Полный текст (357 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
قال: وهذا قريب من مخالفة الرَّاوِي مضمون الحديث الذي رواه». «البحر المحيط» (٤/ ١٥٥ - ١٥٦).
* إذا كان راوي أحدها متقدّم الصُّحبة والآخر متأخرًا
ذكر الزركشي أنَّ ابن السمعاني قسمه قسمين:
أحدهما: أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني، فيكون الحكم الذي رواه المتأخر ناسخا للذي رواه الأول، كرواية قيس بن طلقٍ، وأبي هريرة في مس الذكر.
والثاني: «ألا تنقطع صحبة المتقدم عند صحبة المتأخر، فلا تكون رواية المتأخر الصُّحبة ناسخةً لرواية المتقدّم؛ لجواز أن يكون المتقدم راوياً لما تأخر، كما لا يجوز أن يكون راوياً لما تقدَّم، وإثبات النسخ بمجرد الاحتمال ممتنع، كرواية ابن عباس، وابن مسعود في التشهد، فلا تكون رواية ابن عباس ناسخةً لرواية ابن مسعود، ولكن يُطلب الترجيح من خارج»، ثُمَّ قال الزركشي: «والقسم الأول ذكره إلكيا». «البحر المحيط» (٤/ ١٥٧).
стр. 282
مباحث القرآن والسُّنَّة
• حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة
حكى الزركشي عن إلكيا متابعته لإمام الحرمين نسبة القول بعدم حجية القراءة الشاذة إلى الإمام الشافعي، ثُمَّ نقل عنه ما نصه: «القراءة الشَّاذَّة مردودة لا يجوز إثباتها في المصحف، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.
قال: وأما إيجاب أبي حنيفة التتابع في صوم كفّارة اليمين لأجل قراءة ابن مسعود، فليس على تقدير أنه أثبت نظمه من القرآن، ولكن أمكن أنه كان من القرآن في قديم الزمان، ثم نسخت تلاوته، فاندرس مشهور رسمه فنقل آحادًا، والحكم باق، وهذا لا يستنكر في العرف.
قال: والشافعي لا يرد على أبي حنيفة اشتراط التتابع على أحد القولين من هذه الجهة، ولكنه يقول: لعل ما زاده ابن مسعود [كان] تفسيرا منه، ومذهبا رآه، فلا بعد في تقديره، ولم يصرح بإسناده إلى القرآن.
فإن قالوا: "لا يجوز ضم القرآن إلى غيره، فكذلك لا يجوز ضم ما نُسخت تلاوته إلى القرآن تلاوة".
وهذا قد يدلُّ من وجه على بطلان نقل هذه القراءة عن ابن مسعود؛ فإنا على أحد الوجهين نبعد قراءة ما ليس من القرآن مع القرآن.
وقال: والدليل القاطع على إبطال نسبة القراءات الشاذة إلى القرآن أنَّ
стр. 283
الاهتمام بالقرآن من الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في إحياء معالم الدين يمنع تقدير دروسه وارتباط نقله بالآحاد». «البحر المحيط» (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
• تعريف السنة لغة
نقل الزركشي عن الكيا قوله: «معناها الدوام. فقولنا: "سُنَّة" معناه: الأمر بإدامته، من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبّه». «البحر المحيط» (٤/ ١٦٣).
• النوع الثالث من أفعال النبي ﷺ :
وهو ما احتمل أن يخرج عن الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه خاص
نقل الزركشي عن الكيا حكايته للخلاف في هذا النوع، فقال ما نصه:
«وعلّل الوقت (كذا) بأنَّ الفعل لا يدل على جواز الإيقاع، والمصالح مختلفة باختلاف أحوال المكلفين.
قال: وفي هذا نظر للأصوليين متجه، إلَّا أنَّ الذي عليه الأكثرون أنه مباح؛ لإجماع الصحابة، وقد سئلت أم سلمة عن القبلة للصائم، فأجابت بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يبتعد عن ذلك». «البحر المحيط» (٤/ ١٧٧).
• فعل النبي ﷺ المطلق والمجرد؛ ما حكمه؟
فقد ذكر الزركشي الخلاف فيه، ونقل عن الكيا ضمن من يقول بالقول الأول - وهو أنه واجب في حقه وحقنا، وأنَّ إدراك الوجوب بالسمع، لا بالعقل -، ما نصه: «الصحيح أنَّه لا يُتلقّى من حيث العقل؛ لأنه لا دلالة فيه، والمخالف يسلم ذلك، ولكنه يقول: دليل السمع دلّ عليه، فيرجع النزاع إلى
стр. 284
دليل السمع، إذن لا متعلق لهم، والألفاظ دلت على التأسي به، وتهديد تارك التأسي به والاتباع له». «البحر المحيط» (٤/ ١٨٢).
• التعارض بين قول النبي ﷺ وفعله
* ذكر الزركشي في الموضع الثاني من تعارض الأقوال والأفعال - وهو ألا يكون القول من صيغ العموم، ويُجهل التاريخ في تقدمه على الفعل أو تأخره عنه - أنَّ المسألة فيها ثلاثة أقوال، ونقل جزم إلكيا بالقول الأول - وهو تقديم القول لقوته بالصيغة، وأنَّه حُجَّةٌ بنفسه -، فنقل عنه ما نصه: «لأن فعله لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل، وحق قوله أن يتعداه؛ فإذا اجتمعا تمسكنا بقوله، وحملنا فعله على أنه مخصوص به». «البحر المحيط» (٤/ ١٩٨).
* ثم ذكر الزركشي أنَّ الخلاف هنا إنَّما يتجه من القائلين بحمل فعله ﷺ على الوجوب، ونقل عن الأستاذ أبي منصور وإلكيا:
* «إن تقدم القول ومضى وقت وجوبه، ولم يفعله ﷺ ، أو فعل ضده: علمنا نسخه، كتركه قتل شارب الخمر في الرابعة بعد أمره به؛
* وإن فعل ما يضاده قبل وقت وجوبه: دلَّ على نسخ حكم قوله عند من أجاز نسخ الشَّيء قبل مجيء وقته، ولم يُنسخ عند من منعه.
* وإن قدم الفعل: كان القول ناسخا له». «البحر المحيط» (٤/ ١٩٩).
• إقرار النبي ﷺ -
على القول بأنه يتضمن رفع الحرج - سواء كان خاصا أو عاما ـ؛ هل يُحمل على الإباحة أو يتوقف فيه للاحتمال؟
стр. 285
نقل الزركشي أنَّ من يقول بالإباحة؛ اختلفوا في حكم الاستباحة لما أقرَّ، على وجهين، حكاهما إلكيا وغيره:
«أحدهما: أنه مباح بالأصل المتقدّم، وهو براءة الذمة، فلا ينتقل إلَّا بسبب، وهذا منهم تعلق باستصحاب الحال.
والثاني: أنَّه مباح بالشرع حين أُقِرُّوا عليها». «البحر المحيط» (٤/ ٢٠٢).
• الاعتماد على كتب الحديث من غير الرواية بالإسناد
نقل الزركشي عن إلكيا جزمه بوجوب العمل بالكتاب إذا كان لرجل موثوق به، عُرف منه أنه لا يجازف - وإن لم يره مذكورًا بإسناده إلى النبي ﷺ ـ، ثم نقل عنه ما نصه:
«وقال قائلون من المحدثين: ليس له ذلك، وهو بعيد، فله أن يقول: قال رسول الله ﷺ مستندا إلى كتاب، وكما أن عليه أن يعمل، فعليه أن يحتج به على غيره اعتمادا على ما في الكتاب، واستنادًا إليه». «البحر المحيط» (٤/ ٣١٩).
* انتقاء الإمام مالك أحاديث «الموطأ»
ذكر إلكيا الهراسي في تعليقه في الأصول: «أنَّ موطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف حديث، ثُمَّ لم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة». «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ١٩٥).
• إفادة أحاديث الصحيحين العلم
نقل الزركشي عن ابن فورك: أنَّ الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول يقطع
стр. 286
بصدقه وأنه أشار في موضع آخر إلى تلقيهم قولا، لا عملا؛ لأنهم متعبدون بالعمل بخبر الواحد، وأنَّ القاضي أبا بكر لم يسلّم القطع ولو تلقوه بالقبول … ، ونقله إلكيا الطبري في كتابه المسمى بـ: «تلويح مدارك الأحكام» عن الأكثرين.
قال - أي إلكيا -: «لأنَّ الأمة لا يجوز أن تنطق عن التصديق بالكذب؛ لأن في ذلك إجماعاً على الباطل، وهو منفي عنها».
قال: «وقال القاضي أبو بكر: هذا لا يتصور عندي؛ فإنَّ الخبر الواحد إذا لم يوجب العلم، فلا يتصور اتفاق الأمة على انقطاع الاحتمال حيث لا ينقطع والإجماع إنَّما يتصور فيما يجوزه العقل، وهذا لا يجوزه العقل».
