← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

دليل القول الثاني: (يملك النقل إذا كان في محلة واحدة، أو كانت المحلة الأخرى خيرا) يمكن الاستدلال لهم على جواز النقل إذا كانت المحلة الجديدة خيراً من الأولى: بما سبق الاستدلال به للقول الأول. واستدلوا على عدم جواز النقل إذا كانت المحلة الأولى خيراً من الثانية: بأن المحلة الثانية يحتمل أن تتعطل منافع العقار فيها بخرابه؛ لدناءتها، وقلة الرغبة فيها، فلا يجوز النقل إليها (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لنقل الوقف إذا كان عقاراً إلى محلة غير محلته، أو بلد غير بلده إذا كان في النقل مصلحة مطلقاً؛ لقوة دليلهم، ولما فيه من المصلحة الظاهرة للواقف والموقوف عليه، والشريعة الإسلامية السمحة إنما جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد. المطلب الثاني: نقل الناظر للوقف إذا كان منقولاً إذا كان الوقف منقولاً ككتب علم أو سلاح للجهاد في سبيل الله، أو نحو ذلك فأراد الناظر نقله من بلده أو محلته إلى بلد أو محلة أخرى، فهل يملك ذلك، أو لا يملكه؟.

стр. 1087

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الناظر يملك نقل الوقف المنقول من محلته أو بلده إلى محلة أو بلد آخر إذا كان هناك حاجة. وبهذا قال جمهور الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). جاء في البحر الرائق: "ولو جعل جنازة وملآة ومغتسلا وقفا في محلة، ومات أهلها كلهم لا ترد إلى الورثة، بل تحمل إلى مكان آخر، فإن صح هذا عن محمد فهو رواية في البواري والحصر أنها لا تعود إلى الورثة، وهكذا نقل عن الشيخ الإمام الحلواني في المسجد والحوض إذا خرب ولا يحتاج إليه لتفرق الناس عنه أنه تصرف أوقافه إلى مسجد آخر أو حوض آخر " (٥). وجاء في مواهب الجليل: "وقعت بتونس حبس الأمير أبو الحسن كتبا لمدرسة ابتدأها بالقيروان، وأخرى بتونس وجعل مقرها بيتا بجامع الزيتونة، فلما أيس من تمامها قسمت الكتب على مدارس تونس " (٦). وجاء في أسنى المطالب: "يجوز إن احتيج إلى النقل نقل قنطرة موقوف عليها عطل الوادي مكانها، فلو وقف على قنطرة فأغرق الوادي وتعطلت القنطرة واحتيج إلى قنطرة أخرى جاز نقلها إلى محل الحاجة " (٧). وجاء في كشاف القناع: " (فإن تعطلت) جهة الوقف التي عينها الواقف (صرف في جهة مثلها، فإذا وقف على الغزاة في مكان فتعطل فيه الغزو

стр. 1088

صرف) البدل (إلى غيرهم من الغزاة في مكان آخر كما سيأتي قريبا) تحصيلا لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان (ويجوز نقل آلة المسجد الذي يجوز بيعه) لخرابه أو خراب محلته أو قذر محله (و) نقل (أنقاضه إلى مثله إن احتاجها) مثله " (١). القول الثاني: لا يجوز نقل الوقف المنقول من مكانه مطلقاً. وهذا هو الظاهر من قول بعض الحنفية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما تقدم قريبا من الأدلة على جواز نقل العقار، فالمنقول من باب أولى. ٢ - أن الواقف إنما وقف العين لكي يستفاد منها ما أمكن على الدوام، وفي نقل العين الموقوفة عند الحاجة تحصيل لغرض الواقف في الجملة حسب الإمكان، فيملكه الناظر (٣). أدلة القول الثاني: (لا يجوز نقل المنقول) ١ - ما تقدم من الدليل على عدم جواز نقل العقار، فكذا المنقول. وقد سبقت مناقشته. ٢ - أنه قد يكون للواقف غرض في المكان أو المحلة بدليل جعل الوقف فيها، فيفوت بهذا النقل. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الغرض المقصود من الوقف هو استمرار

стр. 1089

الانتفاع به ليستمر الأجر، وهو لا يفوت بالنقل، بل قد يكون هو الوسيلة الوحيدة لذلك. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن منع نقل العين الموقوفة من مكانها تفويت لمصلحة الانتفاع بها في ذلك المكان، والمقصود من مشروعية الوقف استمرار الانتفاع به على الدوام.

стр. 1090

المبحث الثالث: تغيير الناظر للوقف عن هيئته مثاله: جعل الدار بستاناً، أو العكس، أو جعل المدرسة مسجداً، أو العكس، فهل يملك ذلك، أو لا، وهل يشترط لذلك شروط، أو لا يشترط؟. لا يجوز تغيير الوقف عن هيئته التي وقف عليها إذا لم يكن فيه -أي التغيير- مصلحة للوقف، أو للموقوف عليه، كذلك لا يجوز تغييره لمصلحة الناظر. قال ابن مفلح: "إذا غيره لمصلحة نفسه ألزم بإعادته إلى مثل ما كان، وبضمان ما فوته من غير منفعة، وعلى ولاة الأمر إلزامه بما يجب عليه، فإن أبى عوقب بحبس وضرب ونحوه، فإن المدين يعاقب بذلك، فكيف بمن امتنع من فعل واجب مع تقدم ظلم؟ " (١). أما إذا كان فيه مصلحة لذلك، ومن صوره ما ذكره الحطاب قال: " ومثله ما فعلته أنا في مدرسة الشيخ التي بالقنطرة غيرت بعض أماكنها مثل الميضأة ورددتها بيتا، ونقلتها إلى محل البئر لانقطاع الساقية التي كانت تأتيها " (٢). فقد اختلف الفقهاء في حكمه، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الناظر يملك تغيير هيئة الوقف إذا كان فيه مصلحة.

