← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30164

الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول

ابن المُنَيِّر

Полный текст (347 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

• مَسْأَلَةٌ (١): قال القاضي: أقطعُ بِرَدّ ما لم يتناوله الإجماع من (٢) أنواع الأخبار؛ للقطع بعدم الدليل. والمختار الاجتهاد ردًّا وقبولا، بدليل قبول بعض الصحابة خبرا ردَّه (٣) البعض، ولا نكير. • مَسْأَلَةٌ (٤): الصحابةُ عُدُولٌ بلا بحث: * بتعديل القرآن، كآية بيعة الرضوان؛ * وبتعديل النبي ﷺ ، بدليل اعتماده عليهم رُسُلًا وحُكَامًا، والسَّببُ: الصحبة، فيعم (٥). * وابنُ عُمَرَ مدحه جبريل (٦)، وأبو هريرة ولاه عُمَرُ (٧). واختلافهم في الفتن باجتهاد شرعي، وتجريح بعض الخائضينَ: مُشْتَرَكُ

стр. 177

الإلزام، واللازم - وهو تجريح الجميع - محال، فإِنْ تَأَوَّلَ (١) لمن عدَّل (٢)، فالتَّأويل مشترك الجواب (٣)، واللَّازم تعديل الجميع، وهو الحقُّ. * قالوا: التَّأويل احتمال؛ فالوقف. * قلنا: باطل بالإجماع، ويُفضي إلى محال، وهو انحصار الشريعة على زمن الرسول؛ إذ خَلَلُ النَّقَلَةِ يُوجِبُ (٤) خَلَلَ المنقول. فَصْلٌ (٥) الإرسال: «حذف الواسطة أو إبهامها»، كقول التّابعي (٦): «قال رسول الله ﷺ »، أو عن مُخْبِرٍ، أو عن كتاب رسول الله. قَبِلَهُ أبو حنيفة، ورَدَّهُ الشَّافعي. القَابِلُ (٧): لو لم يثق به لما جَزَمَ، وهو آكد من التعيين؛ إذ هو تفويض، وقد قُبلت أخبار من بلغ بعد النَّبيِّ ﷺ ، وأكثرها مراسيل.

стр. 178

رُدَّ بأنَّ إرسالها محتمل، فلا (١) يُقاس عليه المُحَقَّقُ - لو ساغ القياس -. الرَّادُّ: الواسطة مجهول، والعدالة شرط القبول. والمختار: قبول مثل: «أخبرني عَدْلٌ»، و «قال رسول الله ﷺ » للثقة، والمعتبرُ أصلها، لا أعلاها، ورَدُّ مثل: «أخبرني رجل»؛ لانخرامها. وللشافعي تلويح بقبول المرسل القوي؛ لأنَّه قال: «مراسيل ابن المسيب حسنة» (٢)، وقال: «المرسل المعمول به مقبول» (٣). وتعقبه القاضي، فقال: إِنْ حَسُنَتْ مَرَاسِيلُ ابْنُ المسيَّبِ؛ لأنَّ غيره أسندها فالمعتبر الإسناد؛ وإلا فتحكم والعمل إن كان إجماعاً، فهو المستند؛ وإِلَّا فَلَغْوُ. فَصْلٌ فِي مَرَاتِبِ التَّحَوُّلِ (٤) * السماع منه، * ثُمَّ عليه، وهو متيقظ، وسكوته كافٍ مع القرائن. ثُمَّ إن كان حافظاً: فذلك الغاية، وإلا فنُسخة مصححة بيده (٥)، وتردد

стр. 179

القاضي إذا أمسكها عدل؛ وأما حيثُ لا حفظ ولا نسخة، فوجود كالعدم. فَصْلٌ (١) الإجازة: تحميل جُمْلِي، فتُعتبر (٢) الثقة، وهي أَحَطُّ مِنْ السَّماعِ، وأعلاها الإشارة إلى نسخة، والإذن في نقلها عنه، ناولها أم لا. فإن قال: «ارْوِ عَنِّي ما صح أنّي رويته» فمقبول، وعلى المتحمّل البحثُ، ولا يعتمد على خط يتضمن سماع الشيخ. ثُمَّ الأولى أن يقول المُجَازُ: «أخبرني إجازة»؛ ولو أطلق لصدق. • مَسْأَلَةٌ (٣): يجب العمل بما في كتب الصحاح على من لم يروها عن شيخ، وعلى من نقل له العدل عنها؛ أما أن يروي فلا. ومستند العمل: الإجماع على العمل بكتبه ﵇ على (٤) المكتوب إليهم وغيرهم وإن لم يسمعها من مُسمِعٍ.

