← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30164

الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول

ابن المُنَيِّر

Полный текст (347 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم الذي استنطقوا به (١) معلوم، ففهمنا أَنَّ الغَرَض التنبيه على أنَّه العِلَّةُ. *** * ومنها (٢): تعليق الحُكم بالاسم المشتقّ، مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (٣). وشرطه المناسَبَةُ، وإِلَّا فهو كاللقَبِ؛ غيرَ أَنَّها أقوى من المناسب المُستنبَطِ؛ لأنَّ الاستنباط دليلٌ جُمْلي (٤)، والإيماء دليل خاص؛ فلو تعارضت موماً إليها ومستنبطةٌ، قدّمت المومأ إليها تقديم الخبر على القياس؛ فإن كانت المستنبطة من أصل مُوماً إليه: تعارض اللفظان؛ فالترجيح. فإن قيل: فقد تركتم إيماء: «تَوَضَّئِي؛ فَإِنَّهُ دَمُ عِرْقٍ» (٥)، ومقتضاه الوضوء من الفَصد. أجيب: بأنَّ المحلَّ قَيْدٌ في العِلَّةِ ههنا. والمختار: أنَّ التعليل لنفي وجوب الغسل، لا لوجوب الوضوء. فإن قيل: وقد تركتم تعليل خيارِ المُعتَقَةِ بملكها نفسها في قوله لِبَرِيرَةَ:

стр. 212

«مَلَكْتِ نَفْسَكِ، فَاخْتَاري» (١)، ومقتضاه اختيارها تحت الحر. والجواب: منعُ الصَّحة لهذا اللفظ، ونَتَنَزَّلُ: والمراد: «ملكتِ الخيار، فاختاري»، ولا تعليل، ويحققه أنها لو ملكت نفسها للغا الخيار، وقرره القاضي فقال: «إن ملكت محلَّ النكاح، لغا الخيارُ؛ وإن ملكت غيره، فلم تختار فيه؟!». *** * ومنها (٢): السَّبُرُ والتَّقسيم، أي تتبع الأوصاف بالإبطال إلَّا المدعى؛ فيتعين. وشرطه في المعقولات الحصر بالنفي والإثبات، فإن اتفق في المظنونات؛ وإلا كفتْ إدارته بين ثوابت (٣). وقيل: لا. لنا: يُظنُّ الحصر بتداول النُّظَّارِ للمسألة، وعدم العثور إلا على المحصور. واحتمال وجود ما لم يُطَّلع عليه بعيد. وأُوردَ: إن لم يقم على المبقى دليل، احتمل بطلانه، ويكون الحكم

стр. 213

غيرَ مُعَلَّلٍ؛ وإن قام عليه دليل، أغنى عن تتبع ما عداه بالإبطال؛ لجواز اجتماع العلل. نعم، لو صح إجماع على كون الحكم مُعَلَّلًا، أفاد إبطال ما عدا المُبقى صِحَّةَ المُبقَى؛ وإلا أخلف الإجماع. فإن قيل: الإجماع على التعليل يخص القائِسِينَ، وهم بعضُ الأُمَّةِ. * قلنا: منكرو القياس ليسوا بمعتبرين. *** * وقد انجر الكلام إلى اجتماع العلل: وفي إنكاره وتصحيحه وإنكاره في المستنبطة ثلاثة (١): احتج المُنكِرُ: بالإجماع على اتّحادِ عِلَّةِ الربا، واتخاذ كل فريق إبطال ما عدا عليه ذريعة لصحتها. ولو ساغ تعداد العلل، لاشتغلَ كُلُّ بتصحيح عِلَّتِهِ، ويحقق ذلك: أنَّهم اشتغلوا بالترجيح، ولولا الاتحاد: لكفى التصحيح. واعترض بمنع الإجماع، وابن عباس يخالف في الحكم، فضلا عن التَّعليل. لا يُقال: فلِمَ عممتم إِذْ حرَّمتم؟ لأنا نقول بعموم قوله: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» (٢).

стр. 214

لا يُقال: ففي النقدين بماذا؟ لأنا نقولُ بالنَّصّ، وغير النقدين لا يُساويهما، فَعِلَّتهما قاصرةٌ مُستغنى عنها، وقد كُنَّا وافقنا الشافعي في تعليل الأشياء الأربعة (١) بالطعم، والنقدينِ بالنقدية؛ تقليدًا. والمختار: التَّعَبدُ في الجميع. أما النقدانِ: فَعِلَّةُ الوَزْنِ والتَّقدير باطلةٌ، وعِلَّةُ النَّقديَّة قاصرة، وشرطها المناسبةُ اطَّلاعاً على الحكمة، وهي مفقودة، فبطلت. وأما الأربعة (٢): فتعليلها بالطعمِ باطل؛ لأنه: إن استفيد من الإيماء: فشرطه المناسبة، وهي مفقودة، أو من السَّبر: فغيرُ مُفيد؛ لجواز انسحاب البطلان عليها. لا يُقال: يلزمُ التَّعَبُّدُ، والإجماع على التعليل. لأنا نقول: لا إجماع وابن عباس يخالف في الحكم، وبعض الموافقين أنكر التعليل، فلم يبقَ إِلَّا تعليلها بالمقصود منها.

стр. 215

وتقريره: أَنَّ الشَّرع حرَّمَ الفضل في الجنس، وأباحه في الجنسين، فَأَفْهَمَ التعليل بالمقصود، وليس المقصود منها كيلها ووزنها، بل اطعامُها. ويبطل بتحريم النَّسَاء في الجنسين - وهو فرع التفاضل ـ، ولم يحرّم التفاضل؛ فتعين الالتجاء إلى النّصّ في المطعوماتِ والنَّقدينِ. فإن تأوَّله الخصم، (قطع به) (١) الدَّليلُ؛ وإن رووا: «وكذلك ما يُكال ويوزن» (٢): فموضوع. فإن قيل: إذا لم يكن ذِكرُ السَّتَّةِ لِيُقاس عليها، وليس التحريم خاصًا بها، فلِمَ خُصَّتْ بالذَّكرِ؟ * قلنا: لا مفهوم لِلقَبِ. أو نَبَّه بها على تحريم الربا في القوت وغيره حَذَرًا مِنْ تخيل التخصيص في الحديث العام. فبانَ أَنَّ مسألة الربا لا تدلُّ على امتناع اجتماع العلل؛ ولو سلَّمْنا الإجماع على اتِّحَادِها فيها؛ فالدعوى أعم. * قالوا: تعداد العلل لا يتناوله (٣) الإجماع (٤).

