رواها الثقات الأثبات توجب العلم.
فَصْلٌ معقودٌ في وجوب العمل بخبر الواحد (١)
• أخبار الآحاد عند أهل الجماعة توجب العمل:
- إذا ظهرت عدالة الرَّاوي.
- وغلب الظنُّ على صدقه.
• وقالت الرَّافِضة: لا يجب العمل إلا بما يوجب العلم.
فَصْلٌ (٢)
• حكي عن أبي عليٍّ الجُبَّائيُّ أنه قال: «إنَّ العدد معتبر في أخبار الآحاد، فلا يقبل الخبر إلا أن يرويه عن رسول الله ﷺ عليه اثنان عدلان؛ كالشهادة».
• وقال أهل الجماعة: خبر الواحد مقبول (٣).
стр. 230
فَصْلٌ معقود في شروط الراوي (١)
فذلك على وجهين:
• متفق عليها - وهو البلوغ ـ؛ فلا بد من اعتباره.
• ومختلف فيها - وهو:
الصَّبيُّ، ولا يخلو:
- إما أن يكون ماجنا متهتكاً.
- أو يكون فطنا ملازماً للفقه والوقار.
فإن كان داخلا في المجون، فهو كالفاسق، ثُمَّ الفاسق مع كماله بالبلوغ لا يقبل خبره؛ فالصبي أولى (٢).
فأمَّا مستورُ الحال الذي لا يتحقَّق حاله، ومن لا يعلم باطن عدالته: لا تُقبل
стр. 231
روايته دون أن تنكشف حاله (١).
والحرية ليست شرطًا؛ لأنهم كانوا يقبلون أخبار العبيد (٢).
وليس من الشرائط (٣): الذُّكوريَّة؛ فإنَّهم لم يزالوا يأخذون دينهم عن النساء.
ومن الشرائط المتفق عليها (٤): العدالة، فلا بُدَّ منها؛ وأخبار الفساق مردودة؛ لأنَّ الفاسق غير مأمون.
وقول أصحاب أبي حنيفة: «إنَّ الفاسق من أهل الشهادة»، فذلك مخالفة منهم للإجماع. [٩٤/]
стр. 232
فَصْلٌ (١)
إذا ثبت أن معرفة الحال لا بُدَّ منها، وأنَّ العدالة شرطٌ؛ فقد اختلف الناس في الجرح والتعديل:
قال الشافعيُّ: «يقول: هو عدلٌ لي وعليَّ» (٢)، والجرح لا يكفي دون أن يصرح ويفسر ذلك.
ومذهب الشافعيُّ: لا فرق بين الشهادة وبين الخبر والرواية.
وقال القاضي أبو بكر: «الأمر على الضّدّ ممّا قاله الشافعيُّ؛ فالجرح يقبل مطلقا، والعدالة لا تُقبل مطلقا» (٣).
стр. 233
فصل (١)
العدل إذا روى عن شيخ:
• قال بعضهم: إن روايته تكون تعديلا له.
• وقال آخرون: لا تكون تعديلا إلا:
- أن تصح عدالة الشيخ.
- وضبط الراوي العدل (٢).
стр. 234
فَصْلٌ (١)
فَأَمَّا العمل بالحديث؛ فهل يكون تعديلاً لمن رُوي عنه أم لا؟
فاعلم أنَّ العمل:
• إِمَّا أنْ يكونَ ممّا يقتضيه الاحتياط،
• أو لا يقتضيه.
- فإنْ كان يقتضيه، فلا يدلُّ ذلكَ على تعديله؛ لأنَّه يحتمل أنْ يكونَ إِنَّمَا عَمِلَ ذلك طلباً للاحتياط على ما يقتضيه الأصل، لا أنَّه عدل (٢).
- وإن لم يكن ما رواه يقتضيه الاحتياط فلا يخلو:
• أنْ يكون ممَّا يوافق موجب القياس.
• أو يناقضه.
- فإنْ كان يوافق، فلا يكون تعديلاً؛ لأنَّه يحتمل أنْ يكون رجَّحَ القياس
وعمل بمقتضاه.
- وإن كان من غير أنْ يكونَ الاحتياط يقتضيه ولا القياس يوافقه، فإنَّه يكون تعديلاً بشرط في التعديل: وهو الضَّبط (٣).
стр. 235
فَصْلٌ في المراسيل (١)
اعلم أنَّ المرسل عند الأصوليين هو أن يقول الراوي: «حدثني فلانٌ عن رسول الله ﷺ عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته.
وأما المنقطع: فهو أن يقول الراوي: «قال رسول الله ﷺ عليه» من غير أن يذكر راوياً أصلاً (٢) ولا هو فقيه؛ هذا ما اصطلحوا عليه.