стр. 180

• مَسْأَلَةٌ (١): قولُ الصَّحابيِّ: «مِنْ السُّنَّةِ»، أو: «أُمِرْنا» كالنَّقل، فيُقبل (٢). وقيل: يحتمل (٣) الاجتهاد، فيُرَدُّ. • مَسْأَلَةٌ (٤): إنكار رواية الفرع: قيل: قادح. وقيل: لا. وقيل: إن بَتَّ النَّفْي فقادح. الرَّادُّ: يخرمُ الثِّقَةَ، وهي المعتبرة؛ وبأنَّ مثله في الشهادة قادح. وفُرِّقَ: بضيق بابِ الشَّهادةِ، ويشهد له بالاعتبار: ردُّ شهادة الفرع مع وجود الأصل، وردُّ شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف الرواية فيهما. المفصِّلُ: اعتبر الثقة وجودًا وعدماً. والمختارُ: القبول إن لم يبتَ النَّفْي، والتعارض إن بَتَّهُ.

стр. 181

• مَسْأَلَةٌ (١): يجوز نقل الحديث بالمعنى للعارفِ، باللّفظِ المرادِفِ (٢). والحُجَّةُ: * اختلاف ألفاظ الصحابة في القضيَّة (٣) الواحدة، * وترديدهم العبارات لإفهام البليد، * وإضراب الشارع عن تكليفهم حفظ الألفاظ، * وإضرابهم عن حفظها إلا أن يُتعبد بذلك لخصوصية - كالتَّشَهدِ .. * ولأنه من لوازم التبليغ إلى العَجَمِ بالترجمة. المخالِفُ: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأَ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَذَاهَا كَمَا سَمِعَهَا» (٤). قيل بموجبه: والنَّقل بالمعنى تأدية، ومراد الحديث: نهي غير العارف؛

стр. 182

بإشارة: «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهِ غَيْرِ فَقِيهِ». • مَسْأَلَةٌ (١): نَقْلُ بعض الحديث: ثالثها - المختار -: يجوز ما لم يُوهِمْ. ومثلت (٢) بحديثين: * أحدهما: قول ابن مسعود (٣): أتيته بحجرين وروثة يستنجي بها، فرمى بالروثة، وقال: «إِنَّهَا رِجْسٌ»، والمحذوف: «ابْغَ لِي ثَالِثا»، فذكرُ الحديث - ابتداءً - محذوفًا يُوهم الاكتفاء بالحجرين؛ فيمتنع. وذكره احتجاجًا على نجاسةِ الرّوثة (٤) يجوز؛ لسلامته من الإيهام. * الحديث الثاني: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِرًا» (٥)، ويقابله: «البِكْرُ بِالبِكْرِ: جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ: جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (٦). قال الشافعي: حديث ماعز ناسخ؛ إذ لو جلده لنقل.

стр. 183

قيل: لعله جلده، واختصر الراوي، فلا يُنسخ بالسكوت. سلَّمَه الشافعي - وهو تسليم لجواز الاختصار ـ، ورجع للاحتجاج بقوله في طريق آخَرَ: «رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ» (١)، فيُنسخ (٢) النَّصُّ بالنَّصّ. وانتصر القاضي للشافعي بالإجماع على ترك الجلد. وهو مردودٌ؛ فإنَّ الخلاف موجود، ثُمَّ غلط القاضي راوي الجَلدِ والرَّجمِ بالاستبعاد، واعتذر له بأنه سمع الجلد في البكر، فاطرد على ذكره في الثيِّبِ. والصحيحُ: أنَّ الاستبعاد لا يوجبُ الرَّدَّ، وإن أعان المؤوّل. • مَسْأَلَةٌ (٣): زيادةُ العَدلِ: قَبلَهَا الشَّافعي، وردَّها أبو حنيفة. القابلُ: المقتضي - (وهو العدالة) (٤) - موجود، والسُّكوتُ غير معارض، كانفراده بأصل الحديث عن الحاضرين، ولو قَدَحَ: لرُدَّ معظم الأخبار. وانفراد العدلِ بالزِّيادةِ في الشهادة مقبول، فالرواية أولى.

стр. 184

وناقض أبو حنيفة، فَقَبِلَ القِرَاءةَ الشَّاذَّةَ، وهي أولى بالرد. والحقُّ: أَنَّ السَّاكِتَ عنها، إن نفاها فمعارض؛ وإلَّا قُبلت. • مَسْأَلَةٌ (١): عموم البلوى لا يوجب التواتر - عادةً ـ، خلافًا لأبي حنيفة، فلذلك (٢) قَبِلْنا فيه خَبَرَ الواحدِ، وَرَدَّهُ. ولو وجب تواتر وقوعه: لوجب تواتر عدم وقوعه، واللازم باطل. • مَسْأَلَةٌ (٣): القراءةُ الشَّاذَّةُ ليست حُجَّةً، خلافًا لأبي حنيفة: * لأنها لو كانت قرآنا: لتواترت بالعادة. * ولأنَّ الصَّحابة اطرحت غير العثماني - إجماعاً .. وابن مسعود محجوج بالعادة - قطعا (٤)، ولذلك انعقد الإجماع بدونه.