стр. 216

* قلنا: ولا يرده. احتج المجوّز بتحريم وطء الحائض المحرّمة، وبقتل القاتل المرتد (١)؛ بالعلتين. واعترض: بتعدد الأحكام، ويظهر باختلاف الآثار في القتل. والمختار: - تجويز الاجتماع (٢) مع اتحاد الحكم عقلا، - ومنعه وقوعاً بالاستقراء؛ وبدليل اختلاف العلماء في علة الحكم الواحد - كمسألة الربا، وكخيار المعتقة وغيرها ـ؛ لاعتقادهم الاتحاد. رجعنا إلى السَّبْر: والمختار اطراحه؛ إذ المبقى إن أخالَ: فالعمدة الإخالة؛ وإلا: فطرد، والحكم تعبد. فإن قيل: فلو بقي مخيلان؟ * قلنا: هذا لا يقع، وإحالة أحدهما تخيل، وإجراء العلماء الترجيح في مسألة الربا معناه: إبانة أن أحد المخيلين تخييل، فهو إبطال، لا ترجيح، لكنه يدل على اعتقادهم أن اجتماع العلل غير صحيح. ***

стр. 217

* ومنها (١): الطَّردُ والعكس، وفيه خلافٌ: القابلُ: وجود الحكم عند وجوده، وعدمه عند عدمه يفيد ظَنَّ العِليَّةِ، وهو المقصود. * قالوا: الطَّردُ بانفراده لغو؛ إذ لا يعم (٢)، والعكس غير شرط. * قلنا: الدليل: المجموع. الرَّاةُ: العُمدة: الإجماع، وإنَّما تناول المصالح، والطَّرد والعكس أجنبي. رُدَّ: بأنَّ المصالح اعتُبرت للظَّنِّ، فهو (٣) حاصل بالطَّرد والعكس. * قالوا: اعتبروا ظنا مخصوصاً. * قلنا: دعوى مبتدعة. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): اختُلِفَ في اشتراط الانعكاس: المشترط اعتبرها بالعلل العقلية. غير المشترط اعتبرها بالأدلَّةِ العقلية؛ لأنها أعلام. وأيضا، لو شرط،

стр. 218

لانتفى القتل عند انتفاء القتل، فلا يُقتل المرتد. قال المشترط: امتنع العكسُ لِعِلَّةٍ! * قلنا: لو كان شرطًا لما قُبِلَ هذا الجواب؛ كما لم يُقبل قول المنقوض عليه: «امتنع الطَّردُ لِعِلَّةٍ!». * قالوا: نلتزم العكس، وقتل (١) المرتد ليس قتل القاتل، ولولا ضيق المحلَّ لَظَهَرَا، والدَّليل العقلي انعكس؛ إذ بانتفاء الفعل تنتفي الفاعلية. غير المشترط: من نصب عَلَمًا لحكم، لم يلتزم (٢) نصبه لحكم آخر، ونفي الحكم حكم آخر. رُدَّ: بأنَّ نفي الحكم ليس حكمًا (٣)؛ لأنه إن أُريد بنفي التحريم البراءة: فليست بحكم؛ وإن أُريدَ الإذن فالإذنُ الضَّدُّ، والعكسُ النَّفي، وهما متباينان (٤). غير المشترط: إذا قال القائل: «إن أومأتُ إليك فقُمْ»، لم يلزم من عدمِ الإيماءِ عَدَمُ الطَّلَبِ؛ إذ قد يطلب بعلامةٍ أُخْرَى.

стр. 219

* قلنا: المثالُ أَجْنَبِيُّ؛ لعدم المناسبة. تحقيق: العِلَّةُ تُذكَرُ إِمَّا بصيغة الشَّرطِ أو التعليل: والشرط وإن اقتضى نفيه نَفْي المشروطِ لُغَةٌ، والعِلَّةُ وإن اقتضى نفيها نفي المعلول كالشَّرطِ وآكَدُ (١)؛ إِلَّا أَنَّه لا يمتنع التعليق بواحد من شرائط، فلا يلزم من نفي شرط مُعيَّنٍ نَفْي المشروط، فلا يلزم العكس إذًا. ولو اتحدَ الشَّرط، لكان فقد المشروط مع وجودِه خُلْفًا صريحا، ووجود المشروط مع فقده خُلْفًا ضِمْنِيًّا؛ فالأول نقض، والثَّانِي عَدَمُ عَكْس. أما مثل: «إن جئتني أكرمتك، وإن لم تجئني أكرمتك»، فأجنبي عن باب الشَّرط. فالملخص من ذلك: أنَّ كُلَّ عِلَّةٍ حَقَّها الانعكاس؛ لأنَّها إن كانت مخيلةً: فالنفي مُشعِرُ بالنَّفي؛ وإن كانت بصيغة الشَّرط: فالنَّفِي لُغَوِيٌّ؛ فَإِنْ صححنا اجتماع العلل: فلا عكس؛ وإن منعناه - وهو المختار- فالعكس، إلَّا أن يثبت الحكم بتوقيف، فههنا اختلفوا: فمن لم ير النقض بالمستثنى مُبطِلًا، فههنا أولى؛ ومَن يرى النقض به مبطلا اختلفوا: فمبطل - كالنقض ـ؛ لاستواء الثبوتِ والنَّفي إشعارًا. وغير مبطل فَرَّقَ بأَنَّ خُلْفَ النَّقض صريح، وخُلْفُ العكسِ ضِمْنِي

стр. 220

-وهو المختار -، ومِن ثَمَّ لزم المستدلَّ بيان التوقيف المانع في (١) النقض، لا في العكس؛ أما المجتهد، فعليه تحقيق (٢) التوقيف فيهما. سؤال على منع اجتماع العلل: * قالوا: قد اجتمعت (٣) في الولاية على الصبي المجنون. * قلنا: هما ولايتان ضروريَّةٌ؛ لِعَلَّةِ الجُنونِ، واستصلاحيَّةٌ؛ لِعِلَّةِ الصبا، فلما اجتمعت العِلَّتانِ، (أُلغي الأضعفُ) (٤) - وهو الصبا - بالأقوى - وهو الجنون -، كتوريث الشافعي ذا القرابتين المتفاوتتين بالأقوى وإلغاء الأضعف، فالموجود إذا ولاية واحدة بعِلَّةٍ واحدة. ***

стр. 221

القَوْلُ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ (١) (٢) إذا لم يتعين بين المحلين وصف مصلحي، فقد يُعلم أن لا فارق، وهو الإلحاق القطعي، وقد يشتركان بوصف غير مصلحي: فإما أن يثمر ظنَّ الإلحاق، فهو (٣) الشَّبَهُ، أو لا يثمر، فهو الطَّردي. فتميز الشبه عن الطَّردِ بالثَّمَرَةِ، لا بالحد. وميزه القاضي بإيهام المناسبة، وهو مردودٌ؛ إذ يجري حيث لا مناسبة، وإذ لو أَوَهَمَ: لوجب استتمامُ النَّظر حتَّى يفهم. الأمثلة: للمعلوم (٤): * غَسْلُ حُكْمِيٌّ، فافتقر إلى النِّيَّةِ، كالوضوء؛ إذ لا فارق للشَّبَهِ.

