Полный текст (357 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يقول: تلك الصيغة مطرحة فيضطرب النظر فيها.
قال: وحرف المسألة أن نكتة الفرق كونه أخص من الجمع، والجمع أعم، فإذا في الفرق ثلاثة مذاهب:
أصحها: أنَّ الفرق يرجع إلى قطع الجمع من حيث الخصوصية.
الثاني: إبطال الفرق من جهة كونه معارضةً في جانب الأصل والفرع، والمعارضة باطلة.
والثالث: أنه مقبول من جهة كونه قدحاً في غرض الجمع». «البحر المحيط» (٥/ ٣٠٦).
• قادح فساد الوضع
قال الزركشي: «وقال إلكيا: هو تقدم العلة على ما يجب تأخرها عنه، كالجمع في محل فرق الشرع، أو على العكس.
كما يقال للحنفية: جمعتم في محلّ فرَّق الشرع؛ إذ قستم النفقة على السكنى في وجوبها للمبتوتة مع قوله تعالى: ﴿أَسْكُنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ مطلقا، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ففرق وجمعتم». «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٠).
• قادح المنع، ويتوجه على الأصل والفرع
* ذكر الزركشي أنَّ منع الأصل على وجوه:
منها: منع كون الأصل معللاً: بأنَّ الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل
стр. 317
وإلى ما لا يعلل؛ فمن ادعى تعليل شيء: كُلِّف بيانه.
وقد اختلف في هذا؛ فقال إمام الحرمين: إنَّما يتجه على من لم يذكر تحريرا، فإن الفرع في العلة المجردة يرتبط بالأصل بمعنى الأصل، ونقل عن إلكيا ما نصه:
«هذا الاعتراض باطل؛ لأنَّ المعلّل إذا أتى بالعلة، لم يكن لهذا السؤال معنى، وقبل العلة لا يكون آتياً بالدليل إلا أن يبقى تقسيماً وسبرا». «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٣).
* ومنها: منع الحكم في الأصل.
واختلف في أنه انقطاع للمستدل على مذاهب، فنقل الزركشي جزم الكيا وغيره أنه لا ينقطع إذا دلَّ على محل المنع. «البحر المحيط» (٥/ ٣٢٧).
* قال الزركشي: «قال الكيا الطبري: حق السائل أن يكون منكرًا غير مدَّعٍ، وليس له أن يدل؛ فإنه ليس على المنكر إقامة البيّنة شرعاً، وعلى مثله بنيت المناظرة؛ صونًا للمقام عن الاختلاط.
قال: ويجوز للمستدل الانتقال من حكم إلى آخر بالعلة الأولى؛ فإنَّ العلة كافية في إثبات الحكم.
نعم، الانتقال من علةٍ إلى علةٍ أخرى فسخ لا يتعلق بمصلحة النظر.
قال: وأجمعوا على أنه ليس للمسئول أن يدل على النقض؛ فإنَّ به ينتقل إلى مسألة أخرى خارجة عن مقصود السُّؤال. ونقل عن القاضي أبي بكر أنَّه جوز
стр. 318
ذلك؛ لأنه إذا ثبت النقض، ثبت مطلوبه؛ فالاختيار يدلُّ على أنه خارج عن مصلحة المناظرة». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٠).
* ومنها: المنع في الفرع.
فلا يتوجّه عليه إلا سؤال واحدٌ، وهو منع وجود علة الأصل فيه. ثم قال الزركشي: «قال إلكيا: وهذا غير معنى الاعتبار؛ لأن معنى الاعتبار مطالبة ترجع إلى الأصل لا إلى الفرع.
قال: وتبطل به المطالبة بالإخالة وإيضاح وجه الدلالة، وهو من أقسام المنع. وقيل: إنَّه لا يتحقق بعد وجود التعليل، وما يفرض قبله التّعليل، فليس باعتراض عليه». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣١).
• قادح المعارضة
* قال الزركشيُّ: «قال إلكيا الطبري: المعارضة إظهار علَّةٍ معارضة لعلَّةٍ، - أو لعلل - في نقيض مقتضاها. هذا أصل الباب، ولا يجري إلا في الظنيات، ثم يرجح أحد الظنين على الآخر بوجه من وجوه الترجيح.
وكذلك المعارضة بعد العجز عن كلّ اعتراض قدمناه؛ فإنَّ فساد الوضع والمنع لا يصلح على حياله اقتضاء الحكم حتى يعارض به. وإنَّما المعارضة حيث لو لم يقدر لاستقلت العلة في نفسها أو جنسها باقتضاء الحكم لوجود أصل الظَّنِّ المعتبر، ولكن المعارض منع اعتبارها دون ترجيح.
فالحرف: المعارضة تبين أنَّه لا بُدَّ من زيادة على أصل الظَّنَّ المعتبر في هذا المجال على الخصوص». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
стр. 319
* قال الزركشي: «واعلم أنَّ بناء الخلاف في قبول هذا السؤال ورده على تعليل الحكم بعلتين: فإن جوزنا لم يُقبل؛ وإلا قبل. ذكره إمام الحرمين في البرهان والكيا الطبري». «البحر المحيط» (٥/ ٣٣٥).
* قبول المعارضة في حكم الفرع.
قال الزركشي: «وهذا القول صححه الغزالي في المنخول، وقد رأيتُ ابن برهان في الأوسط نقل عنه إبطال المعارضة، ثُمَّ رأيت إلكيا الطَّبَرِيَّ سبقه إلى نقل ذلك عنه، فقال في كتاب التلويح:
صار الغزالي (١) إلى بطلان المعارضة على ما سمعنا الإمام ينقله عنه، وكان الحامل له على ذلك امتناع التناقض في أدلة الشرع؛ فإذا اعترف السائل بصحة علة المعلل واستقلالها بالحكم، والمسئول ينكر صحة تعليله؛ وإن هو أراد إظهاره: فقد تناقض وقال بتعارض النصوص.
ولأن حق السائل أن يكون هادما غير بان، والمعارضة تقتضي البناء إن كان الترجيح لتعليل السائل، أو ساقطة إن كان الترجيح لعلة المسئول، فلا يخلو من طرفي نقيض ووجهي فساد.
ونحن نقول: السائل لم يقصد البناء، وإنَّما يقصد الهدم؛ فإنَّ مقصوده إعانة المسئول على إتمام غرضه بإيضاح الترجيح، ولا ينال هذه إلا بالمعارضة.
_________
(١) لعل المقصود به هنا هو الغزالي الكبير، وليس أبا حامد الغزالي، كما يُفهم ذلك من سياق كلام الزركشي، وقد جاء مصرحاً بوصفه (الكبير) في «الأوسط» في نفس المسألة. انظر: (ص ٤٨٣). والظاهر من سياق الكلام هنا أنه في طبقة شيوخ إمام الحرمين.
стр. 320
قال - أي إلكيا -: ولا خلاف أنَّ المعلل لو استدل بظاهر، فللسائل أن يؤوّل ويعتضد بالقياس، وإذا صحت المعارضة، فالسائل لا يرجح؛ فإنه يكون بانيا، هذا إذا أمكنه قطع الترجيح عن الدليل. فأما إذا كان الدليل في وضعه أرجح، فلا وجه لمنعه على قول من قبل المعارضة؛ فإنه ربما لا يجد غيره؛ فإن رجح المسئول مكن السائل من معارضة الترجيح. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٣٤٠ - ٣٤١).
• أقسام المعارضة عند الجدليين.
«قال إلكيا الطَّبَرِيُّ: قسم الجدليون المعارضة إلى ثلاثة أقسام: معارضة الدعوى بالدعوى، والخبر بالخبر، والقياس بالقياس:
* فأما معارضة الدعوى بالدعوى؛ فلا معنى لها إلا على تقدير وقع التشنيع.
* وأما معارضة الخبر بالخبر؛ فصحيحةٌ، مثل أن يسأل عن قضاء الفوائت في الأوقات المنهي عنها، فيقول: لأنه قال: من نام عن صلاة أو نسيها … ، الحديث، فيرجع الكلام بعده إلى الترجيح.
* وأما معارضة المعنى بالمعنى فعلى قسمين:
أحدهما: بين أصلين مختلفين.
والثاني: من أصل واحد. ثُمَّ يتنوع نوعين:
أحدهما: في ضد حكمه، فيكون معارضةً صحيحةً.
والثاني: في عين حكمه، ولكن يتعذَّر الجمع بينهما.
стр. 321
فما كان بين أصلين مختلفين، فهو الأصل في المعارضات.