стр. 185

كِتَابُ الإِجْمَاعِ (١) والكلام في إمكانه ووقوعه والعلم به. • مَسْأَلَةٌ (٢): الإجماع يقع ويُعلَمُ. وقيل: مستحيل عادةً: * للانْتِشار، ولتَنائِي الدِّيار، ولتَبايُن الأفكار. * ثُمَّ لو وقع: فلا يُعلم عادةً؛ إذ هو تفصيلي، لا تتوفر الدواعي على نقله؛ ولو توفّرت، فيحتمل رجوعُ الأَوَّلِ عند فتوى الآخِرِ. المجوز: * قد أجمع الكفَّارُ على الباطل، فكيف لا يُجمع المسلمون على الحقِّ؟! وقد وقع إجماع أصحاب الشافعي على مذهبه. * ويُتصور للإمام الأعظم جمع العلماء في مجلس، واستنطاقهم به دفعةً.

стр. 186

والحق: وقوعه حيث تُستَحثُ (١) الدواعي إليه كالكُلِّيَّاتِ، وتعدُّرُه (٢) في الجُزْئِيَّاتِ الظَّنِّيَّاتِ إِلَّا في عصرِ الصَّحابة؛ لاجتماعهم أو تقاربهم. • مَسْأَلَةٌ (٣): وهو حُجَّةٌ، خلافًا للنَّظامِ، والروافض. واستدلَّ الشَّافعي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ … الآية (٤). واعترض: بظهورها في المشاقَّة في الإيمان أو احتمال ذلك، والمسألة قطعية. القاضي: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (٥)، ومعناه متواتر بألفاظ مختلفة. ومنع التواتر.

стр. 187

* قالوا: مقبول (١) إجماعاً. * قلنا: دَور. والمختار: القطع عادةً؛ بدلالة قطعهم في الظَّنِّيَّاتِ على قاطع جَمَعَهُمْ؛ إذ لولاه لتشعبتِ الظُّنُونُ - عادةً -، وهو الحُجَّةُ؛ فإن أجمعوا مصرحين بالظَّنِّ، فقد علمنا تبكيتَ الصَّحابة للمخالفِ - والحالة هذه - قطعا إجماعاً، وذلك دليل - عادةً - على القاطع لما تقدَّم. فصل (٢) المعتبر: العلماء المتمكنون في الأصول والفروع، لا العوام، ولا المُتمكِّنُ في أحدهما المخضرم (٣) في الآخر، خلافًا - للقاضي - في الأصولي الماهر المخضرم في الفروعِ. لنا: مقلد اتفاقا كالعامي. فرق القاضي (بإشعار خلافه) (٤) بمستند، وقد دَاخَلَ ابنُ عَبَّاسٍ جِلَّةَ

стр. 188

الصَّحابة بالرَّأيِ قبل بلوغ رتبة الاجتهاد، فأقروه. رد: بالمنع، بل ما خَالَفَ وأُقِرَّ إِلَّا وهو مجتهد. *مَسْأَلَةٌ (١): خِلافُ الفاسق المجتهدِ مُطَّرَحُ (٢)؛ لأنَّ فتواه رُدَّتْ للشَّكِّ (٣) في صدقه؛ فإذا اطَّرِحَ موافقا، اطَّرِحَ مخالفًا. وعُورِض: لَزِمَتْهُ فتواه وإن خالفت، فليس الإجماع حُجَّةً عليه، فلا يكون حُجَّةً مطلقا؛ وإلا لزم التبعيض. والحقُّ: أنَّ الفاسق كالغائب وتوبته أَوْبَتُه، والكافر ساقط، والمبتدع إن كفرناه فكذلك؛ وإلَّا اعتبر. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): قيل: لا يجوز انحطاط العلماء عن عدد التواتر؛ ضرورة الضمان لحفظ الشريعة.

стр. 189

وقيل: يجوز إلى واحدٍ، فيكون حُجَّةً. والحق: الجواز، ولا يكون حُجَّةً؛ لأنَّ دلالة العادة على العصمة معروفة بعدد التواتر. *** * مَسْأَلَةٌ (١): * قيل: باشتراط انقراض العصر - حتّى لو فاجأتهم المنية: انعقد ـ، ولو طالت الحياة، ورجع أحدهم، أو طرأ مجتهد: روجع - لكن لا يُشترط موتُ الطَّارئ (٢)؛ لئلا يتعذَّرَ الإجماع، وقيل: يُشترط (٣)، ودَعْ «يتعذر» ـ؛ ولهذا خالف ابن عبّاس (٤) بعد أن بلغ رتبة الاجتهاد، وما كان وقت اتفاقهم مجتهداً. ورُدَّ بالمنع، وقد تقدَّم. * وقيل: ينعقد على الفور؛ فالرَّاجِعُ، والطَّارى المخالف خارقٌ.

стр. 190

* و شَرَطَهُ الأستاذ في السُّكوتي. * والمختارُ: إن قطعوا، انعقد على الفور؛ وإن ظنُّوا: اعتبر من طول الزمان ما تُحيل العادة استقرار الجم الغفير فيه على رأي إلا وقد بلغ القطع أو كاد. *** * مَسْأَلَةٌ (١): الإجماعُ السُّكوتي حُجَّةٌ؛ لثبوتِ العصمة للأُمة، فسكوتُهم تقرير كسكوت النَّبيِّ. وقيل: لا، ولا يُنسب إلى ساكت قول، والتنظير بالنبي قياس، والمسألة قطعية، والفرق أنَّ الحقَّ عتيد عنده (٢)؛ لأنه بمرصاد الوحي، وهم متوقفون على النظر، فلعلهم في مهلته: فسكتوا (٣)، أو رأوها اجتهاديةً: فسوغوا. ومن أمثلتها: * استدلال الحنفية في توريث المبتوتة في المرض بتوريث عثمان تماضر زوجة عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوف (٤).

