أدلة القول الثالث: (تسقط الشفعة، ويبقى الشقص وقفاً).
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - قول الرسول ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (١).
فيجب إبطال الشفعة هنا؛ لأن في إثباتها إضراراً بالموقوف عليه؛ لأن حقه في العين الموقوفة يزول عنه بغير عوض؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري.
والشفعة إنما شرعت لرفع الضرر اللاحق بالشريك، فلا يرفع هذا الضرر بضرر آخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر (٢).
ونوقش: بأنه مسلم بأن الضرر لا يزال بالضرر، لكن ضرر الشريك سابق على ضرر الموقوف عليه، فيقدم.
٢ - أن الشفعة إنما تثبت في المملوك، فعلى القول بخروج الوقف عن الملك فلا شفعة فيه، وعلى القول بثبوت الملك للموقوف عليه، فإن ثبوت الشفعة هاهنا يوجب رد العوض إلى غير المالك وسلبه عن المالك (٣).
ونوقش: بأنه بمجرد بيع الشريك ثبت حق الشفعة لشريكه، فالوقف أصلاً لم يصادف محلاً، فنحن لا نسلم صحة الوقف أصلاً.
٣ - أن وقف العين يشبه استهلاكها؛ لأنها خرجت عن كونها قابلة للملك التام، ولا شفعة في المستهلك (٤).
ونوقش: بما نوقش به الدليل السابق.
стр. 1017
الترجيح:
القول الراجح هو القول الأول؛ حتى لا يزال ضرر الوقف بضرر أسبق منه، وهو قطع حق الشريك عليه تمشياً مع قاعدة: الضرر لا يزال بالضرر، ولمناقشة دليل القولين الآخرين، والله أعلم.
стр. 1018
المبحث الرابع: تزويج الأمة الموقوفة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم تزويج الأمة الموقوفة
اختلف العلماء في حكم تزويج الأمة الموقوفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز تزويج الأمة الموقوفة مطلقاً.
وهو مذهب الحنفية (١)، وهو قول للشافعية (٢)، وصرح النووي بأنه الأصح، وهو مذهب الحنابلة (٣).
القول الثاني: أنه لا يجوز تزوجها.
وهو وجه عند الشافعية (٤).
القول الثالث: أنه لا يجوز تزوجها بحال إلا إذا طلبته.
وهذا وجه عند الحنابلة (٥).
стр. 1019
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١)، وهذا يشمل الأمة الموقوفة.
وغير ذلك من الأدلة الحاثة على التزويج.
(٢٤٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: " رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا " (٢).
وجه الدلالة: أن الإسلام نهى عن التبتل، وفي منع الأمة الموقوفة عن الزواج تبتل نهى عنه الإسلام.
(٢٤٩) ٣ - ما رواه أحمد من طريق الزهري، عن عروة قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون -أحسب اسمها خولة بنت حكيم- على عائشة وهي باذة الهيئة، فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ فذكرت عائشة ذلك له، فلقي رسول الله ﷺ عثمان فقال: " يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك في أسوة، فوالله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده " (٣).
стр. 1020
وجه الدلالة: أن في منع الأمة الموقوفة من الزواج نوع من الرهبانية، وقد فشا الزنى براهبات النصارى بسبب منعهن من الزواج.
٤ - أن في تزويجها تحصيناً لها، ولا سبيل لتحصينها إلا عن طريقه؛ لأنه لا يباح للموقوف عليه الاستمتاع بها (١).
٥ - أن الموقوف عليه لا يتضرر بتملك غيره لمنفعة بضعها، حيث إنه لا يملك استيفاء تلك المنفعة (٢).
٦ - القياس على إجارتها بجامع أن كلا منها عقد على منفعتها (٣).
٧ - القياس على تزويج المستولدة حيث جاز تزويجها رغم أن فيها شبها بالموقوفة، حيث لا يجوز بيعها (٤).
أدلة القول الثاني: (لا يجوز تزويجها)
١ - أن في التزوج نقصاً في حق من يأتي من البطون؛ لأن التزويج عقد على منفعتها في العمر، وفيه تفويت منفعتها في حق البطن الثاني حيث إن النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني (٥).
ونوقش: بأن ما فات من الحق بتزويج الموقوفة إنما فات تبعاً لإيفائها حقها (٦).
стр. 1021
٢ - أن الموقوفة قد تلد إذا وطئها الزوج، وربما ماتت من الطلق فيفضي ذلك إلى هلاكها، والوقف لازم فينبغي أن تحرم الأسباب المؤدية إلى رفعه (١).
ونوقش: أن هذا الاحتمال غير معتبر، ولو ساغ اعتباره لحرم على الحرائر النكاح إذا كان يؤدي إلى الهلاك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، ولم يقل به أحد.
دليل القول الثالث: (لا يجوز تزويجها إلا إذا طلبته)
استدل أصحاب هذا القول: بأن التزويج حق لكل امرأة، فإذا طلبته الأمة الموقوفة تعينت الإجابة إليها، وما فات من الحق به فات تبعاً لإيفائها حقها، فلا يصلح أن يكون مانعاً قياساً على الأمة غير الموقوفة (٣).
ونوقش: أن استدلالهم على منع التزويج بأدلة القول الثاني مردودة بما ردت به تلك الأدلة هناك.
أما أدلتهم على التزويج عند الطلب فإنا نسلم بها على مشروعية التزويج، لكن لا تدل على عدم التزويج عند عدم الطلب.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة أدلته في مقابل أدلة القولين الآخرين، ولأن في منع الموقوفة عن الزواج ضرراً على الموقوفة من خوف الوقوع في الزنى، وبالتالي يكون ضرراً على المجتمع، فيحتمل ضرر الموقوف عليه لأجل دفع ذلك الضرر العام.