стр. 1091

وبهذا قال بعض الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وبه قال الحنابلة (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). قال شيخ الإسلام: "وجوّز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة جعل الدور حوانيت (٥) " (٦). وقال شيخ الإسلام: "وأما تغيير صورة البناء من غير عدوان فينظر في ذلك إلى المصلحة، فإن كانت هذه الصورة أصلح للوقف وأهله أقرت، وإن كانت إعادتها إلى ما كانت عليه أصلح أعيدت، وإن كان بناء ذلك على صورة ثالثة أصلح للوقف بنيت فيتبع في صورة البناء مصلحة الوقف " (٧). جاء في الدر المختار: "أراد أهل المحلة نقض المسجد وبناءه أحكم من الأول أن الباني من أهل المحلة لهم ذلك وإلا لا (وإذا جعل تحته سردابا لمصالحه) أي المسجد (جاز) " (٨). القول الثاني: أن الناظر لا يملك تغيير هيئة الوقف، إلا إذا شرط الواقف العمل بالمصلحة.

стр. 1092

وبهذا قال الشافعية (١). القول الثالث: أن الناظر لا يملك تغيير هيئة الوقف إلا بشرطين: ١ - أن يكون التغيير يسيراً بحيث لا يغير مسمى الوقف. ٢ - ألا يزيل التغيير شيئاً من عين الوقف، بل ينقل بعضه من جانب إلى جانب. وبهذا قال ابن الصلاح، والسبكي من الشافعية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (يملك تغيير هيئة الوقف عند المصلحة) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما روته عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم .... " (٣) الحديث. وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أخبر بأنه لولا حداثة الناس بالشرط لغير هيئة الكعبة المشرفة بهدمها، وإدخال ما أخرج منها، وإلزاقها بالأرض، وجعل لها بابين؛ لأنه ﷺ رأى أن في ذلك مصلحة له. ٢ - ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، حيث حوّل مسجد الكوفة القديم فجعله سوقاً للتمارين، وبنى بدلاً منه في مكان آخر (٤) (٥).

стр. 1093

ونوقش: بأنه ضعيف لا يثبت. ٣ - وأنه الذي يحقق المقصود من الوقف. ٤ - واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على أن للناظر أن يغير صورة الوقف إلى أصلح منها: بما اشتهر من تغيير الخلفاء الراشدين لصورة الحرمين الشريفين إلى أخرى أصلح منها (١). دليل القول الثاني: (لا يملك تغيير هيئة الوقف إلا بالشرط) واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: أنه يجب المحافظة على عين الوقف ورقبته؛ لأنها الأصل الذي نص الواقف على جنسه، وهي مادة الوقف وصورته المسماة من دار أو حمام أو نحوهما (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بما ذكر شيخ الإسلام من أن الاعتبار هو مقصد الواقف، وما هو أنفع لأهل الوقف، وليس هناك فائدة في الجمود على نص الواقف مع انتفاء المصلحة في ذلك، بل يدار مع المصلحة حيث كانت (٣). أدلة القول الثالث: (لا يملك تغيير هيئة الوقف إلا بشرطين) أما أصحاب القول الثالث فاستدلوا على عدم جواز تغيير هيئة الوقف إذا اختل شرط من الشروط التي ذكروا: بما استدل به أصحاب القول الثاني، وقد سبقت مناقشته. كما يمكن الاستدلال لهم على اشتراط المصلحة في التغيير: بما استدل به أصحاب القول الأول.

стр. 1094

الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به، ولأنه الموافق لغرض الواقف؛ لأن غرضه تكثير الريع لا المسمى، ولأنه قد سبق قريبا ترجيح جواز استبدال العين الموقوفة إذا كان هناك مصلحة راجحة، فتجويز تغيير هيئتها فقط دون إبدالها أولى وأحرى. فرع: استبدال الوقف بتحويله من مباشر إلى مباشر واستثماري معاً. وذلك: أن يتم تحويل المنشاة الوقفية من منشأة ينتفع منها الموقوف عليه بالاستغلال فحسب إلى منشأة يستغلها الموقوف عليه مع اقتطاع جزء منها يخصص للاستثمار لصالح تلك الأغراض نفسها (١). فلو كان الواقف قد أقام مدرسة وقفية، ولا ينتفع بها إلا بشكل مباشر أثناء الدراسة فحسب، فيمكن تحويل هذا الوقف من وقف مباشر لا ينتفع به إلا من خلال مباشرة التعليم فيه إلى مباشر واستثماري يبقى انتفاع الدارسين منه كما هو، ويتم تأجير مقر المدرسة في خارج أوقات الدراسة مساء، أو أثناء إجازات المدرسة، ونحو ذلك (٢). ومثل هذه الصورة بضوابطها تحقق ما أراده الواقف وزيادة، فهي لم تعطل الانتفاع من الموقوف مباشرة كما شرط الواقف، بل حققت ذلك مع ريع ينتفع منه في عين ما أراده الواقف. وعليه فيشرع الاستثمار بهذه الصيغة.

стр. 1095

المبحث الرابع: توحيد الأوقاف وفيه مطالب: المطلب الأول: المراد بتوحيد الأوقاف أولاً: تعريف التوحيد لغة: الإنفراد (١). والمراد هنا الجمع. ثانياً: المراد بتوحيد الأوقاف اصطلاحاً: المراد: جمع أعيان الأوقاف، أو مصارفها في عين، أو مصرف واحد. المطلب الثاني: توحيد أعيان الأوقاف والمراد بتوحيد أعيان الأوقاف: جمع أعيان الأوقاف في عين واحدة.

стр. 1096

مثال ذلك: أن يكون هناك وقف على الفقراء، وآخر على طلاب العلم، وثالث على مدرسة إسلامية، فتجتمع هذه الأعيان في عين واحدة. وتحته مسائل: المسألة الأولى: أن يتحد الواقف، والموقوف عليه، ويتعدد المال: مثال ذلك: أن يوقف زيد بيته، ودكانه على المدرسة الإسلامية. فهل له أن يجمع البيت والدكان في عين واحدة كمحلات تجارية؟ هذا ينبني على مسألتين: الأولى: حكم استبدال الوقف. الثانية: حكم تغيير هيئة الوقف عن صورته الأصلية. وقد تقدم بيانهما، وبيان أقوال أهل العلم وأدلتهم في مباحث استبدال الوقف وتغيير هيئته. وخلاصة ذلك: مشروعية ذلك للمصلحة الظاهرة، وعليه يشرع توحيد الوقف في المسألة للمصلحة. ولأنها كالمال الواحد الذي يصرف بعضه على بعض، ولأن جمع بعضها إلى بعض لا يغير من شرط الواقف حيث إنهما يصرفان على ما شرطه الواقف. قال ابن عابدين: "وفي البحر عن الظهيرية: ولو كانت له أراضون ودور بينه وبين آخر لموقف نصيبه، ثم أراد أن يقاسم شريكه، ويجمع الوقف كله في أرض واحدة ودار واحدة؛ فإنه جائز في أبي يوسف وأبي هلال " (١). المسألة الثانية: أن يتعدد الواقف، ويتحد الموقوف عليه: مثال ذلك: وقف زيد بيته على مدرسة تحفيظ القرآن، ووقف عمرو دكانه على تلك المدرسة.