مثاله: طهارة الوضوء حكميَّةٌ، فتفتقر إلى النية؛ قياسًا على التَّيَمُّم.
فيقول المعارض: طهارة بالماء، فلا تفتقر إلى النية؛ قياساً على إزالة النَّجاسة، فلا بُدَّ عند ذلك من الترجيح.
وأما ما كان من أصل واحدٍ على الضّدّ، فضربان:
أحدهما: أن يجعل الأصل الواحد بينهما معنيين مختلفين.
والثاني: أن يجعل نفس ما علل به معنى له.
* فالأول كقوله: لما كان عدد الأقراء معتبرًا بالمرأة، وجب أن يعتبر بها عدد الطلاق؛ لأنَّ البينونة متعلقة بها.
فيعارضه بأنه يجب أن يعتبر بالفاعل؛ قياسًا على العدة.
* وفي الثاني يقول: نفس هذا المعنى يدلُّ على أنَّ الاعتبار بالفاعل؛ كالعدة. قال - أي إلكيا -: وأما معارضة الفاسد بالفاسد فهل تجوز؟
- إن أمكنه إيضاح الفساد بجهةٍ أخرى، فلا معنى للمعارضة.
- وإن كانت المعارضة أقرب إلى إيضاح الفساد، فلا يمنع منها.
ومثلها - أي إلكيا - بقول بعضهم: لا يصير مفرّطاً بتأخير الزكاة، فلا يلزم إخراجها إذا تلف المال أو مات.
فيقال: ولا يجب عليه الزَّكاة بحال، من حيث إنه [لم يفرط] بتأخيرها،
стр. 322
ولا تركها أصلا.
قال - أي إلكيا -: وقد يعارض المحال بالمحال:
كقول الحنفي: ما أدركه المأموم من صلاة الإمام، فهو آخر صلاته.
فيقال له: لو جاز أن يكون آخر بلا أول، جاز أن يكون أول بلا آخر، ولو جاز أن يكون ماء لا نجس ولا طاهر، جاز أن يكون ماء نجس وطاهر؛ بناء على أنَّ القابل للضدين لا يخلو عن أحدهما.
قال: وهذا النوع ليس بمعارضة حقيقةً، ولكن قصد به امتحان المذاهب. انتهى». «البحر المحيط» (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٤).
فصل في التعلُّق بمناقضات الخصوم
قال الزركشي: «لخصته من كلام إلكيا:
لا خلاف أنه لا يجوز إثبات المذاهب إلا بدليل إجماعي، أو مستقل من أوضاع الشرع وفاقًا.
ولكن اختلفوا في التعلق بمناقضات الخصوم في المناظرة:
* فذهب جماعة إلى جوازه، من حيث إنَّ المقصود من الجدل تضييق الأمر على الخصم، وإبانة استقامة أصله.
* وفصل القاضي تفصيلًا حَسَنًا لا غبار عليه، فقال:
стр. 323
- إن كانت المناقضة عائدةً إلى تفاصيل أصل لا يرتبط فسادها وصحتها بفساد الأصل بحال، بل الأصل إذا ثبت، استصحب حكمه على الفرع: فلا يجوز التَّعَلُّق بها، من حيث إنه لا يعود على المقصود.
ولئن قيل: فيها مقصود صحيح، وهو اضطرار الخصم إلى إبانة الحجة التي يعوّل الخصم عليها، فبه يتم النَّظَرُ.
ثُمَّ تكلم على المأخذ على هذا التدريج، وحينئذ فيجوز التعلق به، ولكن كلامنا فيما إذا علم أنَّ الفرع فاسد لفساد نظر الخصم فيه على الخصوص لا في الأصل، وهذا يعزُّ وجوده؛ ولكن إذا وجد، كان حكمه ما ذكرنا.
- وإن كان التعلق بالفرع من قبل امتحان الأصل بسياقه، وعلم أنَّ الفرع من ضرورات الأصل: فيجوز التَّعَلُّق به وفاقًا.
وسبب هذا التفصيل أنَّ الذي يُسأل عن مسألة فيفتي فيها؛ فلا بد له من نصب دليل على ما أفتى به، ولن يتحقق نصب الدليل على ذلك إلا بوجهين:
أحدهما: الهجوم على ذكر الدليل والبحث عن المعنى، وهذا هو الأصل.
والثاني: أن ينقدح بإبطال مذهب الخصم إلى إثبات مذهبه إذا لم يكن في المسألة إلا مذهبان؛ أو اعترافًا بأن ما عدا المذهبين باطل. وإقرارهما على أنفسهما حُجَّةٌ». «البحر المحيط» (٥/ ٣٦٠).
• ما المطلوب من المعلل: إذا ذكر وصفا وقاس على أصل؟
إذا ذكر المعلل وصفًا وقاس على أصل؛ فهل عليه إثبات علة الأصل بطريقٍ
стр. 324
من مسالك العلة، أم لا يجب عليه ويقال للسائل: إن أنت أثبت أنه ليس بصالح لإثبات الحكم بطل تعليله؟
قال إلكيا: «فيه خلاف:
* فصار صائرون إلى أنَّ ذلك على السائل من حيث إنَّ المعلل ذكر وصفا أصلا، فقد وُجد فيه حد القياس وركنه. والأصل أنَّ القياس حُجَّةٌ، وأَنَّ كلَّ وصف يربط الفرع بالأصل فهو حُجَّةٌ، وإنَّما يفسد لاختلال الشَّرائط، وهذا ليس بالعري عن التحصيل. ولو فرض التواطؤ عليه، لم يكن هذا.
ولكن الصحيح مع هذا أنَّ ذلك على المعلّل؛ فإنَّ عليه أن يأتي بما يظهر من مقصوده؛ ليخرج الكلام عن حد الدعوى بظهور مخيل. ثُمَّ القوادح على المعترض.
وإذا عرف هذا؛ فلو ذكر معنى مناسبا، كفاه؛ وإن كانت المعاني منقسمةً إلى صحيح وفاسد؛ لأنَّ الأصل اعتبار المعاني التي لها أصول، والبطلان معارض؛ فإن ثبت أنَّ للأصل اعتبار أوصاف لها أصول؛ فإن لم تتحقق المناسبة؛ فالأمر في الوصف كذلك.
وإنما يمكن ذلك بإثبات الطَّرد حُجَّةٍ وراء … الذي يقال فيه: إنَّ الحكم يدلُّ على الحكم، والأوصاف تدلُّ على الاجتماع في الطَّرد، والوصف عند مثبته يدل على الحكم في الفرع والأصل على السواء.
فإن ثبت هذا، فالوصف المطلق كالمخيل. وقيل: لا بد من إبراز الإخالة والعرض على الأصول، تحقيقا لشرطه. «البحر المحيط» (٥/ ٣٦١).
стр. 325
• التَّعَلُّقُ بِالْأَوْلَى
نقل الزركشي عن الكيا ما نصه:
«وهذا باب تنازعوا في تعيينه بعد اتفاقهم على أنَّ ما جمع معنى الشيء وأكثر منه، فهو أولى منه، وقد نطق القرآن بأمثاله:
قال تعالى لمن اعتل عن التخلف بشدَّة الحر: ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾، يعني: فليتخلفوا عنها.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾؛ لأنَّ حقهم أوجب، ونعمتهم أعظم.
وقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
وقال ﷺ : فدين الله أحق أن يُقضى.
وقال العلماء: إذا حرم التأفيف، فالضرب أولى بالتحريم.
وقال الشافعي: إذا جاز السَّلَمُ مؤجلاً، فهو حالا أجوزُ؛ وإذا وجبت الكفَّارة في الخطأ، ففي العمد أولى؛ وإذا قبلت شهادة الفاسق في أسوأ حاليه - أعني قبل التوبة - فبعد التوبة أولى.
وأبو حنيفة يقول: وطء الزوج الثاني إذا كان يرفع الثلاث، فَلَأنْ يرفع [ما] دونها أولى.
قال الطَّبَرِيُّ: والذي يجب أن يحصل أنَّ التعلق بعد إيضاح الإجماع في أصل المعنى؛ فإنَّ الترجيح زيادة في عين الدليل أو في مأخذه، وليس الأولى
стр. 326
عين الدليل ولا ركنا منه، وإنَّما يتبين ذلك بشيء، وهو أنه إذا بان المعنى الحاضر (كذا) غيره، بطل التعلق، كقول أبي حنيفة ﵀: "هدم الثلاث، فلأن يهدم ما دونه أولى"؛ فإنَّا بَيَّنَّا أَلَّا هدم، وإذا امتنع القول بالهدم، فلا جمع.