стр. 1022
المطلب الثاني: ولاية نكاح الأمة الموقوفة
اختلف العلماء ﵏ في ولاية تزويج الأمة الموقوفة على أقوال:
القول الأول: أن ولاية تزويجها للحاكم.
وبه قال الحنفية، والشافعية، وبعض الحنابلة (١).
ودليلهم: أن الوقف انتقل لله تعالى (٢).
القول الثاني: أن ولاية تزويج الأمة الموقوفة للموقوف عليه.
وبه قال بعض الشافعية، وهذا مذهب الحنابلة (٣).
ودليلهم: أن ملك الوقف انتقل للموقوف عليه، فملك تزويجها (٤).
القول الثالث: أن الناظر هو الذي يزوجها، فإن لم يكن ناظر خاص فالحاكم.
وبه قال بعض الشافعية (٥).
ودليلهم: أن الناظر هو الذي له ولاية التصرف، ويدخل في ذلك التزويج، فإن لم يكن ناظر خاص فالحاكم؛ لأن الملك انتقل إلى الله .
стр. 1023
سبب الخلاف: هو خلاف أهل العلم في ملكية الوقف (١).
والأقرب: القول الأول؛ لما تقدم تحريره من أن ملكية الوقف انتقلت إلى الله .
стр. 1024
المبحث الخامس: زكاة غلة أموال الوقف
إذا كان الوقف أو غلته مالا زكويًّا، فهل تجب فيه الزكاة؟
الوقف من حيث مصرفه إما أن يكون على جهة عامة أو قوم غير معينين، وذلك كالوقف على المساجد وعابري السبيل والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام ونحو ذلك، أو جهة خاصة، وبناء على هذا اختلف العلماء في حكم زكاة مال الوقف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن كان الوقف على معين كزيد أو أولاد زيد وجبت الزكاة في الغلة، وإن كانت على جهة عامة أو غير معينة بأشخاص لم تجب.
وبهذا قال الشافعية في الصحيح المشهور من مذهبهم، والحنابلة على الصحيح من المذهب، وبه قال أبو عبيد (١) وغيرهم.
واحتجوا على ذلك بالآتي:
١ - عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الغلة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣)،
стр. 1025
وقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١).
(٢٥٠) ولما روى البخاري من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄ أن النبي ﷺ قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر" (٢).
وجه الاستدلال: أن الغلة الموقوفة على معين تعد مال زكاة توافرت شروط الوجوب فيه، بخلاف ما لو كان على غير معين، فإن شرط تمام الملك غير موجود؛ لأن الخارج من الأرض ليس له مالك معين فيخاطب بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾؛ وذلك أن الوقف إن كان على المساجد ونحو ذلك .. إلخ فهذا واضح، وإن كان على الأرامل أو اليتامى أو المساكين … إلخ، فإنه لا يتعين ملكهم إلا بالقبض، وأما الموقوف عليه المعين فإنه مالك حيث يعرف أن الغلة لا تخرج عن هؤلاء الأشخاص الموقوف عليهم بعينهم.
٢ - أن الوقف إذا كان على معين، فإنه يملك الغلة ملكاً تاماً يتصرف فيه جميع أنواع التصرف (٣) كسائر ما يملك.
٣ - قياسه على مستأجر الأرض بجامع أن كلاً منهما يملك الغلة، ولا يملك الأصل، فإذا وجبت على المستأجر فتجب على الموقوف عليه المعين.
стр. 1026
٤ - أن الوقف إنما هو الأصل والغلة طلق ليست محبسة، بل مملوكة للموقوف عليه فلم يمنع الحبس للأصل الزكاة في الغلة (١).
٥ - وأما إذا كان الموقوف عليه غير معين فلا تجب؛ لأن الوقف على المساكين مثلاً لا يتعين لواحد منهم؛ بدليل أن كل واحد يحتمل حرمانه ويحتمل إعطاؤه، وإنما يثبت الملك فيه بالدفع، والقبض لما أعطيه من غلته يعد ملكاً مستأنفاً، فلم تجب فيه الزكاة.
ثم إن ما أعطيه المسكين من غلة الوقف في هذه الصورة يعد كما لو قبضه من الزكاة، وكما لو وهب له أو اشتراه.
٦ - أنه ملك ناقص كما ذكر ابن رشد؛ إذ ليس لهذا المال مالك تجب عليه الزكاة.
٧ - قياساً على الوقف على المسجد.
٨ - أن مصرف الوقف هنا هو على المستحقين للزكاة كما في المساكين علما بأن المصرف قد يكون جهة ليست مستحقة للزكاة، ومع هذا فلا تجب الزكاة لكون الملك ناقصاً، وهذا يمنع القول بوجوب الزكاة فيها.
القول الثاني: أن الزكاة تجب في الغلة مطلقاً.
وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية (٢).
في المدونة: " وقال مالك: تؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة لله، وعن الحوائط المحبسة على قوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم. فقلت لمالك: فرجل
стр. 1027
جعل إبلا له في سبيل الله فحبس رقابها وحمل على نسلها، أتؤخذ منه الصدقة كما تؤخذ من الإبل التي ليست محبسة؟ فقال: نعم فيها الصدقة.
قلت لمالك: أو قيل له فلو أن رجلا حبس مئة دينار موقوفة يسلفها الناس ويردونها على ذلك جعلها حبسا هل ترى فيها زكاة؟ فقال: نعم أرى فيها زكاة ".
واحتجوا بالآتي:
١ - عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الغلة.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا العموم مسلم في غير المعين؛ لعدم توفر شرط وجوب الزكاة الذي هو تمام الملك في المعين.