стр. 1097

فهل يجوز جمع البيت والدكان في عين واحدة، كمحلات تجارية؟ حكم هذه المسألة كالمسألة الأولى. ونقل ابن عابدين وغيره من أنه لو كان " مسجد له أوقاف مختلفة لا بأس للقيم أن يخلط غلتها كلها، وإن خرب حانوت منها فلا بأس بعمارته من غلة حانوت آخر؛ لأن الكل للمسجد ولو كان مختلفاً؛ لأن المعنى يجمعها " (١). وجاء في البحر الرائق: "ولا بأس للقيم أن يخلط غلة أوقاف المسجد المختلفة اتحد الواقف أو اختلف " (٢). وجاء في الإنصاف الإشارة إلى من أفتى بجواز عمارة وقف من وقف آخر على جهته، ثم قال: " وهو قوي، بل عمل الناس عليه " (٣). المسألة الثالثة: أن يتعدد الواقف، والموقوف عليه: مثال ذلك: وقف زيد بيته على المسجد، وعمرو بيته على مدرسة تحفيظ القرآن. فهل يجوز جمع البيتين في عين واحدة كبيت أو محل تجاري يصرف ريعه على الوقفين؟ حكم هذه المسألة حكم المسألة الأولى. وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "بخصوص ما ذكره مدير أوقاف المدينة من أن مكتب مشروع توسعة المسجد النبوي كان قد هدم رباط العشرة ورباط العجم التابعين لإدارة الأوقاف، وقدر لهما قيمة استلمتها الأوقاف، وبحثت عن مكان مناسب لإقامة هذين الرباطين عليهما فلم تجد لضآلة القيمة، ويذكر أنه يوجد أربطة موقوفة في حالة رديئة وآيلة للسقوط، وليس لها

стр. 1098

في صندوق الأوقاف رصيد يقوم بعمارتها، وطلب رأيكم في ذلك، وتذكرون أنه يوجد في المدينة أربطة كثيرة منها ما هو موقوف على سكني صنف معين من الناس، ومنها ما هو سكن الفقراء والمساكين من أي جنس، وأن كثيراً من هذه الأوقاف ليس لها موارد تقوم بعمارتها عند الاقتضاء، وطلبكم الإفتاء في مثل هذه الأوقاف هل يمكن مع اتحاد الجهة أن يبني بقيمة رباط على أرض رباط آخر بحيث يكون فيه الوقفان مشتركين، وهل يمكن أيضاً مع عدم اتحاد الجهة بحيث يكون رباطاً موقوفاً لسكنى الأتراك مثلاً اقتضت المصلحة هدمه للتوسعة مثلاً، ولا يكفي ثمنه لشراء أرض وتعميرها، ويوجد رباط آخر موقوف لسكنى المغاربة مثلاً وهو خرب لا يستفاد منه وليس له مورد يعمر به، هل يمكن دمج الوقفين في وقف واحد بعد تقدير حصة كل وقف منهما. إلى آخر ما ذكرتم؟. ونفيدكم أنه لا يظهر لنا بأس في هذه الطريقة التي ارتأيتموها؛ لكن بعد أن يبذل الجهد في تحصيل أفضل منها فيتعذر، كأن يبحث الناظر تحت إشراف القاضي لدى جهته عن أرض ذات رغبة لهذا الوقف المنزوعة ملكية أرضه، ثم يبحث عن إنسان يعمرها مقابل استغلاله عمارتها سنوات يستوفي بها ما بذله" (١).

стр. 1099

المطلب الثالث: توحيد مصارف الوقف وتحته مسائل: المسألة الأولى: أن يتحد الواقف والموقوف عليه: مثال ذلك: أن يقف زيد بيته، ودكانه على المدرسة الإسلامية. وفيها أمران: الأمر الأول: أن لا يخصص الواقف مصرف كل وقف، فلا يخصص مصرف الوقف الأول -البيت-، ولا مصرف الوقف الثاني -الدكان-: فالوقفان يعتبران وقفاً واحداً يجوز صرف أحد الوقفين في الآخر، وعليه فيجوز جمع المصرف والحالة هذه. الأمر الثاني: أن يخصص الواقف مصرف كل وقف: مثال: أن يخصص مصرف الوقف الأول -البيت- لعمارة المدرسة، والوقف الثاني -الدكان- لمدرسيها. فهل يجوز صرف ريع أحدهما في الآخر؟ هذا ينبني على حكم تغيير شرط الواقف، وقد تقدم بيان أقسامه (١)، وحكم كل قسم، وتقدم جوازه عند المصلحة.

стр. 1100

وقد نص الحنفية على جوازه للحاكم باستصواب أهل الصلاح، وعللوا: بأن غرض الواقف إحياء وقفه، ولأنهما كشيء واحد. قال ابن عابدين: "إذا وقف وقفين على المسجد أحدهما على العمارة، والآخر إلى إمامه أو مؤذنه، والإمام والمؤذن لا يستقر لقلة المرسوم، فللحاكم الديّن أن يصرف من فاضل وقف المصالح، والعمارة إلى الإمام والمؤذن باستصواب أهل الصلاح من أهل المحلة إن كان الوقف متحدا لأن غرضه إحياء وقفه، وذلك يحصل بما قلنا " (١). وعليه توحيد الوقف في هذه المسألة عند المصلحة الظاهرة. المسألة الثانية: أن يتعدد الواقف، ويتحد الموقوف عليه: مثال ذلك: وقف زيد بيته على مدرسة تحفيظ القرآن، ووقف عمرو دكانه على تلك المدرسة. حكم هذه المسألة حكم المسألة السابقة. المسألة الثالثة: أن يتعدد الواقف، والموقوف عليه: مثال ذلك: وقف زيد بيته على طلاب العلم، ووقف عمرو دكانه على مدرسة تحفيظ القرآن. وتحت هذه المسألة صورتان: الصورة الأولى: جمع مصارف المدارس جميعاً، والمساجد جميعاً، والفقراء جميعاً، ونحو ذلك في مصرف واحد ثم يصرف من هذا المصرف على كل واحد من أفراد هذه الجهة حسب احتياجه. والحكم في هذه الصورة ينبني على مسائل تقدمت: الأولى: حكم تغيير شرط الواقف (٢).

