← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30164

الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول

ابن المُنَيِّر

Полный текст (347 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

* ويتوجه المنع في الفرع من وجه واحد، وهو منع وجودِ العِلَّة فيه. *** ٢ - ومن الاعتراضات: طلب الإخالة. وقال القاضي: على المستدل بيانها قبل المطالبة؛ وإلا كان مُدَّعِيًا (١)؛ فإن أشار إليها بلفظه (٢)، فالسَّائلُ مقصِّرُ، وكذلك الشَّبَهُ الخِصّيص. *** ٣ - ومنها: القول بالموجب. ومتى تقرَّرَ: انقطع الخصم، وهو اعتراض على المقصود؛ وإلا فصورته تسليم. وإنَّما يرد إذا ظنَّ المستدلُّ تسليم العِلَّة، فاعتنى (٣) بإبطال شيءٍ ظَنَّهُ المانع عند الخصم، وكان الخصم منازعًا في العِلَّة، أو مُسَلِّمًا ولكن المنفي جزء المانع أو أجنبي، فيرد (٤)؛ أما (لو ربط) (٥) المستدلّ حُكم النزاع بعِلَّةٍ (٦)، فقيل بالموجَبِ: فتسليم محض. المثال: إذا قال الحنفي في ماء الزعفران: «ماء طاهر، خالطه طاهر،

стр. 247

فالمخالطة لا تمنعُ التَّوَضُؤَ»، قيل: بالموجب؛ لأنَّها جُزْء المانع؛ فإن زاد «المتغيّرَةَ»: قِيلَ به، فإن زاد «المتفاحِشَةَ»: كَمُلَ، فلم يجد أصلاً؛ فإن علل فقال: «ماء طاهر فيجوز الوضوء به»: نقض بماء الباقلاء المغلي، فينحصر بين القول بالموجب والنقض. وإذا قال الشافعي في تمكين العاقلة (١) مجنونًا: «جنون أحد المتواطئين فلا يدرأ الحد، كجنون الموطوءة»، قال الحنفي بالموجب ومَنَعَ، واستند لنفي المقتضي؛ إذْ فعل المجنون ليس بِزِنًا، فليستْ مَزْنِيًّا بها؛ فإِنْ حَرَّرَ الشَّافعي، فقال: «(فلا ينهض) (٢) الجنون سببًا»: تعذَّرَ القولُ بالموجب؛ لأنَّ الجنون عند الخصم عِلَّةُ الْعِلَّة، وهي سبب. *** ٤ - ومنها: النقض، وهو: «وجود العِلَّة بدون الحكم». فقيل: مُبْطِلٌ. وقيل: لا. المبطل: * تعارضت (٣) الشَّهادتان: لها وعليها. * وأيضًا: ادعي (٤) عموم النصب فأخلف. لا يقال: أدعي ما لم يمنع

стр. 248

مانع؛ لأنا نقول: هو كالمتحدي، وشرطه: عموم العجز (١). * واستُدِلَّ أيضا: العِلَّةُ المنقوضة لا يتناولها الإجماع (٢). ورُدَّ: بالمنع، بل كانوا لا يتكلفون التقييدات، فإن عَنَّ ناقض: علوه. غير المُبطل (٣): * تخصيص العلة كتخصيص العام، فقُبِلَ (٤). مَنَعَهُمُ القاضي وجود صيغ للعموم (٥). فإن قاله معتزلي؛ فالتخصيص عنده يجب اقترانه، فليوجب (٦) تقييد العلة ابتداء. وهو (٧) عند غير المعتزلي استبانَةُ قَرينة لم تزل؛ ولو فُقِدَت، لكان العام نَصَّا. قال الإمام: هذا مذهب الشافعي (٨)، ومختارنا خلافه. وتحقيق الرد: أَنَّ التمثيل (٩) بالعام الظاهرِ، ثُمَّ قبول تأويله بدليله؛

стр. 249

مُستندهُ الإجماع، والمعلل مُستنده ظنُّ النَّصبِ، والنَّقْصُ يُوهِنُهُ. * قالوا: جازَ تخصيص العِلَّةِ بِزَمان - إذْ تخلَّفَ التحريم عن الإسكار حتَّى (١) حُرِّمَتْ (٢) -؛ فَلْيَجُز تخصيصها بمسائل. * قلنا: العِلَّةُ علامة؛ فاتبع فيها نصب الشارع، وله الحكم والنسخ، وليس ذلك إلى المُستنبط. * قالوا: صحت المنصوصة المنقوضة، فالمستنبطة كذلك. * قلنا: الفرقُ أَنَّ للشارع الحكم بلا عِلَّةٍ وبالطَّرْدِ. والمختار: * إن افترقت المنقوضةُ والنَّاقضة بفقه، فعكسه قيد (٣) أهمله المستدلّ، فينقطع، لاكتفائه بجزء عِلَّةٍ (٤). * وإن لم يفترقا: - وحكم الناقضة غير منصوص ولا إجماعي: فالعلة باطلة؛ لخُلف الدعوى. - وإن كان حكمها منصوصاً أو إجماعيًا:

стр. 250

- فإن كان مُعَلَّلًا: فالنَّقض وارد بمعارضة (١) العِلَّة الأخرى، وهي أقدح مِنْ المعارضة بعد تمامِ الدَّليلِ. - وإن كان تَعَبُّدا، - ومسألة النزاع في معنى مسألة النقض قطعا -: فالعِلَّةُ باطلة، لرجحان الإلحاق القطعي؛ (فإن لم) (٢) يكن كذلك: فهو نقض بالمستثنى، والمختارُ: أَلَّا يَرِدَ. وما كان تردُّدُ القاضي في أنَّ النقض مُبطِل - قطعا أو ظنَّا - إلَّا في هذه الصُّورةِ الأخيرة، وأما الأولُ: فالقطع بالإبطال بها واضح، والحُجَّةُ - لعدم القدح بالمستثنى - الاتِّفاقُ على صِحَّةِ عِلَلٍ نقضتها (٣) المستثنيات. ويُكتفى بأربع: الأولى: تعليل الضمان بالإتلاف ينتقض بحمل العاقلة، وهو تعبد. وتعليله بالمُعاونة باطل بالأموال، وهي أحوج للمعاونة؛ لكثرة إتلافها. وأيضا: فالعاقلة تحمل عن الموسر، وإِنَّما يُعان المُعسِرُ. الثانية: إذا قلنا: أمكنه مِثلُ المُتلَفِ فَوَجَبَ: انتقض بإيجاب التمر عن لبن المصرَّاةِ، ولم يقدح؛ لأنَّه (٤) تَعَبُّد، وتعليله بالجهل بالمحتلَب أَيَّامَ الاختبار منقوض بكُلِّ مِثْلِي جُهِلَ قَدْرُه؛ ثُمَّ خصوصيَّةُ التَّمر بماذا تُعَلَّلُ؟!

