← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حيث امتنع بقاء صورته، وتعذر الانتفاع به كما شرط الواقف، فشرع الاستبدال حينئذ (١). ويجاب: بأنه كما يقال بجواز الاستبدال عند تعطل الوقف كلياً تحقيقاً لاستبقاء الوقف بمعناه، يلزم كذلك القول باستبدال الوقف فيما يحقق الغبطة والمصلحة؛ لأن هذا استبقاء له وزيادة، كما أن المقصود فيهما تحقيق النفع للوقف، وهو مآل الصورتين، فلا فرق بينهما. ٦ - أن الاستبدال إنما يجوز للضرورة، فوجب الاقتصار عليه (٢). وأجيب عن ذلك: أ- أن قصر الاستبدال على الضرورة دعوى لا دليل عليها، وقد ثبت الاستبدال ولم يكن خاصاً بالضرورة، بل وقع الاستبدال فيما هو أنفع وأصلح كما في نقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وجعل الأول سوقاً للتمارين، وذلك كله إنما فعل تحقيقاً للمصلحة الراجحة لا لأجل تعطل منفعة ذلك المسجد، فإنه لم يتعطل بل لازال باقياً يمكن أداء الصلاة فيه، وإنما نقل لمصلحة بيت المال، فدل على أن النقل يجوز ما دام محققاً للأصلح وإن لم يتعطل (٣). ب- أن بيع الوقف في عامة المواضع التي ثبت فيها الاستبدال لم يكن إلا مع قلة النفع لا مع التعطل الكامل، فالمتعطل بالكلية لا نفع فيه، وعليه لا يمكن استبداله (٤). ج- أن القائلين بهذا القول إنما أجازوا البيع لما تعطلت منافعه بالكلية

стр. 1052

للضرورة كما ذكروا في دليلهم، وعليه فقد قرروا أن المبيع لا نفع فيه، ومن المتقرر أن بيع ما لا منفعة فيه لا يجوز (١). فدل على ربط الاستبدال بالضرورة وما لا نفع فيه لا يسلم بوقوعها، ولو أمكن وقوعها لكانت ممنوعة شرعاً. د- أنه لا ضرورة في بيع الوقف، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن هذه ليست ضرورة؛ إذ لا يحصل بعدمها موت أو مرض أو عجز عن الواجبات (٢)، إنما هي حاجة لتكميل المنفعة؛ إذ المنفعة الناقصة يحصل معها عذر يدعو إلى كمالها، وعليه فالاستبدال مشروع لكل ما كان أنفع للوقف. ولا يسلم بهذا الإيراد على إطلاقه؛ إذ الحفاظ على الأوقاف قائمة منتجة من حفظ المال، كيف وهذا المال هو الوقف الذي عهد إليه الإسهام في تنمية المجتمع وسد حاجته. هـ- وعلى التسليم بصحة الاحتجاج بالضرورة فإن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، واستبدال الأوقاف ولو لم تتعطل لتحقيق الأحظ من قبيل الحاجة العامة، فيكون لها حكم الضرورة الخاصة (٣). الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لاستبدال الوقف إذا كان هناك مصلحة راجحة؛ لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من المصلحة الظاهرة للموقوف عليه،

стр. 1053

ولا شك أن التصرف في الوقف منوط بالمصلحة، ولأن ذلك وسيلة إلى استمرار الوقف إذا قام المولى عليه بذلك خير قيام. وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " والذي يظهر لنا بيع الوقف لاختلاله وقلة مغله، ووجود الغبطة والمصلحة في بيعه ليشترى به أصلح منه للوقف، كما اختار ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية وابن القيم، وأفتى به علماء الدعوة، وعليه العمل، ودليله واضح؛ لما روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد لما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب: " أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصل، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه " (١). فرع: ومن صور ذلك: إبدال المستقل بآخر مشترك. إن من طرق تنمية الوقف استثماره بمشاركته لغيره، ومن صور هذه المشاركة أن يتم إبدال الوقف المستقل بآخر مشترك، وذلك بأن يتم تغيير الوقف ببيعه ليتم إبداله بجزء يشارك الوقف فيه غيره بما يعود على الوقف بالحفظ والنماء. لذا فإن من أهم ضوابط مشروعية الاستثمار في مثل هذه الصورة -مع مراعاة ما سبق من ضوابط الاستبدال الوقف- ما يأتي: ١ - أن تكون هناك ضمانات تتعلق بتسجيل العقار باسم الوقف لا يكون سبباً في ضياع أصله، وينبه هنا أن هذا الاحتياط واجب في فاضل ريع الوقف المستبدل بمشترك كما يجب في أصله. ٢ - كما ينبغي ضبط مشروعية هذه الصورة بإمكان انفصال الوقف بما يملكه دون أن تكون هذه المشاركة للغير دائمة بتضمنها شروطاً تمنع ذلك،

стр. 1054

إلا أن هذا القيد ينبه إليه عندما يكون الشريك للوقف غير ممتلكات الأوقاف الأخرى. ٣ - كما يجب ملاحظة شرط الواقف، واتحاد الجهة الموقوف عليه من عدمه (١) (٢). المطلب الرابع: استبدال الوقف إذا تعطلت منافعه ومثال ذلك: الدار إذا انهدمت، والأرض إذا خرجت وعادت مواتاً، والمسجد إذا انتقل أهل البلد عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، فهل يملك الناظر استبداله، أو لا يملكه؟. اختلف الفقهاء في ذلك ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الناظر يملك بيع الوقف والاستبدال به في مثله عند تعطل منافعه. وهذا هو الأصح عند الحنفية (٣)، وبه قال الإمام مالك في رواية عنه (٤)،