٢ - قال مالك: " وقد تصدق عمر بن الخطاب وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ ، فالصدقة تؤخذ من صدقاتهم " (١).
ونوقش: بأنه لم ينقل بسند، وعلى فرض ثبوته فهو محمول على أن الوقف موقوف على معين.
(٢٥١) ٣ - ما روى أبو عبيد من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، قال: سألت سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد عن نخل جعلت رقابها صدقة، هل تخرص مع النخل؟ فقالا: " نعم " (٢).
ونوقش: ابن لهيعة ضعيف، وأيضا هو نقل عن تابعي فليس حجة، بل هو اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، ثم إنه قد حمله أبو عبيد ﵀-على أن المراد به الوقف على قوم بأعيانهم (٣).
٤ - أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض الذي هو الثمر أو الحب،
стр. 1028
وهو مملوك للموقوف عليه ملكاً تاماً يتصرف فيه كتصرفه في سائر ما يملك، فوجب أن تلزمه الزكاة (١).
ونوقش: بعدم التسلم؛ لأن الملك لم يتعين لواحد من المساكين بدليل أن كل واحد منهم يجوز حرمانه والدفع إلى غيره، وإنما يثبت هذا الملك لهم بالدفع إليهم، فملكهم ملك مستأنف حصل حين القبض فيكون كقبضه حقه من زكاة ونحوها (٢).
القول الثالث: أن الزكاة لا تجب في غلة الوقف مطلقاً.
وبهذا قال طاووس، ومكحول من التابعين، وغيرهما (٣).
واحتج لهذا بما يأتي:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: " أمر الرسول ﷺ بالصدقة فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب ..... وفيه: " وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله … " (٤).
وجه الدلالة: أن خالداً ﵁ لما طولب بالزكاة عن أثمان الأدرع على معنى أنها كانت للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ جعلها حبساً في سبيل الله (٥)، وكذلك الغلة.
ونوقش: بأنه لا يتم الاستدلال به إلا على التأويل الذي ذكروه بأن خالداً طولب بزكاة الدروع على معنى أنها للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أنها لا زكاة فيها لأنها محبسة، وهذا التأويل أحد الوجوه التي قيلت في المراد
стр. 1029
من الحديث فلم يتعين، قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكره: وهذا يحتاج لنقل خاص فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبسة (١).
(٢٥٢) ٢ - ما رواه أبو عبيد من طريق ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن عطاء بن كعب، عن عبد الكريم البصري: أن رجلا قال لابن عباس ﵁: إني جعلت عشرا من الإبل في سبيل الله، فهل علي فيها زكاة؟ فقال ابن عباس: (عضلة) أو معضلة يا أبا هريرة، ليست بأدنى من التي في بيت عائشة، فقل، فقال أبو هريرة: أستعين بالله، لا زكاة عليك، فقال ابن عباس: أصبت، كل ما لا يحمل على ظهره، ولا ينتفع بضرعه، ولا يصاب من نتاجه، فلا زكاة فيه، فقال عبد الله بن عمرو: أصبتما " (٢) (ابن لهيعة ضعيف).
٣ - أن الأرض ليست بمملوكة لهم، فلم تجب عليهم زكاة في الخارج منها؛ لأن من شروط الزكاة الملك وهو غير موجود هنا (٣).
ونوقش: بالمنع؛ فهناك من يقول إنها في ملك الموقوف عليهم، وقيل: بل باقية على ملك الواقف، وعلي التسليم فالموقوف عليه إذا كان معينا فهو مالك لمنفعتها، ويكفي ذلك في وجوب الزكاة بدليل الأرض المستأجرة للزرع (٤)، والله أعلم.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ولما فيه من الجمع بين الأقوال وأدلتها.
стр. 1030
ويتعلق بما تقدم مسألة بحثها الشافعية والحنابلة خاصة، وهي أنه إذا بلغ نصيب كل فرد نصاباً زكّاه على القول بالوجوب بلا خلاف.
وإن لم يبلغ نصيب كل فرد لوحده النصاب وبلغ بالجميع نصاباً، فيرجع حينئذ إلى التخريج على حكم الخلطة في غير الماشية، والمذهبان كما يلي:
١ - ذهب الشافعية في القديم، والحنابلة في الصحيح من المذهب (١) إلى عدم تأثير الخلطة في غير الماشية، فلا أثر للخلطة في وجوب الزكاة في الزروع والثمار.
وعلى هذا فلا تجب الزكاة في غلة الموقوف على معين إذا لم يبلغ نصيب الواحد بمفرده نصاباً وإن بلغ مجموع النصاب.
٢ - وذهب الشافعية في الجديد وهو رواية عن أحمد (٢) إلى تأثير الخلطة في غير الماشية ومنها الزروع والثمار، وعلى هذا تجب الزكاة في غلة الوقف إذا بلغ جميعها نصاباً، والله أعلم.
الفصل الثاني: التصرف المأذون فيه لسبب
وتحته مباحث:
المبحث الأول: استبدال الوقف.
المبحث الثاني: نقل الوقف.
المبحث الثالث: تغيير هيئة الوقف.
المبحث الرابع: توحيد الأوقاف.
المبحث الخامس: انتزاع الوقف للمصلحة العامة، أو الخاصة.
المبحث السادس: الاستدانة على الوقف.
المبحث السابع: رهن الوقف.
المبحث الثامن: تحكير الوقف.
المبحث التاسع: استثمار أموال الوقف.
المبحث العاشر: تحشية الكتب.
стр. 1031
تمهيد: المراد بنقل الوقف واستبداله:
نقل الوقف معناه: أن يقوم ناظر الوقف ببيع الوقف القائم ليشتري له بدلاً، ويكون هذا البدل وقفاً بدلاً من السابق، وسواءً تم ذلك عن طريق البيع، أو المبادلة، أو نحو ذلك.