стр. 251

فإن قيل: بقطع النزاع. * قلنا: النقدان أقطع. الثالثة: إذا قلنا في البيع الفاسد: «معصية، فلا تثمر الملك الذي هو نعمة (١)»: انتقض بالكتابة الفاسدة، ولم يقدح؛ لأنَّ إلحاقها بالصحيحةِ تَعَبُّد. فإن زعم الخصم أنَّ التَّعَبدَ قادِحٌ؛ أُلزِم العاقلة، فيَخرِقُ الإجماع، وإن سلم أنه لا يقدح، فالكتابة منه. فإن قَنِعَ بالشَّبَهِ في إلحاق الفاسدة بالصحيحة، فقال: «الشَّبَه مقبول ليثبت الحكم، فَلَأَنْ يُقبَلَ لتحققِ النَّقض أولى». * قلنا: لا يتشابه صحيحا البيع والكتابة، فلا يتشابه فاسِدَاهُما. الرابعة: الاكتفاء بالخرص تَعَبُّد، فلم يَقْدَحْ فِي عِلَّةِ اشتراط الكيل والوزن حيث نشترطهما. فإن قيل: الخَرصُ معلَّل بأنَّه ضابط، وإن كان الكيل أضبط، فقد استعمل الكيل (٢) مع الوزن، والوزن أضبط. * قلنا: الخَرصُ حَدْسُ عُرفًا، والكيل والوزن ضابطان. ومثال القادح: أن يُعَلَّل قطع الخيار في بيع العبد الملطَّخ بالمدادِ؛ بأنَّه (٣)

стр. 252

لم يشترط الكتابة، فالمشتري (١) مُفَرِّطُ: فيُنقض بالمصرَّاةِ، وهي معللة بالتغرير الفعلي، وهبْ أنه ليس بالجَلِي إِلَّا أَنَّه قادحٌ. فصل (٢) قيل: تبطل دلالة الإيماء بالنقض؛ إذ لو كانت عِلَّةً، لا طردت بعرف الشَّرع كالاستنباط. وقيل: لا؛ اعتبارا بظاهر اللفظ. والمختار: إن كان الإيماء نَصَّا: تصحيح التعليل، وحمل النقض على الاستثناء؛ وإن كان ظاهرًا: إبطال التعليل. وجعل الأستاذ النَّصَّ على التعليل أيضا على التعميم، فمَنَعَ ورود النقض (٣)؛ لأنَّ العِلَّةَ عنده مجموع ما يجب الحكم عنده، فدخل فيها: «وجود الشَّرط، ونفي (٤) المانع، وقَيْدُ نفي المحل الذي يُتخيَّلُ نَقْضا». ***

стр. 253

فَضْلٌ (١) إذا عمَّم المستدِلُّ النَّصْبَ بلفظه (٢)، فورد نقض، فقال: «عنيتُ الخصوص»: فإن كان النَّقْضُ مُبْطِلاً؛ فالعناية مردودة، وإلا فمقبولة، ولا ينقطع، والأحسنُ: التَّحَرُّزُ. وقيل: ينقطع للخُلْف اللفظي. وكذلك استعماله المُجْمَلَ (٣): قيل: انقطاع. وقيل: لا، فيُفَسِّرُ. أمَّا استفسارُ المعترض له عن الظاهر فمردود؛ فإن أسعفه فبيان (٤) تقصير، لا تفسير. *** ٥ - ومنها عدم التأثير (٥)؛ إما في الوصف أو في الأصل: الأَوَّلُ: وجود الحكم بدون العِلةِ، ووروده ينبني على امتناع اجتماع العلل، وقد جوزناه عَقْلاً، وقلنا: (لا يقع) (٦) (٧).

стр. 254

وقد يُظَنُّ وقوعه في مسائلِ الفرضِ (١)؛ لتَخَيَّلِ اشتمال المفروضة على عِلَّةٍ خاصة لأجلها فُرضت، وعِلَّةٍ عامَّةٍ لصُوَرِ (٢) الدعوى، بها يُطابق الجواب. والتحقيق: اتحاد العِلَّة في الفَرضِ؛ ونُوضّحه فنقول: الفرضُ مُستهجن ومستحسن: المُستهجن: إذا سئل الشَّافعي عن ضمان الضيف المغرور: فبرأه، وفرض في المُكرَه، فالفَرضُ مُستهجن؛ إذ براءة المكره لأنه آلة، وبراءة الضيف لأنه مغرور. ففي كُلِّ مسألة عِلَّةٌ مُباينةٌ، فتقاطعتا. فلو جنح الشَّافعي إلى جَعْلِه بناءً، لا فرضا، فقياس المغرور - وهو مختار - على المكره باطل بالفرق، وبأنه قياس على فرع العِلَّة، والأصل لا منصوص ولا إجماعي. والمستحسن (٣): كما لو سُئل عن عتق الراهن فأبطله، وفَرَضَ في المعسر. وفائدته الخلاص من أن يُقال في الموسر: «سرى عتقه إلى ملك الشَّريكِ، فكيف يقف عن مُلكِه!»، أو يُقيم القيمة مقام العبد، فيحفظ (٤) حَقَّ

