← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

لكن اشترط الحنفية للفسخ شروطا: الشرط الأول: أن يكون المؤجر الناظر بحكم الولاية لا الموقوف عليه، وهذا اشترطه أيضا الشافعية، والحنابلة. الشرط الثاني: أن تكون الزيادة فاحشة غير يسيرة. وهذا أيضا شرط عند الجميع - وتقدم تفسير الفاحش قريبا -. وقدر بعض الشافعية والحنابلة: الزيادة بالثلث. الشرط الثالث: أن تكون الزيادة في عامة أمثال الوقف لا بسبب ما أحدثه المستأجر فيه من العمارة. الشرط الرابع: أن تكون الزيادة حقيقية بمعنى أن لا يكون طالب الزيادة مريدا الإضرار بالمستأجر. الشرط الخامس: أن يمكن الفسخ بأن لا يكون للمستأجر في الأرض زرع لم يحصد، بل يترك إلى الحصاد بأجرة المثل، وما قبله فبالمسمى. الشرط السادس: أن يتحقق من الزيادة بأن يكثر الطالب بها، وإلا لم يعتبر جزما. وحجته: أنه بزيادة أجرة المثل تبين أن العقد الأول وقع بخلاف الغبطة، وفي ذلك ضرر على الوقف فيجب فسخه. القول الثالث: التفصيل فإن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر تأثر بها. وهذا وجه عند الشافعية (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم بعدم انفساخ الإجارة بزيادة

стр. 982

الأجرة؛ لأن العقد قد تم بشروطه، ولأن الأوقاف يلحقها ضرر من جهة أن الناس يعرضون عن استئجارها إذا علموا بجواز الفسخ عند زيادة الأجرة. المسألة الثالثة: نقصان الأجرة أثناء المدة. إذا أجر الناظر الوقف بأجرة مثله ثم نقصت، فطلب المستأجر نقص الأجرة، أو نقص العقد، فإنه لا يجاب باتفاق الفقهاء؛ للزوم الضرر على الوقف. ولأن العاقد معه وهو الناظر لا يملك ذلك؛ لأنه ممنوع من كل تصرف يضر بالوقف. ويستثنى من ذلك مصلحة الوقف، فإذا كان في الإقالة مصلحة للوقف جاز للناظر أن يقيل المستأجر. وكذلك إذا كان الناظر هو الموقوف عليه فله أن يجيب المستأجر في نقص الأجرة، أو الإقالة؛ إذ هو المالك للمنفعة، وله هبتها. المسألة الرابعة: إجارة الوقف بالعروض. القول الأول: يجوز عقد الإجارة على كل عوض يصلح في البيع. قال به المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). قال النووي: " يشترط العلم بقدر الأجرة ووصفها إذا كانت في الذمة .... ولو استأجره بقدر من الحنطة أو الشعير وضبطه ضبط السلم جاز .... ولو استأجره بأرطال خبز بني على جواز السلم في الخبر … ". وقال أيضا: " يجوز أن تكون الأجرة منفعة سواء اتفق الجنس كما إذا أجر دارا بمنفعة دار، أو اختلف بأن أجرها بمنفعة عبد، ولا ربا في المنافع أصلا .. ".

стр. 983

وقال ابن قدامة: " كل ما جاز ثمنا في البيع جاز عوضا في الإجارة؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، فعلى هذا: يجوز أن يكون العوض عينا أو منفعة أخرى، سواء كان الجنس واحدا، كمنفعة دار بمنفعة أخرى، أو مختلفا؛ كمنفعة دار بمنفعة عبد … ". القول الثاني: أنه لا يجوز تأجير الوقف بالعروض. وبه قال بعض الحنفية (١). وحجته: القياس على الوكيل. ونوقش: بأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين العلماء. الترجيح: يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لكن إن كانت مصلحة الوقف تقتضي عدم ذلك، فيمنع منه، إلا إن كان المؤجر هو الموقوف عليه فله ذلك؛ لما تقدم من أنه مالك للمنفعة. المطلب الثالث: مدة إجارة الوقف اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنه إذا اشترط الواقف على الناظر مدة معينة في إجارة الوقف، كسنة مثلاً، فإنه يجب على الناظر مراعاة الشرط، فلا يزيد على المدة المحددة، ما لم يكن في الزيادة مصلحة، أو

стр. 984

تكن هناك ضرورة، فيجوز ذلك، كما سبق بيان ذلك عند الكلام عن تغيير شرط الواقف. فقد قال بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). لكن إذا دعت المصلحة خلاف هذا الشرط لحاجة الوقف أو الموقوف عليه جاز مخالفته بعد إذن القاضي. قال ابن لجين: " ومراد المصنف عند عدم شرط الواقف، فإن نص على شيء فأجره الناظر أكثر منه لا يجوز، إلا إذا كانت إجارتها أكثر أنفع للفقراء، والناس لا يرغبون في استئجارها فللقيم أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يؤاجرها. وقال الخرشي: " ثم إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يشترط الواقف مدة، وإلا عمل على ما شرط، وربما إذا لم تدع الضرورة لعدم ذلك لأجل مصلحة الوقف. وقال الشربيني: " ويستثنى من إطلاق المصنف حال الضرورة كما لو شرط ألا تأجر الدار أكثر من سنة ثم انهدمت وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين". وقال البهوتي: " فإذا شرط ألا يأجر أكثر من سنة لم تجز الزيادة عليها، لكن عند الضرورة يزاد بحسبها ولم يزل عمل القضاة في عصرنا وقبله عليه ".