والهدف منه: أن يستمر الوقف في عطائه ونمائه قدر المستطاع، كأن يكون ذلك البدل خيراً من الوقف القائم للواقف والموقوف عليه، كما إذا قلت منافع الوقف القائم وصارت إلى نفاد.
وإجماع أهل العلم قد انعقد على منع الاستبدال الذي يلحق الضرر بالوقف أو لا تتحقق المصلحة في الإتيان به (١).
стр. 1032
المبحث الأول: استبدال الناظر للوقف
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تعريف الاستبدال
قال ابن فارس: "مادة (ب د ل) أصل واحد، وهو قيام الشيء مقام الشيء الذاهب".
والاستبدال والإبدال في أصل اللغة: جعل شيء مكان شيء آخر، يقال: أبدلته بكذا إبدالاً أي: نحيت الأول وجعلت الثاني مكانه، وتبدل الشيء وتبدل به واستبدل به أي اتخذ منه بدلاً (١).
وفي الاصطلاح: إخراج العين الموقوفة عن جهة وقفها بتعويضها بأخرى، أو بيعها وشراء عين تكون وقفاً بدلها.
وكلا الصورتين أوردهما شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: " الإبدال يكون تارة بأن يعوض فيها بالبدل، وتارة بأن يباع ويشترى بثمنها بدل " (٢).
стр. 1033
الفقهاء يطلقون كلمة إبدال الوقف، أو استبدال الوقف، أو المناقلة في الأوقاف، ويريدون بها تنحية عين الوقف سواءً أكانت عقارا أم منقولا وأخذ عين أخرى مكانها لتكون العين الثانية مكان الأولى.
لذا كتب ابن نجيم الحنفي رسالة في هذا سماها: (تحرير الكلام في مسألة الاستبدال)، كما كتب ابن قاضي الجبل رسالة أخرى سماها: (المناقلة بالأوقاف).
المطلب الثاني: حكم اشتراط الواقف استبدال الوقف
إذا اشترط الواقف أن له أو لغيره حق استبدال الوقف، فاختلف الفقهاء في صحة الوقف والشرط على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يصح الوقف والشرط معاً.
وهذا هو القول الصحيح عند الحنفية (١)، وبه قال المالكية (٢)، وبه قال بعض الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤) إذا كان الشرط عند الخراب.
القول الثاني: أن الوقف صحيح، ولا أثر لذلك الشرط.
стр. 1034
وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وبعض الحنابلة (٢).
القول الثالث: أنه يبطل الوقف والشرط معاً.
وبهذا قال بعض الحنفية (٣)، وجمهور الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - الأدلة الدالة على صحة الشروط في عقد الوقف، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦)، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.
ولما سبق من الأدلة الدالة على صحة الشرط في عقد الوقف.
٢ - أن هذا شرط لا يبطل حكم الوقف؛ لأن الوقف مما يحتمل الانتقال من أرضٍ إلى أرض أخرى في حالة الخراب (٧).
ونوقش: بأنه دليل على صحة الوقف، ولا إشكال في ذلك، لكنه لا يستقيم دليلاً على صحة الشرط؛ لأنه لا ينبغي الحكم على كل شرط لا يبطل حكم الوقف بالصحة فقد يوجد مانع آخر من صحته، وهو هنا انعدام بعض الشرط حيث وجد المشروط مع انعدام الشرط.
стр. 1035
٣ - أن إلغاء الشرط إبطال للعمل بموجبه، والبيع عند الخراب ثابت، والثابت اشتراطه تأكيد له (١).
ونوقش: بأنه لا شك أن إلغاء الشرط إبطال للعمل بموجبه، لكنه لم يقم الشرط أصلاً في هذه المسألة حتى يكون له موجب؛ لأن الموجب ثابت بدون ذلك الشرط، فلا حاجة إليه، ولا أثر له، ولا يصح تسمية الثابت مشروطاً؛ لأن الشرط في الاصطلاح: هو ما يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده (٢).
وبيع الخراب موجود مع عدم الشرط كما سيأتي، فلو حكم بأن اشتراط الثابت يسمى شرطاً للزم انعدام هذا الثابت مع عدم الشرط، وليس الأمر هنا كذلك، فإن هذا الثابت ثابت ولو لم يوجد الشرط، فإذا كان كذلك تبين أنه لا أثر للشرط في هذه الحالة؛ لأن الاستبدال ضرورة منفعة للموقوف عليهم (٣).
أدلة القول الثاني: (بطلان الشرط)
استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:
١ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، وقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (٤).
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أبطل في هذا الحديث الشرط، ولم
стр. 1036
يبطل العقد وذلك في البيع فيقاس عليه اشتراط استبدال الوقف، فيبطل الشرط ويصح الوقف (١).
ونوقش: بأن مقتضى هذا الدليل قياس الشرط في الوقف على الشرط في البيع، وهو قياس مع الفارق؛ لأن البيع عقد معاوضة والوقف عقد تبرع، ولا يصح قياس عقد التبرع على عقد المعاوضة.
٢ - أن استبدال الوقف في حالة خرابه ضرورة ومنفعة للموقوف عليهم، ليبقى الوقف صدقة جارية، فلا أثر لاشتراط أمر ثابت ومقرر (٢).
٣ - أن اشتراط الاستبدال لا يؤثر في المنع من زوال الوقف؛ لأنه نقل وتحويل، والوقف يتم بذلك ولا ينعدم به معنى التأبيد في أصل الوقف، فيتم الوقف بشروطه، ويبقى الاستبدال شرطاً فاسداً (٣).
دليل القول الثالث: (بطلان الوقف، والشرط)
استدل لهذا القول: بالأدلة الدالة على عدم جواز استبدال الوقف.
وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على عدم جواز استبدال الوقف، وشرط الاستبدال فرع عن الاستبدال، وإذا لم يجز الأصل لم يجز الفرع.
ونوقش: بعدم تسليم الأصل، فيجوز استبدال الوقف عند الحاجة، والمصلحة كما سيأتي تقريره.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بصحة الوقف والشرط؛ لقوة ما استدلوا به، ولما سبق من أنه
стр. 1037
يصح شرط الرجوع في الوقف، فهنا من باب أولى، ولأن الأصل صحة الشروط في البيع.
المطلب الثالث: استبدال الناظر للوقف إذا لم تتعطل منافعه
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: استبدال الناظر للوقف إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة:
ومعنى ذلك: ألا يكون في استبدال الوقف بغيره فائدة ظاهرة أكثر من فائدة إبقائه، بل لا يكون في الاستبدال فائدة، أو يكون فيه فائدة يسيرة، فهل يملك الناظر الاستبدال، أو لا يملكه؟.
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على عدم ملكية الناظر لاستبدال الوقف إذا لم تتعطل منافعه، ولم يكن هناك مصلحة راجحة في استبداله، فقد قال بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 1038
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولا يجوز أن يبدل الوقف بمثله لفوات التعيين بلا حاجة " (١).
الأدلة:
استدلوا بالأدلة التالية:
١ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ " تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له: ثمغ، وكان نخلاً، فقال عمر ﵁: يا رسول الله إني استفدت مالاً، وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" (٢).
الشاهد من الحديث: قوله ﷺ : " لا يباع ".
وهذا الحديث واضح الدلالة.
٢ - أن مقتضى الوقف التأبيد، وتحبيس الأصل، بدليل أن ذلك من بعض ألفاظه والتصرف في رقبته ينافي ذلك، فلا يجوز (٣).
المسألة الثانية: استبدال الناظر للوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة:
ومن صوره: ما ذكره شيخ الإسلام ﵀ قال: " وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه، مثل: أن يقف داراً أو حانوتاً، أو بستاناً، أو قرية يكون مغلها قليلاً فيبدلها بما هو أنفع للوقف، فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء … وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة … ".
فالمقصود بالمصلحة الراجحة أن يكون بدله خيراً منه للواقف والموقوف
стр. 1039
عليه، كأن تقل منافعه ويكون غيره أنفع منه، وأكثر دراً على أهل الوقف، فهل يملك الناظر استبداله، أو لا يملكه؟.
منشأ الخلاف في المسألة:
إن منشأ الخلاف في مسألة استبدال الوقف راجع -فيما يظهر- إلى ما يأتي:
١ - أن الوقف فيه شبه من التحرير وشبه من التمليك، وما ينبني على ذلك الأمر من التصرفات المرتبطة بالملكية، قال شيخ الإسلام: " الوقف في شبه من التحرير وشبه من التمليك " (١)، وقال: " والمقصود هنا أن الوقف فيه شبه التحرير (٢) والتمليك، ولهذا اختلف الفقهاء في الوقف على المعين، هل يفتقر إلى قبوله كهبة أو لا يفتقر إلى قبوله كالعتق؟ " (٣).
٢ - ومما يؤثر في هذه المسألة النظر إلى تأبيد العين أو عدمه، ومدى دلالة النص على ذلك.
٣ - وكذا ما يثور حول سبب ضياع الأوقاف وتلفها، أو هو فتح باب الاستبدال أو ضده من الجمود على منع الاستبدال مطلقاً؟ (٤).
стр. 1040
قال ابن نجيم: "وقد شاهدنا في الاستبدال من الفقهاء ما لا يعد ولا يحصى، فإن ظلمة القضاة جعلوه حيلة إلى إبطال أكثر أوقاف المسلمين وفعلوا ما فعلوا".
وقال ابن عابدين: " ثم اتفق المتأخرون أن الأفضل أن لا يعلموا القاضي في زمننا، لما عرف من طمع القضاة في أموال الوقف ".
ومن أسوأ ما ذكروا ما جاء في الشرح الصغير: "من أن رزقة كانت موقوفة على مدرسة السلطان حسن، فباعها نظارها لذمي، ثم إن الذمي أوقفها على كنيسة، وكان المسلمون يزرعونها ويدفعون خراجها إلى الكنيسة".
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الناظر يملك استبدال الوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة.
وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وبعض الحنابلة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
القول الثاني: أن الناظر لا يملك استبدال الوقف، وإن كان هناك مصلحة راجحة ما دامت منافعه قائمة.
стр. 1041
وهذا هو الأصح المختار عند الحنفية، وعليه أغلبهم (١)، وبه قال المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (ملك الناظر الاستبدال)
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - ما روته عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم … " (٥).
وجه الاستدلال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه ﷺ واجباً لم يتركه، فعلم أنه كان جائزاً، وأنه كان أصلح لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعلم أن هذا جائز في الجملة، وتبديل التالف بتالف آخر هو أحد أنواع الإبدال " (٦).
стр. 1042
وقال ابن قاضي الجبل: " هذا الحديث دل على مساغ مطلق الإبدال في الأعيان الموقوفات للمصالح الراجحات " (١).
٢ - ما رواه عمر ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: " لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه " (٢).
وجه الاستدلال: قول عمر ﵁ في الحديث: (فأضاعه) يقتضي أن الذي كان عنده قد قصر في حقه حتى ضعف، فبيع لضياعه وضعفه، ولم ينكر الرسول ﷺ ذلك لكنه نهى عمر ﵁ عن شرائه، لتصدقه به.