стр. 222

* طهارةٌ حُكْمِيَّةٌ، فافتقرت إلى النيَّة، كالوضوء. للطَّرْدِ (١): * طهارةٌ بالماء، فلا تفتقر إلى النيَّة، كإزالة النَّجاسة. ومِثْلُهُ القاضي (بإلحاقِ العبدِ) (٢) بالحُرِّ لِيَمْلِكْ - بجامعِ العقل واستقامةِ التَّصَرُّف -، وبالبهيمةِ كَي لَا (٣) يَمْلِكْ - بجامع تصريفِ السيدِ له -، والمثالُ أجنبيّ؛ إذ الجانبان مناسبان. وقسَّمَهُ بعضُهم: * إلى الحُكْمِيِّ - كما تقدَّم -. * وإلى الخَلْقِيِّ، كقول أحمد: «أحدُ الجلوسين فيجب كالآخَرِ»، وكقول أبي حنيفة: «أحدُ التَّشَهُّدين فلا يجب كالأَوَّلِ». وللشَّبَهِ الخَلْقِيِّ اعتبارٌ في القيافة وجزاء الصيد. فصل (٤) قد يربطُ الحُكْمُ بالحُكْمِ (٥)، فيُسمى في قواعد المعنى: «قياسُ دلالة»، وفي التَّعَبُّداتِ «شَبَهَا».

стр. 223

مثالُ الأَوَّلِ: «مَنْ صحَّ طلاقه صح ظهاره، كالمسلم»، وفضله النُّفَّارُ على القياس المعنوي؛ لإفصاحه بالمقصود. ومثال الثاني: «قُربةٌ ينقضها الحَدَثُ فيشترط موالاتها، كالصَّلاةِ». ومنه: «ركن فيتعين، كالركوع». وقال القاضي مرةً: هذا تناقض؛ لأنَّ حاصله القياس في أن لا قياس، ومرَّةً قال: هذا قياسُ شَبَةٍ فيما لا يُعقل معناه، والجوابان متقاربان. والمطَّرِد المنعكسُ (١) في أصح أجوبة القاضي ملتحق بالشَّبَه. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): الشَّبَهُ حُجَّةٌ بالإجماع الاستقرائي. وتحقيقه: أنَّ فتاويهم تجاوزت المناسب، فتعيَّن. (وقد اختلفوا) (٣) في مسائل الفرائض والمستند الشَّبَهُ. واعترض: بأنَّ أوصاف الفرائض مناسبة متعارضة، ونشأ الخلافُ مِنْ الترجيح. واستدل أيضا: يُفيد الظَّنَّ، فيُقبل. ولأجلِ الظَّنِّ قَبلوا المناسب. ودعوى

стр. 224

الحصر عنهم باطلةٌ، وإنكارُ الظَّنِّ مِنْ الشَّبَهِ معاندَةٌ. الراد: لا يناسِبُ فَيُرَدُّ، كالطَّردِ. والحقُّ: أَنَّ الشَّبَهَ يُناسب تساوي الأصل والفرع في أي حكم، لا في حكم معين، ومن ثَمَّ استعمل المناسب مُرسلًا، دون الشَّبَهِ. فصل في مراتب الأقيسة (١) * قالوا: «الفحوى»، و «الإيماء»، و «نفي الفارق»، والثلاثة معلومة. ثُمَّ «المناسب»، و «الشَّبَهُ». وقيل: و «الدَّلالة»، والحقُّ: أَنَّه معنى تارةً، وشَبَةٌ أُخْرَى. والترتيب المختار أنهما مرتبتان: * المعلومة، وهي متساويةٌ، والتَّفاوتُ للطَّرقِ. * والمظنونة؛ وهما: المعنى، ثُمَّ الشَّبَهُ، وكلاهما درجات في الجلاء والخفاء، وللجلاء سببان: ففي المناسب (٢): قُوَّةُ الإخالة، وكثرة النظائر. وفي الشَّبَه: خصوصيَّةُ الوصف، وتظافر الأشباه.

стр. 225

ثُمَّ أدْنى المُناسِبُ فوقَ أعلى الأشْبَاه؛ إذْ كُلُّ مُناسب شَبَهٌ، ولا يَنْعَكِسُ. وقَدَّم بعضهم الحكميَّ على الخَلْقِي. والحقُّ: أنَّ المُقدَّمَ ما يُلائمُ القاعدة حُكْمِيَّةً وخَلْقِيَّةً، والشَّبَه دون قياس الدَّلالة المعنوي؛ لالتحاقه بالمناسب، ودون المطرد المنعكس؛ لالتحاقه بالإيماء. هذا ضَبْطُ الغالب، وقد يُقدَّم الشَّبَهُ الجَلِيُّ على المعنى الخفي، والمتبع الاجتهاد ومقتضاه. *** * مَسْأَلَةٌ (١): قال القاضي: لا ترتيب في الأقيسة المظنونة؛ لأنَّه ليس الله حُكْمٌ معين في الواقعة، بل أحكامٌ تابعة للظنون؛ فإذا لم يتعين الحكم (٢) المظنون، فكيف تترتب الظُّنونُ؟! وما ذكره يؤدي: * إلى إسقاط الاجتهاد. * وإلى أن لا يجب الطَّلَبُ؛ إذ لا مطلوب. * وإلى نفي أصل الظُّنون - لانتفاء مُتَعَلِّقها -، فضلا عن ترتيبها. * وإلى نفي التَّرْجِيح؛ لانتفاء الأصل، والترجيح إجماع.