стр. 255

المرتهن؛ على أنَّ المصحح لعتقه لم يُنفذه لإمكان القيمة؛ بل لأنه تصرُّف مِنْ الأهل في المحل. فيقول الفارض في المعسر: «أَبطل (١) توثق المرتهن أصالة»، يشير إلى تَعَذُّرِ (٢) العين والقيمة، ومن هنا يُتخَيَّلُ اجتماع عِلَّتين؛ عامَّةٍ - وهي قطع الحقِّ مِنْ العين (٣) -؛ وخاصَّةٍ - وهي قطع الحقِّ من المالية. فنقول: المالية لغو؛ إذ الاعتماد عليها يُصيّر حق المرتهن في المطالبة بالقيمة، فهو كالمطالبة بالدِّينِ، ويُفوّت مقصود الرهن، ولهذا بطل رَهنُ الدين. أما إيجاب القيمة لو أتلفه الراهن: فضروري، لا أصلي؛ كتوزيع العوض على الصفقة (٤) المختلفة؛ لضرورة إتلاف أو شُفعة، لا بمقتضى (٥) العقد. فالعلة إذا: قطع الحقِّ العَينِي؛ فإن نفّذ أحدٌ عِتق الموسر، لا المعسرِ: فالعِلَّةُ أوضح اتّحادًا (٦) إذا، وهي قطع الحق المالي. ومن المستحسن: الفرض في صورة إتلاف المنافع؛ لإثبات الضمان فيها وفي التَّلْفِ. فيُتَخَيَّلُ فيها عِلَّتَانِ: التَّلفُ العَامُّ، والإتلاف الخاص.

стр. 256

فنقول: التلفُ اعتُبِرَ؛ تشبيها بالإتلاف، فإذا وجد الأصل لغا الفرع، فالعِلَّةٌ واحدةٌ، كمَنْعِنا الجمع بين نفي الجواز ونفي الكمال في: «لَا صِيَامَ» (١). فإذا استقر أنَّ اجتماع العلل غير واقع، فالعكس لازم، ما لم يثبت الحكم بتوقيف، لكن بيان التوقيف ساقط عن المستدل (٢)، بخلاف بيان التوقيف في النقض، وسببه أنَّ إشعار النفي بالنفي دون إشعار الثبوتِ بالثبوتِ، ومن ثَمَّ لو فرضنا عِللًا: لكان إشعارُ نَفْيِ كُلِّ واحدة بنَفْي الحكم، كإشعارِ جُزْءِ العِلَّةِ بالحكم، لا كإشعار المستقلة، وزوالها كزوال ترجيح. والذي أبطل العِلَّةَ إذا امتنع الطَّردُ بتوقيف، لا يبطلها إذ امتنع العكس بتوقيفٍ، فليتلمَّحِ الطَّالب تفاوت المراتب. أما عدم التأثير في الأصل: فهو تقييد عِلَّةِ الأصل بوصف لغو في الأصل؛ كقول الشَّافعيَّةِ في الأمة الكتابيَّةِ: «أَمَةٌ كافرةٌ، فلا يَنكِحُها المسلم؛ كالأمة المجوسية». فقيل ببطلانه؛ لأنَّ التَّمَجُّسَ في الأصل مستقل، والرِّقَّ لغو. وقيل بتصحيحه مؤيّدًا للتَّمَجُّسِ، وله تأثير جُملي في المنع؛ كالاستظهار على البيئة المستقلة. وضُعَفَ: بأنَّ المستظهر به مُتَهَيِّئٌ (٣) لوقوعه ركنا عند خلل أحد الشاهدين،

стр. 257

بخلاف الرق: * فإن قيد بما لا يؤثر ولا يُفيد: فالعِلَّةُ صحيحة، والتقييد هذرٌ (١)، وخلاف الأحسن؛ كتَرْكِ هيئة في العبادة. * فإن قيد به لدرء النقض: فقد تقدم. وقد لاح أنَّ قِسْمَي عدمِ التَّأثير ينشآنِ (٢) من الأصل، فالتقسيم تعسُّف. *** ٦ - ومنها: فساد الوضع، وهو نوعان: الأول: مصادمة القياس لتوقيف مقدَّم عليه (٣). الثاني: إشعار المعنى بنقيض الدعوى؛ وهو أفسدُ مِنْ الطَّردِ. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): اعتبار القصاص بالدِّيةِ ثبوتًا، والعكس سقوطاً، والحد بالمهر ثبوتا، والعكس سقوطاً؛ فساد وضع عند بعضهم؛ لأنَّ القصاص يسقط بالشبهة، والدية تثبت بها، وكذلك الحد والمهر (٥)، فتناقضا.

стр. 258

والحق: أنَّ القصاص قد يثبتُ بالشُّبهة في حال، والمهر قد يسقط بها في حال، فالقياس حال المناقضة فساد وضع، وحال الموافقة مستقيم، وكذلك (١) فصلنا في قياس الرُّخَص بالعزائم. والإطلاق (٢) حيث التفصيل خُلْفٌ. *** ٧ - ومنها: القلب (٣)، (وهو معارضة مع اتحاد الأصل والعِلَّةِ). ومنه: الصريح والمبهم. * الصريح: «عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدَّر بالربع؛ كغيره»، فيقلبه الحنفي: «عُضو من أعضاء الوضوء، فلا يُكتفى فيه بالأقل؛ كغيره»: فقيل: برده؛ لأنَّه أجنبي، لا مُناقِضُ. وقيل: بورودِه، لأنَّه يُناقض المقصود، وهو آكد من المعارضة؛ لاتحاد أصله، وتعداد أصلها، وهو في المثال المذكور معارضة الفاسد بالفاسد لفسادِ القياسين؛ إذ جامعهما طردي. فإن قيل: هلا كان شَبَها؟ * قلنا: الأعضاء مختلفة استيعاباً وتبعيضا وغسلا ومسحا. * قالوا: الثلاثة متشابهة في عدم التقدير بالربع، وهو المقصود.

стр. 259

* قلنا: شَبَةٌ مُعارَضُ بما افترقت فيه، فلعل الاشتباه (١) وفاق (٢). وعُمدةُ الشَّافعي: إطلاق المَسْحِ في الكتاب، ودلالة السُّنَّةِ على الاقتصار، والتحديدُ بِلا توقيف تحكم؛ فتعين الأقل. فإن قيل: فلو فرض الجامع مناسبًا، وقُلِبَ؟ * قلنا: مناسبة النقيضين (٣) محال. نعم، يُمْكِنُ وقوعه شَبَهَا - يُريدُ (٤) بأحد تفسيريه -. والمختار: إن تناقض المقصودان لإجماع - لا قائل: فلا يرد؛ لجواز الجمع بين الحكمين، كمذهب مالك في المثال. وإن تناقضا إجماعاً: فوارد؛ كقول الحنفي: «لبت في مكان مخصوص، فلا يقع قربةً بنفسه، كالوقوف بعرفة»، والمقصود اشتراط الصوم في الاعتكاف، ولو صرّح به، لم يجد أصلا. فيقول الشافعي: «فلا يُشترط فيه صوم، كالوقوف». وفي المثال بحث، وهو: أن اشتراط الصوم - وهو عبادة مستقلة - في عبادة عديمُ النَّظير (في الفروع) (٥)، ولا كذلك الوقوف مع الحج؛ فإنَّه جُزْؤُهُ، فضَعُفَ القياس لإبهامه ولغرابته، وسَلِمَ القلب منهما.