стр. 191

* واستدلالهم على ترك انتظارهم الأطفال في القصاص: بقتل الحسن بن عليٍّ عبد الرَّحمنِ بنَ مُلجَم (١) وفيهم صبيان (٢)، وقد سكت المعاصرون فيهما. ومنعوا في الأُولَى (٣) بلوغ الحكم لسائر المعاصرين؛ إذ هي جُزْئِيَّةٌ؛ أو بلغهم وأنكر مُنْكِرٌ ولم يُنقل؛ أو نُقل ودَرَسَ. ولا سبيل إلى إنكار الانتشار في الثانية؛ لعظمة القضيَّةِ، بل لعل مُنكرًا أنكر؛ أو لعل السكوت تفويض للإمام. * قالوا: لو لم يكن السُّكوتُ وفاقًا، لأُبْدِي الخلاف إذا طال الزمانُ. * قلنا: ولو كان وفاقًا لأُبْدِي الوفاق بعين ما ذكرتم. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): إحداث قول ثالث خرق للإجماع. وقيل: لا. لنا: اطرحوا الثالث اتفاقًا؛ إما قطعًا أو ظنًا، والظَّنِّيُّ إجماع بشرط طول الزَّمانِ كما تقدَّم، وههنا أطول.

стр. 192

* قالوا: سَوَّغُوا (١) الخلاف. * قلنا: فيهما. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): اتفاق المختلفين المتُعاصرين إجماع؛ وقيل: لا. واتِّفاقُ من بعدهم أولى ألا يكون إجماعاً؛ وقيل: إجماع. حُجَّةُ الاختلاف: أجمع المختلفون على تجويز الخلاف، فلو كان الاتفاق الثاني إجماعاً (يمنع الخلاف) (٣)، لتعارضا. حُجَّةُ الإجماع: أجمعوا الآن، فتناولتهم الأدلة كواقعة أخرى، واختلافهم قبل الاتِّفاقِ: كالتَّرَدُّدِ قبل الاستقرار، ومن ثَمَّ جاء المختار: إن قَصُرَ زمان الاختلافِ، فهو كالتَّرَدُّدِ، فالثَّاني إجماع، وإن طال: استقر الإجماع الضمني على الخلاف، فاستحال الإجماع؛ على أنَّ الرجوع عن مذهب طالَ الذَّبُّ عنه بعيد إلا لقاطع. فإن صرحوا بالظَّنَّ لم تستتب دعوى تبكيت المخالفِ والحالة هذه، فليس بإجماع. أمَّا اتَّفاقُ العصر الثاني:

стр. 193

فالمختار: أنه ليس بإجماع، والمنقرضون كالحضور، ولا تموت المذاهب بموتِ أربابها. *** * مَسْأَلَةٌ (١): الإجماع الفعلي حُجَّةٌ. لنا: * معصومون، فعلهم كفعل النَّبيِّ. * والقطع بأنَّ الصَّحابة لو اجتمعت على أكل طعامٍ عُدَّ مُحَرِّمُهُ خَارِقًا (٢). قالوا (٣): * بمنع (٤) العصمة إلا في الأحكام، * أو يتنزل (٥) على أنَّهم لا يجتمعون على المعصية: فلعل بعضهم عاص (٦).

стр. 194

ثُمَّ الفعل مع القرينة كالنطق (١). *** * مَسْأَلَةٌ (٢): ليس الإجماع من خصائص هذه الأُمَّةِ. وثالثها: الوقف؛ لعدم الدليل. ورابعها المختار: القطعي حُجَّةٌ بالعادة، وهي سواء (٣)، والوقف في الظَّنِّي. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): اتفاق المدينة حُجَّةٌ عند مالك. * فإن استند إلى فضل البقعة: فأجنبي، * وإن استند إلى العادة وعمم: فمردود، * وإن عنى أنه يتوقف في أخبارهم التي خالفوها لدلالة العادة على أنهم أعلم بالراجح: فقريبٌ.

стр. 195

* مَسْأَلَةٌ (١): ليس الإجماع من خصائص الصَّحابةِ. وقيل: خاص بهم. لنا: عموم الأدلَّةِ. والتخصيص كتخصيص العمل بقياس الصحابة. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): إجماع الكُلّ إلا واحدًا أو اثنين لغو، خلافًا للطبري، ووافق في الثلاثة؛ فَتَحَكَّمَ. لنا: لا تتناوله الأدِلَّةُ. *** * مَسْأَلَةٌ (٣): خارق الإجماع: * لا يَكفُرُ إن أنكر كونَه حُجَّةً.