стр. 226

فَصْلٌ فِيمَا يُعَلَّلُ وَمَا (١) لَا يُعَلَّلُ (٢) الأحكامُ فيها (٣) المُعَلَّلُ والتَّعَبُدُ. فإذا ورد حكم امتحنه النَّاظِرُ: * فإن ظفر بالمناسب، فقد تعيَّنَتِ العِلَّةُ، واستلزمتْ كونَه مُعَلَّلًا. * وإن لم يظفر بالمناسب (٤)، تلمح الأشباه؛ فإن بلغت إلى نفي الفارقِ، فهو المعلوم؛ وإلا فهو الشَّبَه المظنون. وقد ينحسمان بإشارة النص إلى قطع الإلحاق، كالنَّص على بداية المدعينَ بالأيمان في قصة حويصة ومحيصة، وقرائن الإحن بين اليهود والمسلمين تشير إلى اشتراط اللوثِ، فلا تلتحق (٥) بها الدعوى المجردة. وشَبَّه بعضهم الإلحاق المعلوم والشَّبَهَ المظنون بدلالة القرائن الحالية؛ قطعية وظنية.

стр. 227

* مَسْأَلَةٌ (١): مَنَعَتِ الحنفيَّةُ القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات والمستثنيات (٢). قال الشافعي: ناقضوا: * فاستحسنوا الحد في مسألة شهودِ الزَّوايا (٣)، وهو أبعد من القياس. * وقاسوا الأكل بالوقاع في الكفَّارة، وقَاتِلَ الصَّيدِ ناسيًا بالعامد. * وقدَّروا النَّزْحَ مِنْ البئر بالدلو بلا توقيف. * وقاسوا في الرُّخَصِ كُلَّ نجاسة على الاستنجاء. * وأشنع من ذلك أن عكسوا (٤)، فقاسوا العاصي على غيره في التَّرَخُّص (٥) بالسَّببِ الذي هو بِهِ عاص. * ثُمَّ زعموا أنَّ القهقهة في الصَّلاةِ حدث، واعتقدوه مُسْتَثْنَّى، فامتنعوا من قياس صلاة الجنازة على المكتوبة، وقاسوا النَّافِلة على المكتوبة. * ومنعوا قياس الوضوء بنبيذ الزبيب على الوضوء بنبيذ التمر مع

стр. 228

الإيماء؛ لأنه مستثنى، وقاسوا الغُسلَ على الوضوء ولا إيماء! ونعود إلى الكلام في محاجتهم: * قالوا: القياس مظنون، والحدُّ يُدْرَأُ بالشبهة، والاحتمال شبهة. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّه: لا يطرد؛ لقياسهم في القصاص، وهو يُدرأ بالشبهة، ولا ينعكس؛ لامتناعهم من (١) القياس في الكفارة، وهي تثبت بالشبهة. والجواب الحقُّ: أنَّ وجوب العمل بالقياس معلومٌ، فلا (٢) شبهة. * وقالوا: المقدرات تعبدات، فلا معنى. قلنا: فالشَّبَه يجري في التعبدِ. * وقالوا: الرُّخَصُ عطايا، فيقتصر على الإذن. * قلنا: والعزائم عطايا. فالحق: أنَّ العُمدة في هذه الأبواب وغيرها تصحيح الجامع معنويا وشَبَهيَّا، ثُمَّ القياسُ ما لم يقطعه النَّص، مثل: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ (٣)، ومثل: (وَلَنْ تَجْزِيَ أَحَدًا بَعْدَكَ) (٤)، وكالإجماع على أنَّ المريض لا يَقْصُرُ، وهو أضر من المسافر.

стр. 229

(خاتمة) (١) قد يتجه أصل مُنقاسٌ مِنْ وجه، تعبُّد من وجه - كالكتابة والنكاح والإجارة والقراض والمساقاة -، فالتحقيق (٢) فيه: القياس على الجهة المنقاسة، والاقتصار في الجهة التَّعبديَّةِ. مثالُ المَعْنَوِيَّةِ: اشتمال الكتابة على الإيجاب والقبول والعوض المعلوم. ومثالُ التَّعَبدِيَّةِ: اشتمالها على مقابلة الملك بالملك. وقد تتجه (٣) المصلحة، ويمتنع القياس، كالمصالح الظاهرة في خواص الأصول، كخاصة (٤) النكاح وغيره، فليس الامتناع لأن الأصل تعبد، ولكن لأن المصلحة خاصة، لا يُلفى لها نظير. ورُبَّما تقاربت الخواص، فقاسَ الشَّافعي، كاعتباره المساقاة بالقراض مؤيَّداً بحديثِ خَيْبَرَ (٥)، ثُمَّ قال الشافعي: «وما أجمع على القراض - والله أعلم - إلا قياسًا على المساقاة؛ لأنَّه ليس في القراض نص، وإنَّما ابتدأه

стр. 230

عُمَرُ ﵁، ولو كان فيه نَصٌّ لَنُقِلَ؛ لأنَّها قاعدةٌ. قيل: فهذا قلبٌ للقياس (١)؛ لأنَّ القراض إجماعي، فجعلته فرعًا، والمساقاة خلافية، فجعلتها (٢) أصلًا! والجواب عن الشافعي: أنَّه استفتح النَّظَرَ مُضربًا عن الخلاف والوفاق، وكلامه ههنا أمس بالأصول؛ لأنَّه أثبت أنَّ الإجماع لا ينعقد سُدًى، وأنَّ العادةَ تُوجِبُ نَقْلَ نَصِّ - لو قُدِّرَ - في القِراضِ. والتحقيق: أنَّ الخواص لا تنقاس؛ لتناقض المصالح؛ كالتاقيت: فإنه يصحح (٣) الإجارة؛ لأنه قاطع للخطر، ويُفْسِدُ النِّكَاحَ؛ لأنَّه مُنْغِص للمودة المقصودة منه. ولذلك رجح الشَّافعي المعنى الملائم لخاصة قاعدته على المُعْتَضِدِ بالنظائر الأجنبية. وقد لا يتجه في بعض الخواص استصلاح كُلِّي كالكتابة، وغايتها استحثاثُ السَّادةِ على العتق، والعبيد على الكسب؛ تعاونًا على الحرِّيَّةِ، وهذا كالمضمحل في جنب مقابلة الملك بالملك، بخلافِ خاصة النكاح؛ إذ لم تصادم أصلًا، فلو قاس أحد أصلا على الكتابة قياس الشافعي المساقاة على القراض، لم يتجه؛ إذْ معنى الكتابة معنى خَفِيٌّ أو شَبَه مصادمان للقواعد.