قال: «والحقُّ ما قاله القاضي، ومن خالفه في ذلك، لم يحصل على علم ما قاله». «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
• اختلاف الثقات في رواية الحديث متصلا أو مرسلًا
نقل الزركشي اختلاف أهل العلم على أقوال، والخامس منها نسبه لإلكيا الهراسي، وهو قوله: «إنَّه بمثابة الزيادة من الثقة، فيُقدم الوصل بشرطين:
* ألا يكون الحديث عظيم الوقع بحيث يزيد الاعتناء به.
* وألا يكذبه راوي الإرسال». «البحر المحيط» (٤/ ٣٤٠).
• الإجماع على وفق خبر من الأخبار؛ هل يكون دليلا على صحته؟
نقل الزركشي عن الكيا ما نصه:
«إذا ظهر أن مستند الإجماع نص: كان هو مستند الحكم، ونحن إنَّما نتلقّى
стр. 287
الحكم من الإجماع إذا لم نر مستنداً مقطوعاً به.
فأما إذا أجمعت الأمة على موجب الخبر المروي من خبر الواحد، فهل يدلُّ القطعي على أنَّ إجماعهم كان لأجله أم لا؟
قال: فيه تفصيل، وهو:
* إن عملوا بما علموا، وحكموا مستندين إلى الخبر مصرحين بالمستند، فلا شكَّ، وإن لم يظهر ذلك، فالشافعي ﵀ يقول في مواضع من كتبه: إنَّ إجماعهم يصرف إلى الخبر، وبه قال أبو هاشم، وزاد عليه، فقال: أجمعت الصَّحابة على القراض، ولا خبر فيه، فالظاهر أنَّهم أجمعوا عليه بخبر المساقاة، ولكن اشتهر الإجماع في القراض؛ لعموم البلوى به، دون المساقاة.
* وذهب غيرهما إلى أنه يجوز أن يكون إجماعهم لأجل الاجتهاد، أو لأجل خبر آخر لم ينقل، ويبعد كل ذلك ليس خرقًا للعادة (كذا)، وهذا لا دافع له إلا أن يقال: لا يجوز أن يجمعوا لأجل خبرٍ، ثُمَّ لا ينقل ما أجمعوا عليه، وهذا لا يمشي؛ إذ يمكن أن يقال: إجماعهم أعني نقل ما له أجمعوا (كذا)». «البحر المحيط» (٤/ ٤٥٦ - ٤٥٧).
стр. 288
مباحث القياس
• تعريف القياس اصطلاحاً
لما ذكر الزركشي تعريف القاضي الباقلاني للقياس اصطلاحاً بأنه: «حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع حكم أو صفة أو نفيهما»، نقل عن الكيا ما نصه:
«وهو أسد ما قيل على صناعة المتكلمين». «البحر المحيط» (٥/¬٨).
وقد اعترض على هذا التعريف باعتراضات، منها: أنَّ القياس الفاسد خارج عنه؛ لأن الجامع متى حصل: صح القياس، فنقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «هو شامل للصحيح والفاسد، والتفاوت بينهما يرجع إلى شروط لا مدخل لها للتحديد». «البحر المحيط» (٥/¬٩).
• الفرق بين القياس والاجتهاد
نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «يمتاز القياس عن الاجتهاد بأنه في الأصل بذل المجهود في طلب الحقِّ، سواء طلب من النَّصّ أو القياس». «البحر المحيط» (٥/¬١١).
• إثبات الحدود والكفارات والمقدرات - التي لا نص فيها ولا إجماع - بالقياس
نقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «نقل عن زعماء الحنفية امتناع القياس في
стр. 289
التقديرات والحدود والكفارات والرخص، ولذلك منعوا إثبات حد السارق في المختلس. وحكي عن أبي حنيفة ما يدل على ذلك؛ فإنَّه لم يثبت لهذا المحصر بدلاً عن الصوم، وقال: إنه يقتضي إثبات عبادة مبتدأة، وكان يقول: إنَّ النُّصُب لا يصح أن تبتدأ بقياس ولا بخبر الواحد، ولذلك اعتد في إسقاط الزكاة في الفصيل، وكان يجوز أن يعمل القياس في نصب ما قد يثبت الزكاة فيها، كما يجوز أن يعمل القياس في صفة العبادة من وجوب وغيره، ولذلك قبلوا خبر الواحد في إثبات النصاب فيما زاد على المائتين، وفي وجوب الوتر.
فقيل لهم: تكلم الناس في الحدود والأيمان بالقياس، فأجابوا أنه ليس لأجل إثبات حدّ به، وإنما تكلموا لبيان الشبه المسقطة له مع تحقق إثباتها، وسقوط الحد ليس بحد، فيصح القياس. وأوجبوا الكفارة على القتل قياسًا على المجامع، وعلى المرأة كالرجل، وعلى المجامع ناسيًّا في الإحرام، كما لو قتل الصيد خطاً وليس في ذلك شيء من نص ولا عموم ولا إجماع.
فأجابوا بأن هذا لم نعلمه قياساً، بل استدلالا بالأصول على الأحكام، [وهو] مغاير للقياس لنحو السر (كذا). وهذا كله مردود؛ لأنَّه لا شيء فيها غير القياس».
قال الزركشي: «ثم بين ذلك وأطال، وقال:
الذي يستقيم مذهبًا - للمحصل على ما يراه - أنَّ أبا حنيفة إنما قال ذلك في إجراء القياس في أصول الكفارات وأصول الحدود، كإلحاق الرّدة والقذف بالقتل في الكفارة، وكإلحاق من يكاتب الكفَّار ويُطلعهم على عوراتنا بالسارق من حيث إن ذلك يقتضي التصرُّف في علائق غيب لا يهتدى إليه، فانعدم طريق
стр. 290
القياس. فامتنع القياس من حيث إنَّ الذي يكاتب الكفار وإن زاد ضرر فعله على ضرر السارق الواحد، فهو بالإضافة إلى [العين] سارق واحد، أما بالإضافة إلى الجنس فلا، من حيث إنَّ السّرقة مما يتشوف إليها الرعاع، بخلاف مكاتبة المسلم؛ فإنَّها لا تكاد توجد، أو لا يظهر استواء السبب، فكلُّ ما كان من هذا الجنس، فلا يجري فيه القياس لفقد الشرط». «البحر المحيط» (٥/ ٥٤ - ٥٥).
• جواز القياس في الرخص
قال إلكيا: «إنَّما نمنع القياس على الرخص إذا كانت مبنيةً على حاجات خاصَّةٍ لا توجد في غير محل الرخصة، فيمتنع القياس لعدم الجامع، كغير المسافر يعتبر بالمسافر في رخص السفر؛ إذ يتضمن إبطال تخصيص الشَّرع. وقد يمتنع أيضًا مع شمول الحاجة إذا لم يبن عندنا استواء السببين في الحاجة الداعية إلى شرع القصر مع أنَّ المريض خُفّف عنه في بعض الجهات ذلك في الرخصة سادا لحاجته، كالقعود في الصَّلاة، وذلك تخفيف في الأركان، مقابل للتخفيف في عدد الركعات. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٥٨).
• جواب إلكيا عن القول: بأنَّ القياس الشرعي إنَّما يجوز في تعيين ما ورد النَّص به على الجملة، فيُعرف بالقياس تفصيله.
نقل عنه الزركشي ما نصه: ما قاله أبو هاشم هو عين ما حكيناه عن أبي زيد وأبطلناه، ومما يدلُّ على بطلانه أنَّ الأولين أثبتوا قول الرجل لامرأته: "أنت علي حرام" بالقياس، ولم يكن عليه نص على جهة الجملة؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أمارة في المنع من تحريم ذلك، ولا يفيد حكمه إذا وقع التحريم.
стр. 291
ويحتمل أن يقال: علموا أصلا غاب عنا، فيقال: رأيناهم يتشوفون للقياس باتباع الأوصاف المخيلة المؤثرة من غير قصد إلى جُملي». «البحر المحيط» (٥/ ٧١).
• إطلاقات «الأصل» عند الأصوليين
ذكر إلكيا أربعة من إطلاقات "الأصل"، وهي كما يلي:
أحدها: ما يقتضي العلم به علما بغيره، أو يوصل به إلى غيره، كما يقال: إنَّ الخبر أصل لما ورد به، والكتاب أصل السُّنَّة لما علم صحتها به.
والثاني: لا يصح العلم بالمعنى إلا به.
الثالث: في الحكم الذي لا يعتريه ما سواه، فيقال: هذا الحكم أصل بنفسه لا يقاس عليه.
الرابع: الذي يقع به القياس. «البحر المحيط» (٥/ ٧٥).
وقد اختلفوا في المراد بالذي يقع به القياس، فحكى الزركشي عن المحققين أنه نقيض الحكم الثابت بالخبر، ثُمَّ نقل عن إلكيا ما نصه: «وهذا هو الأوجه عندنا، ولم نر في كلام المخالف ما يُضعفه». «البحر المحيط» (٥/ ٧٥).