стр. 1101

الثانية: حكم فاضل الوقف (١). الثالثة: حكم فاضل ريع الوقف (٢). وقد تقدم بحث هذه المسائل. وقد جاء في المعيار المعرب ما يؤيد ذلك: " سئل سيدي أبو محمد عبد الله العبدوسي عن جمع أحباس فاس هل تجمع كلها نقطة واحدة وشيئاً واحداً أم لا؟ فأجاب ﵀ بجواز جمعها وجعلها نقطة واحدة وشيئاً لا تعدد فيه، وأن تجمع مستفادات ذلك كله ويقام منه ضروري كل مسجد من تلك المستفادات المجتمعة، ولو كانت بعض المساجد فقيرة فيوسع عليها من غنيها بحسب الحال، وقدم الجامع الأعظم قبل جميعها ثم الأعمر فالأعمر فرب غني في خلاء لا يلتفت إليه فتجاوز، أو يلتفت لكن حاله لا يقتضي زيادة على ضرورياته، ورب مسجد آخر فقير بحيث يلتفت إليه ويكثر المنتابون إليه فيعتنى به، وكل ما يؤخذ من بعضها لبعض فإنه يعد سلفاً لما عسى أن يحدث يوماً من عمارة أو إعمار فيرد إليه ما يقيم أوده، وبالله التوفيق " (٣). وعليه فإن الشيخ لا يرى بأساً في خلط أوقاف المساجد كلها معاً، ثم يصرف على كل واحدة منها حسب حاجتها واقتضاء المصلحة -ويقال مثل ذلك في الجهاد والمدارس- ولكن هل يمكن حمل كلامه على العموم كما أفاده ظاهر صيغة السؤال ويكون ذكره للمساجد، من قبيل المثال وليس الحصر؟ فيه احتمال بالنظر إلى الشمول في صيغة السؤال، وبالنظر إلى بداية الإجابة، ثم بالنظر إلى عموم القاعدة التي ينطلق منها هذا الفقيه وغيره من

стр. 1102

فقهاء المالكية والتي تقول: " ما كان لله يصرف بعضه في بعض " فكل هذه الأمور تجعل هذا الاحتمال وارداً. وجاء في المعيار أيضاً في سؤال وجه إلى الأستاذ أبي سعيد فرج بن لب مفاده هل يجوز صرف الأحباس التي لا يعلم مصرفها في أبواب الخير؟ فأجاب: " إذا كانت الأحباس المعلومة المصرف قد قيل بجواز صرف فائدها -أي فائضها- في غير مصرفها مما هو داخل في باب الخير وسبل البر فكيف بالأحباس التي لا يعلم مصرفها؟! وقع في نوازل ابن جابر ما نصه: خفف محمد بن إسحاق بن سليم في تصريف الأحباس بعضها في بعض. وقد فعل ذلك غيره من القضاة بقرطبة، وهو قول ابن حبيب في كتاب الحبس من واضحته وفي ذلك اختلاف، وذكر ابن سهل في نوازله نحو ذلك عن بعض الشيوخ: أنه لا حرج في صرف فوائد الأحباس بعضها في بعض، ولا بأس بما هو لله أن يصرف فيما هو لله " (١). وسئل ابن الماجشون عن أرض محبسة لدفن الموتى، وضاقت بأهلها فملؤوها ويدفنون في غيرها، وبجانبها مسجد ضاق بأهله فأرادوا أن يوسعوا فيه من المقبرة، فقال: ذلك جائز، وذلك حبس كله، لا بأس أن يصرف بعضه في بعض، ويقول ابن القاسم: فيما يرويه عنه أصبغ - في مقبرة عفت: لا بأس أن يبنى فيها مسجد، وكل ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه في بعض (٢). وقال شيخ الإسلام: " يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند … " (٣).

стр. 1103

وجاء في فتاوى قاضي خان: " أن للناظر أن يصرف فائض الوقف إلى جهات بر بحسب ما يراه … وشرط بعضهم لذلك إذن الحاكم " (١). وفي كشاف القناع: "وما فضل عن حاجة المسجد من حصره وزيته ومغله وثمنها إذا بيعت جاز صرفه إلى مسجد آخر محتاج إليه؛ لأنه صرف في نوع المعين، وجازت الصدقة بها على الفقراء؛ لأنه في معنى المنقطع … وقال الشيخ -ابن تيمية-: يجوز صرف الفاضل في سائر المصالح " (٢). وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ١٤٠ في دورته الخامسة عشرة بمسقط ص ١٤: " لا مانع شرعاً من استثمار أموال الأوقاف المختلفة في وعاء استثماري واحد بما لا يخالف شرط الواقف على أن يحافظ على الذمم المستحقة للأوقاف عليها ". المطلب الرابع: توحيد أعيان ومصارف وإدارة الأوقاف تحت وقف واحد مثال ذلك: أن تجمع أوقاف المساجد، والمدارس، والأيتام، والجهاد، ونحو ذلك في عين واحدة، وفي مصرف واحد، وتحت إدارة واحدة، فيصرف لكل جهة من هذه الجهات قدر حقها، أو قدر حاجتها، تقدم الأحوج فالأحوج، أو يصرف منه لجهات البر الأخرى المختلفة.