стр. 196

* وإن اعترف به وبكونه حُجَّةً وخَرَقَ: فقد كَذَّب الشَّرْعَ، فيكفُرُ. والقاعدةُ: أَنَّ مُنكِرَ نسبةِ الطَّريقِ إلى الشَّرْعِ غَيْرُ مُكَفِّرٍ، ومُثبتَ نِسبتها إليه ومُنكِر مقتضاها مُكَفِّرُ. ***

стр. 197

كِتَابُ القِيَاسِ (١) الوقائع لا تخلو عن حكم، ولا تتناهى؛ والنُّصوص والإجماعات المتواترة والآحاد متناهية؛ فالمستوعب للوقائع: القياس وما يتعلق به من وجوه النظر، فهو أحقُّ الأصول بعنايةِ الطَّالبِ. * القول في ماهيته (٢): الحد الحقيقي مُتَعَدِّرُ، لاشتماله على حقائق مختلفات، والرسمي ممكن. * وأقربه وأكمله: «حمل معلوم على معلوم، في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، لجامع بينهما، من (٣) إثبات حكم أو صفة (٤) أو نفيهما». فالحمل (٥): الاعتبار. والمعلوم: يشمل الموجود والمعدوم. والباقي (٦): تنويع (٧) للحكم والجامع.

стр. 198

* وقيل: «رَدُّ فرع إلى أصل بجامع»؛ فأَخَلَّ بالتنويع. * وقيل: «حَمْلُ الشَّيء على الشَّيء لإثبات حُكْمِ بوجهِ شَبَه»؛ فأَخَلَّ بالتنويع وبالمعدوم. * وقيل: «إصابة الحق». * وقيل: «الاجتهاد في طلب الحق». وكلاهما بعيد من التحديد. المَقَالَاتُ فِيهِ، رَدًا وَقَبُولًا (١) قَبْلَ المحقَّقُونَ (٢): عَقْلِيَّهُ وشَرْعِيَّهُ. وقيل: بردهما. وقيل: بقبول العقلي. وقيل: وبعض الشَّرعي. وقيل: بالشرعي، والنهي عن العقلي لا لفساده، والحق (٣) فساده.

стр. 199

والمقصود ههنا الشَّرعيُّ. واختلف رَادُّوهُ: فقيل: لقُبْحِهِ ذاتا. وقيل: لمخالفة الأصلح. وقيل: لاضطرابه بحسب القرائح. وقيل: لمناقضة الشَّرع له؛ كالعاقلة، وذبح البهائم، واسترقاق الأطفال. وقيل: لنص الشَّرع. وقيل: لعدم الدليل. فالأولان فرعان لقاعدة التحسين والتقبيح، وقد بَطَلَتْ. ونَتَنَزَّلُ (١): قولهم: «قُبْحُ ذاتا؛ لأنَّه ظَنُّ يُضَادُّ العلم»، منقوض: * بالغَشْيَةِ وأخواتها، فهي أضداد للعلم، وحسنة؛ لأنَّ الله تعالى خلقها (٢)

стр. 200

* وبالشَّهادات والفتاوى؛ فإنَّها ظنون مقبولة اتفاقًا. ثُمَّ اعتماد الظَّنِّ دأب العقلاء في متاجرهم وأوطارهم وأسفارهم. قولهم: «العاقلة وأخواتها تُضَادُّهُ»: * قلنا: نادرة، والأكثر يلائمه. قولهم: «نص الشرع على إبطاله، مثل: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ (١)». * قلنا: * المراد اقتفاؤه مع إمكان اليقين. * ثُمَّ غايته الظهور. * ثُمَّ يُعارِضُ بآياتِ الاعتبار. * قالوا: زعمتم أنَّ القياس مظنون، وأنَّ وجوب العمل به معلوم؛ فناقضتم! * قلنا: معلوم بالإجماع، والقياس كالعلامة. * قالوا (٢): إن جاز كونُ الظَّنِّ علامة للعلم، فليكن علامة على الرُّؤية! (٣)

стр. 201

* قلنا: لو نصبه الشارع علامة: التزمناه. الرَّادُّ: لعدمِ الدَّليل، - كَالنَّظَّامِ -: أُجيب (١): بأنَّ الدليل عليه الإجماع؛ فقدح في الإجماع وفي الصَّحابةِ، وزعم أنهم وضعوه تتميماً لأن يُطاعوا، فَكَفَرَ. ومنهم من سلم كون الإجماع حُجَّةً، ومَنَعَ قيامه على القياس. فقرر (٢): بالاستقراء المعلوم، وأُكَدَ: بأنَّ الصَّحابة أفتوا في وقائع تزيد على المنصوصات، ولا مسلك إِلَّا القياس وفاقاً. * قالوا: رده بعضهم. * قلنا: لا نقول بتعميم القبول؛ فالرد لمعارض. واستدل: بحديث معاذ (٣)، وهو مشهور.