стр. 1055

وبه قال بعض الشافعية (١)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). قال شيخ الإسلام: " ومع الحاجة يجوز إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة وصريحه الوجوب ". جاء في رد المحتار: " لكن صار بحيث لا ينتفع به بالكلية بأن لا يحصل منه شيء أصلا، أو لا يفي بمؤنته فهو أيضا جائز على الأصح إذا كان بإذن القاضي ورأيه المصلحة فيه " (٤). وجاء في الشرح الكبير: " فإن تعطلت منافعه بالكلية كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتا لا يمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، فإن أمكن بيع بعضه ليعمر به بقيته جاز بيع البعض وان لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه، قال أحمد في رواية أبي داود: إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه، وقال في رواية صالح: يحول المسجد خوفا من اللصوص وإذا كان موضعه قذرا. قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يمنع الصلاة فيه، ونص على جواز بيع عرصته في رواية عبد الله. قال أبو بكر: وقد روى علي بن سعيد: أن المساجد لا تباع وإنما تنقل آلتها، قال: وبالقول الأول أقول لإجماعهم على بيع الفرس الحبيس يعني

стр. 1056

الموقوفة على الغزو إذا كبرت فلم تصلح للغزو وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحا أو يحمل عليها تراب، أو تكون الرغبة في نتاجها أو حصانا يتخذ للطراق، فإنه يجوز بيعها ويشترى بثمنها ما يصلح للغزو نص عليه أحمد ". واشترط الحنفية لذلك شروطاً: ١ - أن تنقطع منافعه بالكلية. ٢ - أن يكون بإذن القاضي. ٣ - أن لا يكون هناك ريع يعمر به. ٤ - أن لا يكون البيع بغبن فاحش. ٥ - زاد ابن نجيم أن يكون ذلك في الأراضي دون الدور. القول الثاني: أن الناظر لا يملك بيع الوقف والاستبدال به، وإن تعطلت منافعه. وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢) في العقار دون المنقول (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٥). جاء في منح الجليل شرح مختصر خليل: " وفيها لربيعة ﵀ أن الإمام

стр. 1057

يبيع الربع إذا رأى ذلك لخرابه، وهي إحدى روايتي أبي الفرج، ابن عرفة: وفي جواز المناقلة به بربع غير خرب. قول الشيخ في رسالته، وابن شعبان، وابن رشد: إن كانت هذه القطعة من الأرض المحبسة انقطعت منفعتها جملة وعجز عن عمارتها وكرائها، فلا بأس بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبسا مكانها، ويكون ذلك بحكم من القاضي بعد ثبوت ذلك السبب والغبطة في المعوض عنه، ويسجل ذلك ويشهد به ونقض، ولو بغير خرب إلا لتوسيع كمسجد، ولو جبرا، وأمروا بجعل ثمنه لغيره" (١). القول الثالث: أن الناظر يملك بيع ما وقف على المسجد دون غيره. وبهذا قال بعض الشافعية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: (٢٥٦) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الشعبي قال: حَدَّثنى كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي ﷺ ، فكتب إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (٣). وجه الاستدلال: أن رسول الله ﷺ نهى في هذا الحديث عن إضاعة

стр. 1058

المال، ولا يخفى أن في إبقاء الوقف حال التعطل على ما هو عليه إضاعة للمال، فوجب الحفظ بالبيع؛ لأن المقصود انتفاع الموقوف عليه بالثمرة لا بعين الأصل من حيث هو، ومنع البيع حينئذ مبطل لهذا المعنى الذي اقتضاه الوقف، فيكون خلاف الأصل (١). ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٢). الشاهد من الحديث: قوله ﷺ فيه: "إلا من صدقة جارية". ٣ - ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لعمر: "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث" (٣). وجه الاستدلال بهذين الحديثين: دل عموم هذين الحديثين على أن الأصل في الوقف التأبيد والدوام والاستمرار، وذلك ليدوم الثواب، وفي تعطل الوقف أو خرابه تضييع لفائدته، والتمسك بالعين في تلك الحالة إبطال لغرض الواقف، وفي استبداله عند تعطله رعاية لغرض الواقف، واستبقاء للوقف بمعناه عند تعذر إبقائه في صورته، فتعين ذلك (٤). قال ابن عقيل: " الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين حال تعطلها تضييع للغرض " (٥).

стр. 1059

٤ - ما روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمر عبد الله بن مسعود ﵄ بتحويل المسجد الجامع بالكوفة ونقله، وجعل بيت المال في قبلته، فحوله عبد الله، وصارت عرصة المسجد الأول سوقاً للتمارين (١). وجه الاستدلال: قال بهاء الدين المقدسي: "ووجه الحجة منه أنه أمره بنقله من مكانه، فدل على جواز نقل الوقف من مكانه، وهذا معنى البيع " (٢)، قال ابن عقيل: "وهذا كان مع توفر الصحابة، فهو كالإجماع؛ إذ لم ينكر أحد ذلك مع كونهم لا يسكتون عن إنكار ما يعدونه خطأ " (٣). فالمقصود هنا: أنه إذا جاز الاستبدال في المسجد الموقوف الذي يوقف للانتفاع بعينه، وعينه محترمة شرعاً، فلأن يجوز الاستبدال فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى (٤). ٥ - القياس على الهدي إذا عطب في السفر، فإنه يذبح في الحال وإن كان يختص بموضع معين، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفي منه ما أمكن، وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره؛ لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع به بالكلية، وهكذا الوقف المعطل المنافع (٥). ٦ - أنه لا نفع في بقاء الوقف مع تعطل منافعه، وفيه ذهاب لماليته، فكانت المحافظة على ماليته ببيعه واستبداله أولى؛ لأنه لا يجوز وقف

стр. 1060

ما لا نفع فيه ابتداء، فلا يجوز استدامة وقفه؛ لأن ما كان شرطاً لابتداء الوقف كان شرطاً لاستدامته. ٧ - أن الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، واتصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض من الوقف (١). ٨ - استدل ابن نجيم على التقييد بالأراضي: أن الأرض إذا ضعفت لا يرغب في استئجارها، وإنما يرغب في شرائها، وأما الدار إذا خربت يرغب في استئجارها مدة طويلة وتعميرها للسكنى (٢). ونوقش: بأنه غير مسلم فإن كثيراً من بيوت الوقف خراباً لا يرغب في استئجارها، وإنما يرغب في شرائها (٣). أدلة القول الثاني: (عدم جواز الاستبدال) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄ لعمر: " تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أخبر بأن الوقف لا يباع، وهذا عام لكل أحوال الوقف، أي سواء تعطلت منافعه أم لم تتعطل.