• حكم الأصل إذا كان ثابتا بالقياس؛ هل يجوز القياس عليه؟
نقل الزركشي عن الكيا أنَّ محل الخلاف في هذه المسألة فيما إذا لم يكن الحكم في الفرع بنص أو دليل نص يُستدل به على مثله، ويكون الفرع الثاني مثلا، فإن كان كذلك، فلا يمتنع منه قطعاً، كما أن الحكم ثبت بالنص، ومع ذلك يمتنع حمل الفرع عليه بعلة.
стр. 292
فرجع حاصل الخلاف إلى أن الذي ثبت بالقياس لا يجوز أن يجعل أصلا، وما لا يثبت بالقياس من المختلف فيه يجوز أن يجعل أصلا إذا كان ثبوته بعموم أو نص أو غيره؛ لأنه يخرج بذلك عن كونه فرعا ثابتا بالقياس.
ثم قال الزركشي: «قال - أي إلكيا -: وهذا قول الأصوليين، وهو يستدعي البناء على أصل: وهو أنَّ الحكم الواحد؛ هل يجوز إثباته بعلتين مختلفتين؟
فإن قلنا: يمتنع، نشأ منه أنَّ الفرع لا يجوز أن يجعل أصلا لفرع آخر». «البحر المحيط» (٥/ ٨٥).
• القياس في المركب
نقل الزركشي عن الكيا - ضمن شروط حكم الأصل في القياس عدم صحة القياس في المركب -، ما نصه: «قال إلكيا في تعليقه: لا يصح القياس في المركب؛ لأنَّه لو صح، لتركب عليه مسائل كثيرة، ولو أنَّ الأولين من الصحابة والسلف يتعرضون له (كذا)، ولم ينقل عنهم». «البحر المحيط» (٥/ ٨٩).
• المعدول به عن سنن القياس
* نقل الزركشي أنَّ إلكيا حكى عن أصحاب أبي حنيفة إطلاقهم القول بأنَّ القياس لا يجري في المعدول به عن القياس، ثُمَّ قال: «وهذا فيه تفصيل عندنا». ثُمَّ نقل الزركشي عنه أقسام ما عُدل به عن سنن القياس، فقال:
«أحدها: أن يكون ذلك الشيء قاعدةً متأصلة في نفسها مختصةً بأحكام غيرها (كذا، ولعلها: عينها). فلا يقال لهذا المعنى إنَّه مخالف؛ لأنَّه ليس أصل أولى به.
стр. 293
كقولهم: النكاح عقد على المنفعة، يصح مع جهالة المدة، فصحته مع جهالة المدة على خلاف القياس؛ فإنَّ ما في النكاح من المقصود لا يتأتى إلا بإبهام المدَّة كالتناسل، فالإبهام فيه كالإعلام.
ومنه قولهم: السَّلَم خارج عن القياس؛ لأنَّه معاملة موجود بمعدوم، وكذا الإجارة؛ فإنا لم نجوز المعاملة بموجود لمعدوم (كذا) لغرر متوقع؛ وإلا فالعقل لم يمنع منه إذا وجد الرّضا، ولكن الاغترار مما يجرُّ ندما وضررا؛ فإذا ظهر لنا في السلم أن الحالة الداعية إلى تجويزه هي الغرر المقرون بالعقد، لم يكن له من الوزن ما يخالف أنَّه مخالف للقياس؛ فإنَّ القياس الأصلي هو الرضا، ويعتد به الشارع للمصالح الجزئية، وحيث لا مصلحة في نفي الغرر، رُدَّ إلى الأصل؛ والأصل الرضا، فغلبنا مصلحةً على أخرى.
الثاني: أن يكون الحكم الثابت فيه مما لا يُمكن أن يتلقى من أصل آخر، ولا يظهر لنا أنه أولى بالاعتبار من الأصل المنتقل عنه، وبه يتميز هذا القسم مما قبله.
ونظيره: أن الوالد لا يُقتل بولده مع الجريمة الظاهرة، ولكن الشرع غلب حرمة الأبوة، فقال: لا يقتل به، فهذا لا يظهر لنا وجه تغليبه. بخلاف السلم؛ فإنه يظهر لنا من قياس الأصول تغليب حاجة المسلم، فهذا وما أشبهه معدول به عن القياس الجلي لمعنى خفي.
ومنه: الدية على العاقلة؛ فإنَّها أثبتت على خلاف قياس المضمونات، وكلُّ قياس يتضمن إبطال هذا الاختصاص مردود، وكل قياس يتضمن تقريبا مقبول، فهو على اعتبار ما دون الموضحة بمقدار الموضحة، وتحمل العاقلة أُثبت باعتبار
стр. 294
الجزئية حتى لا يهتدي البدل (كذا، ولعلها: لا يهدر الدم)، وتتعاون العاقلة على أدائه، والقليل والكثير في هذا سواء.
واختلف قول الشافعي في بدل العبد، واختلف قوله في إخراج الصيد من قيمته، وهل هو كإخراج الحر من ديته؟
ولكن ذلك على مخالفة القياس من وجه اعتبار قياس الغرامات، ويجوز إجراء القياس فيه على شرط التزام التقريب، بحيث لا يلتزم إبطال التخصيص أو تصرفاً في غيب، والتقريب الخاص أولى من المعنى الكلي المخيل، فهذا هو العدول به عن القياس، فإذا لم يمتنع ذلك، فهاهنا أولى.
الثالث: إذا كان أصله لا يتعلق بمصلحة كلية، ولا جزئية ظاهرة لنا، كما قاله الشافعي في العرايا: إنَّه مخالف لقياس الرّبا، وفي العرايا مصلحة ظاهرة، ولا يتخيل ذلك في الربا، ولكنه على وجهين:
أحدهما: أن يقال في الربا، وإن لم نطلع على مصلحة خفية، كما اطلعنا عليها في ربا النساء، ولكنا نعلم أنَّ الرَّبَّ تعالى إنَّما حرمه؛ لأنَّ التوسع فيه يجرُّ إلى ربا النساء، ولا شك أنَّ العرايا مخالفة لهذا.
والثاني: أن معنى قولنا: "العرايا مخالفة لقياس الربا" أنها على مخالفة المعهود من قياس الربا، وإن لم يكن معنى المصلحة معهوداً لنا؛ وإذا ساغ - دون فهم المعنى - إلحاق ما عدا المنصوص به، ساغ تقدير مخالفة القياس حيث امتنع الاعتبار والتقريب منه.
وأما قول الشافعي: إنَّ الأجل والخيار على مخالفة الأصل، مع أن الأصل
стр. 295
اتباع التراضي - وهو القياس الأصلي -؛ فإنه لا قوام للعالم إلا به، وتجويز الخيار من تفاصيل أصل الرّضا، فصح أنه على خلاف القياس، لكنه خلاف قياس هو أولى به، وهذا تأويل حسن». «البحر المحيط» (٥/ ٩٥ - ٩٧).
* قسم الزركشي المعدول به عن القياس إلى أقسام الثالث منها: ما استثني من قاعدة عامة، وثبت اختصاص المستثنى بحكمه، فلا يقاس عليه، ونقل ضمنه عن إلكيا ما نصه:
«التخصيص ثلاثة أضرب: تخصيص عينٍ، أو مكانٍ، أو حالٍ؛
فالعين كقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، والمكان كقوله ﷺ : "أحلت لي ساعة من نهار … "، والحال كالميتة للمضطر». «البحر المحيط» (٥/ ٩٨).
• القياس على المخصوص بالذكر والمعنى
نقل الزركشي عن الكيا ضمن المسألة ما نصه: «المخصوص بالذكر قد يقع القياس عليه، وأكثر القياس كذلك؛ والمخصوص بالمعنى لا يقاس عليه؛ لأنه اختص بمعناه، فلم يوجد في غيره، فلا يقاس عليه لعدم الجامع». «البحر المحيط» (٥/ ١٠١)
• ما يمتنع فيه القياس
قال إلكيا: «مما يمتنع فيه القياس أن يكون الاعتبار مقتضيا تصرفًا في عين لا يتصور إحاطة علم العبد به؛ فالقياس ممتنع لعدم شرطه، وهو ظهور الظن؛ إذ لا يتصور ارتباط الظَّنِّ به. فنحن نعلم أنَّ الطَّهارة شرعت للنظافة، والصَّلاة للخشوع؛ فمن أراد أن يضع شيئًا آخر ويجعله مثلًا للصلاة في إفادة مثل مقصود
стр. 296
الصَّلاة والطهارة من الخشوع والنظافة: كان مردودا؛ لأنه لا يهتدى إليه.
وعلى هذا أكثر ضوابط الشرع، كنُصُب الزَّكوات، وتقدير البلوغ، وتقدير الزواجر، وغيرها». «البحر المحيط» (٥/ ١٠٣).