وقد اختلف النَّاس في العمل بهذا النُّوع:
• فالذي صح عن الشافعي أنه قال: «لا أقبل في حديث رسول الله صلى
стр. 236
الله عليه إلا أن يتصل إسناده برسول الله ﷺ عليه، ولا أقبل المرسل ولا المنقطع، بلى مراسيل سعيد بن المسيب حسنة» (١).
• وقال غيره: هذا النوع مقبول يجب العمل به.
• قال القاضي أبو بكر: «المراسيل غير مقبولة على الإطلاق والعموم حتَّى مراسيل الصحابة لا أقبلها (٢)، ولا بُدَّ من الإسناد والإفصاح بصفات الراوي (٣) واسمه (٤).
стр. 237
فَصْلٌ في تعديل الصحابة (١)
قال أبو علي الجُبَّائي (٢): «إنَّ في الصحابة مَنْ لا تُقبل شهادته. ولو أنَّ أمرًا يقتضي أن يجتمع جماعة على شهادة - كالزنا -، فاجتمع عليه: عليٌّ وطلحة والزبير ومعاوية، فشهدوا عندي: لا أقبل شهادتهم؛ بسبب الفتن والحروب التي جرت بينهم؛ لأنَّ أحدهم مردود القول؛ غير أنه لم يتعين؛ ولو انفرد كلُّ واحد منهم في غير هذه الشهادة: قبلت شهادته».
وعند أبي حنيفة والشافعي لا يقدح ما وقع من الفتن والحروب في عدالتهم (٣)
стр. 238
فَصْلٌ في بيان خبر المدلس (١)
المدلس ينقسم قسمين:
• [الأول]: وهو أن يقول الراوي - وهو تابعي -: «قال رسول الله ﷺ عليه، ولا يسند إلى واسطة، ويوهم السامع أنَّه سمع».
أما إذا أرسل الخبر؛ فإنَّه يُنظر فيه:
- فإن كان المروي له ممَّن يرى العمل بالمراسيل، قبل مرسله وعمله به؛ لأنَّ قصارى هذا الراوي أنَّه أرسل الخبر، وإرساله تدليس، ولكنه لا يمنع قبول روايته على مذهب من يحتجُّ بالمراسيل (٢).
- وإن كان ممَّن لا يرى العمل بالمراسيل، فلا يقبل من هذا المدلس ولا يعمل به.
• والقسم الثاني من حال المدلس: أن يُدرج في روايته رجلًا فيقول: «حدَّثني رجل عن رسول الله ﷺ عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته؛ لنوع طعن وقدح يتوجه نحوه ويتطرق إليه؛ فإِنَّ هذا يقدح في روايته، ولا يُقبل منه؛
стр. 239
لأنه يلبس على الناس.
فصل معقود في رواية أهل الأهواء (١)
قال القاضي أبو بكر: «كنتُ أقول بقبول رواياتهم وشهاداتهم برهةً من الزمان، فالآن استقر رأيي على ألا أقبل لهم روايةً ولا شهادةً».
وأما مذهب الشَّافعيُّ والمحصلين من أهل الأصول، فقبول رواياتهم وشهاداتهم (٢).
فصل معقود في تردُّد الشيخ المروي عنه في الحديث هل يكون قدحًا أم لا؟ (٣)
• قال أصحابُ الشَّافعيّ: إِنَّ تردُّد الشيخ في الحديث الذي يروى عنه عند
стр. 240
الرجوع إليه لا يقدح فيه.
• وقال أصحاب أبي حنيفة (١): إن تردُّده قادح فيه (٢).
وليس عن أبي حنيفة والشافعي في هذه المسألة نص على ما نقله أتباعهما،
стр. 241
وإنَّما أخذ ذلك من مسألة النكاح بغير وليّ، الذي رواه سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ عليه أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل»، قال ابن جريج: لما روى لي سليمان هذا الحديث لقيت الزهري بعد ذلك فسألته عن هذا الحديث، فتوقف فيه فقال: «لا أعرفه» (١).
وقول الشيخ: «لا أعرفه» يورث تهمةً وريبةً؛ هذا عند أصحاب أبي حنيفة (٢).
فَصْلٌ (٣)
إذا تعارض خبرٌ واحدٌ وقياسٌ، ففيه ثلاثة مذاهب (٤):
стр. 242
• قال مالك: يُقدم القياس على الخبر.
• وقال الشافعي: يُقدَّمُ الخبر على القياس على الإطلاق.
• وأبو حنيفة فَصَّل بينهما؛ فقال:
- إن كان الراوي فقيهاً متيقظاً قدمت روايته [٩٥/ ظ] على القياس، كابن مسعود لما روى حديث النبيذ (١)، قدمنا روايته على القياس؛ لقول رسول الله صلى الله عليه: «كنيف مُلئ علما» (٢).
- وأما إذا لم يكن الراوي فقيها: قدمنا القياس على روايته (٣).