стр. 231

* مَسْأَلَةٌ (١): إزالةُ النَّجاسة معللة، فلم يتعين الماء فيها عند الحنفية. والوضوء تعبدٌ؛ فتعيَّن له الماءُ. وقيل: مُعَلَّل، ومقصوده: النظافة، ولذلك خُص الأعضاء البارزة. والرَّأسُ لمَّا استتر - غالبا - بالعمامة، كفاه المسحُ، وؤيده إيماء: ﴿ليُطَهِّرَكُم﴾ (٢). واعترض: بأنَّه لا ينعكس؛ إذ لا نظافة في التَّيَمُّم، وما يخلو من ضدها (٣). وأُجِيبَ: بأنَّ التَّيَمُّمَ تَعَبُّد؛ أو لِعِلَّةٍ أُخرى، وهي (٤) التَّدَرُّبُ على ألا تخلو الصَّلاةُ مِنْ وظيفة عند عدم الماء؛ ذريعة إلى ألا تقع بغير وضوء مع الماء. واعترض أيضا: بأنه لا يطرد؛ فإنَّ المتوضّئ المتطلّي بالأوساخ لا يتوضَّأُ. وأُجِيبَ: بأنها نادرة، وفي النفس عنها وازعٌ؛ فأغنى، بخلافِ الغَبَرَاتِ (٥)

стр. 232

الخفية (١). ومثل ذلك: * إيجاب الإجابة على المرأة للوطء؛ لا العكس، وإن كانا في مقصود التحصين (٢) سواءً، لكن أغنى عن الإيجاب عليه باعثه على الوطء؛ ليعتاض عما يختص به مِنْ الكُلَفِ، ولا سيما إذا انحصر مطلبه في الحلال. * وأيضا البيع شُرعَ للحاجة؛ فلو عكس، فباع المحتاج إليه بالمستغنى عنه: لصح، وأغنى الندورُ والوازع (٣) عن المنع. وَاعْتُرِض أيضًا: بالإجماع على اختصاص الوجوبِ بالحَدَثِ وليس مُلَطَّخا (٤)، وعلى سقوط الوضوء بالملطخ. وأجيب: بأنَّ التَّوقيتَ تَعَبُّد، والأصلُ معنوي، ثُمَّ قام الوضوءُ مَقَامَ الزَّاجرِ عن الحَدَثِ بغير حاجة؛ لفحشه حينئذ. أما تعليل الحنفية إزالة النَّجاسةِ: فيُعترض باختصاصها بالصَّلاةِ. * قالوا: المصلي مأمور بإكمال الزي؛ والطَّهارة منه.

стр. 233

* قلنا: عينُ المذهب (١)، فهلا تساوتِ الصلاةُ وغيرها في السقوط، كما تساويا في وجوب ستر العورة؟! فإذا تماثلتِ الطَّهارتان في التَّعَبدِ (٢)، فهلا جاز الوضوء بماءِ الوَردِ؛ إذ تحصل به الوَضَاءَةُ، كما تحصل الإزالة؟! *** * مَسْأَلَةٌ (٣): رُبَّ أَصل مَعنوي تَعَبُّدِيٌّ مِنْ وجهين، كالنُّصُبِ المزكَّاة (٤) والمسروقة (٥)، كثرتها معنوية، وتحديدها تَعَبُّد. فإن قيل: فَرَّقَ الشَّرع فيها بين القليل والكثيرِ، وسوَّى في الخمرِ. * قلنا: قليل الخمر داعٍ لكثيرها، وقِلَّةُ المالِ وازع عن سرقته، وكثرته باعث. ***

стр. 234

ثُمَّ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ خَمْسَةٌ (١) الأوَّلُ: ضروري؛ كالقصاص، والبيع. أي: دَفَعَا (٢) ضَرَرًا غالبًا. الثاني: حَاجِيٌّ؛ كالإجارة. أي دفعت (٣) حاجة الجنس؛ لتعدد اجتماع المملوكات لمالك واحدٍ، وضِنَّةِ (٤) المُلاك بالعاريَّةِ. ثُمَّ حاجة الجنس كضرورةِ الشَّخص. الثالث: تكميلي؛ كالطَّهارة. أي وجبت وسيلةً لمكرمة النظافة التي لا تجب. ومعنى هذا الضرب تعبد. الرابع: كالثَّالث، ومثاله الكتابة؛ لتحصل مكرمة الحرية (٥)، وانحطت لمصادمتها قياساً كُليًّا، وهو المالكية التي (تقتضي ألا) (٦) يُقابل الملك بالملك (٧). والطَّهارةُ إنَّما صادمت قياس الوسائلِ. الخامس: التَّعَبُدُ؛ كالعبادات المحضةِ، ومقصودها الجُمْلي التَّدَرُّبُ على

стр. 235

الانقياد لأوامر الله، والعكوف على ذكره الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر؛ فأما أعداد الركعات، فلنقطعِ الطَّمَع في تعليله. * الضرب الأول: ينقاس منه جزء القاعدة بجزئها، وقاعدة بقاعدة، فالجزء بالجزء أعلى الأقيسة - بشرط الصحة .. * وشرطه ألا يصادم قاعدته؛ فيَبْطل وإن كان جَلِيًّا، كاعتبار التماثل المصلحي المؤدّي لإسقاط القصاص الضروري عن الجماعة بالواحد، فهو باطل؛ لمصادمة قاعدةِ الزَّجرِ؛ إذ استعانةُ الظُّلَمَةِ يسير، فيتذرعون بالاشتراك إلى إهدارِ الدِّماءِ. والتَّماثل اعتُبر في الأموال المستهلكة؛ لأن مبناها على جبران (١) الفائت، والقصاص مبني على شفاء الغليل. أما قياس الاشتراك في الطَّرفِ على الاشتراك في النفس: فقوي؛ لملائمة القاعدة، فلو تميّز قطعُ كُلِّ منهما (٢)، قطعنا منه مثل ما قَطَعَ، وأثرُ الاشتراك في إهدار الإبانة، وهي معصومة. غير أنَّ الاشتراك لذلك (٣) نادر، فلم يُخِلَّ بالقاعدة. وقياس الكلي بالكلي: كالقصاص بالحد (٤)، والعكس.