стр. 1104

والحكم في هذه الصورة ينبني على مسائل تقدمت: الأولى: حكم نقل الوقف، واستبداله، وشروط ذلك. الثانية: حكم تغيير هيئة الوقف. الثالثة: حكم مخالفة شرط الواقف. الرابعة: حكم فاضل الوقف، وريعه. وتقدم النقل قريباً آخر المطلب السابق عن الونشريسي، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. المطلب الخامس: ضوابط توحيد الأوقاف لجمع الأوقاف وتوحيدها ضوابط: الأول: أن تكون الأوقاف المراد توحيدها خيرية، أو أهلية ورضي أصحابها. الثاني: أن يكون الباعث لتوحيد الأوقاف المصلحة الشرعية. قال الشاطبي: "والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله تعالى يقول في بعثه للرسل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً

стр. 1105

لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (١) إلى أن قال: وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم، فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في تفاصيل الشريعة". الثالث: الاستعانة بأهل الخبرة من المختصين ممن لهم معرفة بالمصالح والمفاسد. الرابع: أن يحافظ على قصد الواقف وشرطة ما أمكن. الخامس: إذن القاضي الشرعي. قال محمد بن الحسن: "إذا صار الوقف بحيث لا ينتفع به المساكين، فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره ليس ذلك إلا إلى القاضي ". وقد سبق تحرير هذه المسألة في مبحث استبدال الوقف. السادس: أن يستحضر العاملون في الأوقاف خشية الله ومراقبته، وأن يعلموا أنهم مؤتمنون على ما بأيديهم من أموال قصد أصحابها وجه الله والدار الآخرة (٢).

стр. 1106

المبحث الخامس: انتزاع الوقف للمصلحة الخاصة أو العامة وتحته مطلبان: المطلب الأول: انتزاع ملكية الوقف للمصلحة العامة وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالمصلحة العامة: المصلحة العامة: هي المنفعة التي ينتفع بها عامة الناس وتسد حاجتهم في مجال معين (١)، كإقامة المساجد، والطرق، والمستشفيات، والآبار، ونحو ذلك. المسألة الثانية: المراد بانتزاع الوقف للمصلحة العامة: أخذ الوقف وتحويله عن كونه وقفاً في المجال الذي أراده الواقف إلى مجال من مجالات الانتفاع العام، كأن يحتاج الناس إلى توسعة طريق ويكون ذلك على حساب مسجد، أو وقف لجهة معينة، أو لأفراد، فيضطر الإمام إلى انتزاع ملكية هذا الوقف بثمنه، ومن ثم يدخل هذا الوقف في هذا الطريق أو نحوه.

стр. 1107

المسألة الثالثة: حكم انتزاع ملكية الوقف للمصلحة العامة عند الفقهاء: هذه المسألة يذكرها الفقهاء عند حديثهم عن بيع الوقف واستبداله، وأحياناً في الحديث عن البيع الجبري، وأيا كان موضع ذكر هذه المسألة، فإن الملاحظ هنا هو عدم التفصيل فيها، بل يقتصر الأكثر منهم على مجرد المثال خاصة المتقدمين منهم، فتارة يذكرونها في مسألة توسعة الطريق، وأخرى في توسعة المسجد، وهكذا. وحاصل ما تبين لي من كلام الفقهاء في هذه المسألة: أن الأصل عدم جواز انتزاع ملكية الوقف إلا في حالات معينة تقدم بيانها في مسألة بيع الوقف واستبداله. قال ابن عابدين ﵀: "ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف عليه، أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه ". زاد في البحر عن الخانية بأمر القاضي. وتقييده بقوله: "وقف عليه" أي على المسجد يفيد أنها لو كانت وقفاً على غيره لم يجز، لكن جواز أخذ المملوكة كرهاً يفيد الجواز بالأولى؛ لأن المسجد لله تعالى، والوقف كذلك، ولذا ترك المصنف في شرحه القيد، وكذا في جامع الفصولين تأمل (١). وقال الخرشي: عند قول خليل في مختصره: "إلا التوسيع كمسجد ولو جبراً": "تقدم أن الحبس لا يجوز بيعه ولو صار خراباً إلا العقار وفي هذه المسألة، وهي ما إذا ضاق المسجد بأهله واحتاج إلى توسعة وبجانبه عقارٌ حبس أو ملك فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة المسجد، وإن أبى

стр. 1108

صاحب الحبس أو صاحب الملك عن بيع ذلك، فالمشهور: أنهم يجبرون على بيع ذلك، ويشترى بثمن الحبس ما يجعل حبساً كالأول " (١). وقال النفراوي في الفواكه الدواني: "وكذا يجوز بيع الوقف لتوسعة مسجد، قال خليل: إلا لتوسيع كمسجد ويجبر، ويشترى بثمنه ما يجعل حبساً كالأول، ومثل توسعة المسجد توسعة طريق المسلمين ومقبرتهم؛ لأن نفع المسجد والمقبرة والطريق أكثر من نفع الوقف، فهو قريب لغرض الواقف، وأيضاً يستبدل بالثمن خلافه، فإن امتنع البائعون من جعل الثمن في مثله لا يقضي عليهم بذلك على المتعمد، واختلال أمر الوقف يحل بيعه، وهذا غير مناف لجبرهم على البيع، كما قاله مالك ﵁ في الدور التي كانت حول مسجده ﷺ وهي محبسه فإنها اشتريت وزيدت فيه، … " (٢). وقال المرداوي ﵀: "ونقل صالح: يجوز نقل المسجد لمصلحة الناس وهو من المفردات، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: يجب بيعه بمثله مع الحاجة وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة، ولا يجوز بمثله؛ لفوات التعيين بلا حاجة، قال في الفائق: وبيعه حالة تعطله أمر جائز عند البعض، وظاهر كلامه في المغني وجوبه، وكذلك إطلاق كلام الإمام أحمد ﵀ وذكره في التلخيص رعاية للأصلح ..... وقال الشيخ تقي الدين ﵀: جوز جمهور العلماء تغيير صورته لمصلحة كجعل الدور حوانيت، والحكورة المشهورة، فلا فرق بين بناء وعرصة، هذا صريح لفضله .... " (٣). ونقل كلام الفقهاء ﵏ في هذا يطول، ولعل فيما سبق كفاية لمن أراد البيان.