стр. 243
أما ما جاء في المصرَّاة (١) والعارية (٢)؛ فإنَّ الرَّاوي أبو هريرة، ولم يكن فقيها (٣)؛ لأنَّه قال: «التَّعوذ بعد البسملة» (٤)، وهذا لا يقوله فقيه. وكذلك قال: «الوضوء مما مسته النار»، فقال له ابن عباس: «ألسنا نتوضأ بالحميم، لنتوضأ مما يتوضأ به! فقال: «إذا رويت لكم الأخبار فلا تضربوا (٥) لها الأمثال (٦)!».
فصل معقود في أنَّ الأخبار هل يجوز روايتها بالمعنى أم لا؟ (٧)
فقد اختلف العلماء في ذلك:
• فقال قوم: إِنَّ ذلك لا يجوز.
• وقال آخرون: ذلك جائز (٨).
стр. 244
فَصْلٌ (١)
الخبر إذا اشتمل على أحكام كثيرة؛ هل يجوز أن ينقل بعض الأحكام ويترك البعض أم لا؟ اختلفوا في ذلك:
• فقال قومٌ: يتعين نقل جميع الخبر.
• وقال آخرون: يجوز نقل بعض الحديث دون بعض.
• وهذا يستدعي تفصيلاً؛ وهو:
- إن كان ما أغفله يتصل بما نقله - ويرتبط به ارتباطاً لو فُصِلَ عنه بطل مقصوده ـ، لم نجوّز نقل بعضه وترك بعضه.
- وإن كان مشتملاً على أحكام شتَّى ينفصل بعضها عن بعض: جاز ذلك (٢).
ولهذا مثال: وهو ما روي (٣) عن ابن مسعود أنه قال: كنتُ مع رسول الله
стр. 245
صلّى الله عليه ليلة الجنّ … ، الخبر، إلى أن قال: فلمّا (١) قضى حاجته، قال: «ائتني [بثلاثة أحجار] (٢)»، فأتيته بحجرين وروثة، فرمى بالروثة، وقال: «إنّها رجس، ابغني ثالثًا» (٣)؛ فهذا يجمع حكمين:
أحدهما: أنّ الاستنجاء بالرجس لا يجوز.
والثاني: اعتبار عدد الأحجار (٤).
فَصْلٌ في بيان قبول الرّواية على النّفي (٥)
قد اختلف النّاس في ذلك:
стр. 246
• فقال قوم: الرواية على النفي لا تُقبل، كما لا تقبل الشهادة؛ وعليه أصحاب أبي حنيفة.
• وقال آخرون: [هي] مقبولةٌ.
• مثال ذلك: أن يروي الراوي أنَّ النبي ﷺ عليه قال: «لا شفعة للجار»، ويروي الآخر أنه قال: «للجار الشفعة»؛ فإن ذلك يعود إلى الحكم بإثبات (١) نفس اللفظ المنقول.
وكذلك إن روى راوي النفي ممن لا يخفى عليه شيء من أحوال رسول صلى الله عليه وآله وباطن أمره، فهذا إن نفى عنه شيئا: صح (٢).
مثل ما روي عن علي ﵇ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ عليه لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة» (٣)، فهذا مقبول من مثله.
стр. 247
فَصْلٌ مَعْقُودٌ في الرّواية والنّسبة (١)
وذلك مثل أن يقول الصحابي … على أنه قال … .. بجهل في دين الله تعالى (٢).
ملحق يجمع النصوص والآراء المنقولة عن المصنف إلكيا الهراسي
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لما انتهينا - بحمد الله - من تحقيق كتاب «التعليقة»، ومقارنة محتواها مع النقول عن الكيا في كتب الأصوليين، وأثبتنا منها المواضع الموجودة في «التعليقة» التي عندنا في هوامش المسائل، فرأينا من الأهمية بمكان جمع النقول والاختيارت غير الموجودة في تعليقتنا؛ وذلك إتماما للفائدة، وتكميلا للنقص الموجود في مخطوطنا، فقصدنا بهذا الملحق تيسير الوقوف على ما فات من النصوص والاختيارات الإلكيا الهراسي.
وكان منهجنا في جمع وترتيب هذا الملحق على النحو الآتي:
• حصر النصوص والاختيارات المنقولة عن إلكيا من كتب الأصوليين، وكان أكثرهم حظًّا في ذلك الزركشيُّ، وخصوصا في كتابه: «البحر المحيط».
• بعد جمع النصوص والنظر فيها، قمنا بفرزها على قسمين أساسيين:
نصوص منقولة - وهي الأكثر ـ، وآراء منسوبة؛ ثم اجتهدنا قدر الوسع والطاقة في إبقاء المسائل الأصولية، واستبعدنا بعض النقولات الكلامية المحضة وغيرها مما ليس لها علاقة مباشرة بعلم أصول الفقه.
• اعتمدنا في نقل النصوص على ما جاءت في المصادر دون تصرف، مع غلبة الظن عندنا أن بعض هذه النصوص فيها اختصار أو نقل بالمعنى، ومع ذلك