стр. 1061

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن المراد بالبيع في الحديث البيع المبطل لأصل الوقف، بدليل قرنه بالهبة والإرث (١). قال ابن قاضي الجبل: " فالبيع والحالة هذه لا يجوز إجماعاً -أي البيع المبطل للأصل-؛ لأن فيه إبطالا لأصل الوقف، وذلك لا يجوز عند العلماء المجمعين على صحة الوقف ولزومه، وإذا حمل البيع على هذا المعنى لم يتخصص بحال، فإن أحداً لم يجوز بيعه ليؤكل ثمنه " (٢). ويسند هذا الفهم أمران: الأول: ما جاء في صحيح البخاري من أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁ لما سأله بيع فرس قد وقفها: " لا تبتعها ولا ترجع في صدقتك " (٣). فنهى عن البيع كصورة من صور الرجوع عن الصدقة، والذي يظهر أن هذا العطف هو من قبيل عطف العام على الخاص لمزية في الخاص تقتضي التأكيد عليه؛ إذ هذه الحالة هي من أشهر صور الاعتداء على الأوقاف وأكثرها انتشاراً لذا أمره أن لا يبيع صدقته كحالة من حالات الرجوع عن الوقف، وأكد النهي عنها بعطف العام عليها، وهو النهي عن الرجوع في الصدقة الموقوفة، وذلك لكون التحايل ببيعها أكثر صور الاعتداء على

стр. 1062

الأوقاف وقوعاً، وعليه فلا يدخل في النهي ما كان من البيع والاستبدال لمصلحة الوقف. الثاني: كذلك هذا الأمر ظاهر في الحديث الذي استدلوا به، حيث عطف النهي عن البيع بالنهي عن أن يوهب الوقف أو يورث، وكل هذه صور مُنع منها؛ لأنها تؤدي إلى إضاعة الأوقاف والتصرف بها بلا بدل، بخلاف البيع الذي يراد منه تثمير مال الوقف وزيادته ويكون استبدالاً بما هو أنفع، والنص يفهم بسياقه، وسباقه ولحاقه. الوجه الثاني: أنه على تقدير عمومه، فإنه مخصوص منه حال التعطل بما تقدم من أدلة أصحاب القول الأول. وعلى التسليم بأنه عام فهو قابل للتخصيص بما يكون الاستبدال فيه أحظ وأنفع (١). الوجه الثالث: أن المنع خاص بحالة يكون فيها الوقف القائم هو الأنفع، وعليه فلا دليل في الحديث على منع بيع ما كان غيره أكثر نفعاً منه، وكان البيع محققاً لذلك (٢). ٢ - أن أكثر أوقاف السلف ﵏ قد خربت، ولو كان البيع جائزاً فيها لما أغفلوه، ولكان بقاؤه خراباً دليلاً على منع بيعه (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه غير مسلم، فقد ورد الاستبدال عن السلف ﵏.

стр. 1063

الوجه الثاني: أن بقاء الموقوف خراباً مع إمكان المبادلة فيه واستثماره تضييع للمال، وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال (١)، ولا اعتبار بعمل أحد إذا كان مخالفاً لقول رسول الله ﷺ . الوجه الثالث: أنه مخالف لما دلت عليه السنة من استمرار نفع الوقف وثوابه. ٣ - أن البناء وإن خرب فإن البقعة لا تذهب، ويمكن أن يعاد إلى حاله، فيرجع صلاحه (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن رجوع صلاحه أمر محتمل، وقد يبعد، بل إن بعض العقارات الخربة يعد إصلاحها أمراً شبه مستحيل، خاصة وأن عمارة العقار تحتاج إلى أموال طائلة أكثر من الريع بكثير، فإذا كان الوقف منقطع الموارد فكيف تمكن عمارته، على أننا لا نقول بجواز بيعه إذا رجي صلاحه قريباً. ٤ - أن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز مع تعطيلها، كالعبد المعتق (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه قياس مقابل بمثله، فكما لو قتل الجارية الموقوفة، تعين بدلها. الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ لأن بيع الوقف واستبداله عند تعطله يخالف العبد المعتق؛ لأن العبد بعد العتق خرج عن حكم الأموال بخلاف الوقف.

стр. 1064

٥ - أنه لم يثبت في الأدلة من الكتاب والسنة مشروعية الاستبدال مطلقاً (١). وأجيب: أ- عدم التسليم بذلك؛ إذ ثبت إجماع الصحابة على مشروعيته كما روي في قصة نقل المسجد بالكوفة، وكان هذا بمشهد من الصحابة، ولم تنقل مخالفة أحد منهم في ذلك. ب- وعلى التسليم بأنه لم يثبت في الأدلة مشروعية الاستبدال، فكذلك لم يثبت في الأدلة المنع منه (٢). ج- أنه حتى لو صح عدم ثبوت النص المجيز للاستبدال، فقد تقرر بالنظر إلى مقاصد الوقف أن التأبيد ليس مقصوداً على عين معينة دون غيرها، بل كما يحصل التحبيس بالعين الأولى كذلك يحصل وزيادة بالعين الثانية الأكثر نفعاً (٣). قال ابن تيمية: " وليس في تخصيص مكان العقار الأول مقصود شرعي ولا مصلحة لأهل الوقف، وما لم يأمر به الشرع ولا مصلحة فيه للإنسان فليس بواجب ولا مستحب لمن يشتري بالعوض ما يقوم مقامه، بل العدول عن ذلك جائز، وقد يكون مستحباً، وقد يكون واجباً إذا تعينت المصلحة فيه والله أعلم " (٤). ٦ - استدلوا بعمل أهل المدينة؛ إذ بقاء أحباس السلف دائرة دليل على منعهم من ذلك البيع (٥).