стр. 985

أما إذا لم يشترط الواقف مدة معينة في الإجارة، بل أطلق فإنه يجب على الناظر أن يفعل ما فيه مصلحة الوقف من الإجارة يومياً، أو أسبوعية، أو شهرياً، أو سنوياً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والواجب على الناظر أن يفعل مصلحة الوقف في إجارة المكان مُسَانَهة، أو مشاهرة، أو موايمة … " (١). أما بالنسبة لمدى صحة تطويل مدة الإجارة، فقد اختلف الفقهاء فيها على قولين: القول الأول: أن الناظر لا يملك إجارة الوقف مدة طويلة. وبهذا قال أكثر الحنفية (٢)، وبه قال المالكية (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥). واختلفوا في تقدير المدة التي تعتبر غير طويلة فقدرها الحنفية في المختار بثلاث سنين، وقال بعضهم: لا يزاد على ثلاث سنين في الضياع وعلى سنة في غيرها. وأما المالكية فقالوا: إن أجرت لمن مرجعها له فيجوز لعشر سنين، وإن كان لغير من مرجعها له فيقدر بالسنتين لا أكثر، واستحسن بعضهم كونه لأربعة أعوام.

стр. 986

وعند بعض الشافعية، وبعض الحنابلة: أنه لا يجوز أكثر من سنة. واستثنى الحنفية، والمالكية حالة الضرورة بأن تدعو مصلحة الوقف تأجيره أكثر من ذلك، كأن تخرب الدار الموقوفة على الفقراء، ولم يوجد ما تصلح به فتكرى لأجل ذلك لإصلاحها حتى لا يضطر لبيعها. لكن الحنفية قيدوا ذلك بأنه يجب أن يكون بعقود مترادفة لا بعقد واحد. القول الثاني: أن الناظر يملك إجارة الوقف مدة طويلة بشرط أن تكون معلومة، وأن يبقى المعقود عليه غالبا، والمرجع في ذلك إلى أهل الخبرة. وبهذا قال بعض الحنفية (١)، والشافعية في المشهور (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لعمر ﵁: " تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (٤). ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية … " (٥) الحديث. وجه الاستدلال بهذين الحديثين: أن رسول الله ﷺ بين في الحديث الأول أن الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ووصفه في الثاني بأنه صدقة جارية، وهذا يدل على أن الأصل في الوقف التأبيد والدوام والاستمرار،

стр. 987

وفي الإجارة الطويلة إبطال لهذا الأصل، ودافع لضعاف النفوس من المستأجرين إلى ادعاء ملكية العين الموقوفة، وبالتالي إبطال الوقف بالكلية (١). ٣ - أن الناظر إنما يلي إجارة الوقف ما دام حياً، والإجارة الطويلة قد تستمر إلى ما بعد الموت، فيكون قد تصرف في خارج حدود ولايته. قال ابن القيم في بيان هذه المفاسد: " .. وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنين بعد سنين، وكم فات البطون اللواحق من منفعة الواقف بالإيجار الطويل … وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العد " (٢). وقال صاحب الإسعاف: " إن المدة إذا طالت تؤدي إلى إبطال الوقف، فإن من رآه يتصرف فيها تصرف الملاك على طول الزمان يظنه مالكاً " (٣). دليل القول الثاني: (يملك الناظر إجارة الوقف مدة طويلة) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أن المستأجر يمكنه استيفاء المنفعة المعقود عليها منها غالباً، فتجوز (٤). ونوقش: بأن إمكان استيفاء المنفعة ليس بكاف لجواز إجارة الوقف مدة طويلة؛ لأنه قد يكون في الإجارة تملك لذات الوقف، كما سبق في أدلة أصحاب القول الأول. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول

стр. 988

الأول بعدم ملكية الناظر لإجارة الوقف مدة طويلة؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن القول به هو الموافق للعادة والعرف، ففي العادة أن الإجارة تطلق على ما إذا كانت مدة الانتفاع قصيرة كالسنة والسنتين، والعادة المطردة في زمن الواقف إذا عرفها تكون بمنزلة شرطه، فينزل الوقف عليها ويمتنع إيجاره مدة أطول من تلك المدة (١). ولما في الإجارة الطويلة من المفاسد الكثيرة، مثل أن تؤدي إلى اندراسه وتملكه. وهذا الترجيح فيما إذا لم تكن الإجارة الطويلة ضرورة أو أصلح للوقف، فإن كانت كذلك صحت؛ لأن مصلحة الوقف مقصودة (٢). وسئل الشيخ أبو زرعة: " عما يفعله حكام مكة من إجارة الدار الخربة الساقطة مئة سنة ونحوها ممن يقوم بعمارتها، ويقدرون ذلك أجرتها في مدة الإيجار ويأذنون في صرفه في العمارة، ويقرون الدار معه بعد عمارتها على حكم الإجارة السابقة من غير زيادة في الأجرة، هل هذا التصرف حسن يسوغ اعتماده وتكراره أم لا؟ لأن هذه المدة تؤدي إلى تملك الوقف غالباً، وذلك أعظم ضرراً من الخراب. فأجاب الإمام أبو زرعة بما ملخصه: أن منافع الوقف كمنافع الطلق، يتصرف فيها الناظر بالمصلحة، وقد تقتضي المصلحة تكثير مدة الإجارة وتقليلها، وحينئذ فيجوز إجارة الدار الموقوفة مدة تبقى إليها غالباً، ويختلف ذلك باختلاف الدور وباختلاف البلاد في أحكام ما يبنون به وإتقانه ومدة بقائه غالباً، فما يفعله حكام مكة من إجارة دور الوقف الخربة الساقطة مئة سنة أو نحوها عند الاحتياج لأجرة المدة المذكورة لأجل العمارة حسن،