стр. 1109

أدلة جواز انتزاع الوقف للمصلحة العامة: أولاً: جميع الأدلة التي ذكرت على جواز نقل الوقف سواء إذا تعطلت منافعه، أو للمصلحة الراجحة تدل على ذلك. ثانياً: ما ورد عن الصحابة ﵃ أنهم لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضه بكره من أصحابها بالقيمة وزادوا في المسجد الحرام (١). "وقال مالك ﵀ في الدور التي كانت حول مسجده ﷺ وهي محبسة فإنها اشتريت وزيدت فيه " (٢). ثالثاً: ولأن نفع المسجد والمقبرة والطريق أكثر من نفع الوقف، فهو نفع عام، ومصلحة عامة والمصلحة العامة مقدمة على الخاصة من جانب، ولأن الواقف قصده من وقفه النفع، وما فيه نفع عام يكون قريباً لغرض الواقف فلا وجه في منعه (٣). رابعاً: أن الضرر العام مقدم على الضرر الخاص، وانتزاع ملكية الوقف للمصلحة ضرر خاص، وتحقيق المصلحة العامة كتوسعة طريق أو مسجد فيه زوال ضرر أعم، فيرتكب أدنى الضررين وهو الخاص بانتزاع الوقف؛ لدرء الأقوى من الضررين، وهو عدم تحقق المصلحة العامة، علماً أنه يمكن تلافي الضرر الخاص هنا بنقل الوقف إلى مكان مماثل، كما فعل عمر ﵁ في مسجد التمارين. خامساً: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، فإذا اضطر لنزع الوقف لمصلحة عامة جاز.

стр. 1110

المطلب الثاني: انتزاع ملكية الوقف للشركات الأهلية المراد بالشركات الأهلية: هي الشركات التي يملكها المواطنون وليست ملكاً للدولة، وكذلك الشركات التي يملك أكثرها المواطنون، وأما الشركات التي تملكها الدولة، فإنها لا تعتبر من الشركات الأهلية، بل من الشركات الحكومية. ومثال الشركات الأهلية: شركة اتحاد الاتصالات السعودية. ومثال الحكومية: شركة أرامكو السعودية. والفرق بينهما: أن الشركات الحكومية تراعى كالدوائر الحكومية، فهي تعتبر ذات مصالح لعامة الناس، وأما الشركات الأهلية فتعامل كأفراد الناس من المواطنين، فإن كانت سعودية عوملت كأحكام السعوديين تجاه الوقف، وإن كانت أجنبية عوملت كالأجانب تجاه الوقف وهكذا. فإذا رغبت شركة أهلية انتزاع ملكية وقف فإنها تعامل كما إذا رغب فرد في شراء هذا الوقف. وعليه تجرى جميع أحكام شراء الوقف على هذه الشركة الراغبة في الشراء، كما يجري الخلاف الفقهي نفسه في مسألة جواز بيع الوقف (١).

стр. 1111

المبحث السادس: استدانة الناظر على الوقف الاستدانة: مصدر استدان من الدين، قال أبو عبيد: الدين واحد الديون، والدين لغة: يطلق على غير الحاضر، وعلى ما في الذمة من القرض، وثمن المبيع (١). وفي الاصطلاح: أن يشتري للوقف شيئاً وليس في يده شيء من غلات الوقف ليرجع بذلك فيما يحدث من غلة الوقف (٢). وفيه مطلبان: المطلب الأول: ملكية الناظر للاستدانة على الوقف إذا احتاج الوقف للمال لعمارته وصيانته، كأن يكون داراً تهدمت فتحتاج إلى عمارة، أو احتاجت إلى ترميم، أو بستانا فاحتاج إلى حفر بئر لاستخراج الماء له، وليس عند الناظر ريع يعمل به ذلك، فهل يملك الاستدانة لذلك على أن يوفيه فيما بعد، أو لا يملكها؟.

стр. 1112

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الناظر يملك الاستدانة على الوقف إذا كان فيها مصلحة له. وبهذا قال أكثر الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). لكنهم اشترطوا لذلك شروطاً سيأتي ذكرها قريباً إن شاء الله تعالى. القول الثاني: أن الناظر لا يملك الاستدانة على الوقف مطلقاً. وبهذا قال هلال من الحنفية (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: يمكن الاستدلال لأصحاب هذا القول بعموم ما يأتي: ١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية … " (٦). وجه الاستدلال: أن مقصد الواقف هو استمرار الانتفاع به، وفي الاستدانة على الوقف إذا احتاج إليها لإصلاحه وتعميره استمرار له، وفي عدمها تعطيل وخراب له، فتجوز الاستدانة لذلك.

стр. 1113

٢ - ما رواه المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ بين فيه النهى عن إضاعة المال، وفي عدم الاستدانة على الوقف لإصلاحه وتعميره إذا احتاج إلى ذلك خراب وتعطيل له، فيدخل ذلك في إضاعة المال المنهي عنها في هذا الحديث. دليل القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أن عمارة الوقف إذا احتاج إليها إنما تكون من غلته، ولا يصح جعلها فيما سوى ذلك، فلا تجوز الاستدانة عليه (٢). ونوقش: بأنه إذا كان هناك ما يعمر به الوقف دون استدانة فإن الاستدانة لذلك لا تصح، وإنما الكلام فيما إذا لم يوجد إلا الاستدانة، فيجوز العمارة بها استدامة للوقف، وحفاظاً عليه. الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب-؛ لعموم أدلتهم، ولما فيها من المصلحة الظاهرة للوقف والواقف عليه، وحفظ الوقف من الخراب؛ إذ من صور التنمية للوقف من خلال المحافظة على أصله تمويله بالاستدانة من أجل عمارته.

стр. 1114

المطلب الثاني: شروط الاستدانة على الوقف اشترط بعض الفقهاء للاستدانة على الوقف شروطاً، وهي: الشرط الأول: أن تكون الاستدانة بإذن القاضي أو نائبه: وقد اختلف الفقهاء في اشتراط هذا الشرط على أقوال: القول الأول: أنه يشترط إذن القاضي مع عدم العذر، ويسقط مع العذر والمشقة. وبه قال بعض الحنفية. القول الثاني: أن هذا الشرط معتبر، فلا يملك الناظر الاستدانة على الوقف إلا بإذن القاضي أو نائبه. وبهذا قال من أجاز الاستدانة على الوقف من الحنفية (١)، وبه قال بعض الشافعية (٢). القول الثالث: أن هذا الشرط غير معتبر، فيملك الناظر الاستدانة على الوقف بدون إذن القاضي أو نائبه.