стр. 1065

وفي المدونة: " وهذه الأحباس قد خربت فلا شيء أدل على سنتها منها، ألا ترى أنه لو كان البيع فيها لما أغفله من مضى ". ونوقش من وجهين: الأول: إن الاستبدال ثابت كما في نقل مسجد الكوفة، ولم ينكره أحد من الصحابة (١). الثاني: إن بقاءها على هذا الوجه إضاعة للمال، وقد نهى النبي ﷺ ، ولا عبرة بعمل أحد خالف رسول الله ﷺ . ٧ - أن منع الاستبدال هو الأولى؛ إذ به يحصل إيصاد باب التلاعب بالأوقاف، وكذلك فإن الاستبدال مناف لمقاصد الوقف من الدوام والاستمرار (٢). ونوقش من وجهين: الأول: أن المنع من الاستبدال فيما يحقق الغبطة والمصلحة سبب من أسباب ضعف الأوقاف وربما انقطاعها، بخلاف الاستبدال المحقق للمصلحة وفقاً للضوابط الشرعية، فهذا من أعظم سبل حفظها وتثميرها. الثاني: أن تحقيق مقصد الدوام والاستمرار في الوقف كما يحصل بمنع الاستبدال فيما لا يحقق الغبطة، فكذا يتحقق في الاستبدال القائم على فعل الأصلح والسعي للأحظ. فتبين أن المنع المطلق لا يحقق الاستمرار للعين الموقوفة، كما لا يحققه مطلق الاستبدال، بل الواجب إيقاع الاستبدال فيما يحقق المصلحة دون غيره.

стр. 1066

دليل القول الثالث: (استبدال ما وقف على مسجد) أن دار المسجد يستحقها المسجد، وهو شيء واحد حاجته حاصلة الآن، فالمتصرف عليه نظره شامل، بخلاف الموقوف على بطون، فالبطن الذي لم يأت بعد ليس للناظر تصرف عليه. ونوقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: أنه لم يتصرف على من بعده من البطون، وإنما تصرف على طبقته، وتصرفه على من بعده من البطون جاء تبعاً، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. الوجه الثاني: أنه يدل على جواز استبدال الوقف مطلقاً سواء كان على مسجد أم على غيره، وإنما خلافهم أنه ليس للناظر حق التصرف على ما يأتي من البطون، وذلك يبيح الاستبدال عن طريق الحاكم؛ لأن له النظارة العامة. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لاستبدال الوقف عند تعطل منافعه؛ لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من المصلحة الظاهرة للواقف باستمرار جريان صدقته بالوقف، والمصلحة للموقوف عليه باستمرار انتفاعه بالوقف، والشريعة المطهرة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد، ولأن أكثر المانعين من الاستبدال أجازوا بيع الفرس الوقف عند تعطله (١).

стр. 1067

المطلب الخامس: استبدال المساجد إذا تعطل المسجد بأن خرب ولم يكن له من يعمره، أو خربت محلته، أو انتقل أهل البلد عنه حتى صار في موضع لا يصلى فيه، فهل يملك الناظر عليه استبداله في مكان آخر، أو لا يملكه؟. اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال: القول الأول: يجوز نقل المسجد لمصلحة، وإن كان قائم المنفعة، كأن يضيق المسجد على أهله المصلين، ويتعذر توسيعه في محله، ونحو ذلك. وهو رواية عن الإمام أحمد (١)، واختاره شيخ الإسلام (٢). قال شيخ الإسلام: " الإبدال لمصلحة راجحة مثل أن يبدل بخير منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجد آخر أصلح لأهل البلد منه، وبيع الأول، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء ". القول الثاني: أن الناظر لا يملك بيع المساجد واستبدالها، إلا إذا تعطلت. وبه قال بعض الشافعية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤).

стр. 1068

جاء في كشاف القناع: " (ولا يصح بيعه ولا هبته ولا المناقلة به) أي إبداله ولو بخير منه (نصا)؛ للحديث السابق، وقد صنف الشيخ يوسف المرداوي كتابا لطيفا في رد المناقلة وأجاد وأفاد (إلا أن تتعطل منافعه) أي الوقف (المقصودة منه بخراب) له أو لمحلته (أو غيره) ..... (ولو) كان الخارب الذي تعطلت منفعته وتعذرت إعادته (مسجدا حتى بضيقه على أهله) المصلين به (وتعذر توسيعه) في محله (أو) كان مسجدا وتعذر الانتفاع به لـ (خراب محلته) أي الناحية التي بها المسجد (أو كان موضعه) أي المسجد (قذرا فيصح بيعه) ويصرف ثمنه في مثله للنهي عن إضاعة المال، وفي إبقائه إذا إضاعة، فوجب الحفظ بالبيع " (١). القول الثالث: أن الناظر لا يملك بيع المساجد، واستبدالها ولو تعطلت. وبهذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، وهو المفتى به عندهم (٢)، والمالكية (٣)، وجمهور الشافعية (٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد، وأخذ بها بعض أصحابه (٥).

стр. 1069

جاء في البحر الرائق: "حكم المسجد بعد خرابه، وقد اختلف فيه الشيخان: فقال محمد: إذا خرب وليس له ما يعمر به وقد استغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر أو لخراب القرية، أو لم يخرب لكن خربت القرية بنقل أهلها واستغنوا عنه فإنه يعود إلى ملك الواقف أو ورثته، وقال أبو يوسف: هو مسجد أبدا إلى قيام الساعة لا يعود ميراثا، ولا يجوز نقله ونقل ما له إلى مسجد آخر سواء كانوا يصلون فيه أو لا، وهو الفتوى كذا في الحاوي القدسي، وفي المجتبى وأكثر المشايخ على قول أبي يوسف، ورجح في فتح القدير قول أبي يوسف بأنه الأوجه قال: وأما الحصر والقناديل، فالصحيح من مذهب أبي يوسف: أنه لا يعود إلى ملك متخذه، بل يحول إلى مسجد آخر أو يبيعه قيم المسجد للمسجد " (١). وجاء في حاشية رد المحتار: " المسجد قبل خرابه كالحر ليس بمال من كل وجه، بخلافه بعد خرابه لجواز بيعه إذا خرب في أحد القولين، فصار مجتهدا فيه كالمدبر فيصح بيع ما ضم إليه، ومثله سائر الاوقاف ولو عامرة، فإنه يجوز بيعها عند الحنابلة ليشتري بثمنها ما هو خير منها كما في المعراج " (٢). وجاء في شرح ميارة: " لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة؛ لأنها وقف ولا بأس ببيع نقضها إذا خيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وأفتى ابن عرفة في جوامع خربت وأيس من عمارتها بدفع أنقاضها إلى مساجد عامرة احتاجت إليها " (٣). وجاء في المجموع: " وإن وقف مسجدا فخرب المكان وانقطعت