стр. 260

فلو استعمله الشافعي قياسًا، وقلبه الحنفي: ترجَّح الشافعي بالأمرين. والقلب كالمعارضة، يُجاب بالترجيح، لا كالنقض المتجه؛ فإنه يقطع. *** * المبهم قسمان: تسوية وغيرها: فغير (١) التسوية، كقول الحنفي: «صلاةٌ شُرِع فيها الجماعة، فلا يُثَنَّى ركوعُها كصلاة العيد»؛ فيقولُ الشَّافعيُّ: «فَجَازَ اختصاصها بشعار (٢)، كصلاة العيد». والمختار: وروده، فليُجَبْ (٣). وردُّه القاضي بوجوه: * منها: أنه قَلْبٌ مُنْقَلِبُ، إِذْ يقولُ: «فلا تختص بزيادة هي ركوع». واستُضْعِفَ؛ إذْ كُلُّ قَلْبٍ ومعارضة كذلك. * ومنها: الترجيح بالتصريح؛ وهو اعتراف بأنه (٤) صحيح. * ومنها: قصور المبهم ووفاء المصرّح.

стр. 261

واستضعف بأنَّ المبهم وَفَّى (١) بالمقصود. التّسوية: كقول الحنفي في طلاقِ المُكرَهِ: «مكلَّف قاصد للطلاق، فيلزم؛ كالمختار». فيقول (٢) الشَّافعي: «فيستوي إقراره وإنشاؤه؛ كالمختار». فمَن رَدَّ المُبْهَمَ (٣)، رَدَّهَا؛ ومَن قَبِلَهُ: اختلفوا؛ والمختار القبولُ. الرَّادُّ: لو صرّح القالب بمقصوده، لناقض الأصل؛ إذْ مقصوده تسوية في السقوط، والأصل تسويةٌ في اللُّزوم. أُجيب بأنَّ المقصود مطلق التسوية؛ فإذا ثبتت: تقيَّدت بالسقوط بإجماع لا قائل. *** ٨ - المعارضة أنواع (٤): * منها: مصادمةُ العِلَّةِ بعِلَّةٍ تقتضي نقيض حُكمِها. رُدَّت وقبلت. الراد: المعترض بها بان. أُجِيبَ: هو بان صورةً، هَادِمٌ قصدًا، ولهذا إنْ رجَّح، تعدَّى. القابلُ: المُسْتَدِلُّ الْتَزَمَ سلامةَ العِلَّةِ، ودفع المعارضة شرطها. ثُمَّ هي

стр. 262

أقوى الاعتراضات؛ لاستقلالها دليلًا. وأيضًا يسوغ للمعترض عَضُد تأويل ظاهر المستدل بدليل - وهو صورة البناء -، ويُقبَلُ؛ وإِلَّا لَزِمَ انحسام تأويل الظاهر، أو قبول التأويل بلا دليل، أو ألَّا يُعارِضَه إلَّا بظاهر - وقد يَفْقِدُه ـ؛ ثُمَّ هو معارضة. وعلى (١) قبولها: فجوابها بالإفساد، أو الترجيح؛ وإِلَّا انْقَطَعَ. قال الرَّادُّ: منعتُم السَّائل الترجيح، فيلزم فساد معارضته بَدْءًا (٢)! * قلنا: تكفيه (٣) معارضة الفاسد بالفاسد. وللمعترض معارضة ترجيح المُستدل بترجيح مساو؛ فإن ثنَّى: فقد تعدى، بخلاف ما لو رجّح بأقوى؛ إذْ فصل (٤) المزيَّة متعذر. * ومنها: معارضةُ عِلَّةِ الأَصْلِ، بِعِلَّةٍ موافِقَةِ. فإن قلنا بتعليل الحكم بعلتين: لم تَرِد؛ وإِلَّا وَرَدَتْ بشرط أن يُثْبِتَ المعترض عليَّتها بمسلك معتبر، فيعود المُستدِّلُ مُدَّعِيًا، فعليه الإبطال لتتعيَّنَ عِلتُه (٥) بالدليل. (وإن اقتصر على [ذكر] (٦) المعنى:

стр. 263

فقيل: دعوى، لا اعتراض. وقيل: اعتراض. وحاصله: أنَّ المستدِلَّ أخل بالشبر، وهو عند هؤلاء شرط اعتبارِ العِلَّة) (١). * * * ٩ - فَصْلٌ فِي الفَرْقِ (٢): رُدَّ وقُبِلَ. الرَّادُ: لم يَدَّعِ القائسُ المساواة مطلقا، فلا مناقضة. القابِلُ: قطعَ الأَوَّلُونَ به القياس واعتنوا به اعتناءهم بالجمع؛ كقول عبدِ الرحمن بن عوف: «إنَّك مؤدب، ولا أرى عليك شيئًا» (٣)، جمع بين التأديب وبين الحد المضبوط، بجامع الإذن الشرعي، فلا ضمان، ففرق عليٌّ ﵁ بأن الإذن في التأديب مقيد بما تسلَمُ معه العاقبةُ، والإذن في الحَدِّ مُطلَقٌ. ونَحْنُ نُفَصِّلُ، فنقولُ: رُبَّ فرقٍ يُحَقِّقُ طرديَّة الجمع بعد أنْ ظُنَّ مناسبًا، فَقَبُولُه وفاق: كقول الحنفي في البيع الفاسد: «معاوضةٌ بِتَرَاض (٤)، فتُفيدُ الملك،

стр. 264

كالصحيح»، (فيقول المفرق) (١): «المعنى في الأصل موافقةُ الشَّرع، بخلاف الفاسد»، وربَّما أورده قدحاً في المناسبة، لا فرقا؛ كقوله: «المعوَّلُ في التمليك على وضعِ الشَّرع، لا على التراضي». وكقول الحنفيّ في الشَّبَهِ: «طهارة بالماء، فلا تنوى؛ كالإزالة»، فيقول المفرّقُ: «الأصل طهارة عينيَّةٌ، والفرق (٢) طهارة حكمية». أما إذا قال المالكي في الهبة: «عقد تمليك فينقل الملك بالإيجاب والقبول، كالبيع»، فقال المفرِّقُ: «البيع معاوضة (٣)، والهبة بذل تكرهه الطَّباعُ، فاعتبر الإقباض (٤)؛ تقوية لدليل الرّضا»: فهذا فرق لا يحقق طردية الجمع، ولكنه أخص فقها (٥)، فهذا محل الخلاف: فقال مَنْ رَدَّ المعارضة - في الأصل والفرع أو أحدهما - بِرَدِّهِ. وقيل: بقبوله معارضةً.