والظاهر من الحمل في سبيل الله: أن المراد بذلك حقيقة الحبس، بل هو المتبادر من الحديث، خصوصاً وقد سماه (صدقة) في قوله: "ولا تعد في صدقتك"، ولفظ الصدقة من ألفاظ الوقف، كما في حديث عمر ﵁: "فتصدق بها عمر" (٣).
(٢٥٣) ٣ - ما رواه الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا المسعودي، عن القاسم قال: " لما قدم عبد الله بن مسعود ﵁ يعني إلى الكوفة كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجداً عند أصحاب التمر، قال: فنقب بيت المال، فأخذ الرجل الذي نقبه فكتب إليه عمر ﵁: " لا تقطع الرجل، وانقل المسجد، واجعل بيت المال في قبلته، فإنه لن يزال في المسجد مصل، فنقله عبد الله، فخط له هذه الخطة " (٤).
стр. 1043
وجه الاستدلال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إذا كان يجوز في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه، وعينه محترمة شرعاً أن يبدل به غيره للمصلحة، فلأن يجوز الإبدال بالأصلح والأنفع فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى " (١).
وقال ابن قاضي الجبل: "هذا الأثر … يدل على مساغ بيع رجحان المبادلة؛ لأن هذا المسجد لم يكن متعطلاً، وإنما ظهرت المصلحة في نقله لحراسة بيت المال الذي جعل في قبلة المسجد الثاني " (٢).
стр. 1044
قال ابن قدامة: "وكان بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه، فكان إجماعاً" (١).
وقال ابن تيمية: " وقد ثبت أن الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان غيرا صورة الوقف للمصلحة، بل فعل عمر بن الخطاب ما هو أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة القديم، فصار سوق التمارين، وبنى لهم مسجداً في مكان آخر" (٢).
وقال أيضاً: " فالمقصود أنه إذا أجاز الاستبدال في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه، وعينه محترمة شرعاً، فلأن يجوز الاستبدال فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى " (٣).
٤ - ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁: " أنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج " (٤).
٥ - ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت لشيبة الحجبي في كسوة الكعبة القديمة: " بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين " (٥).
قال ابن قاضي الجبل عن هذين الأثرين: " وهذا ظاهر في مطلق نقل الملك عند رجحان المصلحة " (٦).
(٢٥٤) ٦ - ما رواه البخاري من طريق صالح بن كيسان قال: حدثنا
стр. 1045
نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ " أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ كان مبنياً باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل … " (١).
وجه الاستدلال: أن اللبن والجذوع التي كانت وقفا أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر، ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة إذا اقتضت المصلحة ذلك (٢).
٧ - حديث جابر ﵄ أنَّ رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أُصَلِّي في بيت المقدس، فقال: "صَلِّ هَاهُنَا" فسأله، فقال: "صَلِّ هَاهُنَا"، فسأله فقال: "شَأْنك إذًا" (٣).
وجه الدلالة: ففي الحديث إبدال المنذور بخير منه، وكذا الوقف.
٨ - ما رواه أبي بن كعب ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقاً، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أد ابنة مخاض فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله ﷺ منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال له: يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي فزعم أن ما علي فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية
стр. 1046
عظيمة ليأخذها فأبى علي، وها هي هذه قد جئتك بها يا رسول الله فخذها قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة " (١).
وجه الدلالة: دل الحديث على استحباب إبدال الزكاة بخير منها، فإذا وجبت مثلاً بنت مخاض فأدى بنت لبون، أو وجبت بنت لبون فأدى حقه، أجزأ، وكذا الوقف (٢).
قال ابن قاضي الجبل: "ويتناول بمعناه الأعيان الموقوفات إذا ظهرت مصلحة الاستبدال بها على غيرها " (٣).
(٢٥٥) ٩ - ما رواه مسلم من طريق نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس ﵄ قال: "إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي ﷺ تسلم عليها، فأخبرتها ذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول ﷺ ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا مسجد الكعبة» (٤).
١٠ - إلحاق محل النِّزاع بمحل الإجماع، حيث إن الفرس الحبيس ونحوه إذا كان عاطلاً عن الصلاحية للجهاد جاز بيعه بالإجماع، وإن كان فيه نفع من وجه آخر من الحمل ونحوه، ومن المعلوم أن الفرس الحبيس ونحوه لو لم يبق فيه نفع مطلقاً لما أمكن بيعه؛ إذ لا يجوز بيع ما لا نفع فيه، فعلم
стр. 1047
أن منفعته ضعفت وجاز الاستبدال بأرجح منه، فعلم أن ذلك دائر مع رجحان المصلحة في جنس الاستبدال (١).
١١ - أنه جاز للحاجة تحلي النساء بالذهب والحرير، والتداوي بالذهب والحرير، وهذا لكمال الانتفاع، لا للضرورة التي تبيح الميتة، ونحوها، وكذا هنا يباع الوقف لكمال الانتفاع (٢).
١٢ - أن الأعيان الموقوفة كالدور، والمزارع، والمنقولات إنما وقفت ليعود ريعها على مستحقيه جرياً على مناهج المعروف، وطلباً لإيصال الريع إلى مستحقيه، فالمطلوب من ذلك وصول النماء إلى أهله ووقوعه في أيدي مستحقيه مع زيادته واستنمائه، فإذا ظهرت المصلحة في زيادة الريع وتنمية المغل، ولم يعارض معارض ظهرت مصلحة الاستبدال طلباً لتنمية المصالح وتكميلاً للمقاصد (٣).
١٣ - القياس على النذر الذي يوجبه الإنسان على نفسه، ويكون له أن يأتي بالبدل الأفضل ليقوم مقام هذا النذر، وكذا الحكم في الأضحية والهدي، وهو ما يمكن قياس إبدال الوقف عليه (٤).