стр. 989

يسوغ اعتماده إذا لم يكن للوقف حاصل يعمر به، ولا وجد من يقرض القدر المحتاج إليه للعمارة بأقل من أجرة تلك المدة، فإنه لا معنى لإجارة مدة مستقبلة بأجرة حالة من غير احتياج لذلك، وإنما استحسناه وشرعناه لأن فيه بقاء عين الوقف، وهو مقدّم على سائر المقاصد … " (١). فهذا النص يبين عمل الحكام بمكة المكرمة في أوائل القرن التاسع الهجري في إجارة أرض الوقف مدة طويلة بأجرة يدفعها المستأجر تعمر بها أرض الوقف. المطلب الرابع: أخذ ناظر الوقف أجرة على نظارته وفيه مسألتان: المسألة الأولى: استحقاق الناظر لأخذ أجرة على نظارته: وفيها أمران: الأمر الأول: استحقاق الناظر لأخذ أجرة على نظارته إذا شرطها له الواقف: إذا عين الواقف ناظراً وجعل لهذا الناظر أجرة من ريع هذا الوقف،

стр. 990

فاتفق أصحاب المذاهب على استحقاق الناظر لأخذ ما عينه له الواقف من الأجرة على نظارته: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). الأدلة: استدلوا بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول، وهي كما يلي: (٢٤٥) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " (٥). قال ابن حجر عن هذا الحديث: " هو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف " (٦). ٢ - ما رواه البخاري من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ " أن عمر اشترط في وقفه أن يأكل من وليه، ويؤكل صديقه غير متمول مالاً " (٧). قال الطرابلسي الحنفي: " ويجوز أن يجعل الواقف للمتولي على وقفة في كل سنة مالاً معلوماً لقيامه بأمره، والأصل في ذلك ما فعله عمر ﵁ حيث قال لوالي هذه الصدقة أن يأكل منها غير متأثل مالاً " (٨).

стр. 991

٣ - ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: " أنه جعل للعبيد الذين وقفهم مع صدقته يقومون بعمارة صدقته" (١). قال الطرابلسي بعد كلامه على الحديث السابق: " والأصل في ذلك ما فعله عمر ﵁ .... وما فعله علي بن أبي طالب ﵁ حيث نفقة العبيد الذين وقفهم مع صدقته ليقوموا بعمارته من الغلة، وهذا بمنزلة الأجير في الوقف" (٢). ٤ - قياس ناظر الوقف على الأجراء في الوقف، فإذا جاز للناظر أن يستأجر الأجراء لما يحتاج إليه من العمارة جاز له أن يأخذ أجراً على نظارته؛ إذ هو في حكمهم (٣). الأمر الثاني: استحقاق الناظر لأخذ الأجرة إذا أهملها الواقف: إذا لم يجعل الواقف للناظر أجرة، بل أهملها، فهل يستحق أخذها مطلقاً، أو لا يستحقه إلا بإذن القاضي؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الناظر لا يستحق الأجرة على نظارته إلا بإذن القاضي، ما لم يكن مشهوراً بالأخذ على عمله. وهذا قياس المذهب عند الحنابلة (٤). قال ابن مفلح: " .... وإن لم يسم له شيئاً فقياس المذهب إن كان مشهوراً بأخذ الجاري على عمله فله مثله، وإلا فلا شيء له " (٥).

стр. 992

القول الثاني: أن الناظر لا يستحق أخذ الأجرة على نظارته إلا بإذن القاضي. وهذا قول عند الحنفية (١)، وبه قال أكثر الشافعية (٢). القول الثالث: أن الناظر يستحق الأخذ على نظارته مطلقاً. وهذا القول عند الحنفية (٣)، وبه قال بعض الشافعية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: (لا يستحق الأجرة إلا بإذن القاضي، أو كان مشهوراً بالأخذ) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أولاً: استدلوا على عدم استحقاق الناظر لأخذ الأجرة إذا لم يستأذن القاضي، ولم يكن مشهوراً بالأخذ على عمله بما يلي: أن عمل الناظر في وقف يعلم أنه لم يشترط له فيه شيء دون طلبه أجرة على عمله دليل على أنه متبرع، فلا يستحق شيئاً (٥). ثانياً: أن الناظر يستحق أخذ الأجرة على النظارة ونحوها إذا كان مشهوراً بالأخذ على عمله: أنه إذا كان مشهوراً بالأخذ فكأنه شرط الأجرة عند قبوله للنظارة لمعرفة الواقف لحاله فيستحق أخذها؛ لأن " المعروف كالمشروط " (٦).

стр. 993

دليل القول الثاني: (لا يستحق إلا بإذن القاضي) استدل أصحاب هذا القول: بما استدل به أصحاب القول الأول على عدم استحقاق الناظر لأخذ الأجر إذا لم يستأذن القاضي، ولم يكن مشهوراً بالأخذ على عمله. ولكن يرد عليهم في استحقاق الناظر للأخذ إذا كان مشهوراً به: بما استدل به لأصحاب القول الأول على ذلك. دليل القول الثالث: (يستحق الأجرة مطلقا) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أن الناظر لا يقبل النظارة ظاهراً إلا بأجرة، والمعهود كالمشروط (١). ونوقش: بأنه اعتبر العرف، وهذا مسلّم فيه، فدل على أنه لا يأخذ مطلقاً. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول بأن الناظر لا يستحق أخذ الأجرة على نظارته إلا بإذن القاضي ما لم يكن مشهورا بالأخذ على عمله، أو دل عليه العرف؛ لما استدلوا به، وللقاعدة المتفق عليها " العادة محكمة " (٢). المسألة الثانية: مقدار أجرة ناظر الوقف: وفيها أمران: الأمر الأول: مقدار أجرة الناظر إذا شرطها الواقف في وقفه: إذا شرط الواقف أجرة للناظر وبين مقدارها فهل يستحقها؟ اتفق