قال: ولسنا نرى في التعلق كثير فائدة من حيث إثبات الحكم.
نعم، نبه على معنى الأصل، كما نطق به القرآن، فهو يرجع إلى التنبيه على العلة، وليس شيئًا زائدا». «البحر المحيط» (٦/¬١٦).
• الخلاف في حجية الاستصحاب
ذكر الزركشي أن المذهب الرابع: «أنه يصلح للدفع، لا للرفع»، ونسبه لأكثر الحنفية، ثُمَّ نقل عن الكيا ما نصه:
«ويعبّرون عن هذا بأنَّ استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، إحالة على عدم الدليل، لا لإثبات أمر لم يكن. وبنوا على هذا مسائل:
منها: ما لو شهد شاهدان أنَّ الملك كان للأب المدعي، والأب ميت؛ فإنَّها لا تقبل عند أبي حنيفة؛ لأنَّ الملك ثبت لا بهذه الشهادة، والبقاء بعد الثبوت إِنَّما يكون باستصحاب الحال، فيثبت دفعا عن المشهود عليه بحق الشهادة؛ فإنه كان أحد المدعيين. فأما لإيجاب حكم مبتدأ فلا، وملك الوارث لم يكن.
وعلى هذا قالوا: المفقود لا يرث أباه، وإن كان الملك ذلك الملك بعينه؛ لأنَّ المالك غير الأول.
قال: ونحن نسلّم لهم أنَّ دلالة الثبوت غير دلالة البقاء؛ لأنَّ أحدهما نص
стр. 327
والآخر ظاهر، ولكن لا نقول: البقاء [ليس] لعدم المزيل، بل لبقاء الدليل الظاهر عليه. وهذا لا يجوز أن يكون فيه خلاف. انتهى». «البحر المحيط» (٦/¬١٩).
• صور استصحاب الحال
ذكر الزركشيُّ في الصورة الرابعة من صور استصحاب الحال - وهو استصحاب الدليل مع احتمال المعارض - أنَّ جمهور الأصوليين على إثباته، ومنعه المحققون، منهم إمام الحرمين في البرهان. وإلكيا في تعليقه منع تسمية هذا النوع استصحابًا.
ثُمَّ نقل عنه الزركشيُّ ما نصه: «وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الدليل:
* إما ألا يقتضي الدوام، كالمقيد بالمرَّة أو المطلق، وقلنا: لا يقتضي التكرار، فلا يرد على هذا النَّسْخ؛ لأنه قد تم بفعل مرَّةٍ واحدة.
* وإما أن يدل على التقرير والبقاء نصًّا، كقوله: افعلوه دائما أبدا، وهو في الاستمرار ظاهر. فهما دليلان: نص في الثبوت وظاهر في الاستمرار. فهذا هو الذي يرد عليه النَّسْخ.
وأبو زيد أطلق، وأصاب في قوله: دليل الثبوت غير دليل البقاء، وأخطأ في قوله: دليل البقاء عدم المزيل، فهذا ليس من الاستصحاب في شيء. انتهى». «البحر المحيط» (٦/¬٢١).
• من صور استصحاب الحال: استصحاب الحكم الثابت في محل الخلاف
قال الزركشي: «ونقل إلكيا عن الأستاذ أبي إسحاق أنه استدل على النكاح بلا ولي بأن الأصل في الأبضاع التحريم؛ فمَن ادعى ما يبيح، فعليه الدليل.
стр. 328
قال: وهذا ليس بشيء؛ فإنَّه يقال: الأصل التحريم: قبل وجود أصل النكاح أو بعده؟
إن قلت: قبله، فمسلم، أو بعده: فهو محل النزاع، ويُمكن أن يجعل ذلك معارضةً لكلامه». «البحر المحيط» (٦/¬٢٣).
• الاحتجاج بقول الصحابي
قال الزركشي: «وقال إلكيا: إن لم يُعرف له مخالف: فهو موضع الخلاف.
فإذا اختلفوا فلا شك أنَّه لا حُجَّةَ فيه.
وقيل: يُحتج بأقوالهم وإن اختلفت على تقدير اتباع قول الأعلم منهم، وبه قال الشافعي في رسالته القديمة؛ لأنَّه جوز تقليد الصحابي، وقال: إن اختلفوا: آخذ بقول الأئمة أو بقول أعلمهم بذلك، ورجحه على القياس المخالف له.
قال إلكيا: وإن لم يكن بد من تقليد الصحابة، فالواجب ألا يفصل بين أن يختلفوا أو لا؛ لأن فقد معرفة الخلاف لا ينتهض إجماعًا. وفي جواز تقليد العالم من هو أعلم منه خلاف؛ رأى محمد بن الحسن جوازه، وإن لم ينقل عنه وجوب ذلك.
قال: ثُمَّ مذهب الشافعي قديماً وجديدًا اتباع قضاء عمر ﵁ في تقدير دية المجوسي بثمانمائة درهم، وتغليظ الدية بالأسباب الثلاثة اتباعا لآثار الصَّحابة. واختلف الأصحاب في سبب ذلك:
* فقيل: لأنَّ الواقعة اشتهرت وسكتوا، وذلك دليل الإجماع.
стр. 329
* وقيل: لأنه يرى الاحتجاج بقول الصحابي إذا خالف القياس من حيث لا محمل له سوى التوقيف. قال - أي إلكيا -: ويظهر هذا في التابعي إذا علم مسالك الأحكام وكان مشهورًا بالورع لا يميل إلى الأهواء، إلا أن يلوح لنا في مجاري نظره فساد في أصل له عليه بنى ما بنى». «البحر المحيط» (٦/ ٦٢).
• اختلاف الحنفية في حقيقة الاستحسان
نقل الزركشي عدة أقوال في حقيقته، ثُمَّ قال في القول الخامس:
«قال إلكيا: وهو أحسن ما قيل في تفسيره: ما قاله أبو الحسن الكرخي أنَّه قطع المسائل عن نظائرها لدليل خاص يقتضي العدول عن الحكم الأول فيه إلى الثاني، سواء كان قياساً أو نصا، يعني أنَّ المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما يحكم في نظائرها إلى الحكم بخلافه، لوجه يقتضي العدول عنه، كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة على الزَّكاة؛ فإنَّ هذا القول منه عام في التصديق بجميع ماله. وقال أبو حنيفة: يختص بمال الزكاة، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة، فعدل عن الحكم في مسألة المال الذي ليس هو بزكوي بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم، لدليل اقتضى العدول، وهو الآية». «البحر المحيط» (٦/ ٩١).
стр. 330
التعادل والترجيح
• التعادل بين الدليلين القطعيين والظَّنَّيين
قال الزركشي:
* «التعادل بين الدليلين القطعيين المتنافيين ممتنع اتفاقًا، سواء كانا عقليّين، أو نقليّين، وكذلك بين القطعي والظَّنِّي؛ لتقدم القطعي؛ لأنه لو وقع، لاجتمع النقيضان أو ارتفعا، وهذا فيه أمران:
أحدهما: أنه بناء منهم على أن العلوم غير متفاوتةٍ؛ فإن قلنا بتفاوتهما: اتّجه الترجيح بين القطعيات؛ لأن بعضها أجلى من بعض.
ثانيها: أنه بالنسبة إلى ما في نفس الأمر. وأما في الأذهان: فجائز؛ فإنَّه قد يتعارض عند الإنسان دليلان قاطعان بحيث يعجز عن القدح في أحدهما، وقد ذكروا هذا التفصيل بالنسبة إلى الأمارتين، فليجئ مثله في القاطعين.
* وأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح. وأما في نفس الأمر على معنى أنه ينصب الله تعالى على الحكم أمارتين متكافئتين في نفس الأمر بحيث لا يكون لأحدهما مرجح، فاختلفوا فيه:
فمنعه الكرخي وغيره، وقالوا: لا بُدَّ أن يكون أحد المعنيين أرجح، وإن جاز خفاؤه على بعض المجتهدين، ولا يجوز تقدير اعتدالهما. قال إلكيا: وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء (١).
_________
(١) كذا في البحر والسياق يقتضي أن هناك كلاما ساقطا هو القول الثاني.
стр. 331
قال إلكيا: وهو المنقول عن الشافعي، ثُمَّ اختار إلكيا قول الكرخي، ونقله عن إمام الحرمين، وقال: إنَّه قطع به.
قال: والاستحالة متلقاة من العادة المطردة، وما نقله عن الشافعي:
- إن كان من جهة قوله بالقولين في مسائل كثيرة: فلا يدلُّ؛ لأنَّه تعادل ذهني، ولا نزاع فيه.