стр. 236

خاتمة: قد يلغي الشَّرعُ الضَّرورة لفحش الفعل؛ كالقتل والزنا، فلا يُباحانِ لضرورة الإكراه. وقد يعتبرها محققةً في الآحاد (١) - كأكل الميتة ـ؛ لقبحه (٢). وقد يعتبرها في الجملة (٣)، كإجازة البيع؛ لأنَّ البيع بلا ضرورة غايته عبَثُ، وهو دون القُبح، والقُبْحُ دون الفحش. *** * الضرب الثاني: ينقاس منه جزء القاعدة بجزئها، وفي قياس القاعدة بالقاعدة خلاف: والأكثر المنع. والمختار: الجواز. * قالوا: الإجارة خرجت عن قياس مقابلة الموجود بالموجود، فلا يُقاس عليها قاعدة. * قلنا: المقابلة لذلك (٤) مصلحيَّةٌ، والإجارة حاجية، والمصلحة لغو بالحاجة، والفرق أنَّ الحاجي يتعيَّنُ للذهن قبل الشرع، والمصلحي يتعارض.

стр. 237

وقد يظهر المصلحي جملةً؛ كالمنع من بيع الغرر، فإنَّه لمصلحة صيانة الأموال. ويعارضه أنَّ العاقل شرعًا بَذَلَ مالَهُ هِبَةً يقينًا، فكيف يمتنع (١) بَذْلُهُ احتمالا؟! (٢) ويندفع بأنَّ الوازع يأبى البَذْلَ اليقيني حتَّى إِنَّ السُّفهاء لما فقدوا الوازع، طَرَدَ الشَّارِعُ (٣) الحَجْرَ، والباعث يوجب بيع الغرر؛ لِشَرَةِ النَّفْسِ إِلى الرِّبْحِ المحتَمَلِ، فاحتيج إلى الحَجْرِ الشَّرعيّ. وقد يغيب المصلحي جملةً وتفصيلا؛ كتحريم نوعي الربا. وألحق الشَّافعيُّ بَيْعَي الأجل والخيار بالرخص؛ لمصادمتها قياس اللُّزوم، والانتفاع النَّاجِزَ مِنْ الجانبين، فرُخّص بالخيار؛ للتروي، وبالأجل؛ لتحصيل الثَّمَنِ. والتحقيق: أنَّهما لم يصادِمَا ضروريًا، واللزوم مصلحي. نعم، لو قيل: لا يلزم البيع أبدًا: تحققت الضرورة. وإطلاقه الرخصة إجراء للمعاملاتِ مجرى العبادات (٤)، لاشتمالها على

стр. 238

تَعَبُّدَاتٍ، واتباع الرضا أمس للضروري من المصلحي. فَعَلَى هذا، لو دَرَسَتْ تفاصيل الشريعة: لوجب تصحيحُ كُلّ بيع اسْتَنَدَ إلى رِضا؛ لأنَّ وجوه الاستصلاح متعارضة، ولو لم يتبع الرّضا، لانحسم البيعُ، وَلَتَحَقَّقَتِ الضرورة. *** * الضرب الثالث: لا يُقاس منه قاعدة بقاعدة؛ لأنه مصلحي، يلوح جملة، لا تفصيلا، كالطَّهارة، فالمصلحة تقتضي وجوبها لِمَكْرُمَةِ النَّظافة، وألا يعم الأوقاتِ؛ لعُسرِ الوفاء بها. وتخصيص وقت يُحصِّلُ المقصود بلا عُسرٍ يَسْتَأْثِرُ به الشَّرع؛ فلذلك أوجب الطهارة إيجابًا مُقَيَّدًا بالحَدَثِ مُعتضدًا بالجِبِلَّةِ. وإزالةُ النَّجاسةِ أظهر مقصوداً من الوضوء؛ فوجبت نيته، وسقطت نيتها. فإذا، لا يُقاس في الأحداث؛ لأنها مواقيتُ غَيبيَّةُ (١) المصلحة. قال القاضي: «لا إثباتًا ولا نفيا». فمن قاسَ لِيُثْبِتَ حَدَثًا: فقياس فاسد الوضع؛ ومَن أثبت عليَّةَ حَدَثٍ بظاهر، فتأوّله بقياس: ففاسد الوضع أيضًا. وأما القياس الجزئي في هذا الضرب، فينحصر في الشَّبَهِ؛ لِتَعَذُّرِ المناسب. فقياس الملامسة بالخارج عَرِيٌّ عن المعنى والشَّبَهِ (٢). أما قياس الحنفية الخارجَ النَّجِسَ مِنْ غير السبيلين، بالخارج النَّجِسِ

стр. 239

منهما، فالشَّبه فيه مُتفرِّدٌ (١) بين الخارجين؛ والمَخْرَجَينِ (٢)، لكنه مضمحل؛ إذِ النَّجاسة في الأصل والفرع لا تلائم (٣) غَسْلَ غَيْرِ النَّجْسِ، فيؤول الأمرُ إلى التوقيت وهو غيب، (ثُمَّ الفرقُ) (٤) ظاهر بين الرعاف؛ لندوره، وبين الحَدَثِ؛ لتكررهِ. نَعَمْ، بِحَقِّ رَدَّدَ الشَّافعي قوله إذا انْسَدَّ المسلك المعتاد، وانفتح غيره؛ لتكرره: حينئذ. *** * الضربُ الرَّابع: (المُمَثَلُ بالكتابة) (٥)، وقد آل البحث إلى معادلتها للطهارة: هذه وسيلة لمكرمة النظافة، وهذه وسيلةٌ لمكرمةِ الحُرِّيَّةِ. والطَّهارة خرجت عن قياس الوسائل؛ إذ وجبت وسيلة لما لم يجب (٦)، والكتابة خرجت عن قياس المالكية؛ لاشتمالها على مقابلة الملك بالملك. نعم، هي عند الموجب للكتابة أحط من الطهارة؛ لخروجها (٧) أيضًا عن قياس

стр. 240

الوسائل؛ إذْ هي واجبة، والعتق غير واجب، ويتأيد موجبها بظاهر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (١)، ويُشكل على الشافعي؛ إِذْ جَعَلَهُ للنَّدب، وجعل: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ (٢) للإيجاب، لكنه لم يعتمد في إيجاب الإيتاء (٣) الصيغة (٤)، وإِنَّما عمدته اطرادُه مِنْ السَّلفِ، والتَّبَرُّعاتُ لا تطَّردُ. لا يقال: كيف أوجب الإيتاء، وهو فرع الكتابة التي لا تجب. لأنا نقول: قد يقع الجائز، فيستلزم (واجبا، وللشرع) (٥) تَعَبُّد في الإيجاب. فائدة: غَلَبَ على الكتابة قصدُ السَّيِّدِ لتحصيل الأكساب، وغلب على الطَّهارة قصد المتوضئ للثَّوابِ، فوجبت النية في الطهارة، لا الكتابة. *** * مَسْأَلَةٌ (٦): أثبت الحنفية الملك بالبيع الفاسد كالصحيح (٧)، قياسا على إفادة الكتابة الفاسدة للحرية كالصحيحة. قال الشافعي: الكتابة مخالفة للقياس، فلا يُقاس عليها.