• الاختلاف في السابع من شروط الفرع: وهو ألا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل
ذكر الزركشي أن من العلماء من منع هذا الشرط، وجوز أن يكون الحكم عليه أمارات متقدمة ومتأخّرةٌ؛ فالمستدل أن يحتج بالمتقدم منها والمتأخر؛ فإنَّ الدليل يجوز تأخره عن ثبوته. ولهذا معجزات النبي ﷺ منها ما قارن نبوته، ومنها ما تأخر عنه، ويجوز الاستدلال على نبوته بما نزل من القرآن بالمدينة؛ وكذا في الأحكام المظنونة.
ثم قال الزركشي: وكذا نقل إلكيا في تعليقه عن الأصحاب أنَّهم جوزوا ذلك؛ فإنَّ العالم متراخ عن القديم، فيستدل به على إثبات القديم.
ثم قال - أي إلكيا -: وهذا غير صحيح؛ فإنا لا نستدل بوجود العالم على إثبات الصانع؛ لأنه ثابت قطعًا. وإنَّما استدللنا بالعالم على العلم بالصانع. فيحتاج أن يقول هنا: النِّيَّة في الوضوء كانت ثابتةً بدليلها، وهو إخالة ومناسبة. «البحر المحيط» (٥/ ١٠٩).
• اشتراط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق الإجمال
ذكر الزركشي ضمن الحديث عن شروط الركن الثالث من أركان القياس وهو الفرع ـ، أن أبا هاشم اشترط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم
стр. 297
في الفرع بطريق الإجمال، ويكون حظ القياس إبانة فيصله، والكشف عن موضوعه، وحكاه إلكيا الطبري عن أبي زيد أيضاً. ورده بأنَّ الأولين تشوفوا إلى إجراء القياس اتّباعاً للأوصاف المخيلة المؤثرة من غير تقييد، وقد أثبتوا قوله "أنت علي حرام" بالقياس، وإن لم يكن عليه نص على جهة الجملة على وجه ما؛ لأن قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إنَّما يمكن عن المنع من تحريمه (كذا)، ولا يفيد حكمه إذا وقع التحريم. قال - أي إلكيا: «ويمكن أن يقول: لعلهم علموا له أصلا غاب عنا». «البحر المحيط» (٥/ ١١٠).
• معنى العلة في اللغة:
* معنى العِلَّة في اللغة قيل: هي اسم لما يتغيَّر حكم الشيء بحصوله، مأخوذ من العلة التي هي المرض، ويقال: اعتلَّ فلانٌ إذا حال عن الصحة إلى السقم. وهذا المعنى اعتمده القاضي أبو بكر، وجرى عليه إلكيا …
* ونقل عن الكيا في معنى العلة - لغةً - أنَّه قال: «وقد يُعبر بها عما لأجل ذلك يقدم على الفعل أو يمنع منه؛ يقال: فعل الفعل لعلة كيت، أو لم يفعل لِعِلَّةٍ كيت. وقد استعملت في المعلولات في المعنى الذي يوجب لغيره حالا، كالعلم يوجب العالمية، والوصف من غير حال السواد. فقال: إِنَّه عِلَّةٌ في وصف المحل بأنه أسود». «البحر المحيط» (٥/ ١١١).
• معنى العلة في الاصطلاح
قال إلكيا: «العِلَّةُ في عرف الفقهاء: الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها، والعقلية موجبة على رأي القائلين بها، والشرعية موضوعةٌ، ولكنها مشبهة بها في
стр. 298
الشَّرعُ، أثبت الحكم لأجلها في طريق الفقهاء، فكان أقرب عبارة على هذا التَّقدير عبارة: العِلَّة؛ ليكون الحكم تبع الحقيقة على مثالها». «البحر المحيط» (٥/ ١١٣).
• إطلاقات الفقهاء للسَّبب في الاصطلاح
قال إلكيا: «يطلق السَّبب في اصطلاح الفقهاء على أربعة أمور:
أحدها: السَّبب الذي يقال: إنَّه مثل العِلَّة، كالرمي؛ فإنَّه سبب حقيقةً، إِلَّا أنَّه في حكم العلة؛ لأنَّ عين الرمي لا أثر له في الحكم حيث لا فعل منه، ومنه الزِّنى.
الثاني: ما يكون الطارئ مؤثّرًا، ولكن تأثيره مستند إلى ما قبله، فهو سبب من حيث استناد الحكم إلى الأول، لا استناد الوصف الآخر إلى الأصل.
الثالث: ما ليس سببًا بنفسه، ولكن يصير سببًا بغيره، كقولهم: القصاص وجب ردعًا وزجرًا، ثُمَّ قالوا: وجب لسبب القتل؛ إذ القتل عِلَّةُ القصاص، فقطعوا الحكم عن العلة، وجعلوه متعلقا بالعلة، والعلَّة غير الحكم.
واعلم أنَّه لولا الحكمة، لكان الحكم صورةً غير صالحة للحكم، فبالحكمة خرج عن كونه صورةً، والعلة صارت جالبة للحكم بمعناها لا بصورتها، ودون الحكمة لا شيء إلا صورة الفعل، والصورة لا تكون علةً قط، فعلى هذا، الحكمة راجعة إلى العلة فلا علة بدونها، والخلاف يرجع إلى اللفظ.
الرابع: ما يسمى سببًا مجازاً من حيث إنَّه سبب لما يجب، كقولهم الإمساك سبب القتل، وليس سبب القتل حقيقةً؛ فإنَّه ليس يفضي إلى القتل، بل القتل باختيار القاتل، ولكنه سبب للتمكن من القتل بإلحاق، وقيل: سبب القتل.
стр. 299
فالأسباب لا تعدو هذه الوجوه. انتهى».
وقال في تعليقه: «المتكلمون لا يفرّقون بين العلة والسبب، والفقهاء يقولون: العلة هي التي يعقبها الحكم، والسبب ما تراخى عنه الحكم ووقف على شرط أو شيء بعده». «البحر المحيط» (٥/ ١١٦).
• هل الأحكام الشرعية وضعت لعلل حِكَمِيَّة أو لا؟
قال الزركشي: «قال إلكيا: فصل: في أنَّ الأحكام الشرعية هل وُضعت لعلل حكميَّة أم لا؟
ذهب بعضهم إلى امتناع أن يتعبد الله عباده بما لا استصلاح فيه. وهذا قول مرغوب عنه. ونحن وإن جوزنا أن يتعبد الله عباده بما شاء، ولكن الذي عرفناه من الشرائع أنها وضعت على الاستصلاح، دلت آيات الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ملاءمة الشرع للعبادات الجبلية والسياسات الفاضلة، وأنَّها لا تنفك عن مصلحة عاجلة وآجلة. قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾، وقال ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وهذا كله يدلُّ على أنه تعالى إنَّما تعبدهم بالشرائع لاستصلاح العباد، وهذا لا يُعلم إلَّا بالشرع، وأنَّ العقل لا يدلُّ على أنَّ عند وقوع أحد الفعلين يقع الآخر على سبيل الاختيار إذا لم يكن المختار ممن ثبتت حكمته، فإذا صح ذلك السمع فأحدها القياس على ما سنبينه.
ثُمَّ الأحكام الشرعية تنقسم إلى:
* ما اطلعنا عليه وعلى وجه الحكمة فيه بأدلة موضوعة من النص تارةً،
стр. 300
ومن مفهوم وتنبيه وسبر وإيجاز (كذا).
* ومنها ما لا يُطلع فيه على وجه الحكمة الخفية، وهي من ألطاف الله التي لا يُطلع عليها، فمن هاهنا تخصيص التكاليف بوقت دون وقتٍ، وتخصيص بعض الأفعال بالنَّدب، وبعضُها بالوجوب، وهذه المصالح بحسب المعلوم من حال المتعبدين به، واحدا (كذا، ولعلها ولهذا) اختلف الأفعال من الله تعالى في النقل من شريعة إلى أخرى، وقد بنى الله أمور عباده على أن عرَّفهم معاني دلائلها وجملها، وغيَّب عنهم معاني دقائقها وتفاصيلها، كما إذا رأينا رجلين عليلين تفاوتت عللهما، عرفنا الوجه في افتراقهما، ولو سألنا عن تعداد الاختلاف جهلنا، وهذا فن يهون بسطه.
إذا عرفت هذا؛ فهل يجوز أن يقول الله لرسوله: احكم فكل ما حكمت هو الصواب؟ أو يأمر عامة الخلق أن يحكموا بما عنَّ لهم، أو بعض العالم من غير اجتهاد؟ فيه خلاف سيأتي (١).
فقيل: الله أن يتعبَّد بذلك، والصحيح خلافه؛ فإنَّ هذه الأحكام إذا وضعت لمصالح العباد يجوز أن يختار الفساد والصلاح جميعًا، وليس اختياره علمًا على الصواب، وبمثله لم يجز ورود التعبد بتصديق نبي من غير أمارة، فكما يجوز تفويض الأمر إلينا في الخبر على اتفاق الصدق، فكذلك القول في المصلحة.