- وإن كان من جهة قوله في البينتين: فالمأخذ مختلف، بل نص على الامتناع في الرسالة، فقال في باب علل الأحاديث: ولم نجد عنه ﷺ حديثين نُسِبا للاختلاف فكشفناه إلا وجدنا لهما مخرجاً، وعلى أحدهما دلالة بموافقة كتاب أو سُنَّة، أو غيره من الدَّلائل. انتهى». «البحر المحيط» (٦/ ١١٣).
• تعارض الدليلين عند المجتهد
نقل الزركشي عنه من كتابه التلويح في مسألة: إذا تعارض دليلان عند المجتهد وعجز عن الترجيح ولم يجد دليلا آخر، بأنه نقل الخلاف فيها، واختار قول الكرخي، وهو أنه لا بُدَّ وأن يكون أحد المعنيين أرجح، ولا يجوز تقدير اعتدالهما. «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٢).
• معنى الترجيح
نقل الزركشي عن الكيا ما نصه:
«الترجيح إظهار الزيادة لأحد المثلين على الآخر وضعاً، لا أصلاً؛ مأخوذ من رجحت الوزن، إذا زدت جانب الموزون حتى مالت كفته. ولو أفردت الزيادة على الوزن لم يقم بها الوزن في مقابلة الكفّة الأخرى». «البحر المحيط» (٦/ ١٣٠).
стр. 332
• الترجيح إذا كان مع أحد الخبرين قياس
بعد أن ذكر الزركشي الشرط الرابع - وهو أن يترجح بالمزية التي لا تستقل ـ، حكى الخلاف في أنَّه: هل يجوز الترجيح بالدليل المستقل؟ ثُمَّ قال: وانبنى على هذا الخلاف في هذا الأصل مسائل كثيرة:
* منها: أنه [إذا] انضم إلى أحد الخبرين قياس، فنقل عن الكيا ما نصه: إن كان مع أحدهما قياس، وفي الجانب الآخر مزيد وضوح - كزيادة الرواة والعدالة ـ، فيحتمل أن يُعمل بالقياس؛ لاستقلاله. ويحتمل خلافه من جهة أنَّ القياس حُجَّةٌ ضرورةً عند فقد النّصّ، ودلالة النّص ثابتة في أحد الجانبين؛
إلَّا أن يقال: إنَّها ضعفت بالتعارض، والقياس مستقل فيتعارض النَّظرانِ.
قال: والأشبه بمذهب الشافعي تقديم الخبر الراجح.
ثُمَّ حكى قولاً أنه كالحكم قبل ورود الشريعة، فيجيء فيه الخلاف المشهور». «البحر المحيط» (٦/ ١٣٨ - ١٣٩).
• الترجيح بين الكثرة والعدالة في الإسناد
قال الزركشي ضمن الحديث عن الترجيح بكثرة الرواة:
«لو تعارضت الكثرة من جانب، والعدالة من جانب آخر؛ ففيه احتمالان لإلكيا:
أحدهما: ترجيح الكثرة؛ لقربها من المستفيض والتَّواتر.
والثاني: ترجيح العدالة؛ فإنَّه رُبَّ رجل يعدل ألفَ رَجُلٍ في الثقة، ونعلم
стр. 333
أنَّ الصحابة كانوا يقدمون رواية الصدّيق على رواية عدد من أوساط النَّاس.
قال: وهذا لا نجد له مثالاً من النَّصّ؛ فإنَّ الذي أورده كثير من العلماء يحتمل التأويل، كتعارض الأخبار في القراءة خلف الإمام، وتعارض الأخبار في الأذان للصبح قبل الوقت. وللقياس مجال وراء الخبر. وإن وجدنا مثالاً، فحكمه ما ذكرنا». «البحر المحيط» (٦/ ١٥١).
• عدم اعتبار الذكورية في الترجيح في الإسناد
ونقل في باب ترجيح الأخبار في مسألة: الترجيح بحسب الراوي ما نصه:
«وحكى إلكيا الطَّبَرِيُّ الاتفاق عليه، فقال:
اعلم أنَّنا لا ننكر تفاوتا بين الذكور والإناث في جودة الفهم، وقوة الحفظ، ومع هذا كله لم يقل أحدٌ: إنَّ رواية الرجال مرجحة على رواية النساء.
ولم نر أحدًا من المتقدمين ذكره مع استقصائهم وجوه الترجيح، وكأنَّ المانع من ذلك أنَّ الذي يقتضي الترجيح يجب رجوعه إلى عين ما وقع الاحتجاج به ويظهر به التفاوت بين المتعارضين.
والتفاوت بين الذكور والإناث في قوة الحفظ أمر كلي، يرجع إلى الجنس، كما يقال: الفرس أعقل، وهذا النوع لا يظهر رجوعه إلى آحاد الجنس، فلا يمتنع في التفاصيل، وقد يُفرض امرأة أضبط من الرجل أو أحفظ؛ فإذا لم يظهر التفاوت في عين الجنس، لم يُنظر إلى الجنس، وإنَّما يُنظر إليه في تمهيد الصواب، وذلك في الشرع، كما فعل في شهادة النّسوة مع الرجال، وهذا مقطوع به لا ريب فيه، انتهى. تشنيف المسامع (٣/ ٦٩٤ - ٦٩٥). وانظر: «البحر المحيط» (٦/ ١٥٩).
стр. 334
* من المرجحات في كيفية الرّواية: اتفاق رُواة أحد الحديثين
قال الزركشي ضمن حديثه عن المرجح السادس - وهو أن يختلف رواة أحد الحديثين، ويتفق رواة الآخر: «ومثله إلكيا بحديث وائل: «أنه ﵊ كان يضع ركبتيه، ثُمَّ يديه، ثُمَّ جبهته وأنفه»، ولم يختلف الرواة عنه.
فذهب الشافعي إليه، وروي حديث أبي هريرة مثل ذلك. وروي عنه النَّهْيُ عن البروك برك الإبل في الصَّلاة، أي وضع الركبتين قبل اليدين، فقال الشافعي: حديث وائل انفرد من المعارضة، فهو أولى من حديث أبي هريرة، وحديثه قد عاضدته إحدى روايتي أبي هريرة فهو أولى.
قال: ويدخل في هذا: نكاح المحرم، وتخيير بريرة، وغير ذلك. وهو راجع إلى الترجيح بكثرة العدد.
قال: ومما يقارب هذا، ما نُقل عن الشافعي في ترجيح أحد الخبرين على الآخر، إذا كان مثل معنى أحدهما منقولاً بألفاظ مختلفةٍ من وجوه، كرواية وابصة بن معبد في الصلاة خلف الصَّفّ: أعد صلاتك، فإنَّه لا صلاة لمنفرد خلف الصَّفّ، وروى الجمهور أنَّ أبا بكر وقف بين النبي ﷺ وبين الناس، فكان يُؤْذِنهم بتكبير النبي ﷺ . وروى من وجه آخر: أنَّ أبا بكرة أحرم خلف الصف، ثُمَّ تقدم فدخل فيه، ولم يأمره بإعادة. ووقف أعرابي على يسار الرسول، فأداره عن يمينه. وروي: أنَّه ﵊ أم أنسًا وعجوزاً منفردةً خلف «أنس»، فتُقدَّم على رواية وابصة. وهو يرجع أيضًا إلى الترجيح بكثرة العدد». «البحر المحيط» (٦/ ١٦١)
стр. 335
• القول في الترجيح من جهة المتن
* الترجيح بحسب اللفظ:
قال الزركشي: «ثانيها: يُرجّح الخاص على العام. قال إلكيا: والفقه على ذلك يدور، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ثُمَّ رُوي أنه نهى عن نكاح المتعة، والشَّغار، والمحرم، ونكاح المرأة على عمتها، والنكاح بلا ولي وشاهد.
وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا﴾، ثُمَّ نهى عن بيع الغرر، والحصاة، وبيعتين في بيعة، وبيع وسلف.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى﴾ الآية، ثُمَّ نهى عن أكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير.
ولئن حمل حامل النهي على التنزيه بدلالة العموم: وجد مقالا، ولكن يقال: الخاص يقضي على العام؛ فإنَّ الخاص أقرب إلى التعيين من الجملة؛ إذ لا يبعد أن يقصد بها تمهيد الأصول». «البحر المحيط» (٦/ ١٦٥). وانظر: (٦/ ١٦٦) من نفس الكتاب.