стр. 994

أصحاب المذاهب الأربعة في الجملة على استحقاق جميع الأجرة التي شرطها له الواقف سواء أكانت بقدر أجرة المثل، أم أقل، أم أكثر. فقد قال بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). لكن اشترط الشافعية أن لا يكون الناظر هو الواقف. وعند الحنابلة: إذا كانت أكثر من أجرة المثل يشترط أن يكون الواقف قد اشترطها له خالصاً، فإن لم يشترطها له خالصاً صرف ما زاد على أجرة المثل على عمال الوقف وأمانه. والدليل على ذلك: ١ - الأدلة الدالة على وجوب العمل بشرط الواقف، وأن الأصل في شروط الواقفين الحل والصحة (٥). ٢ - أنه لما جاز أن يقدر للناظر مالاً معلوماً يأخذه في كل سنة أو في كل شهر من غلة الوقف من غير أن يشترط عليه القيام بأمر الوقف جاز له أن يقدر له ذلك مع تكليفه بالقيام بالوقف من باب أولى (٦). الأمر الثاني: مقدار أجرة الناظر إذا أهملها الواقف: إذا لم يشترط الواقف مقداراً معيناً أجرة للناظر على نظارته، بل أهمله، فما مقدار الأجرة التي يستحقها مقابل ذلك؟.

стр. 995

اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: أجرة المثل. وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقياس المذهب عند الحنابلة (٣)، وقول عند الشافعية (٤). القول الثاني: الأقل من أجرة المثل أو مقدار الكفاية. وهو قول الشافعية (٥)، وتخريج عند الحنابلة (٦). القول الثالث: قدر الكفاية. وهو قول للشافعية واختاره الرافعي (٧). القول الرابع: أن للناظر عشر الغلة. وبهذا قال بعض الحنفية (٨). الأدلة: دليل القول الأول: (أجرة المثل) أن أجرة المثل هي المعهودة والمتعارف عليها، فيجب المصير إليها كأن الواقف شرطها في وقفه؛ لأن المعهود كالمشروط (٩).

стр. 996

أدلة القول الثاني: (للناظر الأقل من أجرة المثل، أو نفقة المعروف) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله أباح لولي اليتيم أن يأكل بالمعروف، فدل على اعتبار النفقة، والناظر كولي اليتيم. ٢ - أن إعطاء الناظر الأقل من أجرة المثل أو نفقته بالمعروف أحوط للوقف، فيجب الأخذ مراعاة للوقف (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن مراعاة جانب الوقف إنما يجب اعتبارها إذا لم يكن على حساب الآخرين؛ لأنه إذا كان يجب دفع الضرر عن الوقف فكذلك يجب دفع الضرر عن غيره أيضا؛ لأن" الضرر لا يزال بالضرر (٣). ودليل القول الثالث: (الكفاية) أن الكفاية معتبرة في النفقات وغيرها. دليل القول الرابع: (للناظر عشر الغلة) لم أقف له على دليل، ولذا حمله ابن عابدين على أجرة المثل. حيث جاء في حاشية رد المحتار: " وعبر بعضهم بالعشر، والصواب: أن المراد بالعشر أجر المثل، حتى لو زاد على أجرة مثله رد الزائد كما هو مقرر معلوم " (٤). وقال ابن نجيم: " قد تمسك بعض من لا خبرة له بقول قاضيخان (وجعله

стр. 997

له عشر الغلة في الوقف) على أن للقاضي أن يجعل للمتولي عشر الغلات مع قطع النظر عن أجرة المثل " (١). ومما يدل على ضعف هذا القول أن بعض الأوقاف قليلة الغلة، والنظارة عليها شاقة، والعكس بالعكس. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول بأن للناظر أجرة المثل إذا أهملها الواقف؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن في ذلك تحقيقاً للعدالة بعدم إعطاء الناظر أقل مما يستحق، وعدم الأخذ من غلة الوقف أكثر مما يجب. المسألة الثالثة: الجهة التي تصرف منها أجرة ناظر الوقف: صرف أجرة ناظر الوقف من غلة الوقف مطلقاً، سواء نص الواقف على الصرف منها أم أطلق، وهذا عند عامة أصحاب المذاهب الأربعة (٢). وظاهر كلامهم: الاستدلال بمجمل ما تقدم في المطالب السابقة، ومنها فعل عمر وعلي ﵄. وقد ذهب بعض المالكية: إلى أن الجهة التي تصرف منها أجرة ناظر الوقف هي بيت المال، فإن لم يعط من بيت المال شيئاً فلا شيء له وأجره على الله، ولا يجوز الصرف من الغلة، فإن أخذها منها ردت منه (٣).

стр. 998

إلا أن بعضهم -أي بعض من قال بصرفها من بيت المال من المالكية- أجازها من الغلة إذا جهل أصل تحبيسها، ولا يعلم الموقوف عليه (١). دليل هذا القول: (أي قول بعض المالكية) استدل له بأن إدارة الأوقاف من أعمال الدولة، ومن الأمور التي يجب أن يقوم بها المحتسب الأكبر وهو الحاكم؛ وذلك لأنها في أكثر الأحيان مآلها إلى البر والصدقات والخيرات، فمن يقوم بشؤونها يكون كعمال الدولة، يأخذ أجرته من بيت مالها، لا من الأوقاف (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن المصالح الخاصة زادت في الأوقاف على المصالح العامة، فلا تكون الأجرة من عموم بيت المال، بل من خاصته بالوقف (٣). ولا يخفى ضعف هذا القول -قول بعض المالكية- فإنه يؤدي إلى ترك الأوقاف بلا نظار مما يؤدي إلى ضياعها؛ وذلك أن الناظر إذا علم أنه لا يعطى على نظارته شيئاً من الغلة، وأن حقه في بيت المال، وقد لا يعطى شيئاً فقد يترك النظارة، أو يهمل الوقف فلا يعطيه حقه في النظارة، وبالتالي يؤدي إلى ضياع الأوقاف وخرابها، والله أعلم. ومع ذلك فقد يكون لقول بعض المالكية وجه في الأوقاف التي تمخضت للخير، ولا تصرف إلا في وجوه البر أو المصالح العامة كالملاجئ والمصحات ونحوها، فإن إدارة مثل هذا النوع من الأوقاف يصح أن تتحمل