قال: والفرق بينه وبين الاجتهاد أنَّ الأمارة على التعبد به مقطوع بها، والظَّنُّ مبني على أمارة تفضي إلى الظَّنِّ قطعاً، وهنا بخلافه؛ إذ لا أمارة.
_________
(١) انظر: (ص ٣٧٤). والكلام هناك مخالف لما قرره هنا، فقد يكون في هذا النص سقط.
стр. 301
إذا علمت ذلك؛ فما ذكرناه من اشتمال كليات الشرع وجزئياته على المصالح وانقسامها إلى ما يلوح للعباد وإلى ما يخفى عليهم: لا خلاف فيه.
ولكن اختلفوا وراء ذلك في القياس الشرعي، وأنه من مدارك الأحكام أو من القول بالشبه المحض.
والذين ردوا القياس اختلفوا فيه:
فقيل: لا يجوز ورود التعبد به أصلا.
وقيل: يجوز، ولكن يمتنع ورود التعبد.
قال - أي إلكيا -: ويمتنع ورود التعبد بالقياس في جميع الحوادث؛ لأنه لا بُدَّ من أصول تُعلَّل وتُحمل الفروع عليها، ولهذا قلنا: إنَّه مظنون من حيث إِنَّ جهات المصالح مغيبة عنا، فلا وصول إلى المعنى الواحد من بين المعاني على وجه يُعلم أنه الأصلح دون ما سواه قطعا، ولأجله تفاوتت الآراء.
وإنَّما اعتبرنا الأصول السمعية لصحة القياس؛ لأنه لا يجوز رد الفرع إلى الأصول العقلية، ولا يجوز أن يتوصل إلى أحكامها بالأمارات التي يتوصل بمثلها إلى مصالح الدُّنيا؛ لأنَّ لها أمارات معلومةً بالعادة. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ١٢٦ - ١٢٨)
فصل في ذكر شروط العِلَّة
نقل الزركشي ضمن الشرط السادس من شروط العِلَّة وهو أن تكون مطردة، أي كلما وجدت وُجد الحكم ليسلم من النقض والكسر - عن جمهور
стр. 302
أصحابه المنع من تخصيص العلة المنصوصة كالمستنبطة، ونقل عن إلكيا أنه هو المشهور عند أصحاب الشافعي. «البحر المحيط» (٥/ ١٣٦).
ونقل عنه في نفس المسألة في القول بالجواز أنَّ عليه قدماء الحنفية. «البحر المحيط» (٥/ ١٣٧).
وقال الزركشي ضمن حديثه في تحريرات لهذه المسألة: «إلكيا الطبري قسم المسألة إلى قسمين:
أحدهما: بحسب المناظرة، والآخر: المجتهد.
فأما المناظرة إذا توجه إليها النقض؛ فهل له أن يقول: ثُمَّ لم أحكم بمثل ما حكمت به هاهنا لمانع، ويتكلف عذرا، أم لا يُقبل ذلك من حيث إنّه يناقض كلامه، فلزمه أن يسكت؟ فيه خلاف.
وأما المجتهد فيتبع العلة المطردة في محالها». «البحر المحيط» (٥/ ١٤١).
وقال ضمن حديثه في تحريرات لنفس المسألة: أنَّ المانعين من تخصيص العلة تعلقوا بأنَّ التخصيص يؤدي إلى تكافؤ الأدلة … ، ثُمَّ نقل عن الطبري (١) ما نصه: «وهذا فيه نظر:
فإنَّ العلة إذا كانت دالة على الحكم بإخالتها وتأثيرها في محلّ النَّص، ففيما عداه لا يكون دلالتها من ناحية الاطراد فقط، لكن من ناحية التأثير والإخالة، ولا يتصوّر تناقض شهادتهما حينئذ.
_________
(١) كذا في مطبوعة «البحر المحيط»، ويغلب على ظننا أنه إلكيا الطبري؛ لأن سياق الكلام يدل عليه.
стр. 303
أما إذا كانت الدلالة تتلقى من الاطراد المحض، فيتجه ادعاء التكافؤ في بعض الصور إن صح القول بالطَّرد، قال الأستاذ أبو إسحاق: نقول لمن خصّ العلة بما استنبط: عام أو خاص؟ إن ادعيت عمومه واستغراقه بطلت الدعوى بالمناقضة لا محالة، وإن لم تدع عمومه وقلت: إنَّها علةٌ في محل دون محل، فلعلها علةٌ في الأصل المقيس عليه دون الفرع».
ثُمَّ قال إلكيا: «من اشترط الاطراد ومنع التخصيص، فإنَّما يشترط اطراد كلِّ عِلَّةٍ في فروع معلولاتها، لا في فروع معلولات غيرها، وهذا لا نزاع فيه، وإنَّما النزاع في علَّةٍ جزئيَّةٍ لا تطرد في فروع معلولاتها، فلا يغلب على الظَّنَّ كونها علةً». «البحر المحيط» (٥/ ١٤١ - ١٤٢).
• اقتصار الشارع على أحد الوصفين
قال الزركشي: «لا يجوز أن يقتصر الشارع على أحد الوصفين ويقول: إنَّه المستقلُّ ويكون الحكم متعلقا بوصفين؛ فإنَّ ذلك خُلفٌ، قاله إلكيا.
قال - أي إلكيا -: وأما غير ذلك؛ فإن صرّح به وقال: إنَّه تعليل، ولكن لم أطرده في حكم خاص:
* فقال الأستاذ أبو إسحاق: إنَّ ذلك ممتنع؛ فإنَّه يكون تناقضا منه، إلَّا أن يقول هو: دلالة الحكم دلالة العموم.
* وقال غيره: يجوز؛ فإنَّه لا يبعد أن يكون متضمنا مصلحةً في المحال كلها إلا في محلّ واحدٍ، وصار عِلَّة كمثل ذلك (كذا) إلا حيث يعلم الشرع أنه لو جعله تعليلا لم يكن مصلحةً في محلّ واحدٍ، فيكون المحل كالزمان من جهة
стр. 304
(كذا، ولعلها: هذا) الوجه. «البحر المحيط» (٥/ ١٤٢).
• التعليل بالعدم
نقل الزركشي ضمن المسألة عن إلكيا:
«إن كان الحكم من قبيل الأحكام الجزئية المبنية على الأصول، تطرَّق القياس إليه من جهتي الإثبات والنفي، كقولنا: لا كفَّارة على الأكل، ولا على من أفطر ظنا؛ وإن أمكن تلقيه من أمارة غير القياس، لم يمتنع تلقيه من القياس». «البحر المحيط» (٥/ ١٤٩ - ١٥٠).
من شروط العلة:
• ألا يكون الدليل الدالُّ عليها متناولاً لحكم الفرع، لا بعمومه ولا بخصوصه
نقل الزركشي ضمن المسألة عن إلكيا ما نصُّه:
«وقال إلكيا: ذهب بعضهم إلى أنَّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ومتى وُجد في الفرع نص أمكن العمل به من غير اعتباره بأصل آخر، كان القياس فاسد الوضع؛ لعدم شرطه، كقياس القتل عمداً على القتل خطأ في إيجاب الكفَّارة، وقياس المحصر على المتمتّع في إيجاب الصوم بدلا عن الهدي عند العدم؛ لأنَّ كُلَّ حادثة منصوص عليها.
قال: وهذا إنَّما يتم إذا دلَّت الأمارات على أنَّه استقصي حكم الواقعة ولم يقارب (كذا، ولعلها: يغادر) مما يتعلق بها شيء.
أمَّا إذا أمكن أن يقال: إنَّه ذكر في كلّ واقعةٍ مما يختص به مما لا يشاركه
стр. 305
فيه غيره أو قصد به ما يدل فحواه على استقصاء حكمه وبقي ما عدا المذكور، فذلك محض تخصيص حكم، لا يدل على نفي ما عداه، وذلك بين في باب المفهوم». «البحر المحيط» (٥/ ١٥٥).
• منشأ الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة
قال إلكيا: «الخلاف راجع إلى أنَّ علة الشرع هل تقبل التخصيص أم لا؟». «البحر المحيط» (٥/ ١٦١).
• من شروط التعليل بالأوصاف العرفية كونها ذات أوصاف
قال إلكيا: «يجوز أن يكون التعليل أوصافًا، ويجوز أن يكون واحدا وفيه إخالةٌ، ثُمَّ هذا المعنى يقتضي إفراد كل وصف بالتعليل؛ لأنه إذا كان مُخِيلًا، كفى ذلك. وقد يمتنع الإجماع ولا يهتدي العقل أنَّ الوصف مُخِيلٌ، لكن يجب ألا يكتفي بأنه ليس كالإخالة المعتبرة في العلة التي ليس لها وصف واحدٌ، وقد يكون أحدهما وصفًا، والآخر مخيلا، وإنَّما يعلم كونه مخيلا بألا يؤثر في الحكم أصلا، ولكن يؤثر في العلة لتعظيم وقعها، أو لا يكون مؤثرًا في الحكم والعلة، فيكون علما محضا، وهذا هو الذي يُلقّب بالشَّرط، والشرط: العلامة». «البحر المحيط» (٥/ ١٦٧).