стр. 1070

الصلاة فيه لم يعد إلى الملك، ولم يجز له التصرف فيه؛ لأن ما زال الملك فيه لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال، كما لو أعتق عبدا ثم زمن، وإن وقف نخلة فجفت أو بهيمة فزمنت أو جذوعا على مسجد فتكسرت، ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز بيعه لما ذكرناه في المسجد (والثاني) يجوز بيعه؛ لأنه لا يرجى منفعته فكان بيعه أولى من تركه بخلاف المسجد، فإن المسجد يمكن الصلاة فيه مع خرابه، وقد يعمر الموضع فيصلى فيه " (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (يجوز الاستبدال عند المصلحة) استدل أصحاب هذا القول بما سبق من عموم الأدلة الدالة على جواز نقل الوقف عند رجحان مصلحة استبداله. أدلة القول الثاني: (يجوز عند تعطل المنفعة) استدل أصحاب هذا القول بما سبق من عموم الأدلة الدالة على جواز نقل الوقف عند تعطل منافعه. أدلة القول الثالث: (يجوز مطلقاً) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لعمر: " تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أخبر أن الوقف لا يستبدل ببيعه، وهذا عام في جميع أنواع الوقف، ومنها المساجد، وفي جميع الأحوال. ونوقش: بما سبق في مسألة استبدال الوقف منقطع المنفعة.

стр. 1071

٢ - أن الإجماع قد انعقد على عدم خروج الكعبة المشرفة عن المسجد والقربة، فكذلك غيرها من المساجد يأخذ حكمها، فلا يجوز استبداله (١). ونوقش: بأن قياس المساجد على الكعبة المشرفة قياس مع الفارق؛ لأن القربة التي عينت لها هي الطواف، ولم ينقطع ذلك زمن الفترة، وليس ذلك موجوداً في سائر المساجد (٢). كما أن الكعبة قبلة المسلمين وأفضل بقعة على وجه الأرض أمر الله بالتوجه إليها في الصلوات، فلا يقاس عليها غيرها من المساجد. ٣ - أنه بعد تحقق سبب سقوط الملك فيه لا يعود، كالمعتق، لا يعود إذا زال إلى مالك من أهل الدنيا إلا بسبب يوجب تجدد ذلك، فما لم يتحقق لم يعد (٣). ونوقش: بأن قياس الوقف على المعتق تقدم مناقشته قريباً. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لبيع المساجد واستبدالها عند المصلحة؛ لما تقدم من ترجيح إبدال الوقف العقار عند المصلحة.

стр. 1072

المطلب السادس: استبدال الوقف المنقول ومثال ذلك: الدواب إذا كبرت، والثياب إذا خلقت، والحصر إذا بليت، وكتب العلم إذا بليت أيضاً، ونحو ذلك، فهل يملك الناظر استبدالها بغيرها، أو لا يملك ذلك؟. نقل بعض الفقهاء الإجماع على جواز بيع دواب الحبس إذا لم تعد صالحة لما وقفت له، كالفرس إذا وقف للجهاد في سبيل الله حتى أصبح لا يصلح للجهاد في سبيل الله. وممن نقل ذلك ابن قدامة حيث قال: " … وبالقول الأول أقول لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس يعني الموقوفة على الغزو إذا كبرت فلم تصلح للغزو " (١)، وابن قاضي الجبل حيث قال: "جوز الأئمة الكبار، بل أجمع العلماء على جواز بيع دواب الحبس الموقوفة إذا لم تعد صالحة لما وقفت له" (٢). وقد اختلف العلماء في حكم إبدال ما عدا الفرس الحبيس من المنقولات على قولين: القول الأول: أن الناظر يملك بيع الوقف المنقول، واستبداله إذا ذهبت منفعته.

стр. 1073

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). جاء في منح الجليل شرح مختصر خليل: " (كما لو كلب) الفرس بفتح الكاف وكسر اللام، أي أصاب الفرس المحبس لكالغزو الكلب بفتح الكاف واللام داء يعتري الخيل شبيه بالجنون، فلا ينتفع به في نحو الغزو، وينتفع به في نحو الطحن فيباع ويشترى به سلاح. فيها لمالك "﵁" ما ضعف من الدواب المحبسة في سبيل الله تعالى، حتى لا يكون فيه قوة على الغزو بيع واشترى بثمنه ما ينتفع به من الخيل ويجعل في السبيل " (٥). وجاء في حاشية البجيرمي: "وبه فارق ما لو وقف فرسا على الغزو فكبر ولم يصلح حيث جاز بيعه " (٦). وجاء في مغني المحتاج: " (والأصح جواز بيع حصر المسجد) الموقوفة (إذا بليت وجذوعه إذا انكسرت) أو أشرفت على ذلك كما في الروضة وأصلها، ولو اقتصر عليه المصنف لفهم حكم المنكسر بطريق الأولى (ولم تصلح إلا للإحراق)؛ لئلا تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة فتحصيل

стр. 1074

نزر يسير من ثمنها يعود إلى الوقف أولى من ضياعها ولا تدخل بذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، وهذا ما جرى عليه الشيخان وهو المعتمد، وعلى هذا يصرف ثمنها في مصالح المسجد. قال الرافعي: والقياس أن يشترى بثمن الحصير حصير لا غيرها، قال: ويشبه أنه مرادهم. وهو ظاهر إن أمكن وإلا فالأول " (١). وجاء في شرح الزركشي: "وكذلك الفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو، بيع واشتري بثمنه ما يصلح للجهاد " (٢). القول الثاني: أن الناظر لا يملك بيع الوقف المنقول، واستبداله وإن ذهبت منفعته. وبهذا قال ابن الماجشون من المالكية (٣)، وبعض الشافعية فيما لا يحتاج إلى مؤونة (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: (جواز الاستبدال عند ذهاب المنفعة) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما تقدم من دليل من قال بجواز استبدال الرباع إذا خربت؛ لأنه إذا جاز في الرباع فالمنقولات أولى. ٢ - ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي عنده، فأردت أن اشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص،