стр. 999

نفقاته الدولة؛ لأنها تؤدي بعض شؤونها، وتقوم ببعض واجباتها، وتحمل جزءاً من أعبائها، وتعاونها فيما تهدف إليه من إقامة مجتمع صالح (١). ويمكن الاستدلال لهم على ذلك بما يلي: أن الأجرة ومقدارها في هذه الحالة من مشروط الواقف، وشرط الواقف يجب الوفاء به ما لم يخالف حكم الشرع. المطلب الخامس: أثر الموت في إنهاء مدة إجارة الوقف وفيه مسائل: المسألة الأولى: أثر موت المستحق لريع الوقف في فسخ عقد إجارة الوقف: صورة ذلك: وقف على طلبة العلم في هذا المسجد، فمات أحدهم. لا ينفسخ عقد الإجارة بموت المستحق لريع الوقف المؤجر، بل يبقى ويكون قسط إجارة الوقف قبل موته لورثته، وقسط إجارة الوقف بعد موته لجهة الوقف المستحقة للريع بعده. قال الطرابلسي: " ولو مات بعض الموقوف عليهم قبل انتهاء مدة الإجارة يكون ما وجب من الغلة إلى أن مات لورثته، وما يجب منها بعد موته لجهات الوقف " (٢). وقال ابن حجر: " ولا تنفسخ الإجارة بموت البطن الأول ولا من بعده،

стр. 1000

سواءً أكان الوقف وقف ترتيب أم وقف تشريك، إلا في مسألة واحدة، وهي: ما لو شرط الواقف النظر لكل مستحق على حصته ما دام مستحقاً، فحينئذ تبطل الإجارة بموت المؤجر المستحق " (١). واستثنى بعض الشافعية حالة أخرى ينفسخ فيها عقد إجارة الوقف بموت مستحق الريع، وهي: فيما إذا كان المستأجر هو البطن الثاني؛ لمصيرها إليه بعد موت المستحق، قال الشربيني: " لو أجر الناظر للبطن الثاني فمات البطن الأول انتقلت منافع الوقف إليهم، فتفسخ الإجارة؛ لأنه صار مستحق المنافع، ولا يستحق لنفسه على نفسه " (٢). المسألة الثانية: أثر موت المستأجر في إنهاء مدة الإجارة: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن عقد إجارة الأوقاف لا يتأثر بموت المستأجر، فيبقى العقد على ما هو عليه ولا ينفسخ. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: أن عقد إجارة الأوقاف ينفسخ بموت المستأجر. وبه قال بعض الحنفية (٧).

стр. 1001

الأدلة: دليل القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعقود والشروط، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ (٢)، وما تقدم من أدلة وجوب الوفاء بالشروط (٣). ٢ - أن عقد الإجارة على العموم عقد لازم، فلا ينفسخ بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه، كالبيع، وكما لو زوج عبده الصغير أمة غيره ثم مات السيدان (٤). دليل القول الثاني: إلحاقاً للمستأجر بالمؤجر. ونوقش من وجهين: الأول: الفرق بين المؤجر والمستأجر؛ إذ المؤجر على القول الأول بانفساخ عقد الإجارة بموته انتقل حق الوقف إلى البطن الثاني، فموته يقطع تصرفه على البطن الثاني، بخلاف المستأجر. الثاني: أن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول بعدم تأثر عقد إجارة الوقف بموت المستأجر؛ للزوم عقد الإجارة، ولأن المدة مشروطة بين المؤجر والمستأجر، فيجب الوفاء؛ لعموم أدلة الوفاء بالعقود والشروط.

стр. 1002

المسألة الثالثة: أثر موت المؤجر في إنهاء مدة الإجارة: وفيها أمران: الأمر الأول: أثر موت مؤجر الوقف إذا لم يكن من أهل الاستحقاق على عقد الإجارة: إذا مات ناظر الوقف بعد أن عقد الإجارة على عين الوقف التي ليس هو من أهل استحقاق ريعها وقبل انتهاء مدة الإجارة، فلا تأثير لموته على عقد الإجارة ولا ينفسخ عقدها بموته. وهو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). جاء في أوقاف الخصاف الحنفي: " أرأيت إن آجر الوقف سنين معلومة، ومات قبل أن تنقضي هذه الإجارة؟ قال: لا تبطل الإجارة من قبل أنه لم يؤاجرها بملك، إنما آجرها للوقف " (٥). وقال ابن نجيم: " الناظر إذا أجر ثم مات، فإن الإجارة لا تنفسخ " (٦). وقال العدوي المالكي: " إن الناظر غير المستحق إذا أجّر الدار الموقوفة أو الأرض الموقوفة مدة، ثم مات فلا تنفسخ الإجارة " (٧).