стр. 265

والمختار: قبوله لخاصَّتِه (١)، وهي مناقضة فِقْهِ (٢) للجمع؛ فإن ترجح (٣) أحد الفقهين: اتَّبَعَ؛ وإن (٤) تساويا: فالمختارُ تَعَارُضُهُمَا، فينقطعُ المُستدِلُّ. *** * مسألة (٥): إذا أَبْدَى الفارقُ مَعْنَى في الأصل، وعَكَسَهُ في الفرع: فقيل: يلزم رَدُّ معنى الفرع لأصل (٦)، وبنوا على أنه معارضة، وأنَّ الاستدلال مردود. فقال القاضي: «مذهبي قبول الاستدلال، ولو رددته لقَبِلْتُه فَرقًا»، وبنى على خاصته - وهي المناقضة ـ، وقد حصلت وإن لم يكن أصل، لكن في ترجيح فقه الجمع حينئذ - لاستناده إلى أصل - نظر. * فرع مُرَتَّب (٧): إذا شرطنا رَدَّ معنى الفرع في الفرق إلى أصل؛ فلو أبداه في الأصل: فقيل: يلزمُه رَدُّهُ إلى أصل آخر.

стр. 266

وقيل: لا. المُلزِمُ (١) فرَّعَ على ردّ الاستدلال؛ فإذا تعارضت شهادة الأصلِ، سقطت حتى تنتهي إلى أصل متحدِ الشَّهادةِ. غير الملزم (٢): لو لزمه، للزِمَ المستدل ردُّ معنى الأصل إلى آخر، وربما عُرض فيه؛ فيتسلسل. أجاب الأوَّلُ: بأنه ينتهي إلى أصل تَتَّحِدُ (٣) شهادته، فتنقطع السلسلة، وكلاهما خَيْطُ عند مَنْ فَهِمَ خَاصَّةَ الفرق. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): إذا عَكَسَ الفارقُ في الفرع معنى في الأصل، فلم يُناقض فقه العكس فقه الجمع أو ناقضه على بُعدٍ، فاحتاج (٥) إلى مزيد في الفرع: فقيل بقبوله، بناءً على أنَّه معارضة. وقيل بِرَدِّهِ؛ بناءً على الخاصَّةِ وقد فُقِدَتْ، والزيادة الفقهية أجنبية عن الفرق، فلو كانت معكوسة في الأصل لاستد الفرقُ. ***

стр. 267

* مَسْأَلَةٌ (١): قد يُذْكَرُ مُبطل غيرُ الفرق على صيغة الفرق؛ كقول الحنفي: «المتعيّن بنفسه لا يفتقر لتعيين النية، كرد الغُصوب». فيقول المعترض: «أصلُ النَّيَّةِ مُشتَرَط في الفرع، غيرُ مُشتَرَطٍ في الأصل»، والتَّعيينُ وعَدَمُه فرعُ الثبوتِ أصلا. فصل (٢) يُدرأ الفَرقُ في الفرع بما يُبْطِلُ العِلَلَ. وأما في الأصل: فمن جوز اجتماع العلل قد يقول للفارق: «أقولُ بالمعنيين»، ولن ينجيه؛ لأنَّ الفرق معارضتان، وغايته أن درأ إحداهما، وقد نشأت عنهما خاصة المناقضة، وهي قائمة، فليستأنف الجواب. *** * مَسْأَلَةٌ (٣): الفرقُ بالأحكام: * إن ورد على قياس المعنى؛ فالفرق مرجوح؛ إذ هو شَبَه، والمعنى أرجح منه مطلقا.

стр. 268

* وإن ورد على قياس الدلالة؛ فجامِعُه (١) حكم، فيُقبل (٢)، ويلزمُ (٣) جوابه.

стр. 269

الْقَوْلُ فِي الاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ (١) ١ - منها: قصور (٢) العِلَّةِ. فقيل: قادح. وقيل: (لا. المثال: تعليل ربا النقدين بالنَّقْدِيَّةِ) (٣): (المصحح: مُخيلةٌ مدلولةٌ (٤) سالمةٌ، وقصورها معناه: «انطباق النَّص عليها، فهو أقوى لها». القادح) (٥): (لا تفيدُ) (٦)، والنَّصُّ كافٍ. وأيضا: النَّص قاطع، وهي مظنونةٌ، ومعناه كالأوَّلِ، أنَّها لا تفيد. وأُجِيبَ: تُفيدُ تحريم (التفاضل في) (٧) الفلوس.

стр. 270

مَنعوا الحكم؛ ولو سُلَّمَ: فهي (١) إذًا متعدّيةٌ. * قالوا: تُفيد بنفيها نفي التحريم، والاسم لقب، لا يفيده. * قلنا: الانعكاس غيرُ (مشتَرَطٍ؛ فلا يمتنع) (٢) ثبوت الحكم لأخرى؛ فإن أبطل العاكِسُ (٣) أخرى: انتفى الحكم؛ لعدم المُثبت، فأغنى؛ وإن عجز: انقطع. ثُمَّ النقديَّة (٤) في المثالِ غيرُ مُشعِرةٍ ثبوتًا، فكيف تُشعِر نفياً. والمختار: أنَّها مع النص لغو، ومع الظاهرِ تُفيده قُوَّةً؛ فكأنَّها (٥) تعدت من محلّ النُّصوصيَّةِ إلى محال الظهور، فقررت (٦) حكمها؛ ولولاها، لخرجت بالتأويل (٧). فإن قيل: فقوله ﵇: «لَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ … » (٨)، إن كان نَصًّا: فالنقديَّةُ لغو، أو ظاهرًا: فالإجماع منع التأويل، فهي لغو أيضًا.