• من المرجحات: المقصود به بيان الحكم:
نقل الزركشي عن إلكيا ما نصه: «ومنه قوله: في سائم الغنم زكاة، مع قوله: في أربعين شاة شاة، وكذلك: ليس فيما دون خمسة أوسق من الورق صدقة، مع قوله: في الرقة ربع العشر، فيحمل الأمر على بيان المزكى والزكاة، لا على ما لم ينقل له الخبر، ولم يدل عليه المسموع، ذكره إلكيا. ثُمَّ قال:
نعم؛ قد يرد على صورة البيان وإن لم يكن بيانًا حقا، كقوله في حديث
стр. 336
ماعز: أشهدت على نفسك أربعًا؟ وفي لفظ: أنت تشهد؟ وأنَّه ردّده؛ فقال أهل العراق: إنَّه لما ردَّده مرارًا، ثُمَّ قال: أشهدت على نفسك أربعًا، دلّ على أن قوله: فإن اعترفت فارجمها، أي اعترفت أربعاً.
فقلنا: لم يكن التَّردُّد والرَّدُّ لأنَّه لا يجب الحد بالاعتراف الأول، ولكن لم يُفصح أولاً بما يلزمه الحد، ورأى فيه دلائل الخبل والجنون، ولذلك قال: لعلك لمست، وسأل عن النُّون والكاف، فقلنا في مثل ذلك: رواية ماعز مقدمةٌ.
وقلبوا الأمر، فلم يجعلوا البيان في القسم المتقدم معتبرًا، قدموا العموم عليه، وقدموا البيان على العموم هاهنا.
* ومن هذا اختلاف الرّوايات في سجود السهو قبل السلام وبعده، فكان ما رواه الشافعي أولى؛ لأنَّ فيما رواه: واسجد سجدتي السهو قبل السلام؛ فإن كان أربعًا، فالسجدتان كانتا ترغيما للشيطان؛ وإن كان خمسا شفعتها بالسجدتين، فذكر الترغيم، والشفع لا يكون مع الفصل والتَّخلُّل، فكان ما نقلناه إيماءً إلى بيان السبب على ما ردده.
وله وجه آخر من الترجيح، وهو ورود الأمر والفعل، ونقلوا الأمر فقط، والأمر أبين من الفعل الذي يمكن تقدير اختصاصه برسول الله ﷺ ». «البحر المحيط». (٦/ ١٦٨ - ١٦٩)
• الترجيح بالاحتياط
نقل الزركشي ضمن المسألة الثانية - وهي أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط بأن يقتضي الحظر، والآخر الإباحة ــ، عن إلكيا ما نصه:
стр. 337
* «إن كانت الإباحة هي الأصل؛ فالحظر أولى، وهذا ليس من المتعارض، فنقدم الإباحة على طريان الحظر، فكان الإباحة في حكم المنسوخ».
* وإن كان الحظر هو الأصل؛ فالأخذ بالإباحة أولى.
* أما إذا تعارضا ولم يُعلم أصل أحدهما؛ فهو موضع التَّوقُّف:
- فذهب عيسى بن أبان إلى أنَّ الحظر يُرجَّح، وقيل: إنَّه مذهب الكرخي؛ لأنَّ الحرام يُغلَّب.
- وقال أبو هاشم: يستحيل ورود الخبرين في الحظر والإباحة، ولا يمكن تقدير المستحيل.
ثُمَّ قال إلكيا: والحقُّ ما قاله أبو هاشم، [إلا] إذا أمكن من تعارضهما من هذا الوجه (كذا)، والرجوع إلى وجه آخر في الترجيح؛ إمَّا من حيث الاحتياط إذا أمكن القول به في الترجيح على ما بيَّناه، أو بوجه آخر قدَّمناه». «البحر المحيط» (٦/ ١٧١).
• الترجيح بحسب الأمور الخارجية
* منها: اعتضاد أحد الخبرين بقرينة الكتاب:
نقل الزركشيُّ تحرير إلكيا لمذهب الإمام الشافعيُّ، قائلا: «قال إلكيا: وما ذكره الشافعيُّ أوجه في مطرد العادة والعرف، ولا يظهر للمسألة فائدة في الحكم، وإنما الخلاف في الطريق، وهذا الخلاف بين الشافعيُّ والقاضي فيما يرجع إلى النص.
- أمَّا إذا تعارض ظاهران، واعتضد أحدهما بقياس، فلا شك أنَّ الذي لم يتجه فيه تأويل متأيد للقياس لا يبالى به.
стр. 338
- ولو تعارض قياسان عاضدان للتأويل، وأحدهما أجلى: قُدّم الأجلى.
- ولو تعارض ظاهرانِ أو نصَّانِ، وأحدهما أقرب إلى الاحتياط: فالقاضي يرى تعارضهما أخذا ممَّا تقدَّم؛ والشَّافعي يرى تقديم الأحوط؛ لأنه أقرب إلى مقصود الشارع، كرواية خوات مع ابن عمر، وكإحدى الآيتين إذا تضمنت إحداهما تحليلا، والأخرى تحريماً. وقد قال عثمان: أحلتهما آيةٌ، وحرمتهما آيةٌ. فلا يتجه في ذلك إلا الحكم بالاحتياط». «البحر المحيط» (٦/ ١٧٦ - ١٧٧).
* ومنها: أن يكون أحدهما عليه عمل أكثر أهل السلف:
قال الزركشي: «قال إلكيا: والذي قاله المحققون أنَّا:
* إن تحققنا بلوغ الحديثين الصحابة وخالفوا أحدهما؛ فمخالفة الصحابة للحديث قادحة فيه، سواء عارضه غيره أم لا، وفيه خلاف.
* وإن لم يتحقق بلوغ الحديث إيَّاهم؛ فالشافعي يرجح به، وفيه نظر على الجملة؛ فإنَّ الحديث الآخر إذا لم يبلغهم، لم يكونوا مخالفين له حتّى يقال: لعلهم عملوا بناسخ؛ إلا أن يقال: ما عملوا به مُدَّة عمرهم يدلُّ على أنه الأصح والأوضح». «البحر المحيط» (٦/ ١٧٨).
* ومنها: موافقة الخبر لعمل أهل المدينة:
ذكر إلكيا الطَّبَرِيُّ هذا الترجيح بالنسبة إلى الرواية، فقال:
«حديث يُنقل بمكة، وآخرُ يُنقل بالمدينة؛ تُقدَّم رواية المدينة من حيث إنَّ الهجرة تراخت، وإن اتفقت له غزوات إلى مكة». انظر: «تشنيف المسامع» (٣/ ٧١٨).
стр. 339
فَصْلٌ في المجتهد من القدماء، ومن الذي حاز الرتبة منهم
قال الزركشيُّ: ذكره إلكيا، وهو فصل عظيم النفع؛ فإنَّ مذاهبهم نُقلت إلينا، ولا بُدَّ من معرفة المجتهد منهم؛ ليُعلم من الذي تُعتبر فتواه، ومَن يقدح الإجماع مخالفته، ومن لا يقدح. قال:
- اعلم أن الخلفاء الراشدين الأربعة، لا شك في حيازتهم هذه الرتبة.
- وألحق بهم أهل الشورى الذين جعلهم عمر ﵃.
- قال: وأما أبو هريرة؛ فقد مال الأكثرون إلى إخراجه عن أحزاب المجتهدين؛ لأنه لم يُنقل عنه التصدّي للفتوى، وإنما كان يتصدى للرواية.
- وتوقف في ابن عمر ﵄؛ إذ لم يُنقل عنه التصدّي للفتوى.
- وأما ابن مسعود، فكان فقيه الصحابة ومنتدبًا للفتوى.
- وكذلك ابن عباس.
- وزيد بن ثابت ممن شهد الرسول بأنه أفرض الأئمة، والمعتبر تصديه لهذا المعنى من غير نكير، أو شهادة الرسول، ومراجعة الأولين له.
وبعد النزول عن هذه الطبقة العالية، للشافعي وقفة في الحسن وابن سيرين، ويقول فيهما: واعظ ومعبّر، ولم يرهما متصديين لهذا الشأن، والظاهر أنهما من المجتهدين؛ فإنَّهما كانا يفتيان، على ما قاله السلف. «البحر المحيط» (٦/ ٢١١).
وقال الزركشيُّ بعد ذلك معقبًا: قلتُ: وما ذكره إلكيا في أبي هريرة تابع
стр. 340
فيه القاضي؛ فإنَّه قال: إنَّه لم يكن مفتيًا، وإنما كان من الرواة، والصواب ما قاله ابن برهان، وقد ذكره ابن حزم في الفقهاء من الصحابة … ». «البحر المحيط» (٦/ ٢١٢).