стр. 1075

فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: " لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه " (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لم ينكر بيع الفرس الحبيس، وإنما نهي عمر ﵁ عن شرائه؛ لكونه تصدق به حتى لا يحابي في الثمن. ٣ - أن الأوقاف المنقولة إذا لم تعد صالحة لما وقفت له فهو فساد بين لا يرجى صلاحها، ولا يؤمل رجوعها إلى ما كانت عليه، فيكون بيعها أولى من الرباع (٢). أدلة القول الثاني: (عدم جواز الاستبدال) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: عموم الأدلة على منع بيع الأوقاف مطلقاً كحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعمر ﵁: "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث" (٣). قالوا: وهذا -أي المنقول- حبس فلم يجز بيعه لعدم الانتفاع به، كما لا يجوز بيع الرباع إذا خربت (٤). ونوقش: بأن الأدلة العامة الدالة على منع بيع الأوقاف مطلقاً قد سبق مناقشة الاستدلال بها في مثل تلك الأحوال، وأن المراد بها منع بيعها المبطل لأصل الوقف. وأما القياس على الرباع الخربة، فغير مسلّم فإنه يجوز إبدالها إذا تعطلت منافعها أيضاً، كما تقدم في ذلك في استبدال العقار مع بيان الأدلة عليه.

стр. 1076

الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لبيع الوقف المنقول واستبداله إذا ذهبت منفعته؛ لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من المصلحة الظاهرة للواقف والموقوف عليه، ولأنه إذا جاز ذلك في العقار، فالمنقول من باب أولى. المطلب السابع: شروط استبدال الوقف عند القائلين بملكية الناظر له لما أجاز بعض الفقهاء استبدال الوقف قيدوه بشروط تقضي على السلبيات التي قد تحصل من عملية الاستبدال، والتي خوفاً من وقوعها قال بعض الفقهاء: بعدم الجواز مطلقاً، وقد اختلفوا في بيان تلك الشروط بناءً على اختلافهم في مسوغات ذلك الاستبدال، وهي كما يلي: الشرط الأول: ألا يكون البيع بغبن فاحش. وهذا الشرط ذكره بعض الحنفية (١)، ويظهر أنه موضع اتفاق بين العلماء، ومن لم ينص عليه ترك ذلك للعلم به. وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: " مع الحاجة يجب إبدال الوقف

стр. 1077

بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه، لظهور المصلحة … ولا يجوز أن يبدل الوقف بمثله؛ لفوات التعيين بلا حاجة " (١). الأدلة على هذا الشرط: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، والوقف بيد الناظر كمال اليتيم بيد الوصي، فإذا كان مال اليتيم لا يباع بغبن فاحش؛ لأنه قربان له بغير الأحسن، فكذا الوقف. ٢ - أن القيم على الوقف بمنزلة الوكيل، فلا يملك البيع بغبن فاحش (٣). ٣ - أن القيم يختار لغيره -الوقف-، ومن كان خياره لغيره فخياره خيار مصلحة، وليس من المصلحة استبداله بغبن فاحش. الشرط الثاني: ألا يكون هناك ريع للوقف يعمر به. وبه قال بعض الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥). القول الثاني: أنه يجوز الاستبدال بالعرصة بالرغم من إمكان حصول ريع منها بإجارتها، وبه قال شيخ الإسلام؛ لما يأتي من أن أصله جواز الاستبدال بظهور المصلحة وإن كانت تؤجر (٦). الشرط الثالث: أن يكون البدل والمبدل من جنس واحد. وبه قال بعض الحنفية (٧)، وبعض الحنابلة (٨).

стр. 1078

وحجته: أنه أقرب إلى قصد الواقف. القول الثاني: أنه لا يشترط أن يشترط أن يكون البدل من جنس الوقف الذي بيع، بل أي شيء أشترى بثمنه مما يدر على أهل الوقف جاز. وبه قال كثير من الحنابلة. وحجته: ١ - عموم أدلة الاستبدال التي سبقت قريباً. ٢ - أن المقصود المنفعة لا الجنس، لكن تكون المنفعة مصروفة إلى المصلحة التي كانت الأولى تصرف فيها، حيث إنه لا يجوز تغيير المصرف مع إمكان المحافظة عليه، كما لا يجوز تغيير الوقف مع إمكان الانتفاع به (١). الشرط الرابع: ألا يستبد ناظر الوقف باستبداله، بل لا بد في ذلك من إذن القاضي. وبهذا قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وبعض الحنابلة (٤). قال المرداوي: "وهو قوي في النظر" (٥). القول الثاني: أن ولاية استبدال الوقف للناظر الخاص عليه. وبهذا قال بعض الحنابلة (٦).

стр. 1079

القول الثالث: أن ولاية استبدال الوقف إن كان على سبيل الخيرات فللقاضي وإلا فللناظر. وبهذا قال الحنابلة (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (إذن القاضي) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أن بيع الوقف واستبداله بيع على الغائبين، وهم البطون الذين يستحقونه بعد انقراض الموجودين، فلا يستقل به الناظر؛ لأن نظره قاصر على مدة حياته، بل لا بد من صدور الإذن ممن يملك النظر العام على جميع البطون وهو القاضي (٢). ٢ - أن بيع الوقف واستبداله فسخ لعقد لازم مختلف فيه اختلافاً قوياً، فهو محل نظر واجتهاد، وهذا من وظيفة القاضي دون الناظر أو الموقوف عليه (٣). أدلة القول الثاني: (أن ولاية الاستبدال للناظر الخاص) يمكن الاستدلال لهذا القول بما يلي: ١ - أن ناظر الوقف الخاص هو المفوض لتصريف شؤون الوقف، فيدخل في ذلك استبداله؛ لأنه من شؤونه. ٢ - أنه قد يتعذر الوصول إلى القاضي الشرعي، أو يشق.