• تعدد العلل الشرعية مع اتحاد الحكم وعكسه
حكى الزركشي الخلاف في المسألة، ونقل ضمن القول بالمنع مطلقا عن إلكيا ما نصه: ونظيره ما قدَّمناه في الأسماء الشرعية أنه لا يتصور تقدير العموم في نفي الإجزاء والفضيلة؛ والعموم الشرعي والحسي جميعًا، فإن انتفاء الشرعي
стр. 306
يوجب ثبوت الحِسّيّ لا محالة، فلا يتصور تقدير اجتماعهما». «البحر المحيط» (٥/ ١٧٥).
• فرع مرتب على المسألة السابقة
قال الزركشي: «إن قلنا بالجواز، فالجمهور على الوقوع. وقال إمام الحرمين: إنَّه جائز غير واقع، وأراد بالجواز العقلي؛ فإنَّه قال في البرهان: ليس ممتنعا عقلا وتسويعا ونظرًا إلى المصالح الكلية، ولكنه يمتنع شرعاً. وجرى عليه إلكيا وقال: إنَّ المانع له استقراء عرف الشرع، لا العقل». «البحر المحيط» (٥/ ١٧٧).
وقال الزركشي في موضع آخر: «قال إلكيا الطبري - وهو من المانعين -:
* إن قيل: لو وجدت العلتان في حكم فماذا يعمل؟
• قيل: لا بد وأن تكون إحداهما عِلَّةً باطلةً، أو إحداهما راجحةً، لما بينهما من التنافي، ولا يجوز تقدير تساويهما بحيث لا يظهر رجحان. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ١٧٨).
• تعليل الحكمين بعلَّةٍ واحدةٍ
ذكر الزركشي ضمن المسألة: أنه قد يعلل بعلة واحدة الحكمان المختلفان المتضادان بشرطين متضادين بعِلَّةٍ واحدةٍ، كالجسم يكون علةً للسكون بشرط البقاء في الحيّز، وعِلَّةً للحركة بشرط الانتقال عنه.
ثُمَّ قال: «ومثله إلكيا بما يكون مبطلا لعقد، مصححا لآخر: قلت - أي: الزركشي -: كالتأبيد في الإجارة والبيع.
стр. 307
قال إلكيا: ويمتنع أن يكون لحكمين في شيء واحد في حالة واحدة، لاستحالة حصول الحكم على هذا الوجه. ولا يمتنع كونهما علّتين لحكمين مثلين في شيئين.
فأما كونهما عِلَّةً لحكمين مثلين في شيء واحد فمحالٌ؛ لأنَّ الأحكام الشرعية لا يصح فيها الزائد، وإنَّما تتماثل الأحكام وتُعلَّل بعلل مختلفة في أحوال، كقطع اليد قصاصاً وسرقةً، فلا يمنع منه، ولكنهما حكمان مختلفان في الآثار، وإن تماثلا في الصورة، والله أعلم». «البحر المحيط» (٥/ ١٨٣).
• أقسام السبر في مسالك العلة
نقل الزركشي ضمن التنبيه الرابع عن الكيا ما نصه: «قسم الكيا السبر:
* إلى ما يستعمل في القطعيات، وهو المفضي إلى اليقين بأن يكون حاصرًا يقينًا بالدور بين النفي والإثبات. قال: وهو الملقب بـ: "برهان الخُلف"، وكان العقل دالا على أنَّ الحقَّ أحدهما؛ فإذا بان بطلان أحدهما، تعين الثاني للصحة، فقد قام دليل الثاني على الخصوص ببطلان ضدّه.
* وإلى ما يستعمل في الظنيات، ولا يخلو؛ إما أن يكون المقصود إثبات حكمه أو دليله؛
والأول: يكفي فيه انتهاء السبر إلى حدّ الظَّنِّ، سواء كان في شيئين أو أشياء؛ لأنَّ الظَّنَّ لا يختص بالنفي والإثبات، بل قد يقع بين شيئين متعاقبين، كقولنا: الإيلاء لا يخلو؛ إما أن يوجب التوقف عند انقضاء المدة أو البينونة، فلما قام الدليل على أنَّ مضي المدة لا يوجب البينونة، دلّ على أنه يوجب
стр. 308
التَّوقُّفُ؛ إذ لا حكم بينهما. ثُمَّ طريق إبطال أحدهما بين. ومسألة اتفاق العلماء على قولين تقتضي أن الحكم لا يخرج عنهما، فإذا بطل أحدهما، ثبت الآخر.
والثاني: ما علم أن بطلان دليل الحكم دليل على صحة العلل، إلا أن يتفق على كونه معلَّلا، ثُمَّ يُسبر ما عدا العلة التي يذهب إليها ويبطله، فتصح علته، وعند ذلك لا يشترط الدليل عليه، بل يكفي ذكر مجرد الوصف.
وقيل: إذا لم يكن مقطوعاً به، فلا بُدَّ من النظر إلى تلك العلة، فعساها تبطل هذا، فينظر في غيرها. وهذا بعيد؛ فإنَّ السَّبر لا يفيد على هذا التقدير.
ومقصودنا أنَّ الظَّنَّ يحصل عند ذلك بمجرد السَّبر. وإذا بطل ذلك، فقد ظَنَّ قوم أنَّ هذا يعسر وجوده، ولا بعد عندنا في تقديره؛ فإنَّ العلماء يتفقون على تعليل الرِّبا، وإذا ثبت بالسَّبر غير الطعم والكيل، ثبت ما بقي». «البحر المحيط» (٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
• من مسالك إثبات العلة: الشَّبَه
* نقل الزركشي عن إلكيا في تحرير مذهب القاضي الباقلاني في حكمه ما نصه: «وقال إلكيا:
وربَّما تردد القاضي أبو بكر في تصانيفه في إبطال الشَّبَه، فقال: إن لم يبين مستند ظنّه، كان متحكّماً؛ وإن بيَّن، كان مُخِيلًا.
وربما قال: الأشباه لا بُدَّ وأن تستند إلى معنى كُلِّيّ.
قال: وقد بينا تصورها لا على هذا الوجه». «البحر المحيط» (٥/ ٢٣٦).
* ذكر الزركشي الخلاف في الأشباه التي يغلب بها، فذكر في المذهب
стр. 309
الثاني اعتبار المشابهة في الصورة، فقال: «واختار إلكيا اعتبار الشبه في الصورة إذا دلّ دليلٌ على اعتباره، كالمعتبر في جزاء الصيد.
قال - أي إلكيا -: وهذا أضعف الأنواع؛ إذ لا يُعرف له نظير.
قال - أي إلكيا -: وأما الشبه في الحكم، وهو دلالة الحكم على الحكم فقط، كقول الشافعي: العبد أشبه بالحرّ في القصاص والكفّارة للحرمة، وتحمل العقل مثله. فإن أوجب لاحترام المحلّ والشَّبه في المقصود - كاعتبار خيار الشرط بخيار العيب إذا ثبت استواؤهما في المقصود، وهو دفع الغبن - فمعتبران». «البحر المحيط» (٥/ ٢٣٧).
• شروط قياس الشبه
قال إلكيا: «شرطوا لقياس الشبه شروطا:
منها: أن يلوح في الأصل المردود إليه معنى؛ فإنَّه إذا كان كذلك، يقطع نظام الشبه، وغاية من يدعي الشبه إيهام اجتماع الفرع والأصل في مقصود الشارع، فإذا لاح في الأصل معنى: انقطع نظام الجمع.
هكذا أطلقوه، وإنَّما يستقيم إذا لاح في أحدهما معنى جزئي وفقد في الثاني. أما إذا كان استناد الأصل إلى معنى كُلِّي لا يتصور اطراده في آحاد الصور ولكن القياس سبق لإبانة المحل: فتعليل الأصل لا يضر في مثله، على ما قدمناه.
وقد ضرب الشافعي له مثالاً فقال: بدأ عليه بيمين المدعي في القسامة في القصّة المشهورة، فكان فيه خيال اللوث، فاختصها بتلك الصورة وإن كانت المشابهة بين الدعويين حالة اللوث وحالة عدمها ظاهرة، ولكن أمكن فهم
стр. 310
تخصيص الحكم بتلك الصورة. أما عند اللُّوثِ، فلا يعتبر به غير تلك الحالة، وهذا بَيِّنٌ.
ومنها: أنَّ الشبه إذا لاح كان من ضرورته أن يكون الأصل مُبْطِلا معاني الخصم؛ فإنَّه لا يكون خاصاً إلا على هذا الوجه، ولا يكون للخصم في مقابلته إلا معنى عام بنهي (كذا) من الأصل نقضا له.