• جواز الاجتهاد من غير الأنبياء في زمانهم
كاجتهاد الصّحابة في عصر الرسول. وقد بين الزركشي أنَّ الكلام فيه في مقامين: الجواز، والوقوع.
* أما الجواز:
- فمنهم من منع منه مطلقا، ونُقل عن الجبائي وأبي هاشم. وهو ضعيف؛ لأنه لا يؤدي إلى مستحيل.
- فإن أرادوا منع الشرع، توقف على الدليل، فهو مفقود.
- ومنهم من جوزه مطلقا، وبه قال أكثر أصحابنا، كما نقله ابن فورك والقاضي أبو الطيب وغيرهما، ونقله إلكيا عن محمد بن الحسن …
* وأما الوقوع؛ فاختلف المجوّزون فيه:
- فمنهم من منعه؛ لقدرته على اليقين بأن يسأل النبي ﷺ
- ومنهم من قال: وقع ظنَّا لا قطعا، واختاره الآمدي وابن الحاجب.
- ومنهم من فصل بين الحاضر والغائب، فقال: وقع للغائب دون الحاضر. واختاره القاضي في التقريب، والغزالي، وابن الصَّباغ في العدة، وإليه ميل إمام الحرمين، ونقله إلكيا عن أكثر الفقهاء والمتكلمين. قال: «وهو أدخل في
стр. 341
الاستقامة، وأميل إلى الاقتصاد من حيث تعذر المراجعة مع تأني الدار في كلّ واقعة». «البحر المحيط» (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).
• تصويب المجتهدين في العقليات
قال الزركشي في مسألة: التصويب والتخطئة:
«قال إلكيا الهراسي: ذهب العنبري إلى أنَّ المصيب في العقليات واحد.
- ولكن ما تعلّق بتصديق الرُّسل وإثبات حدث العالم والصانع؛ فالمخطئ فيه غير معذور.
- وأما ما يتعلق بالقدر والجبر وإثبات الجهة ونفيها؛ فالمخطئ فيه معذور، ولو كان مبطلا في اعتقاده بعد الموافقة في تصديق الرسل والتزام الملة، وبنى على ذلك أن الخلق ما كُلِّفوا إلَّا باعتقاد تعظيم الله وتنزيهه من وجه؛ ولذلك لم يبحث الصحابة عن معنى الألفاظ الموهمة للتشبيه علما منهم بأن اعتقادها لا يجر حرجا». انظر: «تشنيف المسامع»: (٤/¬٣٥)، وانظر: «البحر المحيط» (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
• تصويب المجتهدين في الظَّنِّيَّات
نقل الزركشي عن الكيا ما نصه: «انقسموا (١) على قسمين: غلاة ومقتصدة.
* فالغلاة افترقوا من وجهين:
أحدهما: ذهب بعضهم إلى أنه يجوز لكل منها أن يأخذ بالتحريم والتحليل من غير اجتهاد إذا علم أنه يستدرك كل واحد منهم بالاجتهاد، ويأخذ بما يشاء.
_________
(١) أي القائلون بأن الحق متعدد.
стр. 342
وقال الأستاذ أبو إسحاق: هذا المذهب: أوَّله سفسطة، وآخره زندقة، أما السفسطة، فلكونه حلالاً حراماً في حقّ كلّ واحدٍ؛ وأما الزندقة، فهو مذهب أصحاب الإباحة.
والثاني: ذهب بعضهم إلى أنَّ المطالب متعدّدة، فلا بد من أصل الاجتهاد، ولكن المطلوب من كل مجتهد ما يؤدي إليه الاجتهاد.
* وأما المقتصدة فقالوا: كلُّ مجتهد مصيبٌ في عمله قطعا، ولا يُقطع بإصابة ما عند الله، وادعوا أنَّ في الآراء المختلفة حكمًا عند الله، هو أشبه بالصواب، وهو شوق المجتهدين ومطلوب الباحثين، وربَّما عُبّر عنه بأنَّه الحق والصواب؛ غير أنَّ المجتهد لم يُكلّف غير إصابته. وهذا القول [روي] عن أبي حنيفة نصا.
* وأما القائلون بأن الحق في واحد فيما دل عليه دليل، والمجتهد مقصر بالنظر فيه والمصير إليه، ومن قصر في ذلك ولم يصر إليه؛ فإنَّه مخطئ فيه، ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم، فقد يكون كبيرةً، وقد يكون صغيرةً. وهذا مذهب الغلاة، ومنهم الأصم والمريسي، وهو قول أصحاب الظواهر فيما طريقه الاستدلال.
وقيل: في واحد منهما وعليه دليلٌ؛ إلَّا أنَّ المجتهد إذا لم يصل إليه لدقته وغموض طريقه، فهو معذور آثم، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي، ونفر من الحنفية.
وحكي عن الشافعي أنَّه قال في الفروع التي لها أصل واحد - وهو الذي يسمى طريق إثباتها: القياس الجلي، والقياس المعنى ـ؛ أنَّ المصيب فيها واحد،
стр. 343
والفروع التي تتجاذبها أصول كثيرةٌ، ويسمى طريق إثباتها: قياس علية الأشباه: أنَّ كلَّ مجتهد فيها مصيبٌ، وهو الذي حكاه عنه المحصلون.
وقال في بعض مجموعاته في جواب سئل عنه في قوله: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، أنه لو كان أحد القولين خطاً، لم يجز أن يُثاب عنه؛ لأنَّ الثَّواب لا يكون فيما لا يسوغ، ولا في الخطأ الموضوع.
ثم قال: لو كان خطأ، قصارى أمره أن يُغفر له، فكيف يطمع في الثواب على خطأ لم يصنعه. وقد تكررت ألفاظه في كتبه على موافقة ما حكيناه عنه من أنَّ كل مجتهد مصيب.
والفرق بين ما حكينا عن أبي حنيفة آخرًا وبين قول المخالف:
- أنَّ أبا حنيفة يقول: إنَّ المجتهد لم يُكلف الأشبه، والذي هو الحق عند الله.
- وهؤلاء يقولون أنَّه كُلّف إصابته، ولكنه يكون معذورا إن كان خطؤه صغيرا.
واختلف القائلون باتحاد الحق في هذه المسائل:
- فقيل: يُمنع من ورود التعبد في الفروع بالأحكام المتضادة.
- وقيل: السمع هو الذي يمنع من ذلك. «البحر المحيط» (٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩). وانظر: (٦/ ٢٤٩، ٢٥٢) من نفس الكتاب.
• تقليد المجتهد لمثله قبل الاجتهاد في الواقعة
قال الزركشي في المذهب السادس - وهو أنه يقلد من هو أعلم منه، ولا
стр. 344
يقلد من هو مثله: «ونقله القاضي في التَّقريب، والروياني عن محمد بن الحسن، وكذا إلكيا. قال: وربَّما قال: إنَّهما سواءٌ، وعن هذا أوجب قوم تقليد الصحابة؛ لأنهم أعلم». «البحر المحيط» (٦/ ٢٨٦).
• التقليد في أصول الدين
نقل الزركشي عن إلكيا من تعليقته في مسألة: التقليد في أصول الدين إجماع أصحابه على أنَّ المقلدين مؤمنون، وإنما الخلاف في أنهم عارفون بالأدلة.
«وإِنَّما قصرت عباراتهم عن أدائها، أو أنهم مؤمنون غير عالمين؛ فإنَّ العلم معرفة المعلوم على وجه لا يمكن الانفكاك عنه، وإذا جرت شبهة لا يرتاع لها، وهذا منتف في حقهم.
* فإن قيل: كيف يكونون مؤمنين غير عارفين؟
• قلنا: لأنَّ الله لم يوجب عليهم غير هذا القدر؛ فإنَّ النبي ﷺ كان يكتفي من الأعراب بالتصديق مع العلم بقصورهم عن معرفة النَّظَرِ والأدلة». «تشنيف المسامع» (٤/ ٨٦).
• حكم انتقال المقلّد من مذهب إلى آخر
قال الزركشي: «وقال الكيا - بعد أن قرر منع الانتقال: الواحد منا لا يأخذ بمذهب الصحابة إذا كان مقلّداً، بل يأخذ بمذهب الشافعي أو غيره من أرباب المذاهب، من حيث إنَّ الأصول التي وضعها أبو بكر لا تفي بمجامع المسائل. وأما الأصول التي وضعها الشافعي وأبو حنيفة، فهي وافية بها. فلو قلنا بتقليد
стр. 345
الصديق في حكم، لزم أن يُرجع إليه في حكم آخر، وقد لا يجده». «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٠ - ٢٩١).