стр. 241

أجابوا بأنَّا لم نَقِس عليها في الجهة التي خرجت منها عن القياس (١)، وقد تقدم مثله. وتحقيق الرَّدِّ عليهم: أنَّ المناسب لا يقتضي مُشابهة الفاسد الصحيح (٢)، بل مخالفته؛ فإِنْ قَنِعُوا بالشَّبَهِ، انتقض بالنكاح؛ فإنَّ فاسده مخالف لصحيحه لزوما وجوازا، بل البيع الفاسد نفسه من غيرِ قبض مخالف لصحيحه، والشَّبَهُ - لضعفه - أجدر أن يبطل بالنقض من المناسب. * ومِن ثَمَّ قالوا: «ما اتسعتْ طُرُقُه، فالفاسِدُ أحد طرقه (٣)»، تَسَلُّقًا على المُناسب، ولا يتّجه. ثُمَّ ما زعموه من الجامع موجود (٤)، …

стр. 242

والمساواة مفقودةٌ، إذ المكاتب (١) يتسلّط على أكسابه تَسَلُّطاً صحيحاً، بخلاف البيع الفاسد عندهم، وإن اتَّصل به القبض؛ وهذا نقض معنوي. ثُمَّ الكتابة تعليق، ومِن ثَمَّ أثمرت الحُرِّيَّة عند وجود الصفة (وإن فسد) (٢) العوض، لكن أثر فساده جوازها، ولولاه لَلَزِمَتْ. والتَّعليق أحد نوعي العتق، والعتق أنفذ التصرُّفات وأقواها؛ ولذلك يُتَمَّمُ مُبَعضُهُ، ويُؤَبَّدُ مُؤَقَّتُهُ، فَيَبْعُد أن تتأثر شائبة التعليق القَوِيَّةُ لزوما وصحة لشائبة المعاوضة الضعيفة فسادًا وجوازا (٣)، فافتراقُ الأصول يُوهِي الشَّبَهَ. على أن تعدد الأصول كافٍ في إبطال القياس في هذا الضرب، وكذلك قياس فرع من قاعدة فيه على آخَرَ مِنْ أخرى؛ لأن مصلحته مغيبة (٤). على أنَّ الشَّافعي لو كُفي احتجاجهم بالكتابة، لزمه أن يُجيب عن انتقاض الأصولِ بها؛ إما بأنها صحيحة في مقصودها ـــ وهو التعليق ـــ، أو بأنها مستثناة. * الضرب الخامس؛ كالعبادات (٥) البدنية، ومقصودها اللائح اعتياد

стр. 243

الإقبال على الأخرى، والإعراض عن الدُّنيا، وشُغُلُ النَّفس بالطَّاعات التي لولاها لصرفتها الطبيعةُ للشَّهوات، وهذا يظهر بإيماء: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (١). فلا يقاس في هذا الضرب قاعدة بقاعدة، ويُقاس الجزء بالجزء والقاعدة واحدة. ورُبَّما يلوح المعنى، كقولنا: «قُرْبةٌ، فتشترط (٢) النية معها أو قبلها؛ قياساً لصوم الأداء على صوم القضاء»، وتقريره: أَنَّ النَّيَّةَ عزم، فيتعلَّق (٣) بالاستقبال؛ أو قصد، فيتعلق بالحالِ. فالنية شرط باتفاق، وقد بان أنَّها لا تتعلق بالماضي؛ فتعين التبييتُ. فأَما التَّعَبُّد المحض، كتعيين التكبير (٤) للتحريم، والتسليم للتحليل، واتحاد الركوع، وتعدادِ السُّجودِ، فالقياس فيه متعذرُ؛ فإنْ قاسَ أحدٌ على التكبير بجامع التمجيد: فقد أَبْعَدَ؛ إذ اشتراط التكبير عند التحريم غير معقول المعنى. فإن قيل: معنى التكبير معقول. * قلنا: لغةً، والكلام في التعليل.

стр. 244

ثم رَدَّ الشَّافعي القياس على التكبير بالتزام السلف له، وفيه شعور بتعينه (١)؛ وإلا كان كقول القائل: «الجُنُبُ لا يقرأ آل عمران». * قالوا: تَعَيَّنَ (٢) ندبًا، والقياس في الإجزاء. * قلنا: بل وجوبًا؛ فإِنَّ النَّدبَ لا يطَّردُ. وبالجملة؛ إن أنكروا قصد التخصيص: باهَتُوا؛ وإن أثبتوه وقاسوا: ناقضوا، ويلزمهم إلحاقُ عَمْدِ الحَدَثِ بالسَّلامِ بجامع المناقضة، وهو انخراق. وتردَّد كلامُ الشَّافعي في إلحاق التكبير بالرُّكوعِ في التعيين: هل هو شَبَةٌ أو ضربُ مَثَلٍ. ***

стр. 245

القَوْلُ فِي الاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةِ (١) ١ - منها: المنع. * ويتوجّه على الأصل من أربعة أوجه: الأَوَّلُ: منع كونه مُعَلَّلًا، فيُثبته بنص أو إجماع، أو يُثبت عليَّةَ الوصف. الثاني: منعُ وجودِ الوَصفِ - ويكثر في المركبات ـ، فيثبته بطريقه (٢). الثَّالثُ: منع الحكم، فيُثبته بدليله، ولا يُعَدُّ منتقلا؛ لأنَّه بان، عكسه قبول المعارضة من الهادم (٣). بخلاف ردّ (٤) النقض بدليل مستقل؛ فإنَّه انتقال. الرابع: منع كون الوصفِ عِلَّةً، فيُثبت (٥) العِليَّةَ بمسالكها.