وله نظائر، منها: أنَّ التَّيَمُّمَ إذا صار أصلا؛ فالمعنى الذي يتعلق به منقوض بالتيمم، وهو أنَّ الوضوء ليس مقصوداً، فلم يكن عبادةً. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
• الخلاف في إفادة الدَّوْرانِ العِلِّيَّةَ
* نقل الزَّرْكَشيُّ عن إلكيا أنه حكى عن الأكثرين أنه يفيد ظنَّ العِلِّيَّةَ بشرط عدم المُزَاحمة. «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٣). وانظر: «سلاسل الذهب» (ص ٣٨٧).
* وحكى عن القاضي أبي بكر أنه يميل إلى القول بأنه لا يدلُّ بمجرَّده لا قطعاً ولا ظنًا. «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٤).
* ذكر الزَّرْكَشيُّ أنَّ القائلين بعدم اعتبار الدوران شرطوا شرطين:
أحدهما - وبه صرح إلكيا وغيره -: أن يكون الوصف غير مناسب؛ فإنَّه متى كان مناسبًا، كانت العلة صحيحة من جهة المناسبة.
ثُمَّ نقل عنه ما نصه: «والحق أنَّ الأمارة لا تطرد ولا تنعكس إلا إذا كانت اجتماع الفرع والأصل في مقصود خاص في حكم خاص؛ فإنَّ الأحكام إذا تباعد ما حدَّها، لا يتصور أن تكون الأمارة الواحدة جارية فيها على نسق الاطراد
стр. 311
والانعكاس، كقول القائل في الطهارة: إنَّها وظيفة تشطر (كذا، ولعلها: تشترط) في وقت، فافتقرت إلى النية كالصلاة؛ فهذا لا يتصور انعكاسه، وقد تطرد وتنعكس بعض الأمارات فإنها مجرى الحدود العقلية.
فالحاصل أن الاطراد والانعكاس من باب الأشباه الظاهرة، ومن قبيل تنبيه الشرع على نصبه ضابطًا لخاصة، فعلقت به.
ومما يتنبه له أن ما يوجد الحكم بوجودها وينعدم بعدمها ـــ كالإحصان ـــ، فليس بتعليل اتّفاقاً من حيث إنَّ الطَّرد والعكس إنَّما كان تعليلا للإشعار باجتماع الفرع والأصل في معنى مؤثّر أو مصلحة لا يعلمها إلا الله، فكان الاطراد من الشارع تنبيها على وجود معنى جُمْلِي اقتضى الاجتماع، ولا يتحقق ذلك مع وجود المعنى الظاهر؛ فإنَّ الإيهام لا ميزان له مع وجود المعنى المصرح به». «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
• من مسالك إثبات العلة: الطَّرد
* ذكر الزركشي بعد نقل الخلاف في حجيته: أنَّ المعتبرين من النظار يرون أن التمسك به باطل، ونقل عن الكيا نسبته إلى الأكثرين من الأصوليين. «البحر المحيط» (٥/ ٢٤٩).
* ثم نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «وهاهنا أمور ذكرها إلكيا:
أحدها: أن هذا كله في غير المحسوسات. أما المحسوسات فقد تكون صحيحةً، مثل ما نعلمه أنَّ البرق يستعقب صوت الرعد؛ فلهذا اطرد وغلب على الظن به.
стр. 312
الثاني: أنَّ الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ فإنَّ أحدا لا ينكره إذا غلب على الظن، وأحدٌ لا يتبع كلَّ وصف لا يغلب على الظَّنِّ، وإن أحالوا اطرادا لا ينفك عن غلبة الظن.
الثالث: إذا قلنا بأنَّه ليس بحُجَّةٍ؛ فهل يجوز التعلق به لدفع النقض أم لا؟ قال إلكيا: فيه تفصيل:
* فإن كان يرجع ما قيد الكلام به إلى تخصيص العِلَّة بحكمها؛ فالكلام في تخصيص العلّة سبق.
* وإن كان التقييد كما قيد به تقييدا بما يظهر، تقيد من الشرع الحكم به.
وصورة النقض آيلة إلى استثناء الشرع؛ فلا يمنع من هذا التخصيص، كما إذا علّل إيجاب القصاص على القاتل، فنقض بالأب؛ فلا يمنع من هذا التخصيص، وإن كان يدل على معنى في عرف الفقهاء إلا اللغة وذلك المعنى صالح لأن يجعل وصفا ومناطا للحكم، فيجوز دفع النقض به، كقولنا: ما لا يتجزأ في الطلاق فذكر بعضه كذكر كله؛ فلا يلزم عليها النكاح؛ فإن كان النكاح ينبئ في الشرع عن خصائص ومزايا في القوة لا يلغى في غيره فيندفع النقض». «البحر المحيط» (٥/ ٢٥٠).
стр. 313
الاعتراضات على القياس
• قادح النقض
قال الزركشي في المذهب الثاني عشر من الاختلاف في كون النقض قادحًا:
«وهو اختيار إمام الحرمين:
* إن كانت العلة مستنبطة:
- فإن اتجه فرق بين محلّ التعليل وبين صورة النقض: بطلت عليته.
- وإن لم يتجه: فرق بينهما.
* فإن لم يكن الحكم مجمعًا عليه أو ثابتًا بمسلك قاطع سمعي: بطلت عليته أيضا.
* وإن طرد مسألةً إجماعيَّةً لا فرق بينها وبين محل العلة، فهو موضع التوقف.
ثم نقل عن إلكيا ما نصه: «وقال إلكيا: ميل الإمام إلى أنه إن كان لا يتجه في صورة النقض معنى، أمكن تقدير مشابهة محل النزاع إيَّاها في ذلك المعنى، فلا يعد نقضا؛ فإنَّ منشأ النقض عنده أن يبين كون محل النزاع نازعًا إلى أصلين متنافيين وليس أحدهما بأولى من الآخر؛ فإنه إذا كانت شهادة الأصل متأيدةً بالمعنى، فلا شهادة بصورة النقض من حيث لا مشابهة، فاعتبار وجه الشهادة أولى.
قال إلكيا: وهذا حسن بيّن، فلو كان يتجه معه ولو على بعد؛ فإن ذلك يعد
стр. 314
نقضًا. وحاصله أنَّ النقض لا يبطل أصل الدَّلالة، ولكن يقدح في ثبوتها، فلا يتبين به انعدامه.
قال إلكيا: والذي عندنا أنَّ ما لا يبين به معيَّن ولا يتأتى فيه وجه تشبيه، فهو لا ينفك عن ظهور استثناء في مقصود الشرع. هذا في العلل المخيلة؛ أما الأشباه فستأتي مراتبها.
ثُمَّ قال: والحاصل أن شهادة العلة إن ترجحت قطعاً على شهادة صورة النقض لمحل النزاع: فلا نقض به. فعلى هذا النقض ليس أصلا بنفسه، ولكن هو من قبيل المعارضة، وفيها مزيد قوَّةٍ؛ لما تقدَّم». «البحر المحيط» (٥/ ٢٦٥).
• قادح عدم التأثير
نقل الزركشي عن ابن الصباغ قوله: «وهو من أصح ما يعترض به على العلة … ، وهو معنى قول الفقهاء: إنَّ الحكم إذا تعلَّق بعلةٍ، زال بزوالها؛ ولهذا التزموا الطَّرد والعكس في باب الرّبا بأنَّ حكم الربا لا يثبت اتفاقا دون علة الربا.
قال إلكيا: وعلى هذا فلا معنى لقولهم: إنَّ العلل الشرعية أمارات منصوبةٌ على الحكم؛ ومن أثبت علامةً على حكم، فليس له أن ينصب ضدها؛ فإِنَّا بَيَّنَّا أنَّ الحكم إذا تعلق بعلةٍ وثبت بها، فذلك الحكم الذي صار نتيجة العلة لا يبقى دون العلة؛ فإنَّ النتيجة لا تبقى دون الناتج». «البحر المحيط» (٥/ ٢٨٤).
• قادح القول بالموجب
قال الزركشي: «قال إلكيا: وإنَّما يتصور القول بالموجب إذا لم يأت المعلل بما يؤثر في نفس الحكم المتنازع فيه، بل يعترض لإبطال ما ظنه موجبا ومؤثرا
стр. 315
عند الخصم - والمؤثر غيره ـ، ولو صرّح بنفس الحكم، فلا يتصور توجه القول بالموجب». «البحر المحيط» (٥/ ٣٠٠).
• قادح الفرق
ذكر الزركشي الاختلاف في قبوله وقدحه في العلة على مذاهب، ثُمَّ ذكر القول الثالث قائلا:
«قال إمام الحرمين، وهو المختار عندنا، وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين: إنه صحيح مقبول …
وذكر أن القاضي استدل على قبوله: بأنَّ السلف كانوا يجمعون ويفرّقون، ويتعلقون بالفرق كما يتعلقون بالجمع، ثم قال الزركشي:
«ونقل إلكيا ما حكاه الإمام في استدلال القاضي عن عامة الأصوليين، ثم قال: والحق عندنا أنَّ الفرق إنَّما يقدح إذا كان أخص من جميع العلل؛ فإذ ذاك يتبيَّن به فساد الجمع، إلا أنَّ الفرق ابتداء تعليل في الأصل، وعكسه في الفرق.