стр. 1003

وقال عليش: "إن أجر غير مستحق كواقف وناظر مدة ومات قبل تقضيها، فلا يفسخ وهو كذلك " (١). وقال الشربيني: "ولا تنفسخ الإجارة ولو ذمه بموت العاقدين أو أحدهما .... ولا تنفسخ أيضا بموت متولي الوقف من حاكم أو منصوبه أو من شرط له النظر على جميع البطون " (٢). وقال ابن النجار: " وإن آجر الناظر العام لعدم الخاص، أو الخاص -وهو أجنبي- لم تنفسخ بموته ولا عزله قولاً واحداً " (٣). وقال البهوتي: " وإن كان المؤجر للوقف الناظر العام -وهو الحاكم- أو من شرط له الواقف النظر -وكان أجنبياً أو من أهل الوقف- لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله في أثناء المدة أو قبلها " (٤). والدليل على هذا: استدلوا على عدم انفساخ عقد الإجارة بموت الناظر المؤجر إذا كان أجنبياً بأدلة منها: ١ - أن الناظر إنما أجّر وتصرّف بطريق الولاية، ومن يلي النظر بعده إنما يملك التصرف فيما لم يتصرف فيه الأول (٥). ٢ - قياس ولي الوقف على ولي المحجور؛ لأن نظره عام على الجميع، ولا يختص تصرفه ببعض الموقوف عليهم، ولم يختص نظره بوصف استحقاق ولا زمنه (٦).

стр. 1004

على أن هناك قولاً لبعض الشافعية بأن العقد يتأثر في هذه الحالة، ولكن لا عبرة بهذا القول؛ لبعده وضعفه (١). الأمر الثاني: أثر موت مؤجر الوقف على عقد الإجارة إذا كان من أهل استحقاق الريع: إذا كان عاقد إجارة الوقف هو مستحق الريع، فمات في أثناء مدة الإجارة، ففي تأثير موته على العقد خلاف بين العلماء على النحو الآتي: القول الأول: أن عقد الإجارة لا ينفسخ بموت مؤجر الوقف إذا كان من أهل استحقاق الريع، إلا إذا كان قد أجره بأصل الاستحقاق، -بأن استحق النظر الموقوف عليه لكونه موقوفاً عليه- ومثله إذا شرط الواقف لكل فرد من كل بطن النظر في حصته مدة حياته ثم مات في أثناء مدة الإجارة. وبه قال كثير من الشافعية (٢)، وهو المذهب عند الحنابلة (٣). القول الثاني: أن عقد إجارة الوقف إذا أبرمه مستحق الريع انفسخ بموته مطلقاً. وهذا قول بعض الحنفية (٤)، وهو قول المالكية (٥)، ومقتضى إطلاق بعض الشافعية (٦)، وبعض الحنابلة (٧).

стр. 1005

القول الثالث: أن عقد إجارة الوقف لا ينفسخ بموت المؤجر، ولو كان مستحقاً مطلقاً. وهذا هو قول الحنفية (١)، وهو قول ضعيف لبعض المالكية (٢)، وهو مقتضى إطلاق بعض الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤). علماً أن الحنفية لا يجيزون للمستحق إجارة الوقف إلا إذا كان ناظراً. الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم الانفساخ) استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها: ١ - أن البطن الثاني يستحق العين بجميع منافعها تلقياً من الواقف بانقراض الأول، فلا تنفذ تصرفات البطن الأول عليه (٥). ٢ - أن المنافع التي بعد موت المستحق المؤجر إنما هي لغيره، فلا ينفذ عقده عليها من غير إذن ولا ولاية (٦). دليل القول الثاني: (الانفساخ) استدل أصحاب هذا القول: بأن ملك المنفعة انتقلت بالموت للبطن الآخر ممن يرجع إليه الوقف، فقد تبين أنه آجر ملكه وملك غيره (٧). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه ليس منطبقاً على كل أحوال الموقوف

стр. 1006

عليه، فإن الموقوف عليه إذا كان ناظراً على الوقف فهو إنما آجره باعتباره الوكيل الشرعي عليه لا باعتباره مالكاً للمنفعة مدة حياته فقط، فيسري تصرفه إلى انتهاء عقد الإجارة. دليل القول الثالث: (عدم الانفساخ مطلقاً) ما تقدم من أدلة القول الأول. ونوقش هذا الاستدلال: بالتسليم، لكن يستثنى ما ذكره أصحاب القول الأول؛ لقيام الدليل على ذلك.

стр. 1007

المبحث الثالث: الشفعة للوقف، وعليه تعريف الشفعة: الشفعة في اللغة: من الشفع، وهو الضم والزيادة (١). قال ابن فارس: " الشين والفاء والعين: أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين " (٢). وقال ابن دريد: " سميت شفعة؛ لأنه يشفع بها ماله " (٣). وفي الاصطلاح: عرف بتعاريف كثيرة، منها: أنها استحقاق الشريك في ملك الرقبة انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد (٤). وفيه مطالب: المطلب الأول: الشفعة للوقف في شركة الوقف صورة المسألة: أن تكون هناك أرض -مثلاً- مشاعة بعضها وقف، والآخر

стр. 1008

طلق، فإذا بيع الطلق، فهل لناظر الوقف أن يشفع على المشترى بحيث يكون الجميع للوقف. اختلف العلماء في ثبوت الشفعة للوقف في شركة الوقف على قولين: القول الأول: ثبوت الشفعة للوقف في شقص (١) شركة الوقف. وإلى هذا القول ذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣). القول الثاني: أنه لا شفعة للوقف في شقص شركة الوقف. وهذا هو قول الحنفية (٤)، وإليه أشار بعض الحنابلة (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: (٢٤٦) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق معمر، عن الزهرى، عن أبى سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (٦).