стр. 1080

دليل القول الثالث: أما استدلالهم لقولهم أن ولاية بيع الوقف للقاضي إذا كان على سبيل الخيرات: فلأن الجهة عامة، وللقاضي حق النظر العام. وأما قولهم بأن ولاية بيعه للناظر إذا لم يكن على سبيل الخيرات: فلأن الجهة خاصة، فتختص بالناظر. الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذا المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بأن ولاية استبدال الوقف للقاضي؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن في ذلك حفظاً للأوقاف من الضياع. المطلب الثامن: حكم استبدال الناظر للوقف إذا شرط الواقف عدم استبداله عند القائلين بملكية الناظر له (أي للاستبدال) لما كان قصد الواقف استمرار الانتفاع بالوقف حتى يستمر الأجر، فقد يدفعه هذا القصد إلى اشتراط عدم استبداله بغيره، فإذا فعل ذلك فهل يكون لهذا الشرط أثر بحيث يجب على الناظر التقيد به فلا يملك الاستبدال، أو لا؟. اختلف من قال من الفقهاء في المطالب السابقة بملكية الناظر لاستبدال

стр. 1081

الوقف في أَثر اشتراط الواقف عدم الاستبدال إذا كانت العين الموقوفة في الحال التي أجازوا فيها استبدال الوقف، وذلك على قولين: القول الأول: أن الناظر يملك استبدال الوقف، ولا أثر للشرط. وبهذا قال جمهور الحنفية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: أن الناظر لا يملك استبدال الوقف، بل يجب عليه اتباع الشرط. وبهذا قال بعض الحنفية (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أبطل الشرط، ولم يبطل العقد، فكذلك إذا شرط الواقف عدم استبدال الوقف بطل الشرط وصح الوقف، فلا يكون للشرط تأثير.

стр. 1082

ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن عقد الوقف عقد تبرع، وعقد البيع عقد معاوضة، فلا يصح قياس عقود التبرعات على عقود المعاوضات. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية … " (١). وجه الاستدلال: حيث بين الرسول ﷺ في هذا الحديث أن مقصد الوقف الدوام والاستمرار، وشرط عدم استبدال الوقف لا فائدة فيه للوقف ولا مصلحة، بل فيه تعطيل له، فلا يقبل (٢). ٣ - حديث: "لا ضرر ولا ضرار" (٣)، وفي عدم استبدال الوقف عند تعطله ضرر. ٤ - أن الأعيان الموقوفة إنما وقفت ليعود ريعها على مستحقيه جرياً على مناهج المعروف، وطلباً لإيصال الريع إلى مستحقيه، فالمطلوب من ذلك وصول النماء إلى أهله ووقوعه في أيدي مستحقيه مع زيادته واستنمائه، وفي اشتراط عدم الاستبدال عند الخراب تفويت للمصلحة على الوقف عليهم (٤)؛ إذ في الاستبدال عند المصلحة ضرورة ومنفعة للموقوف عليهم (٥). أدلة القول الثاني: (يعمل بشرط الواقف عدم الاستبدال) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - الأدلة الدالة على صحة شرط الواقف، ووجوب العمل بها.

стр. 1083

ونوقش: بتسليم هذه الأدلة ما لم تخالف الشرع، وقد خالفت الشرع كما في أدلة القول الأول. ٢ - أن شرط عدم الاستبدال فيه مصلحة للوقف، وهي تأبيده، فيصح الشرط، ولا يجوز الاستبدال معه (١). ونوقش: بأنه دليل عليهم لا لهم؛ لأن في التمسك بالعين الموقوفة في حالة الخراب إبطالاً لغرض الواقف من دوام النفع، وفي تركها خربة يؤدي إلى ضياعها، بل ربما استيلاء الطامعين عليها مع مرور الوقت؛ لأن الغالب في العين الخربة ألا يتعاهدها الناظر مما يؤدي إلى نسيانها ثم الاستيلاء عليها، ولكن في استبدالها عند التعطل رعاية لغرض الواقف، واستبقاء الوقف عند تعذر إبقائه في صورته كما سبقت. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لاستبدال الوقف، وعدم تأثير اشتراط الواقف عدم الاستبدال؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الوقف غالبا يراد للدوام والاستمرار وجريان الصدقة.

стр. 1084

المبحث الثاني: نقل الناظر للوقف من مكانه إلى محلة، أو بلد آخر وفيه مطلبان: المطلب الأول: نقل الناظر للوقف إذا كان عقاراً إذا أراد ناظر الوقف أن ينقل الوقف إذا كان عقاراً كدار، أو مدرسة، أو نحو ذلك من بلد إلى آخر كنقله من المدينة إلى مكة أو نحو ذلك، أو من حي إلى حي في البلد الذي هو فيه، فهل يملك ذلك أو لا يملكه؟. من قال من الفقهاء بعدم ملكية الناظر لاستبدال الوقف منع نقل عقار من مكانه؛ لأن من لازم النقل الاستبدال، وأما الذين قالوا بملكية الناظر للاستبدال، فقد اختلفوا في نقله على قولين: القول الأول: أن الناظر يملك نقل الوقف إذا كان عقاراً، إن كان في النقل مصلحة مطلقاً. وبهذا قال بعض الحنفية (١)، والحنابلة (٢).

стр. 1085

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " … فعلم أن تعيين المكان الأول ليس بواجب، ولا مستحب لمن يشتري بالعوض ما يقوم مقامه، بل العدول عن ذلك جائز، وقد يكون مستحباً، وقد يكون واجباً إذا تعينت المصلحة فيه " (١). وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " الحمد لله يجوز النقل إلى البلد التي فيها المستحق لغلة الوقف بلا نقص يلحق بالوقف أو غلته، والله الموفق " (٢). وفيه أيضا: "والجواب: الحمد لله إذا كان في نقله غبطة ومصلحة للوقف، وكان هؤلاء هم المستحقون في الوقف ولا ينازعهم أحد، فلا مانع من نقله. وفيه أيضا: "ولهذا فلا يجوز الاستناد إليها في نقل الوقف من مكة خاصة، ومثلها المدينة؛ لأن السكن فيهما قربة ومرغب فيه شرعاً، وقد يكون من قصد الواقف سكني ذريته فيهما، فينبغي للقضاة أن لا يجيزوا نقل ثمن الوقف الذي يهدم لتوسعة الشوارع في مكة والمدينة إلى غيرهما، وقد أعطينا كلا من رئيس محكمة مكة والمدينة صورة من خطابنا هذا لاعتماده ". القول الثاني: أن الناظر يملك نقل الوقف إذا كان ذلك في محلة واحدة، أو كانت المحلة الأخرى خيراً من محلة الوقف وإلا فلا. وبه قال بعض الحنفية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: استدل لهذا القول: بما تقدم من الأدلة على جواز استبدال الوقف عند المصلحة، ويلحق به النقل عند المصلحة.