стр. 202

* قالوا: خبر واحد. * قلنا: معمول به إجماعاً، ولو روى عدل - كَالصِّدِّيقِ - خبرًا يوجب العمل بالقياس لقبلوه. *** * مَسْأَلَةٌ (١): اقتصر النهرواني والقاساني على المعلوم: * كإلحاق صَبّ البول في الماء بالبول فيه، وكالموماً إليه مثل: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ (٢)، و «سَهَى فَسَجَدَ» (٣)، * وكالفحوى في: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفّ﴾ (٤). وزاد الجبائي العمل بظنّ القبلة عند الإشكال، وبظن المماثلة في جزاء الصيد. أُثبِتَ على الثلاثة ما أنكروه بالإجماع؛ فإنَّ الفتاوى أكثر من النصوص

стр. 203

وممّا قبلوه. ثُمَّ إن قبلوا ما استثنوه (١)؛ لأنَّه قياسٌ: فمستندهم الإجماع، وهو عامّ؛ وإن قبلوه؛ لأنَّه لفظ: فقد جحدوا القياس وخرقوا الإجماع، وليس بلفظ؛ إذ القائل: «بع عبدي هذا؛ لأنَّه سَيِّئُ الأدب»، لم يأذن في كلِّ سَيِّئِ الأدب وفاقاً (٢). * قالوا: لو قال لولده «لا تأكل هذه الحشيشة؛ فإنَّها سُمٌّ» كان زجراً له عن كُلِّ سُمّ. * قلنا: بقرينة، والفحوى كذلك؛ فقد ورد: «حُدُّوهَا ولا تُثَرِّبُوا» (٣). فإن قيل: ليس كل نظر عندكم صحيحاً، فميِّزوه! * قلنا: أجل. ***

стр. 204

القَوْلُ فِي تَقَاسِيمِ النَّظَرِ الشَّرْعِيّ (١) وهي أربعة: الإلحاق بما في معنى الأصل، والقياسان (٢): - المعنوي والشَّبَهِيُّ ـ، والمرسل. الأول مراتب: * منها إلحاق صب البول في الماء بالبول فيه، وما أنكره إلَّا الحَشْوِيَّةُ، وهم سوفسطائيَّةُ الملَّةِ. وعُزي إلى داوود، قال القاضي: «ليس من أهل الإجماع». * ويليه إلحاق الأمة بالعبد في قوله: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدِ … » (٣)، وسبب تقدُّمه على ما بعده: إطلاق العبد عليهما، مضافًا إلى وضوح تماثلهما في الاهتمام بالعتق وفي السَّريانِ وعُسرِ التَّجزئة. * ويليه - وهو ظَنِّي - إلحاق نبيذ الزبيب بنبيذ التمر، لو صح حديث ابن مسعود (٤). وسبب تأخره: فواتُ الإطلاق اللفظي.

стр. 205

* ويليه إلحاق الزبيب بالتمر في الرّبا. وسبب تأخره: غلبة الاقتيات في التمر، بخلاف الزبيب. * ويليه إلحاق الأرز بالبر. *** * مَسْأَلَةٌ (١): لا يُشترط تعيين الجامع في: القسم الأول؛ لأنَّ المماثلة تنتظمه (٢)، حتى قيل: هو فحوى، لا قياس. والخلاف لفظي، وكونه قياسًا أظهر؛ لتقاعُد (٣) اللفظ عنه، حتَّى لو قال القائل: «مَنْ أعتق شقصاً من عبد لي، فهو حُرّ»: لم يتناول الأمة، ولو قال الشارع: «من أعتق شقصاً من عبد، قُومَ عليه دون الأَمَةِ»: لم يتناقض (٤).

стр. 206

وأما القسم الثاني: فيتعيّن فيه الجامع، وهو المناسب، وفيه يتبحَّر الفقهاء، وجُلُّ هذا الكتاب في بيان صحيحه وفاسده واعتراضاته، والأولى (١) الابتداء بتمييزه عن الطَّردِ. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): الطَّردُ ما تستوي نسبةُ النَّقيضين إليه بديهة. وهو مردود. وقيل: مقبول. وقيل: في الجدل. لنا: لا يصححه الإجماع، بل يُبطله؛ لأنهم أضربوا عنه، وأكبوا على رعاية المصالح، وهو عَرِيٌّ؛ وأيضا لا يُثير ظنًا، فالحكم به تحكم. قال القاضي: إن كان الطَّارِدُ ذا غِرَّةٍ، فجاهل؛ وإن كان ذا ممارسة، فهازئ. ومَثَلَ الحليمي فساد وضع المناسب، واستقامته، والطَّردَ: فالأوَّلُ: كمن تنسم (٣) نسيماً أَرِجًا باردا فقال: وراءه حريق. والثاني: كمن رأى دُخَانًا فقال: وراءه حريق.