• حكم البحث عن الأعلم في الاستفتاء
قال الزركشي:
* «إذا لم يكن هناك إلَّا مُفت واحد، تعينت مراجعته.
* وإن كانوا جماعة؛ فهل يلزمه النظر في الأعلم؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ عليه اجتهادًا آخر في طلبه؛ لأنه يتوصل إليه بالسماع من الثقات ولا يشق عليه، وصححه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وإلكيا».
ثُمَّ قال الزركشي: «قال إلكيا: ويحتمل أن يقال: إنَّما يجب عند اختلاف الرأيين؛ فإن لم يظهر، فلا يجب الأفضل». «البحر المحيط» (٦/ ٣١١).
• إعمال الخاطر في الترجيح بين المفتيين إذا تساويا في ظنه
قال الزركشي: «قال إلكيا: إن تساويا في ظنّه، ولا ترجيح؛ اختلف فيه:
- فقيل: يحكم بخاطره، وهو قول أصحاب الإلهام.
- وقيل: يتعين عليه التعليق بعلم الأدلة العقليَّة بتلك الواقعة؛ ليكون بانيًا على اجتهاد نفسه.
- وقيل: يتوقف في ذلك». «البحر المحيط» (٦/ ٣١٥).
стр. 346
ونقل أيضًا في مسألة: إذا أفتاه مجتهدان بحكمين مختلفين واستويا في ظنّه ولم يترجح أحدهما على الآخر؛ فقد حكى الخلاف في المسألة، وقال: «إنَّه يلتفت على أنَّ الإلهام أهو حُجَّةٌ أم لا؟
فمن اعتبره: حَكَّم الخاطر، وإلا فلا». «سلاسل الذهب» (ص ٤٥٢).
• حكم التخير بين المذاهب في آحاد المسائل
قال الزركشي: «قال إلكيا: أما اتباع الشافعي أو أبي حنيفة على التّخيير من غير اجتهاد مع اختلاف مذاهبهم؛ فاختلفوا فيه:
- فقيل: يجوز، كما يتبع مجتهدي العصر في آحاد المسائل.
- وقيل: لا يجوز من حيث إمكان درك التناقض». «البحر المحيط» (٦/ ٣١٣).
• هل يجب على العامي أن يقلد مذهبًا معينا؟
نقل الزركشي عن الكيا أنه قال: «يجب عليه، ويلزمه أن يختار مذهبًا يقلّده في كل شيء، وليس له التمذهب بمجرد التشهي». انظر: «المجموع شرح المذهب» (١/ ٥٥)، «سلاسل الذهب» (ص ٤٥٤)، «تشنيف المسامع» (٤/ ٧٨).
• العامي إذا اتبع مجتهداً ثُمَّ مات، وفي العصر مجتهد آخر
فقيل: عليه اتِّباعُ مَنْ عاصره؛ فإنَّ نظره أولى من نظر الميت. قال إلكيا: «وهذا ليس مقطوعاً به؛ فإنَّا نعلم أنَّ محمد بن الحسن من المجتهدين، وما كلّف الناس باتباع مذهبه بعد أبي حنيفة، فإذن؛ الاختيار مفوض إلى العامي في القبول». «البحر المحيط» (٦/ ٣٢٧).
стр. 347
القسم الثاني الاختيارات
стр. 348
• العلم الحاصل عقيب النَّظر؛ هل هو ضروري أم نظري؟
اختار إلكيا في مسألة العلم الحاصل عقب النَّظر أنَّه ضروري. «البحر المحيط» (١/¬٤٧).
• هل تتفاوت العلوم؟
اختار إلكيا الهراسي في كتاب الترجيح عدم تفاوت العلوم، وأنَّ التَّفاوت إنَّما هو بحسب المتعلقات. «البحر المحيط» (١/ ٥٥).
• إذا ثبت الوجوب في شيء، ثُمَّ نُسخ الوجوب، فهل تبقى الإباحة أم لا؟
اختار إلكيا أنَّه لا تبقى الإباحة التي تثبت في ضمن الوجوب، بل يرجع الأمر إلى ما كان قبله من تحريم أو إباحة، وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن؛ إلا أن يأتي ما يدلُّ على الإباحة. «البحر المحيط» (١/ ٢٣٣).
• وجوب الصوم على أهل الأعذار
نقل الزركشي في معنى وجوب الصوم على الحائض حكاية إلكيا الطَّبَرِيِّ أنَّ وجوبه عليها بمعنى ترتبه في ذِمَّتها، لا وجوب أدائه؛ ولهذا يسمى ما تؤديه بعد الحيض قضاء. «البحر المحيط» (١/ ٢٤٠).
• هل المندوب مأمور به؟
نقل الزركشي عن الكيا اختياره بأنَّ المندوب ليس مأمورا به حقيقةً، بل مجازا. «البحر المحيط» (١/ ٢٨٦).
стр. 349
• ثبوت المجاز في اللغة
نقل الزركشي عن الكيا الطبري أن الخلاف بين الأستاذ والجمهور لفظي؛ إذ هو لا ينكر استعمال الأسد للشجاع وأمثاله، بل يشترط في ذلك القرينة، ويسميه حينئذ حقيقةً، ولكن ينكر تسميته مجازاً. «البحر المحيط» (٢/ ١٨٠).
• الخلاف في تسمية المجاز بالنقصان مجازاً كقوله تعالى: «واسأل القرية»
يرى إلكيا أنَّ الخلاف في هذه المسألة لفظي، ولا خلاف في المعنى.
وحاصل الخلاف: أنَّ المضمر؛ هل هو سبب التجوز أو محل التجوز؟ وطريقة البيانيين تقتضي الثاني. «البحر المحيط» (٢/ ٢٠٨).
• استعمال «إنما» في الحصر
نقل الزركشي موافقة إلكيا الطبري للقاضي في أنها ظاهرة في الحصر، وتحتمل التأكيد. «البحر المحيط» (٢/ ٣٢٥). وانظر: «تشنيف المسامع» (٢/ ٩٨).
• هل يجب العمل بالعام قبل البحث عن مخصص؟
نقل الزركشي عن إلكيا في المدارك أنه حكى الخلاف فيها، وأنه نقل موافقة ابن سريج لمن يقول إنه لا يسوغ اعتقاد العموم إلا بعد النظر في الأدلة. «البحر المحيط» (٣/¬٣٧).
• فرع مرتب على المسألة السابقة
وهو تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة:
- فمن ذهب إلى الاقتضاء بنفس السماع، قال: لا يجوز أن يتأخر عنه بيان
стр. 350
الخصوص إن كان ثَمَّ مراد.
- ومن أبى المبادرة إلى الإمضاء جوزه. قال الزركشي: «وكذا قال إلكيا الهراسي». «البحر المحيط» (٣/¬٤٦).
• الفرق بين عموم الجمع وعموم اسم الجمع
نقل الزركشي عن إلكيا أنَّ الجمع ممّا يعم بصيغته ومعناه، واسم الجمع ممّا يعم بمعناه لا بصيغته. «البحر المحيط» (٣/ ٩٥).
• القول في إفادة اسم الجنس لاستغراق الجنس إذا دخلت عليه «ال»، ولم يرد به معهود
نقل الزركشي تصحيح إلكيا لهذا القول. «البحر المحيط» (٣/ ٩٨).
• اللفظ العام؛ هل يُصرف عن عمومه إذا خرج على جهة المدح أو الذم؟
نقل الزركشي خلاف العلماء على قولين، ثم نقل تصحيح إلكيا للقول بأنه لا يقتضي العموم. «البحر المحيط» (٣/ ١٩٥).
• نوع الخلاف في استثناء الأكثر
نقل الزركشي تصريح إلكيا بأنَّ العرب لم تستعمل استثناء الأكثر، وأنَّ الخلاف في المسألة لفظي. «البحر المحيط» (٣/ ٢٩٢).
• إثبات مفهوم الحال، وأنه مستقل عن مفهوم الصَّفَة
نقل الزركشي أنَّ إلكيا ذكر هذا المفهوم، وفصله عن مفهوم الصَّفَة، ومثل
стр. 351
له بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. «البحر المحيط» (٤/¬٤٤).
• تعليق الحكم بـ: «إنْ»
نقل الآمدي في مسألة: الحكم المعلق على شيء بكلمة (إن)، هل الحكم على العدم عند عدم ذلك الشيء أو لا؟ أنَّ إلكيا الهراسي يقول بأن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط. «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ١٤٥٢).