стр. 271

* قلنا: سُؤَالٌ فُرُوعِيٌّ، والملخّصُ في المطعومات والنقدين: التعليل بالمقصود، وهو شَبَه بعيد. طريقة الحليمي: النَّظَرُ مأمور به ابتداءً، فقد يصادف القاصرة، فيتناولها الأمر. * قلنا: وقد يصادِفُ طَرْدًا (١)، فالكلامُ في صحة العِليَّةِ، لا في الأمر. * فرع مرتب (٢): إذا (قبلناها: فعارضتها) (٣) مُتَعَدِّيَةٌ: فقيل: تُرجَّح المتعدِّيةُ؛ لفائدتها - وهو المختار- (إذا أَخَالَتَا (٤) في ظاهر - وليست النقدية معارَضَةً؛ لأنَّ عِلَّةَ الخَصمِ باطلة-) (٥). وقيل: تُرجَّح (٦) القاصرة؛ لانطباق النَّص عليها. وقيل: لا ترجيح بالقصور والتَّعدِّي. ***

стр. 272

٢ - ومن الاعتراضات الفاسدة: إذا استدل بعدمِ الثَّمرة (١) على فسادِ المثمر، مثل: «نكاح لا يُفيدُ الحِلَّ مع إمكان الاستمتاع فيفسد، كما لو ردَّه (٢) الولي». فقال المعترض: «هذا تفريع، فيستلزم تسليم الأصل»، فهذا خيال؛ فإنَّ التلازم واضح، ونفي اللازم يوجب (٣) نَفْي الملزوم جزمًا، وهو أوضح أقيسة الدلالةِ؛ فإنَّه تلازم بين المقتضي والمقتضى (٤)، وغيره تلازم بين مقتضيين لمقتض واحد. ٣ - ومنها: النَّقض بأجنبي؛ كنقض الاقتيات في الزَّكاة بالربا، فإن ادعى تلازم الحكمين شرعًا، فليبين (٥)، أما المجتهد، فينظر في ذلك. ٤ - ومنها: الفرقُ النَّاشِئ عن انحطاط الفرع عن الأصل؛ كالفرق: بين النَّبيذ والخمر بكفر مستحِلَّ الخمر، وإِنَّما كَفَرَ؛ لأنَّ الأَصلَ قَطْعِيُّ، وبين المستولدةِ والمدبَّرة، بنقض بيع المستولدة، وإِنَّما نُقِضَ؛ لأنَّه قطعي، وهذا أجدر بأن يكون تصحيحا منه اعتراضا (٦).

стр. 273

٥ - ومنها (١) إذا قيس الوضوء بالتَّيَمُّم في النِّيَّةِ، فقال المعترض: «حكم التَّيَمُّم - وهو الأصل - متأخّرُ، فيلزمُ تأخُرُ (٢) المعلول عن العِلَّةِ». * قلنا: نلتزمه (٣)؛ لأنَّ العِلَلَ الشَّرعية أدلة، فقد تتأخَّرُ. ٦ - ومنها: قوله: «إذا ربطنا حكما بحكم في قياس الدلالة ليس أحدهما بأن يكون عِلَّةً والآخَرُ معلولاً بأولى من العكس»، فيفضي إلى اللبس (٤). وينبغي تمييزها كالعلل العقلية ومعلولاتها. والحق: إبطال العلل العقلية والأحوال. ونكتة قياس الدَّلالة الاستدلال بوجود أحد حكمي العِلةِ على الآخر لتلازم الثلاثةِ، فاستقام. ٧ - ومنها: إذا سئلنا عن النبيذ المسكر، فقلنا: «مسكر، فيحرم كالخمر (٥)»، فقال المعترض: العِلَّةُ صورة المسألة. فنقول: المعتبر المناسبة، وقد حصلت. ثُمَّ هي مشتركة، وكلُّ عِلَّةٍ كذلك، وإلا لو خَصَّتِ الفرع، انقطع القياس.

стр. 274

(١) ﴿المُرَكَّبَاتُ (٢) صورتها: أن يتفق الخصمان على حكم صورة، يعلله كُلّ منهما بغير عِلَّة الآخر، بحيث إن بطلت (٣) عِلَّتُه: مَنَعَ الحَكمَ؛ فالمركَّبُ الحكم خاصَّةً. غير أن الحكم قد يكون حكم القياس - وهو التركيب في الأصل ـ، وقد يكون وصف القياس - وهو التركيب في الوصف. * فالأصلي: متفاحش وغيره. المتفاحِش: «أُنثى فلا تُزوّج نفسها، كابنة خمس عشرة سنة». فامتناع تزويج بنتِ خمس عشرة وفاقٌ، لكنه عند القائس مُعَلَّل بالأنوثة، وعند خصمه مُعَلَّل بالصِّغَرِ؛ فإن قُدّر أنَّها صغيرةٌ، فالصغر مستقل، والأنوثة لغو، فهو كقوله: «مَسَّ، فصار كما لو مَسَّ وبال»؛ فإن أثبت القائسُ أنها كبيرة لتتعين الأنوثة، منع الخصم الحكم؛ فإن أضرب عن الأصل وأثبت عليَّةَ الأنوثة في الفرعِ، نكص للاستدلالِ: فأبطل المحققون القياس؛ لدورانه بين لغو الوصف ومنع الحكم

стр. 275

والرجوع إلى الاستدلال. وقبله غيرُهم؛ للاتفاق على الحكم، وألزموا القائسَ إثباتَ عِلَّةِ الأصل؛ فإن عجز: انقطع (١). وغير المتفاحِش: «بكر فتُجبَر، كابنة خمس عشرة»، وإجبارها وفاقٌ؛ للصغر عند الحنفي، وللبكارة عند الشافعي؛ فإن قدرت كبيرةً لتتعين البكارة، منع الحنفي الحكم، فأشبهت الأولى؛ فإن قدرت صغيرة، لم يستطع الحنفي إلغاء البكارة؛ لأنَّ الصَّغَرَ عند الشَّافعي ليس عِلَّةً؛ بدليل عدم إجبار الثيِّبِ الصَّغيرة عنده، ففارقت الأولى؛ غير أنه يلغو تعيين خمس عشرة، وهو محل لا علة» (٢). *** * والتركيب (٣) في الوصف: متفاحش وغيره. المتفاحش: قولنا في منع قتل المسلم بالذّمِّي: «لا يقتل المسلم قصاصا إذا قَتَلَ الذُّمِّيَّ بالمُثَقَّل، وكذلك (٤) إذا قتله بالسَّيفِ، كالأب (في ابنه) (٥)»، فهذا فاسد؛ لأن المثقل إن لم يكن آلة قصاص، فالحاصل قياس المخطئ على