١٤ - أن هذا استبقاء للوقف بمعناه عند تعذر إبقاء صورته (٥)، بل استبقاء للوقف في أحسن أحواله فيما يكون الاستبدال فيه للغبطة؛ إذ الجمود على العين مع تعطلها أو ضعفه تضييع للغرض من الوقف، وترك الاستبدال المتحقق المصلحة مخالف لمقصود الوقف ومصالح الواقف والموقوف عليه.
стр. 1048
أدلة القول الثاني: (عدم جواز الاستبدال)
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" (١).
وجه الاستدلال: هذا الحديث صريح في منع بيع الوقف، وهذا مطلق.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن المراد ببيع الوقف الممنوع في هذا الحديث البيع المبطل لأصل الوقف الذي لا يقام مقامه شيء، وإنما بيع ليؤكل، ويدل على ذلك أن النبي ﷺ قرنه بالهبة والوراثة.
قال ابن قاضي الجبل: " فالبيع والحالة هذه لا يجوز إجماعاً؛ لأن فيه إبطالا لأصل الوقف، وذلك لا يجوز عند العلماء المجمعين على صحة الوقف ولزومه، وإذا حمل البيع على هذا المعنى لم يتخصص بحال، فإن أحداً لا يجوز بيعه ليؤكل ثمنه " (٢).
الوجه الثاني: على تقدير أن المراد منع مطلق البيع ولو أقيم غيره مقامه، فإنه يقال: إن اللفظ مطلق دخله التقييد بحال التعطل أو رجحان المصلحة، فيحمل المنع على غير ذلك؛ لما سبق من أدلة أصحاب القول الأول، فلا يمنع من الخروج عن أصل منع البيع للوقف لمقتض كما خرجت مسائل قد أجمع عليها.
وما سيأتي إن شاء الله في مسألة الاستبدال عند التعطل.
стр. 1049
قال ابن قاضي الجبل: " … وهذا لأن قوله: لا يباع نهي أو نفي، وهو قابل للتخصيص أو التقييد في الأزمان والأحوال " (١).
٢ - حديث ابن عمر ﵄ قال: أهدي عمر بن الخطاب ﵁ نجيباً فأعطي بها ثلاثمئة دينار، فأتي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلاثمئة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: "لا، انحرها إياها " (٢).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عمر ﵁ عن استبدال الهدي، وهذا يدل على عدم جوازه، فكذلك الوقف قياساً عليه.
ونوقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنه ضعيف، كما في تخريجه.
الوجه الثاني: أن هذه القصة قضية عين ليس فيها النهي عن الإبدال مطلقا، مع أن الإبدال ليس هو قول المجيزين إنما أجازوا الإبدال بالأفضل، وليس في الحديث منع الإبدال بالأفضل (٣).
الوجه الثالث: على تقدير صحة هذا الحديث، فقد قال ابن قاضي الجبل: "بأن فرض المسألة كون العين التي وقع الاستبدال بها أرجح من الوقف وأولى، والعين التي أراد عمر ﵁ الاستبدال بها ليست أرجح من النجيبة بالنسبة إلى التقرب إلى الله ، بل النجيبة كانت راجحة على ثمنها، وعلى البدن المشتراة به؛ لأن خير الرقاب أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها، والمطلوب أعلى ما يؤخذ فيما يتقرب به إلى الله " (٤).
стр. 1050
الوجه الرابع: قال ابن قاضي الجبل أيضاً: "بأنه لا يلتزم عدم جواز الاستبدال في الأوقاف عند رجحان المصالح؛ لأن الوقف مراد لاستمرار ريعه، ودوام غلته بخلاف الهدي والأضحية " (١).
الوجه الخامس: أن المنع كان لمعنى في هذا الهدي، كما قال أبو داود عقب روايته الحديث: " هذا لأنه كان أشعرها ".
٣ - أن بيع الوقف حرام، فلا يباع إلا لضرورة، ولا ضرورة لقيام المنفعة (٢).
ونوقش: بأنه استدلال في محل النزاع، فبيع الوقف المحرم البيع الذي يؤدي إلى إبطال الوقف.
٤ - قياس الموقوف على الحر المعتق، فكما أن العتيق الحر لا يقبل الرق بعد عتقه، فكذلك العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد صحة الوقف (٣).
ونوقش: بأن الهدي الواجب والنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر التصدق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هدياً إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه؛ لأنه إتلاف للمالية بخلاف مسألتنا هذه فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصود، فتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبدال وبيعه، فصار شبهه بالهدي إذا عطب أولى من شبهه بالعبد إذا أعتق (٤).
٥ - أن استبدال الوقف إذا تعطلت منافعه إنما هو استبقاء للوقف بمعناه
стр. 1051
حيث امتنع بقاء صورته، وتعذر الانتفاع به كما شرط الواقف، فشرع الاستبدال حينئذ (١).
ويجاب: بأنه كما يقال بجواز الاستبدال عند تعطل الوقف كلياً تحقيقاً لاستبقاء الوقف بمعناه، يلزم كذلك القول باستبدال الوقف فيما يحقق الغبطة والمصلحة؛ لأن هذا استبقاء له وزيادة، كما أن المقصود فيهما تحقيق النفع للوقف، وهو مآل الصورتين، فلا فرق بينهما.
٦ - أن الاستبدال إنما يجوز للضرورة، فوجب الاقتصار عليه (٢).
وأجيب عن ذلك:
أ- أن قصر الاستبدال على الضرورة دعوى لا دليل عليها، وقد ثبت الاستبدال ولم يكن خاصاً بالضرورة، بل وقع الاستبدال فيما هو أنفع وأصلح كما في نقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وجعل الأول سوقاً للتمارين، وذلك كله إنما فعل تحقيقاً للمصلحة الراجحة لا لأجل تعطل منفعة ذلك المسجد، فإنه لم يتعطل بل لازال باقياً يمكن أداء الصلاة فيه، وإنما نقل لمصلحة بيت المال، فدل على أن النقل يجوز ما دام محققاً للأصلح وإن لم يتعطل (٣).