ورُبَّ فرق يظهر فتخرج علة المعلّل عن اعتبارها شرعًا، وحينئذ فيلحق تعليل المعلل بالطرد؛ فإنَّه أخص من الجمع على كل حال.
فإن كان الجمع مثلاً للفرق أو أخص، فلا نبالي به، كقول المالكي في الهبة: عقد تمليك ترتب على صحة الإيجاب والقبول فيها الملك بالمعاوضة.
فيقول الفارق: المعاوضة يتضمنها النزول عن العوض، والرضا بالمعوض، وذلك يحصل بنفس العقد، والهبة قد عارت بها (كذا، ولعلها: عنها). فالمعلل
стр. 316
يقول: تلك الصيغة مطرحة فيضطرب النظر فيها.
قال: وحرف المسألة أن نكتة الفرق كونه أخص من الجمع، والجمع أعم، فإذا في الفرق ثلاثة مذاهب:
أصحها: أنَّ الفرق يرجع إلى قطع الجمع من حيث الخصوصية.
الثاني: إبطال الفرق من جهة كونه معارضةً في جانب الأصل والفرع، والمعارضة باطلة.
والثالث: أنه مقبول من جهة كونه قدحاً في غرض الجمع». «البحر المحيط» (٥/ ٣٠٦).
• قادح فساد الوضع
قال الزركشي: «وقال إلكيا: هو تقدم العلة على ما يجب تأخرها عنه، كالجمع في محل فرق الشرع، أو على العكس.
كما يقال للحنفية: جمعتم في محلّ فرَّق الشرع؛ إذ قستم النفقة على السكنى في وجوبها للمبتوتة مع قوله تعالى: ﴿أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ مطلقا، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ففرق وجمعتم». «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٠).
• قادح المنع، ويتوجه على الأصل والفرع
* ذكر الزركشي أنَّ منع الأصل على وجوه:
منها: منع كون الأصل معللاً: بأنَّ الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل
стр. 317
وإلى ما لا يعلل؛ فمن ادعى تعليل شيء: كُلِّف بيانه.
وقد اختلف في هذا؛ فقال إمام الحرمين: إنَّما يتجه على من لم يذكر تحريرا، فإن الفرع في العلة المجردة يرتبط بالأصل بمعنى الأصل، ونقل عن إلكيا ما نصه:
«هذا الاعتراض باطل؛ لأنَّ المعلّل إذا أتى بالعلة، لم يكن لهذا السؤال معنى، وقبل العلة لا يكون آتياً بالدليل إلا أن يبقى تقسيماً وسبرا». «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٣).
* ومنها: منع الحكم في الأصل.
واختلف في أنه انقطاع للمستدل على مذاهب، فنقل الزركشي جزم الكيا وغيره أنه لا ينقطع إذا دلَّ على محل المنع. «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٧).
* قال الزركشي: «قال الكيا الطبري: حق السائل أن يكون منكرًا غير مدَّعٍ، وليس له أن يدل؛ فإنه ليس على المنكر إقامة البيّنة شرعاً، وعلى مثله بنيت المناظرة؛ صونًا للمقام عن الاختلاط.
قال: ويجوز للمستدل الانتقال من حكم إلى آخر بالعلة الأولى؛ فإنَّ العلة كافية في إثبات الحكم.
نعم، الانتقال من علةٍ إلى علةٍ أخرى فسخ لا يتعلق بمصلحة النظر.
قال: وأجمعوا على أنه ليس للمسئول أن يدل على النقض؛ فإنَّ به ينتقل إلى مسألة أخرى خارجة عن مقصود السُّؤال. ونقل عن القاضي أبي بكر أنَّه جوز
стр. 318
ذلك؛ لأنه إذا ثبت النقض، ثبت مطلوبه؛ فالاختيار يدلُّ على أنه خارج عن مصلحة المناظرة». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٠).
* ومنها: المنع في الفرع.
فلا يتوجّه عليه إلا سؤال واحدٌ، وهو منع وجود علة الأصل فيه. ثم قال الزركشي: «قال إلكيا: وهذا غير معنى الاعتبار؛ لأن معنى الاعتبار مطالبة ترجع إلى الأصل لا إلى الفرع.
قال: وتبطل به المطالبة بالإخالة وإيضاح وجه الدلالة، وهو من أقسام المنع. وقيل: إنَّه لا يتحقق بعد وجود التعليل، وما يفرض قبله التّعليل، فليس باعتراض عليه». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣١).
• قادح المعارضة
* قال الزركشيُّ: «قال إلكيا الطبري: المعارضة إظهار علَّةٍ معارضة لعلَّةٍ، - أو لعلل - في نقيض مقتضاها. هذا أصل الباب، ولا يجري إلا في الظنيات، ثم يرجح أحد الظنين على الآخر بوجه من وجوه الترجيح.
وكذلك المعارضة بعد العجز عن كلّ اعتراض قدمناه؛ فإنَّ فساد الوضع والمنع لا يصلح على حياله اقتضاء الحكم حتى يعارض به. وإنَّما المعارضة حيث لو لم يقدر لاستقلت العلة في نفسها أو جنسها باقتضاء الحكم لوجود أصل الظَّنِّ المعتبر، ولكن المعارض منع اعتبارها دون ترجيح.
فالحرف: المعارضة تبين أنَّه لا بُدَّ من زيادة على أصل الظَّنَّ المعتبر في هذا المجال على الخصوص». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
стр. 319
* قال الزركشي: «واعلم أنَّ بناء الخلاف في قبول هذا السؤال ورده على تعليل الحكم بعلتين: فإن جوزنا لم يُقبل؛ وإلا قبل. ذكره إمام الحرمين في البرهان والكيا الطبري». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٥).
* قبول المعارضة في حكم الفرع.
قال الزركشي: «وهذا القول صححه الغزالي في المنخول، وقد رأيتُ ابن برهان في الأوسط نقل عنه إبطال المعارضة، ثُمَّ رأيت إلكيا الطَّبَرِيَّ سبقه إلى نقل ذلك عنه، فقال في كتاب التلويح:
صار الغزالي (١) إلى بطلان المعارضة على ما سمعنا الإمام ينقله عنه، وكان الحامل له على ذلك امتناع التناقض في أدلة الشرع؛ فإذا اعترف السائل بصحة علة المعلل واستقلالها بالحكم، والمسئول ينكر صحة تعليله؛ وإن هو أراد إظهاره: فقد تناقض وقال بتعارض النصوص.
ولأن حق السائل أن يكون هادما غير بان، والمعارضة تقتضي البناء إن كان الترجيح لتعليل السائل، أو ساقطة إن كان الترجيح لعلة المسئول، فلا يخلو من طرفي نقيض ووجهي فساد.
ونحن نقول: السائل لم يقصد البناء، وإنَّما يقصد الهدم؛ فإنَّ مقصوده إعانة المسئول على إتمام غرضه بإيضاح الترجيح، ولا ينال هذه إلا بالمعارضة.
_________
(١) لعل المقصود به هنا هو الغزالي الكبير، وليس أبا حامد الغزالي، كما يُفهم ذلك من سياق كلام الزركشي، وقد جاء مصرحاً بوصفه (الكبير) في «الأوسط» في نفس المسألة. انظر: (ص ٤٨٣). والظاهر من سياق الكلام هنا أنه في طبقة شيوخ إمام الحرمين.
стр. 320
قال - أي إلكيا -: ولا خلاف أنَّ المعلل لو استدل بظاهر، فللسائل أن يؤوّل ويعتضد بالقياس، وإذا صحت المعارضة، فالسائل لا يرجح؛ فإنه يكون بانيا، هذا إذا أمكنه قطع الترجيح عن الدليل. فأما إذا كان الدليل في وضعه أرجح، فلا وجه لمنعه على قول من قبل المعارضة؛ فإنه ربما لا يجد غيره؛ فإن رجح المسئول مكن السائل من معارضة الترجيح. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١).
• أقسام المعارضة عند الجدليين.
«قال إلكيا الطَّبَرِيُّ: قسم الجدليون المعارضة إلى ثلاثة أقسام: معارضة الدعوى بالدعوى، والخبر بالخبر، والقياس بالقياس:
* فأما معارضة الدعوى بالدعوى؛ فلا معنى لها إلا على تقدير وقع التشنيع.
* وأما معارضة الخبر بالخبر؛ فصحيحةٌ، مثل أن يسأل عن قضاء الفوائت في الأوقات المنهي عنها، فيقول: لأنه قال: من نام عن صلاة أو نسيها … ، الحديث، فيرجع الكلام بعده إلى الترجيح.
* وأما معارضة المعنى بالمعنى فعلى قسمين:
أحدهما: بين أصلين مختلفين.
والثاني: من أصل واحد. ثُمَّ يتنوع نوعين:
أحدهما: في ضد حكمه، فيكون معارضةً صحيحةً.
والثاني: في عين حكمه، ولكن يتعذَّر الجمع بينهما.
следующие страницы →