стр. 1115

وبهذا قال المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وبه قال الحنابلة (٣). الأدلة: دليل القول الأول: لما في استئذانه من مشقة، وتفويت مصلحة الوقف. أدلة القول الثاني: (اشتراط الإذن) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أن في الاستدانة على الوقف إثبات دين في رقبته متعلق بسائر البطون، فلا يستقل به الناظر؛ لأنه ليس له النظر إلا مدة حياته فقط، فاحتيج إلى إذن له ممن له النظر العام على الجميع وهو القاضي (٤). ٢ - أن الاستدانة على الوقف محل نظر واجتهاد، وهذا من وظيفة القاضي دون الناظر (٥). ٣ - في الاشتراط صيانة للوقف، وحفظاً لحق الموقوف عليهم، وحذراً من فساد بعض أهل الزمان، وقلة الأمانة (٦). ٤ - وتقدير المصلحة إلى الاستدانة ونحوها من أنواع الاستثمارات تحتاج إلى نظر وتأمل، والقاضي أولى بتقدير ذلك لاسيما وهو يستعين بأهل الخبرة والنظر.

стр. 1116

أدلة القول الثالث: (عدم اشتراط الإذن) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أن لولي اليتيم الحق بالاقتراض له -أي لليتيم- بدون إذن القاضي، فكذلك ناظر الوقف قياساً عليه (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق، حيث قال ابن حجر الهيثمي: " إنه يضيق في الناظر ما لا يضيق في ولي اليتيم، ومن ثم جرى خلاف في الفسخ بالزيادة على ما أجربه أثناء المدة، ولم يجز نظير ذلك في إيجار ولي اليتيم " (٢). كما أن في استدانة ولي اليتيم إثبات دين متعلق بمن هو ولي عليه فقط، فله أن يستقل به، بخلاف الاستدانة على الوقف ففيها إثبات دين في رقبة الوقف متعلق بسائر البطون، فلا يستقل به؛ لأنه ليس له النظر إلا مدة حياته. ٢ - أن ناظر الوقف مؤتمن مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا شك أن الناظر مؤتمن، ولكنه ليس مطلق التصرف، فمتى اتضح فساد تصرفه لم ينفذ، فلهذا لو تصرف في الوقف أو منفعته تصرفاً يقصد من ورائه مصلحة لنفسه أو ولده لم يصح منه، وكذا لو استدان له من غير حاجة، ونحو ذلك. فاشتراط الإذن لا يخالف ما تقرر من أمانة الناظر، وهو يتفق مع مصلحة الوقف، فوجب الأخذ به.

стр. 1117

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل؛ لقوة ما استدلوا به، وعلى هذا تجوز الاستدانة بضوابط: وقد جاء في قرارات وفتاوى وتوصيات منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول بعد بحثه لموضوع ديون الوقف ما نصه: "الأصل جواز الاستدانة للوقف ما دامت تحقق مصلحة معتبرة للوقف " (١)، وقد أكد القرار على إذن القاضي أو الواقف، ووجود الحاجة، وترتيب آلية رد الدين، وأن تكون الاستدانة في حدود ريع الوقف وغلته، وأن تكون الاستدانة بالطرق المشروعة. ويؤكد هنا على أن القول بمشروعية الاستدانة معلق بتحقق المصلحة وظهورها، ومن ذلك أن تكون الاستدانة لأمر يعود بالنفع على الوقف، وأن لا يمكن سد حاجات الوقف من ذاته. وقد تحتاج بعض صور تثمير الأوقاف للاستدانة لتمويل مشاريعها، فينظر حينئذ في ذلك من خلال ما تظهره دراسات الجدوى وغيرها مما يكشف أهمية الاستدانة وعائدها المرجو على الأوقاف؛ إذ الذي يظهر أن مشروعية مثل هذه التصرف تدور مع المصلحة وجوداً وعدماً، فمتى تبينت مصلحة الوقف وظهرت قيل بمشروعية الاستدانة، لاسيما وأن التمويل هو أهم عناصر العملية الاستثمارية، ومن النادر إمكان الاستدانة من خلال القرض الحسن -إلا من مقرض يرجو وجه الله تعالى في إقراض الوقف ذي المصرف الخيري- لذا كانت الاستفادة منه فيما يخدم الأوقاف ويحقق مصلحتها مشروعة. ومن الضوابط: "لا يقبل من الناظر دعوى الإذن بالاستدانة إلا ببينة " (٢).

стр. 1118

الشرط الثاني: أن يكون في الاستدانة مصلحة متحققة للوقف، كقيام الحاجة إلى الاستدانة لعمارته، أو نحو ذلك: وهذا اشترطه كل من قال من الفقهاء بملكية الناظر للاستدانة على الوقف، وهم: أكثر الحنفية (١)، وبه قال المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). الشرط الثالث: أن لا يكون للوقف غلة، فإن كان له غلة، فلا تجوز الاستدانة عليه؛ لأنه لا ضرورة إلى الاستدانة؛ لأن الغلة تباع ويؤدي منها ما يحتاج إليه الوقف (٥). الشرط الرابع: أن لا تكون العين الموقوفة قابلة للإجارة، فإذا كانت كذلك وأمكنت إجارتها سواء كانت إجارة قصيرة أم طويلة فإنه لا يستدين، حيث إن مصلحة الوقف تقتضي عدم الاستدانة؛ لأن عمارته أمكنت دونها (٦). الشرط الخامس: أن لا يكون المقصد من الاستدانة مصلحة الموقوف عليه دون عين الوقف، ولهذا لا تجوز الاستدانة من أجل الصرف للمستحقين، يستثنى من ذلك إذا كان الصرف لهم ضرورة مصالح الوقف كالصرف للإمام أو نائبه (٧).