стр. 1009

(٢٤٧) ٢ - ما رواه الترمذي من طريق أَبِى حمزة السُّكَّرى، عن عبد العزيز بن رُفَيْع، عن ابن أبى مُلَيْكة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء" (١). فهذه الأحاديث تفيد بعمومها ثبوت الشفعة في كل شيء، فتدخل الشفعة في شركة الوقف في عموم تلك الأحاديث. ٣ - أن الحكمة من مشروعية الشفعة هو رفع الضرر الناشئ عن الشركة (٢)، وهذا الضرر كما يندفع عن الطلق بالشفعة كذلك يندفع عن الوقف بالشفعة، فتثبت الشفعة للوقف دفعاً لما قد يلحقه من ضرر (٣). دليل القول الثاني: أن الوقف لا مالك له، أو أن الملك فيه غير تام، والشفعة إنما تستحق للمالك ملكا تاماً (٤). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذه مجرد دعوى لا دليل عليها، والذي جاءت به

стр. 1010

الأدلة إنما هو رفع الضرر مطلقاً، وقطع النزاع الحاصل بسبب الشركة وهذا يشمل الوقف. الوجه الثاني: أنه لا يسلم أن الوقف لا مالك له، بل منفعته وثمرته ملك للموقوف عليه، والضرر كما يكون على العين يكون على المنفعة. الوجه الثالث: أنه اجتهاد مع النص. الترجيح: يترجح لي -والله أعلم- القول الأول؛ وذلك لدلالة النص عليه ولموافقته مقصد الشارع من رفع الضرر الناشئ عن الشركة، ولا شك أن مصلحة الوقف تقتضي إثبات الشفعة له، ففي إثباتها قطع لما قد يحصل من نزاع بين صاحب الشقص الآخر، وبين الموقوف عليه أو الناظر، والله أعلم. المطلب الثاني: الشفعة في وقف الشريك نصيبه صورة هذه المسألة: زيد وعمرو شريكان في أرض، فوقف زيد نصيبه من هذه الأرض، فهل للشريك أن يشفع؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: أنه لا شفعة للشريك. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١).

стр. 1011

القول الثاني: ثبوت الشفعة بكل ملك انتقل بعوض أو بغير عوض ما عدا الميراث. وهذا القول رواية ضعيفة عن مالك أفتى بها بعض المالكية (١)، وكذا حكي عن ابن أبي ليلي (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : " الشُّفعة فى كُلِّ شِرْكٍ فى أرض، أو رَبْعٍ، أو حائط لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحقُّ به حتى يُؤْذنه " (٣). وجه الدلالة: أن هذه الأدلة دلت على أن ثبوت الشفعة إنما كان في البيع، ويلحق به ما كان في معناه، والوقف ليس بمعنى البيع؛ إذ هو من عقود التبرعات. ٢ - أن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري بمثل السبب الذي انتقل إليه به (٤). ٣ - أن الشفيع في عقود المعاوضات يأخذ الشقص بثمنه لا بقيمته، وفي غيرها يأخذ بقيمته، فافترقا (٥).

стр. 1012

٤ - أنه ملكها بغير بدل، أشبه ما لو ورثها. دليل القول الثاني: (ثبوت الشفعة) أن الشفعة إنما ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وهذا الضرر موجود في الشركة كيفما كان، فينبغي أن تثبت الشفعة في هذه الحالة دفعا للضرر (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن الشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر عن الشريك، ولكن في الوقف زالت العين عن الواقف بغير بدل، ففي إثبات الشفعة ضرر على الموقوف عليه، والضرر لا يزال بالضرر؛ لقول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار " (٢). الوجه الثاني: أنه يلزم على قولهم أن تثبت الشفعة في الميراث، وهم لا يقولون به. الوجه الثالث: أن الأخذ بالشفعة يوجب على الشفيع للمأخوذ منه مثل ما دفع فيه، فإذا انعدم معنى المعاوضة، فلو أخذ الشفيع، فإما أن يأخذ بالقيمة، وإما أن يأخذ مجانا بلا عوض، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن المأخوذ منه لم يملكه بالقيمة، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الإكراه على التبرع ليس بمشروع، فامتنع الأخذ أصلا (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم ثبوت الشفعة للشريك؛ لقوة دليله، ولأن الأصل ثبوت الوقف وعدم انتقاله.

стр. 1013

المطلب الثالث: إذا كان الشقص من العين المشاعة قد باعه صاحبه، ثم وقفه المشتري قبل أن يشفع فيه الشريك في هذه الحال اختلف الفقهاء ﵏ في ثبوت الشفعة للشريك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الوقف باطل، وللشفيع أخذ الشقص بالشفعة. وهذا قول غلام الخلال أبي بكر عبد العزيز، واختاره ابن قاضي الجبل من الحنابلة (١). القول الثاني: أن الوقف صحيح، ولكن للشفيع نقضه وأخذ الشقص بالشفعة. وهذا هو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وهو رواية عن أحمد (٥). القول الثالث: أن الشفعة تسقط، ويبقى الشقص وقفاً.

стр. 1014

وهو رواية عن أبي حنيفة في المساجد (١)، وقال به بعض الشافعية (٢)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه جمهور الأصحاب (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄: " أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر، فاحتاج فأخذه النبي ﷺ ، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه " (٤). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أبطل التدبير من أجل حق الغرماء مع شدة نفوذ العتق وتشوف الشارع إليه، فكذا يبطل الوقف من أجل حق الغير، وهو الشفيع. ٢ - أن المريض لو وقف أملاكه وعليه دين، ثم مات رد الوقف إلى الغرماء والورثة فيما زاد على ثلثه، فإذا جاز إبطال الوقف هنا مراعاة لحق الغير، فلا يمتنع أن يبطل الوقف في مسألتنا مراعاة لحق الغير أيضا (٥). ونوقش هذا الدليل: بأن هذا القياس قياس مع الفارق؛ وذلك أن حق الغريم في أملاك المريض حق ثابت ومقدم حتى على الورثة، فلا يجوز لهم أن يقتسموا الأملاك قبل استيفاء الغريم جميع حقوقه بخلاف حق الشفيع في