стр. 276

المتعمّد؛ وإن كان آلة قصاص، منع الخصم الحكم؛ فبطل القياس على التَّقديرين. وغَيْرُ المُتَفَاحِشِ: كقولنا: في الثَّمرة التي لم تُؤَبَّرُ: «يتناولها اسم الشجرة، فتندرج في البيع، أصله: دخولها في الشفعة؛ كالأغصان»، فالمناسبة لائحة بين جُزْئِيَّتها (١) ودخولها في الشفعة؛ إذِ الشَّفعةُ تخصُّ الثَّوابت (٢). فإن قال الخصم: «عِلَّةُ دخولها في الشفعة قطع مُضارَّة المشتري. دليله دخول المأبورةِ في الشُّفعة». * قلنا: عِلَّتُنا صحت بالمناسبة، وهي العمدة، لا غلطكم في عِلَّةِ الضَّرر المتناقضة، بخلاف المتفاحش؛ فإنَّ عمدَتَهُ غَلَطُ الخصم، (كغلطهم في آلة القَوَدِ، وأنَّى يُستثار فقه الحكم من غلط الخصم) (٣) في فقهه! فإذا (٤) منعنا القصاص بين المسلم والذُّمِّي، وفرَضْنا في المسلم والذُّمِّيَّةِ، وقِسنا نفسيهما على طرفيهما، فالقياس صحيح معنوي أو شَبَهِي متعلق بغرض المسألة. فإن قالوا: «العِلَّةُ في الأطرافِ، أنَّها متبعضة (٥)، فاعتبر فيها النقصان

стр. 277

والكمال» (١): فذلك سوء نظر، وغرضنا حاصل بدونه. فهذا منتهى القول في التركيب صحة وفسادًا. ومن لواحقه: التَّعديةُ، وتَرِدُ مِنْ المعترض إيذانًا بأن منازعته في العِلَّةِ لم تكن (٢) مراءً، بل اعتقادًا، ولهذا فرع عليها، كما فرع (٣) المستدلّ على علته؛ وليس اعتراضا على التركيب، ولكن تَبَرُّوا عن المراء. فالملخص أنَّ التركيب ثلاثة: ١ - مردود جدلًا واجتهادا، وهو ما إذا جعل دليله غلط الخصم في المسألة، كالقياس على بنتِ خمس عشرة. ٢ - ومقبول فيهما، فهو (٤) إذا اعتمد على المناسبة، وكان الأصل إجماعيًا، كقياس النفس على الطَّرفِ. ٣ - ومقبول جدلاً، وهو إذا اعتمد على المناسبة، وكان الأصل بوفاقِ الخصمين. ***

стр. 278

القَوْلُ فِي الاسْتِدْلَالِ (١) هو: «مناسب لم يتعين أصله». قيل: بقبوله مطلقا، وقبله الشافعي ملائما، ورده القاضي. الرَّادُّ: لا يتناوله الإجماع، وأيضًا قبوله يؤدي إلى الانحلال، وإلى تحكم العقلاء كالأنبياء، فتذهبُ الأُبَهَةُ. الشافعي: الوقائع لا تخلو عن حكم بالإجماع الاستقرائي؛ إذ لم يتوقفوا عن فتيا؛ (بناءً على أنْ لا حُكم) (٢)، والمعاني المشهود لأعيانها لا تفي، فيتعينُ، ثُمَّ الذي يُثير المصلحة هو المعنى، لا الأصل، والملائمة تؤمن (٣) الانحلال، وحاصلها تقريب معنى الاستدلال من معاني الأصول بالاشتراك النوعي. وإذا قبلنا القياس - وهو تقريب محلَّ من محل بواسطة المعنى - فتقريب المعنى من المعنى أجدر. ***

стр. 279

* مَسْأَلَةٌ (١): الرجعية مُحَرَّمَةُ الوَطْءِ عند الشَّافِعِيِّ، مُبَاحَةٌ عند الحنفي. وتمسك الشَّافِعِيُّ بالاستدلال الملائم، فقال: «تَرَبُّصُهَا لبراءةِ الرَّحِمِ يُنَاقِضُ التَّسْلِيطَ على شُغْلِه، فيحرم». وتمسك له أصحابه بالقياس على المعتدةِ البائنِ. واعترض بالتركيب؛ فإنَّ البينونة مستقلة، والعِدَّةُ لَغْوٌ، فهو كقياس البالغة على الصغيرة بجامع الأُنوثة. وأجابوا بأنَّ الأنوثة طرد: فبطلتْ، والعِدَّةُ مُخِيلةٌ: فصحتْ، واجتمعت عِلَّتَانِ. والمختارُ: اجتمع تحريمانِ لِعِلَّتي العِدَّةِ والبينونة، وتحريم البينونة منفصل؛ بدليل ثبوته في المبانة قبل الدخول ولا عِدَّةَ، أَمَّا تحريم المعتدة: فلا (٢) ينفصل إلا بتقديرها غير بائن - وهو عين محل النزاع ـ، فيصير تجريد العِدَّةِ عن البينونة كتجريد البول عن المس، وهو التركيب المردود، ويعود استدلالاً، ولا يمكنُ إلَّا كذلك. فإن قيل: أيستتب (٣) قياسًا على المعتدة عن وطء شُبهة طارئ على النكاح؟