стр. 1119

المبحث السابع: رهن الناظر للوقف، وأخذ الرهن عليه الرهن لغة: يطلق على معان منها: الدوام والثبوت، ومنه قولهم: نعمة راهنة، أي ثابتة دائمة، ويطلق ويراد به: الحبس واللزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ (١) أي محبوس حتى يخرج من حقوق الله عليه (٢). وفي الاصطلاح: توثقة دين بعين أو بدين يمكن أخذه منه إن تعذر الوفاء من غيره (٣). وفيه مطلبان: المطلب الأول: رهن عين الوقف صورة المسألة: أن يقترض قرضا، أو يشتري مبيعا بثمن مؤجل، فتجعل العين الموقوفة رهناً بهذا الدين. فلا يخلو هذا من أمرين: الأمر الأول: أن تكون الاستدانة لصالح الوقف فيجوز؛ لما تقدم قريبا

стр. 1120

من صحة الاستدانة على الوقف للمصلحة، فيصح الرهن تبعاً؛ لأنه فرع لصحة الاستدانة التي هي الأصل. الأمر الثاني: أن تكون الاستدانة لغير صالح الوقف. فاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يصح رهن عين الوقف. وبهذا قال الإمام أبو حنيفة في رواية عنه، وبها أخذ أصحابه (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: يصح رهن العين الموقوفة بناء على صحة الرجوع في الوقف، وأنه ملك للواقف. وبهذا قال الإمام أبو حنيفة في رواية عنه (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم الصحة) استدل لهذا الرأي بالأدلة التالية: ١ - سائر الأدلة الدالة على لزوم الوقف، وعدم جواز الرجوع فيه،

стр. 1121

ومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: " تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (١). وجه الاستدلال: أن هذه الأدلة دلت على عدم جواز الرجوع في الوقف، ورهن العين وسيلة إلى الرجوع في الرهن وإبطاله؛ لأن الغرض من الرهن بيعه عند حلول الدين، وعدم السداد. ٢ - أن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه عند التعذر، وما لا يجوز بيعه كالوقف لا يمكن فيه ذلك، فلا يجوز رهنه (٢). ٣ - أن رهن الوقف يلزم منه تعطيله بحبسه عند المرتهن، وهذا خلاف مقصود الواقف، فلا يجوز (٣). دليل القول الثاني: (صحة رهن الوقف) استدل لهذا الرأي بما يلي: الأدلة الدالة على عدم لزوم الوقف، وجواز الرجوع فيه. وجه الدلالة: أنه يصح للواقف الرجوع في الوقف؛ لأن ملكه لا يزول عن العين الموقوفة وإذا جاز الرجوع جاز له البيع، ومن ثم جاز الرهن؛ لأن ما جاز بيعه جاز رهنه. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بعدم زوال ملكية العين الموقوفة عن ملكية الواقف، بل تزول بمجرد الوقف، فلا يصح له الرجوع، وبناء عليه لا يجوز البيع ومن ثم الرهن. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بعدم صحة رهن الوقف؛

стр. 1122

لما تقدم من لزوم الوقف، وعدم الرجوع فيه، وأن ملكه خرج عن الواقف إلى الله تعالى. المطلب الثاني: أخذ الرهن على عواري الأعيان الموقوفة ومثال ذلك: كتب العلم إذا وقفت للإعارة، وآلات الحرب إذا وقفت على المجاهدين، والحلي إذا وقف للإعارة، ونحو ذلك، فهل يملك الناظر أخذ الرهن عليها، أو لا يملكه؟. اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الناظر لا يملك أخذ الرهن على عواري الأوقاف، وشرط أخذه عليها باطل. وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأكثر الشافعية (٣)، وهو وجه عند الحنابلة (٤). القول الثاني: أن الناظر يملك أخذ الرهن على عواري الأوقاف.

стр. 1123

وبهذا قال بعض الشافعية (١)، وهو وجه عند الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄، وفيه قوله ﷺ لعمر ﵁: " تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (٣). وجه الدلالة: أن مقتضى الصدقة على الموقوف عليه الإفادة من الوقف دون شرط. (٢٥٧) ٢ - ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن شبيب قال: حدَّثني إسحاق بن محمَّد، ثنا يزيد بن عبد الملك، عن محمَّد بن عبد الرحمن الحَجَبِيِّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ قال: " لا ضمان على مؤتمن " (٤). والعارية أمانة غير مضمونة، فلا يصح أخذ الرهن عليها؛ إذ الرهن إنما شرع توثيقة وضماناً (٥). ٣ - أن الرهن لا يصح في عواري الأوقاف؛ لأنها غير مضمونة في يد

стр. 1124

الموقوف عليه، كما أنه لا تسمى عارية؛ لأن الآخذ لها من أهل الوقف، فهو مستحق للانتفاع بها، ويده عليها يد أمانة، والأمانات غير مضمونة. دليل القول الثاني: (أخذ الرهن على عواري الأوقاف) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: قياس عواري الأوقاف على ما في الذمة من قرض ونحوه، حيث إن الرهن يحمل الراهن على أدائها، وإن تعذر أداؤها استوفي بها له من ثمن الرهن (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مردود؛ لأن الراهن إنما يحمل أداء العين إذا أمكن الاستيفاء بها من الرهن عند تعذر أدائها، والاستيفاء إنما يكون فيما يضمن، والأعيان الموقوفة للإعارة غير مضمونة من مستعيرها، فأخذ الرهن عليها رهن بعين غير مضمونة لو تلفت بلا تعد ولا تفريط؛ وذلك لأن الراهن بعض المستحقين، فتكون العين الموقوفة أمانة في يده، والأمانات غير مضمونة بلا تعدٍّ ولا تفريط، فلا يجوز أخذ الرهن عليها. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة أخذ الرهن على عواري لوقف حال التعدي أو التفريط؛ إذ هي مضمونة في هذه الحال، ولا يصح في حال عدم التعدي والتفريط؛ لعدم الضمان في هذه الحال.

стр. 1125

المبحث الثامن: تحكير الوقف، والإجارتان، وبدل الخلو وفيه مطالب: المطلب الأول: تحكير الوقف وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف التحكير لغةً واصطلاحاً: وفيها أمران: الأمر الأول: تعريف التحكير لغة: التحكير لغة: المنع، والحبس. قال ابن فارس: " الحاء والكاف والراء أصل واحد، وهو الحبس " (١). وقال ابن منظور: " من شدَّ حكره: أي من شدة احتباسه وتربصه " (٢). وفي المصباح: " احتكر زيد الطعام إذا حبسه إرادة الغلاء " (٣). والجمع أحكار.
следующие страницы →