• هل قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ تختص بكلام الشارع؟
نقل الزركشي في مسألة: أنَّ قواعد أصول الفقه المتعلقة بالألفاظ - كالعموم والخصوص وغير ذلك - هل تختص بكلام الشارع أو تجري في كلام الآدمي، أنه حكى الخلاف فيها، ثُمَّ قال بعدها: والرَّاجح الاختصاص. «تشنيف المسامع» (٢/ ٨٤).
• هل يجوز أن يجمع على شيء سبق خلافه؟
نقل الزركشي عن الكيا أن حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف ــ بأن يختلف أهل العصر على قولين في مسألة لم يقع الإجماع منهم على أحدهما ـ، متفرع على جواز صدوره عن الاجتهاد. «البحر المحيط» (٤/ ٥٣٠).
• القياس من أصول الفقه
ذكر الزركشي أنَّ القياس من أصول الفقه، أي: من أدلته، وأنه خالف في ذلك إمام الحرمين، والغزالي والكيا، ثُمَّ ذكر أنَّ مآخذهم مختلفة، فبين مأخذ إمام الحرمين والغزالي، ولم يذكر مأخذ إلكيا في النسخة التي بين أيدينا. «البحر المحيط» (٥/¬٢٧).
стр. 352
• اختلفوا في المعلول ما هو؟
نقل الزركشي عن الجمهور أنَّ المعلول هو الحكم، لا نفس المحكوم فيه، كالمدلول حكم الدليل، وكذا المعلول حكم العلة، وحكاه الشيخ أبو إسحاق وسليم عن أبي بكر القفال وصححاه، وكذا الكيا الطَّبَرِيُّ. «البحر المحيط» (٥/ ١٢١).
• انقسام العلَّة باعتبار عملها في الابتداء والدوام
قسم الزركشي هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام، فذكر في الثاني منها: ما تكون عِلَّةً للابتداء دون الاستدامة، كالعِدَّة والرَّدَّة، هما عِلتان في منع ابتداء النكاح دون استدامته، ثُمَّ بين الزركشي أنَّ إلكيا وغيره من الأصوليين أثبتوا هذا القسم. «البحر المحيط» (٥/ ١٧٣).
• اشتراط الوصف الموماً إليه للحكم في أقسام الإيماء والتنبيه
ذكر الزركشي أنَّ إلكيا اختار القول بعدم الاشتراط. «البحر المحيط» (٥/ ٢٠٣).
• الاختلاف في التعليل بالدوران، وهو المسمى بالطَّرد والعكس
وأصل الخلاف - كما قال إلكيا - مبني على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين، ووجهه أنَّه من جوز ذلك، لا يشترط العكس؛ لجواز أن تخلف العلة السببية على عِلَّةٍ أخرى؛ ومَن منع اشتراطه؛ لأنَّه لا يجوز أن تخلف العلة السببية علة أخرى، فلا بُدَّ إِذَنْ من انتفاء الحكم. «سلاسل الذهب» (ص ٣٨٧ - ٣٨٨).
• إذا قال الفقيه: بحثتُ وفحصت، فلم أظفر بالدليل؛ هل يقبل منه ويكون الاستدلال بعدم الدليل؟
قال الزركشي: «قال ابن برهان في الأوسط:
стр. 353
* «إن صدر هذا عن المجتهد في باب الاجتهاد والفتوى قبل منه،
* أو في محل المناظرة: لا يُقبل؛ لأن قوله: "بحثت فلم أظفر " يصلح أن يكون عذرًا بينه وبين الله تعالى؛ أما انتهاضه في حق خصمه فلا؛ لأنه يدعو نفسه إلى مذهب خصمه. وقوله: "لم أظفر به " إظهار عجز، ولا يحسن قبوله، فيجب على خصمه إظهار الدليل إن كان.
وهذا التفصيل هو حاصل ما ذكره إلكيا - على طول فيه ـ، بعد أن قيد الجواز عدم التعلق بالدليل بشرط الإحاطة بمآخذ الأدلة؛ إما من جهة العبارة أو غيرها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾، فجعل عدم الوحي في الأمر دليلا؛ إذ هو عالم بالعدم». «البحر المحيط» (٦/¬٣٦ - ٣٧).
* هل يجوز أن يقول الله لنبيه: «احكم فإنك لا تحكم إلا بالحقِّ»؟
قال الزركشي: «يجوز أن يقال لنبي أو مجتهد: احكم بما شئت من غير اجتهاد فهو صواب، أي فهو حكمي في عبادي؛ إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب، ويكون قوله إذ ذاك من جملة المدارك الشرعية، ويسمى: التفويض، قاله القاضي في التقريب، وتبعه جماعةٌ؛ منهم إلكيا». «البحر المحيط» (٦/¬٤٨).
* نقل المذاهب في مسألة حكم التعادل في نفس الأمر
التعادل الذهني حكمه: الوقف، أو التساقط، أو الرجوع إلى غيرهما.
وأما التعادل في نفس الأمر؛ فإن قلنا بالجواز وتعادلا، وعجز المجتهد عن الترجيح وتحير ولم يجد دليلا آخر؛ فاختلفوا على مذاهب:
أحدها: أنه يتخير، وبه قال الجُبَّائي وابنه أبو هاشم، قال إلكيا: «وسويا في
стр. 354
ذلك بين تعارض الخبرين والقياسين». «البحر المحيط» (٦/ ١١٥).
والثاني: التساقط كالبينتين إذا تعارضتا، ويُطلب الحكم من موضع آخر، ويُرجع إلى العموم أو إلى البراءة الأصلية، نقله إلكيا عن القاضي. «البحر المحيط» (٦/ ١١٥).
والتاسع: أنه كالحكم قبل ورود الشرع، فتجيء فيه الأقوال المشهورة، حكاه الكيا الطَّبَرِيُّ. «البحر المحيط» (٦/ ١١٦).
• الترجيح بين العلل
قال الزركشي: «إذا كانت إحدى العلتين ناقلةً عن حكم العقل، والأخرى مقررة على الأصل:
- فالناقلة أولى على الصحيح، كما قاله الغزالي، وابن السمعاني، وغيرهما؛ لأنَّ الناقلة أثبتت حكماً شرعيا، والمقررة ما أثبتت شيئًا.
- ومنهم من قال: المبقية أولى، لاعتضادها بحكم العقل المستقل بالنفي لولا هذه العلة.
… قال الأستاذ أبو منصور: ذهب أكثر أصحابنا إلى ترجيح الناقلة عن العادة، وبه جزم الكيا». «البحر المحيط» (٦/ ١٩١).
• شروط المجتهد الفقيه
نقل الزركشي ضمن شروط المجتهد الفقيه عن إلكيا أن يكون فيه الفطنة والذكاء؛ ليصل بهما إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق؛ فإن قلت
стр. 355
فيه الفطنة والذكاء: لم يصح.
وقال أيضا: «وشرط الأستاذ أبو منصور، والغزالي، وإلكيا، وغيرهم العدالة بالنسبة إلى جواز الاعتماد على قوله. قالوا: وأما هو في نفسه إذا كان عالما، فله أن يجتهد لنفسه، ويأخذ باجتهاده لنفسه؛ فالعدالة شرط لقبول الفتوى، لا لصحة الاجتهاد». «البحر المحيط» (٦/ ٢٠٤).
• توجيه مذهب القاضي في تسمية قبول العامي قول العالم تقليدًا
نقل إلكيا توجيهه لقول القاضي أبي بكر في أن قبول العامي قول العالم ليس بتقليد؛ لأنه يستند إلى حُجَّةٍ قاطعة - وهو الإجماع ـ، حيث قال: «وهو متجه والأمر فيه قريب». «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٩).
• من قلد بعض الأئمة، ثُمَّ ارتفع قليلًا إلى درجة الفهم والاستبصار؛ فإذا رأى حديثا محتجا به يخالف رأي إمامه وقال به قوم، فهل له الاجتهاد؟
قال الزركشي: «وفي ذلك أطلق إلكيا الطَّبَرِيُّ، وابن برهان في الوجيز أنَّه يجب عليه الأخذ بالحديث؛ لأنَّه مذهب الشافعي، فقد قال: إذا رأيتم قولي بخلاف قول النبي ﷺ ، فخذوا به، ودعوا قولي». «البحر المحيط» (٦/ ٢٩٣).
الإفتاء بالحديث
• قال الإمام النووي: «صح عن الشافعي ﵀ أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ، ودعوا قولي …
وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة: التثويب واشتراط التحلل من الإحرام
следующие страницы →