стр. 280

* قلنا: لا، إذ في الأصل مناسب (١)، وهو خوف اختلاط المائين، وفي الفرع مناسب آخر وهو التَّرَبُّصُ عن الزوج، وفيهما لقب، وهو اسم العِدَّةِ، فالمشترك طرد غير مناسب، والمناسب غير مشترك. * فإن قيل: فهل تصححونه استدلالا؟ * قلنا: نعم، بعد إبطال مذهب الخصم في أن الوطء رجعة تقطع العِدَّةَ (٢)، إذ المناقضةُ إِنَّما تَستتب إذا كانت العِدَّةُ قائمة مع الإباحة. * فإن قيل: فما المختار في قول القائل: «حِلُّ الوطء والاحتساب بالأقراء متنافيان؛ بدليل أنَّ المتربصة قبل الطلاق لما حلَّتْ لم تحتسب بالأقراء». * قلنا: هذا أمثل، وجواب الخصم أوضح منه؛ إذْ يقول: «المتربّصَةُ قبل الطلاق لم تحتسب؛ لأنَّ تربُّصَها لا يؤدّي إلى البينونة، بخلاف تربصها بعد الطلاق؛ إذ يؤدي إلى البينونة». * فإن تعلَّقَ المحرّم بأنَّ الطَّلاق كما أوجب المصير إلى البينونة، فليُوجب (٣) التحريم: انتقض بِحِلَّ المعلق طلاقها على رأس الشهر. * فإن تعلَّق بأن الاحتياج إلى الرجعة دليل التحريم: رُدَّ بأَنَّ (٤) الرَّجعة لقطع البينونة المتوقعة، لا للتحليل.

стр. 281

فَصْلٌ (١) الاستدلال المقبول عندنا: هو المناسب الذي لا يقويه (٢) من ذي الأصل إلا شهادة الأصل له. والمردود: هو الذي يصادمُ الأصولَ؛ كالمنقول عن مالك أنه يقتل ثلث الأُمَّةِ لاستبقاء ثلثيها؛ دفعاً لأعظم الضررين، فيلزمه شرع العقوبات النادرة على الفواحش النادرة، كقطع الشَّفَة ونحوه؛ استرسالاً في المصلحة. والمعلوم أنَّ الصَّحابة وقع لهم مثل ذلك، فلم يجاوزوا (٣) الحدود المنصوصة، ولما حدث الإكثار من الخمر، لم يهجموا على زيادة في عقوبته، حتى تيقنوا (٤) أنه لم يكن محدوداً في زمنه ﵇، ومع ذلك قال علي (﵇) (٥): «لا أقيم حَدًّا في نفسي منه شيء إلَّا حدَّ الشَّارب؛ لأنه شيء رأيناه بعد النبي ﷺ » (٦). ***

стр. 282

فصل يُعترض الاستدلال باعتراضات القياس، خلا المختصَّةِ بالأصلِ، فَيَرِدُ النَّقض والمعارضة وطلب الإخالة، وتقديم ذي الأصل عليه (١). ويفسد من الاعتراضات عليه ما يفسد على القياس. ولا يُستعمل الشَّبَهُ استدلالاً؛ إذْ مِنْ ضرورتِه مُشَبَّةٌ، ومُشَبَّةٌ به. فصل في الاستصحاب (٢) نُصوّره (٣) بالسَّبرِ، فنقول: إذا ثبت حكم في صورة بدليل، فاستمرت بحالها، فالحكم فيها بالدليل الأصلي، لا الاستصحاب، وإطلاق الاستصحابِ هنا لاحتمالِ النَّاسخ غير مقصودِ الفصل. ويُقابله: أن يثبت في صورة، (فيستصحب في صورة) (٤) مقاطعة لها (٥)، فهذا ليس استصحابًا، وحاصله احتكام. فإن ثبت في صورة، فتغيَّرت: فاستصحاب الحكم فيها بعد تغيرها هو

стр. 283

المختلف فيه: فقيل: بقبوله دليلا. وقيل: ترجيحا. الرَّادُّ: تغيرُ الصُّورةِ يُصيّرها كالصورتين، فالاستصحاب احتكام. مثاله: قول أبي حنيفة: تُستأنف فريضةُ الشَّياه بعد مائة وعشرين من الإبل؛ استصحابًا للفريضة المبتدأة، ومعارضة الشافعية له باستصحاب فريضة الإبل - وهي الثابتة (١) -. وكلاهما باطل، واستصحابُ الشَّافعيَّةِ أقرب؛ لأنَّ الشَّياه وجبتْ أَوَّلاً حَذَرَ التشقيص، وتخفيفًا على المقل، ولا كذلك المكثر. فإن قيل: مَنْ تيقن الطهارة، وشك في الحدث، استصحبتم له يقين (٢). الطهارة! * قلنا: هذا لُبابُ (٣) الفصل، وليس المراد مجامعة اليقين للشك وجودًا، ولكن حكم اليقين. ثُمَّ لانخرام اليقين أحوال: * قد يخرمه ظن بعلامة بيِّنَةٍ؛ فالظَّنُّ المتَّبَعُ.

стр. 284

* وبعلامة خفية - كعلامة التحري في الأواني: - فإن تقدَّم يقين طهارة أحدهما ونجاسة الآخر، والعلامة للتعيين: اعتُبرت؛ (لتساقط الأصلين) (١)، فتخلو عن المعارض؛ - فإن تقدم يقين (٢) طهارتهما (٣): فقيل: تلغو العلامة بالاستصحاب لضعفها. وقيل: تُعتبر (٤). * وإن لم تكن علامةٌ البَتَّةَ (٥): فالاستصحاب. ومستنده الإجماع، ويُقبل دينًا وجَدَلًا، كما لو قال: «الأضحية لا تجب؛ لأنَّ الأصل براءةُ الذِّمَّةِ، ولم تثبت أمارة تَشغَلُها»، فهذا كافٍ؛ فإنْ تَتَبَّعَ الأمارات المتخيلة بالإبطال، فأجدر. ***

стр. 285

كِتَابُ التَّرْجِيْحِ (١) هو (٢): «تغليب أمارة على معارضها؛ لقوتها» (٣). واستعمله الظاهرية في الألفاظ، وأنكره جُعَلُ، وهو محجوج بالإجماع المتواتر. واحتج القاضي لمنكره بسقوطه في البينات. ورد: بالمنع؛ فقد رجح فيها مالك ﵁، ولو سلم: فالفرق غلبةُ التَّعَبدِ في البيِّنات، ولو سلم: فلا (٤) يُعارَضُ القاطع بقياس ظَنِّي. ولما كانت العلوم متساوية: امتنع الترجيح في القواطع. *** * مَسْأَلَةٌ (٥): قالت الأئمة: لا ترجيح في المعقولات، أي: المعلومات، أما العوام:
следующие страницы →