стр. 1086

دليل القول الثاني: (يملك النقل إذا كان في محلة واحدة، أو كانت المحلة الأخرى خيرا) يمكن الاستدلال لهم على جواز النقل إذا كانت المحلة الجديدة خيراً من الأولى: بما سبق الاستدلال به للقول الأول. واستدلوا على عدم جواز النقل إذا كانت المحلة الأولى خيراً من الثانية: بأن المحلة الثانية يحتمل أن تتعطل منافع العقار فيها بخرابه؛ لدناءتها، وقلة الرغبة فيها، فلا يجوز النقل إليها (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لنقل الوقف إذا كان عقاراً إلى محلة غير محلته، أو بلد غير بلده إذا كان في النقل مصلحة مطلقاً؛ لقوة دليلهم، ولما فيه من المصلحة الظاهرة للواقف والموقوف عليه، والشريعة الإسلامية السمحة إنما جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد. المطلب الثاني: نقل الناظر للوقف إذا كان منقولاً إذا كان الوقف منقولاً ككتب علم أو سلاح للجهاد في سبيل الله، أو نحو ذلك فأراد الناظر نقله من بلده أو محلته إلى بلد أو محلة أخرى، فهل يملك ذلك، أو لا يملكه؟.

стр. 1087

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الناظر يملك نقل الوقف المنقول من محلته أو بلده إلى محلة أو بلد آخر إذا كان هناك حاجة. وبهذا قال جمهور الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). جاء في البحر الرائق: "ولو جعل جنازة وملآة ومغتسلا وقفا في محلة، ومات أهلها كلهم لا ترد إلى الورثة، بل تحمل إلى مكان آخر، فإن صح هذا عن محمد فهو رواية في البواري والحصر أنها لا تعود إلى الورثة، وهكذا نقل عن الشيخ الإمام الحلواني في المسجد والحوض إذا خرب ولا يحتاج إليه لتفرق الناس عنه أنه تصرف أوقافه إلى مسجد آخر أو حوض آخر " (٥). وجاء في مواهب الجليل: "وقعت بتونس حبس الأمير أبو الحسن كتبا لمدرسة ابتدأها بالقيروان، وأخرى بتونس وجعل مقرها بيتا بجامع الزيتونة، فلما أيس من تمامها قسمت الكتب على مدارس تونس " (٦). وجاء في أسنى المطالب: "يجوز إن احتيج إلى النقل نقل قنطرة موقوف عليها عطل الوادي مكانها، فلو وقف على قنطرة فأغرق الوادي وتعطلت القنطرة واحتيج إلى قنطرة أخرى جاز نقلها إلى محل الحاجة " (٧). وجاء في كشاف القناع: " (فإن تعطلت) جهة الوقف التي عينها الواقف (صرف في جهة مثلها، فإذا وقف على الغزاة في مكان فتعطل فيه الغزو

стр. 1088

صرف) البدل (إلى غيرهم من الغزاة في مكان آخر كما سيأتي قريبا) تحصيلا لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان (ويجوز نقل آلة المسجد الذي يجوز بيعه) لخرابه أو خراب محلته أو قذر محله (و) نقل (أنقاضه إلى مثله إن احتاجها) مثله " (١). القول الثاني: لا يجوز نقل الوقف المنقول من مكانه مطلقاً. وهذا هو الظاهر من قول بعض الحنفية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما تقدم قريبا من الأدلة على جواز نقل العقار، فالمنقول من باب أولى. ٢ - أن الواقف إنما وقف العين لكي يستفاد منها ما أمكن على الدوام، وفي نقل العين الموقوفة عند الحاجة تحصيل لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان، فيملكه الناظر (٣). أدلة القول الثاني: (لا يجوز نقل المنقول) ١ - ما تقدم من الدليل على عدم جواز نقل العقار، فكذا المنقول. وقد سبقت مناقشته. ٢ - أنه قد يكون للواقف غرض في المكان أو المحلة بدليل جعل الوقف فيها، فيفوت بهذا النقل. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الغرض المقصود من الوقف هو استمرار

стр. 1089

الانتفاع به ليستمر الأجر، وهو لا يفوت بالنقل، بل قد يكون هو الوسيلة الوحيدة لذلك. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن منع نقل العين الموقوفة من مكانها تفويت لمصلحة الانتفاع بها في ذلك المكان، والمقصود من مشروعية الوقف استمرار الانتفاع به على الدوام.

стр. 1090

المبحث الثالث: تغيير الناظر للوقف عن هيئته مثاله: جعل الدار بستاناً، أو العكس، أو جعل المدرسة مسجداً، أو العكس، فهل يملك ذلك، أو لا، وهل يشترط لذلك شروط، أو لا يشترط؟. لا يجوز تغيير الوقف عن هيئته التي وقف عليها إذا لم يكن فيه -أي التغيير- مصلحة للوقف، أو للموقوف عليه، كذلك لا يجوز تغييره لمصلحة الناظر. قال ابن مفلح: "إذا غيره لمصلحة نفسه ألزم بإعادته إلى مثل ما كان، وبضمان ما فوته من غير منفعة، وعلى ولاة الأمر إلزامه بما يجب عليه، فإن أبى عوقب بحبس وضرب ونحوه، فإن المدين يعاقب بذلك، فكيف بمن امتنع من فعل واجب مع تقدم ظلم؟ " (١). أما إذا كان فيه مصلحة لذلك، ومن صوره ما ذكره الحطاب قال: " ومثله ما فعلته أنا في مدرسة الشيخ التي بالقنطرة غيرت بعض أماكنها مثل الميضأة ورددتها بيتا، ونقلتها إلى محل البئر لانقطاع الساقية التي كانت تأتيها " (٢). فقد اختلف الفقهاء في حكمه، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الناظر يملك تغيير هيئة الوقف إذا كان فيه مصلحة.
следующие страницы →