ب- أن بيع الوقف في عامة المواضع التي ثبت فيها الاستبدال لم يكن إلا مع قلة النفع لا مع التعطل الكامل، فالمتعطل بالكلية لا نفع فيه، وعليه لا يمكن استبداله (٤).
ج- أن القائلين بهذا القول إنما أجازوا البيع لما تعطلت منافعه بالكلية
стр. 1052
للضرورة كما ذكروا في دليلهم، وعليه فقد قرروا أن المبيع لا نفع فيه، ومن المتقرر أن بيع ما لا منفعة فيه لا يجوز (١).
فدل على ربط الاستبدال بالضرورة وما لا نفع فيه لا يسلم بوقوعها، ولو أمكن وقوعها لكانت ممنوعة شرعاً.
د- أنه لا ضرورة في بيع الوقف، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن هذه ليست ضرورة؛ إذ لا يحصل بعدمها موت أو مرض أو عجز عن الواجبات (٢)، إنما هي حاجة لتكميل المنفعة؛ إذ المنفعة الناقصة يحصل معها عذر يدعو إلى كمالها، وعليه فالاستبدال مشروع لكل ما كان أنفع للوقف.
ولا يسلم بهذا الإيراد على إطلاقه؛ إذ الحفاظ على الأوقاف قائمة منتجة من حفظ المال، كيف وهذا المال هو الوقف الذي عهد إليه الإسهام في تنمية المجتمع وسد حاجته.
هـ- وعلى التسليم بصحة الاحتجاج بالضرورة فإن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، واستبدال الأوقاف ولو لم تتعطل لتحقيق الأحظ من قبيل الحاجة العامة، فيكون لها حكم الضرورة الخاصة (٣).
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لاستبدال الوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة؛ لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من المصلحة الظاهرة للموقوف عليه،
стр. 1053
ولا شك أن التصرف في الوقف منوط بالمصلحة، ولأن ذلك وسيلة إلى استمرار الوقف إذا قام المولى عليه بذلك خير قيام.
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " والذي يظهر لنا بيع الوقف لاختلاله وقلة مغله، ووجود الغبطة والمصلحة في بيعه ليشترى به أصلح منه للوقف، كما اختار ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية وابن القيم، وأفتى به علماء الدعوة، وعليه العمل، ودليله واضح؛ لما روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب: " أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه " (١).
فرع:
ومن صور ذلك: إبدال المستقل بآخر مشترك.
إن من طرق تنمية الوقف استثماره بمشاركته لغيره، ومن صور هذه المشاركة أن يتم إبدال الوقف المستقل بآخر مشترك، وذلك بأن يتم تغيير الوقف ببيعه ليتم إبداله بجزء يشارك الوقف فيه غيره بما يعود على الوقف بالحفظ والنماء.
لذا فإن من أهم ضوابط مشروعية الاستثمار في مثل هذه الصورة -مع مراعاة ما سبق من ضوابط الاستبدال الوقف- ما يأتي:
١ - أن تكون هناك ضمانات تتعلق بتسجيل العقار باسم الوقف لا يكون سبباً في ضياع أصله، وينبه هنا أن هذا الاحتياط واجب في فاضل ريع الوقف المستبدل بمشترك كما يجب في أصله.
٢ - كما ينبغي ضبط مشروعية هذه الصورة بإمكان انفصال الوقف بما يملكه دون أن تكون هذه المشاركة للغير دائمة بتضمنها شروطاً تمنع ذلك،
стр. 1054
إلا أن هذا القيد ينبه إليه عندما يكون الشريك للوقف غير ممتلكات الأوقاف الأخرى.
٣ - كما يجب ملاحظة شرط الواقف، واتحاد الجهة الموقوف عليه من عدمه (١)(٢).
المطلب الرابع: استبدال الوقف إذا تعطلت منافعه
ومثال ذلك: الدار إذا انهدمت، والأرض إذا خرجت وعادت مواتاً، والمسجد إذا انتقل أهل البلد عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، فهل يملك الناظر استبداله، أو لا يملكه؟.
اختلف الفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الناظر يملك بيع الوقف والاستبدال به في مثله عند تعطل منافعه.
وهذا هو الأصح عند الحنفية (٣)، وبه قال الإمام مالك في رواية عنه (٤)،
стр. 1055
وبه قال بعض الشافعية (١)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
قال شيخ الإسلام: " ومع الحاجة يجوز إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة وصريحه الوجوب ".
جاء في رد المحتار: " لكن صار بحيث لا ينتفع به بالكلية بأن لا يحصل منه شيء أصلا، أو لا يفي بمؤنته فهو أيضا جائز على الأصح إذا كان بإذن القاضي ورأيه المصلحة فيه " (٤).
وجاء في الشرح الكبير: " فإن تعطلت منافعه بالكلية كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتا لا يمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، فإن أمكن بيع بعضه ليعمر به بقيته جاز بيع البعض وان لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه، قال أحمد في رواية أبي داود: إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه، وقال في رواية صالح: يحول المسجد خوفا من اللصوص وإذا كان موضعه قذرا. قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع الصلاة فيه، ونص على جواز بيع عرصته في رواية عبد الله.
قال أبو بكر: وقد روى علي بن سعيد: أن المساجد لا تباع وإنما تنقل آلتها، قال: وبالقول الأول أقول لإجماعهم على بيع الفرس الحبيس يعني