стр. 207

والثالث: كمن رأى غُبَارًا، فقال: وراءه حريق. القابلُ: سَلِمَ عن النقض، فغلب على الظَّنِّ أَنَّه عِلَّةٌ (١). * قلنا: منقوض بصورة النزاع. * قالوا: اطَّرَد في غيرها. * قلنا: اطَّراد معارض، فلا ظنَّ. واستُدلَّ: لو صح، لكان العامي عالما؛ إذ لا يعجز عنه. * قالوا: يعجز عن تقرير اطراده. * قلنا: يتلقاه من العلماء، ويُفتي، وهو الهزُو بعينه. * قالوا: قُبل مِنْ الشَّارِعِ. * قلنا: لأنَّ لِلشارع أن يتحكم. * قالوا: فهو كالمناسب، لا يوجب الحكم لعينه. * قلنا: لكن الإجماع فرق بينهما. وأَمَّا مَنْ خصصه بالجدل: فمتحكم، والجدلُ لا يُصَرِّحُ الباطل. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): تقييد المناسب بطرد - ليدرأ النقض - مقبول عند الطاردين، وقَبِلَهُ

стр. 208

بعض الرادين؛ لإفادته الدرء (١)، فلا تحكم. والحق: أنَّ النَّاقضة إن فارقت المنقوضة بفقه، فالمذكورُ أوَّلاً بعض العلَّةِ، وهو مردود. وإن لم يفترقا بفقه، فالطَّرد لا يعصم، كتقييد العلة بنعيق الغراب. أما لو قيدها باسم طردي - لغةً - مناسب - عُرْفًا ـ، فالأقرب تصحيحه، كقوله: «جزء يَحُلُّهُ الطَّلاقُ في الجملة، فليَكْمُل كالشائع»؛ فإن نقض بالنكاح، اعتصم باسم الطَّلاقِ؛ لإشعاره شرعاً بسلطنة مفقودة في النكاح. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): كون الوصف عِلَّةً دعوى، فللمعترض المطالبة بدليلها. وقيل: لا، بل عليه الإبطال (٣). لنا: إلزام القبول بلا دليل احتكام، وأيضا: المستدل معترف أنه أثبتها بدليل، فليُبْدِهِ. * قالوا: عَجْزُ المعترض عن الإبطالِ دليل الصِّحَّةِ. * قلنا: المعترض انتصب للاسترشاد، فعلى المستدل الإرشاد.

стр. 209

أَدِلَّةُ العِليَّة (١) * منها: ما ارتضاه الأستاذ (٢)، وهو المناسبة، والسَّلامة من معارضة (٣) الأصول؛ لأنه حينئذ من جنس منصوبِ الصَّحابة. * قالوا: لم تنصب كُلَّ مناسب! * قلنا: المعارض، وقد شرطنا السلامة منه. * قالوا: فالمناسب إذا مضبوط، فكيف يستوعب الوقائع، وهي لا تتناهي؟! * قلنا: تنضبط؛ لأنها تتقابل (٤) نفيا وإثباتًا، كالنجس والطَّاهر؛ فالنَّجسُ يَنضبط (٥)، والطَّاهر غير منضبط، فما اقتضى القياس إلحاقه بالنجس: ألحقناه به؛ وما لم ينتظم فيه قياس: ألحقناه بالطاهر الذي لا يتناهى. ***

стр. 210

* ومنها (١): ما اعتمده الشافعي، وهو الإيماء (٢): - صريحاً، مثل (٣): ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٤). - وظاهرا، كقوله ﵇: «فَلَا إِذَا»، بعد قوله: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟» (٥)، فقالوا: نعم. فعلَّلَ مَنْعَ البيع الحاضر بالنقصان المستقبل. وقيل: إنَّما أجاب عن البيع المستقبل عند التفاوت؛ لأنَّ «إذا» تشعر بالاستقبال. (وهو مردودٌ بأنَّ المسئول عنه البيع الحاضر، وأما المتوقع عند التفاوتِ؛ فكان معلومًا بتحريم ربا التَّفاضُلِ. قولهم: «إذا» تشعر بالاستقبال) (٦). * قلنا: إذا باشرت فعلا، والسُّؤال هنا بصيغة المصدر. ثُمَّ «إذا» إنما جاءت فضلةً؛ لإفادةِ التَّعليل (٧).

стр. 211

ثم الذي استنطقوا به (١) معلوم، ففهمنا أَنَّ الغَرَض التنبيه على أنَّه العِلَّةُ. *** * ومنها (٢): تعليق الحُكم بالاسم المشتقّ، مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (٣). وشرطه المناسَبَةُ، وإِلَّا فهو كاللقَبِ؛ غيرَ أَنَّها أقوى من المناسب المُستنبَطِ؛ لأنَّ الاستنباط دليلٌ جُمْلي (٤)، والإيماء دليل خاص؛ فلو تعارضت موماً إليها ومستنبطةٌ، قدّمت المومأ إليها تقديم الخبر على القياس؛ فإن كانت المستنبطة من أصل مُوماً إليه: تعارض اللفظان؛ فالترجيح. فإن قيل: فقد تركتم إيماء: «تَوَضَّئِي؛ فَإِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ» (٥)، ومقتضاه الوضوء من الفَصد. أجيب: بأنَّ المحلَّ قَيْدٌ في العِلَّةِ ههنا. والمختار: أنَّ التعليل لنفي وجوب الغسل، لا لوجوب الوضوء. فإن قيل: وقد تركتم تعليل خيارِ المُعتَقَةِ بملكها نفسها في قوله لِبَرِيرَةَ:

стр. 212

«مَلَكْتِ نَفْسَكِ، فَاخْتَاري» (١)، ومقتضاه اختيارها تحت الحر. والجواب: منعُ الصَّحة لهذا اللفظ، ونَتَنَزَّلُ: والمراد: «ملكتِ الخيار، فاختاري»، ولا تعليل، ويحققه أنها لو ملكت نفسها للغا الخيار، وقرره القاضي فقال: «إن ملكت محلَّ النكاح، لغا الخيارُ؛ وإن ملكت غيره، فلم تختار فيه؟!». *** * ومنها (٢): السَّبُرُ والتَّقسيم، أي تتبع الأوصاف بالإبطال إلَّا المدعى؛ فيتعين. وشرطه في المعقولات الحصر بالنفي والإثبات، فإن اتفق في المظنونات؛ وإلا كفتْ إدارته بين ثوابت (٣). وقيل: لا. لنا: يُظنُّ الحصر بتداول النُّظَّارِ للمسألة، وعدم العثور إلا على المحصور. واحتمال وجود ما لم يُطَّلع عليه بعيد. وأُوردَ: إن لم يقم على المبقى دليل، احتمل بطلانه، ويكون الحكم

стр. 213

غيرَ مُعَلَّلٍ؛ وإن قام عليه دليل، أغنى عن تتبع ما عداه بالإبطال؛ لجواز اجتماع العلل. نعم، لو صح إجماع على كون الحكم مُعَلَّلًا، أفاد إبطال ما عدا المُبقى صِحَّةَ المُبقَى؛ وإلا أخلف الإجماع. فإن قيل: الإجماع على التعليل يخص القائِسِينَ، وهم بعضُ الأُمَّةِ. * قلنا: منكرو القياس ليسوا بمعتبرين. *** * وقد انجر الكلام إلى اجتماع العلل: وفي إنكاره وتصحيحه وإنكاره في المستنبطة ثلاثة (١): احتج المُنكِرُ: بالإجماع على اتّحادِ عِلَّةِ الربا، واتخاذ كل فريق إبطال ما عدا عليه ذريعة لصحتها. ولو ساغ تعداد العلل، لاشتغلَ كُلُّ بتصحيح عِلَّتِهِ، ويحقق ذلك: أنَّهم اشتغلوا بالترجيح، ولولا الاتحاد: لكفى التصحيح. واعترض بمنع الإجماع، وابن عباس يخالف في الحكم، فضلا عن التَّعليل. لا يُقال: فلِمَ عممتم إِذْ حرَّمتم؟ لأنا نقول بعموم قوله: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» (٢).

стр. 214

لا يُقال: ففي النقدين بماذا؟ لأنا نقولُ بالنَّصّ، وغير النقدين لا يُساويهما، فَعِلَّتهما قاصرةٌ مُستغنى عنها، وقد كُنَّا وافقنا الشافعي في تعليل الأشياء الأربعة (١) بالطعم، والنقدينِ بالنقدية؛ تقليدًا. والمختار: التَّعَبدُ في الجميع. أما النقدانِ: فَعِلَّةُ الوَزْنِ والتَّقدير باطلةٌ، وعِلَّةُ النَّقديَّة قاصرة، وشرطها المناسبةُ اطَّلاعاً على الحكمة، وهي مفقودة، فبطلت. وأما الأربعة (٢): فتعليلها بالطعمِ باطل؛ لأنه: إن استفيد من الإيماء: فشرطه المناسبة، وهي مفقودة، أو من السَّبر: فغيرُ مُفيد؛ لجواز انسحاب البطلان عليها. لا يُقال: يلزمُ التَّعَبُّدُ، والإجماع على التعليل. لأنا نقول: لا إجماع وابن عباس يخالف في الحكم، وبعض الموافقين أنكر التعليل، فلم يبقَ إِلَّا تعليلها بالمقصود منها.

стр. 215

وتقريره: أَنَّ الشَّرع حرَّمَ الفضل في الجنس، وأباحه في الجنسين، فَأَفْهَمَ التعليل بالمقصود، وليس المقصود منها كيلها ووزنها، بل اطعامُها. ويبطل بتحريم النَّسَاء في الجنسين - وهو فرع التفاضل ـ، ولم يحرّم التفاضل؛ فتعين الالتجاء إلى النّصّ في المطعوماتِ والنَّقدينِ. فإن تأوَّله الخصم، (قطع به) (١) الدَّليلُ؛ وإن رووا: «وكذلك ما يُكال ويوزن» (٢): فموضوع. فإن قيل: إذا لم يكن ذِكرُ السَّتَّةِ لِيُقاس عليها، وليس التحريم خاصًا بها، فلِمَ خُصَّتْ بالذَّكرِ؟ * قلنا: لا مفهوم لِلقَبِ. أو نَبَّه بها على تحريم الربا في القوت وغيره حَذَرًا مِنْ تخيل التخصيص في الحديث العام. فبانَ أَنَّ مسألة الربا لا تدلُّ على امتناع اجتماع العلل؛ ولو سلَّمْنا الإجماع على اتِّحَادِها فيها؛ فالدعوى أعم. * قالوا: تعداد العلل لا يتناوله (٣) الإجماع (٤).
следующие страницы →