стр. 1015

الشقص، فإنه لا يقدم على الورثة بالاتفاق، فلا شفعة في الميراث عند الجميع بالاتفاق (١). ٣ - أن حق الشفيع سابق على الوقف. أدلة القول الثاني: (الوقف صحيح وللشفيع نقضه، وأخذ الشقص بالشفعة) استدل أصحاب هذا القول على رأيهم بما يلي: ١ - قياس نقض الوقف على فسخ البيع من باب الأولى؛ وذلك أن الشفيع إذا كان يملك فسخ البيع الثاني والثالث مع إمكان الأخذ بهما، فلأن يملك فسخ عقد لا يمكنه الأخذ به من باب أولى (٢). ونوقش: أن هذا القياس قياس مع الفارق؛ وذلك أن الشفيع إذا فسخ البيع الثاني رجع المشتري الثاني بالثمن الذي أخذ منه فلا يلحقه ضرر، بخلاف نقض الوقف، فإن فيه إضرارا بالموقوف عليه؛ لأن ملكه أو منفعته تزول عنه بغير عوض (٣). ٢ - أن استحقاق الشفيع سابق على تصرف المشتري وجنبته أقوى (٤). ونوقش: بأن هذه الحجة إنما تنفع في غير الوقف كالبيع ونحوه؛ لأن وقف العين استهلاك لها، كما قاله ابن أبي موسى الحنبلي (٥)، وليس للشفيع منع صاحب الشقص من استهلاكه، والمستهلك لا شفعة فيه. ورد: بأن هذه مجرد دعوى لا دليل عليها.

стр. 1016

أدلة القول الثالث: (تسقط الشفعة، ويبقى الشقص وقفاً). استدل لهذا القول بما يلي: ١ - قول الرسول ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (١). فيجب إبطال الشفعة هنا؛ لأن في إثباتها إضراراً بالموقوف عليه؛ لأن حقه في العين الموقوفة يزول عنه بغير عوض؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري. والشفعة إنما شرعت لرفع الضرر اللاحق بالشريك، فلا يرفع هذا الضرر بضرر آخر؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر (٢). ونوقش: بأنه مسلم بأن الضرر لا يزال بالضرر، لكن ضرر الشريك سابق على ضرر الموقوف عليه، فيقدم. ٢ - أن الشفعة إنما تثبت في المملوك، فعلى القول بخروج الوقف عن الملك فلا شفعة فيه، وعلى القول بثبوت الملك للموقوف عليه، فإن ثبوت الشفعة هاهنا يوجب رد العوض إلى غير المالك وسلبه عن المالك (٣). ونوقش: بأنه بمجرد بيع الشريك ثبت حق الشفعة لشريكه، فالوقف أصلاً لم يصادف محلاً، فنحن لا نسلم صحة الوقف أصلاً. ٣ - أن وقف العين يشبه استهلاكها؛ لأنها خرجت عن كونها قابلة للملك التام، ولا شفعة في المستهلك (٤). ونوقش: بما نوقش به الدليل السابق.

стр. 1017

الترجيح: القول الراجح هو القول الأول؛ حتى لا يزال ضرر الوقف بضرر أسبق منه، وهو قطع حق الشريك عليه تمشياً مع قاعدة: الضرر لا يزال بالضرر، ولمناقشة دليل القولين الآخرين، والله أعلم.

стр. 1018

المبحث الرابع: تزويج الأمة الموقوفة وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم تزويج الأمة الموقوفة اختلف العلماء في حكم تزويج الأمة الموقوفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز تزويج الأمة الموقوفة مطلقاً. وهو مذهب الحنفية (١)، وهو قول للشافعية (٢)، وصرح النووي بأنه الأصح، وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: أنه لا يجوز تزوجها. وهو وجه عند الشافعية (٤). القول الثالث: أنه لا يجوز تزوجها بحال إلا إذا طلبته. وهذا وجه عند الحنابلة (٥).

стр. 1019

الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١)، وهذا يشمل الأمة الموقوفة. وغير ذلك من الأدلة الحاثة على التزويج. (٢٤٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: " رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا " (٢). وجه الدلالة: أن الإسلام نهى عن التبتل، وفي منع الأمة الموقوفة عن الزواج تبتل نهى عنه الإسلام. (٢٤٩) ٣ - ما رواه أحمد من طريق الزهري، عن عروة قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون -أحسب اسمها خولة بنت حكيم- على عائشة وهي باذة الهيئة، فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ فذكرت عائشة ذلك له، فلقي رسول الله ﷺ عثمان فقال: " يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك في أسوة، فوالله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده " (٣).

стр. 1020

وجه الدلالة: أن في منع الأمة الموقوفة من الزواج نوع من الرهبانية، وقد فشا الزنى براهبات النصارى بسبب منعهن من الزواج. ٤ - أن في تزويجها تحصيناً لها، ولا سبيل لتحصينها إلا عن طريقه؛ لأنه لا يباح للموقوف عليه الاستمتاع بها (١). ٥ - أن الموقوف عليه لا يتضرر بتملك غيره لمنفعة بضعها، حيث إنه لا يملك استيفاء تلك المنفعة (٢). ٦ - القياس على إجارتها بجامع أن كلا منها عقد على منفعتها (٣). ٧ - القياس على تزويج المستولدة حيث جاز تزويجها رغم أن فيها شبها بالموقوفة، حيث لا يجوز بيعها (٤). أدلة القول الثاني: (لا يجوز تزويجها) ١ - أن في التزوج نقصاً في حق من يأتي من البطون؛ لأن التزويج عقد على منفعتها في العمر، وفيه تفويت منفعتها في حق البطن الثاني حيث إن النكاح يتعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده فتفوت خدمتها في الليل على البطن الثاني (٥). ونوقش: بأن ما فات من الحق بتزويج الموقوفة إنما فات تبعاً لإيفائها حقها (٦).
следующие страницы →