стр. 246

* ويتوجه المنع في الفرع من وجه واحد، وهو منع وجودِ العِلَّة فيه. *** ٢ - ومن الاعتراضات: طلب الإخالة. وقال القاضي: على المستدل بيانها قبل المطالبة؛ وإلا كان مُدَّعِيًا (١)؛ فإن أشار إليها بلفظه (٢)، فالسَّائلُ مقصِّرُ، وكذلك الشَّبَهُ الخِصّيص. *** ٣ - ومنها: القول بالموجب. ومتى تقرَّرَ: انقطع الخصم، وهو اعتراض على المقصود؛ وإلا فصورته تسليم. وإنَّما يرد إذا ظنَّ المستدلُّ تسليم العِلَّة، فاعتنى (٣) بإبطال شيءٍ ظَنَّهُ المانع عند الخصم، وكان الخصم منازعًا في العِلَّة، أو مُسَلِّمًا ولكن المنفي جزء المانع أو أجنبي، فيرد (٤)؛ أما (لو ربط) (٥) المستدلّ حُكم النزاع بعِلَّةٍ (٦)، فقيل بالموجَبِ: فتسليم محض. المثال: إذا قال الحنفي في ماء الزعفران: «ماء طاهر، خالطه طاهر،

стр. 247

فالمخالطة لا تمنعُ التَّوَضُؤَ»، قيل: بالموجب؛ لأنَّها جُزْء المانع؛ فإن زاد «المتغيّرَةَ»: قِيلَ به، فإن زاد «المتفاحِشَةَ»: كَمُلَ، فلم يجد أصلاً؛ فإن علل فقال: «ماء طاهر فيجوز الوضوء به»: نقض بماء الباقلاء المغلي، فينحصر بين القول بالموجب والنقض. وإذا قال الشافعي في تمكين العاقلة (١) مجنونًا: «جنون أحد المتواطئين فلا يدرأ الحد، كجنون الموطوءة»، قال الحنفي بالموجب ومَنَعَ، واستند لنفي المقتضي؛ إذْ فعل المجنون ليس بِزِنًا، فليستْ مَزْنِيًّا بها؛ فإِنْ حَرَّرَ الشَّافعي، فقال: «(فلا ينهض) (٢) الجنون سببًا»: تعذَّرَ القولُ بالموجب؛ لأنَّ الجنون عند الخصم عِلَّةُ الْعِلَّة، وهي سبب. *** ٤ - ومنها: النقض، وهو: «وجود العِلَّة بدون الحكم». فقيل: مُبْطِلٌ. وقيل: لا. المبطل: * تعارضت (٣) الشَّهادتان: لها وعليها. * وأيضًا: ادعي (٤) عموم النصب فأخلف. لا يقال: أدعي ما لم يمنع

стр. 248

مانع؛ لأنا نقول: هو كالمتحدي، وشرطه: عموم العجز (١). * واستُدِلَّ أيضا: العِلَّةُ المنقوضة لا يتناولها الإجماع (٢). ورُدَّ: بالمنع، بل كانوا لا يتكلفون التقييدات، فإن عَنَّ ناقض: علوه. غير المُبطل (٣): * تخصيص العلة كتخصيص العام، فقُبِلَ (٤). مَنَعَهُمُ القاضي وجود صيغ للعموم (٥). فإن قاله معتزلي؛ فالتخصيص عنده يجب اقترانه، فليوجب (٦) تقييد العلة ابتداء. وهو (٧) عند غير المعتزلي استبانَةُ قَرينة لم تزل؛ ولو فُقِدَت، لكان العام نَصَّا. قال الإمام: هذا مذهب الشافعي (٨)، ومختارنا خلافه. وتحقيق الرد: أَنَّ التمثيل (٩) بالعام الظاهرِ، ثُمَّ قبول تأويله بدليله؛

стр. 249

مُستندهُ الإجماع، والمعلل مُستنده ظنُّ النَّصبِ، والنَّقْصُ يُوهِنُهُ. * قالوا: جازَ تخصيص العِلَّةِ بِزَمان - إذْ تخلَّفَ التحريم عن الإسكار حتَّى (١) حُرِّمَتْ (٢) -؛ فَلْيَجُز تخصيصها بمسائل. * قلنا: العِلَّةُ علامة؛ فاتبع فيها نصب الشارع، وله الحكم والنسخ، وليس ذلك إلى المُستنبط. * قالوا: صحت المنصوصة المنقوضة، فالمستنبطة كذلك. * قلنا: الفرقُ أَنَّ للشارع الحكم بلا عِلَّةٍ وبالطَّرْدِ. والمختار: * إن افترقت المنقوضةُ والنَّاقضة بفقه، فعكسه قيد (٣) أهمله المستدلّ، فينقطع، لاكتفائه بجزء عِلَّةٍ (٤). * وإن لم يفترقا: - وحكم الناقضة غير منصوص ولا إجماعي: فالعلة باطلة؛ لخُلف الدعوى. - وإن كان حكمها منصوصاً أو إجماعيًا:

стр. 250

- فإن كان مُعَلَّلًا: فالنَّقض وارد بمعارضة (١) العِلَّة الأخرى، وهي أقدح مِنْ المعارضة بعد تمامِ الدَّليلِ. - وإن كان تَعَبُّدا، - ومسألة النزاع في معنى مسألة النقض قطعا -: فالعِلَّةُ باطلة، لرجحان الإلحاق القطعي؛ (فإن لم) (٢) يكن كذلك: فهو نقض بالمستثنى، والمختارُ: أَلَّا يَرِدَ. وما كان تردُّدُ القاضي في أنَّ النقض مُبطِل - قطعا أو ظنَّا - إلَّا في هذه الصُّورةِ الأخيرة، وأما الأولُ: فالقطع بالإبطال بها واضح، والحُجَّةُ - لعدم القدح بالمستثنى - الاتِّفاقُ على صِحَّةِ عِلَلٍ نقضتها (٣) المستثنيات. ويُكتفى بأربع: الأولى: تعليل الضمان بالإتلاف ينتقض بحمل العاقلة، وهو تعبد. وتعليله بالمُعاونة باطل بالأموال، وهي أحوج للمعاونة؛ لكثرة إتلافها. وأيضا: فالعاقلة تحمل عن الموسر، وإِنَّما يُعان المُعسِرُ. الثانية: إذا قلنا: أمكنه مِثلُ المُتلَفِ فَوَجَبَ: انتقض بإيجاب التمر عن لبن المصرَّاةِ، ولم يقدح؛ لأنَّه (٤) تَعَبُّد، وتعليله بالجهل بالمحتلَب أَيَّامَ الاختبار منقوض بكُلِّ مِثْلِي جُهِلَ قَدْرُه؛ ثُمَّ خصوصيَّةُ التَّمر بماذا تُعَلَّلُ؟!
следующие страницы →