ومنها: حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: " تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (١).
وجه الاستدلال: أن هذه الأدلة دلت على عدم جواز الرجوع في الوقف، ورهن العين وسيلة إلى الرجوع في الرهن وإبطاله؛ لأن الغرض من الرهن بيعه عند حلول الدين، وعدم السداد.
٢ - أن مقصود الرهن استيفاء الدين من ثمنه عند التعذر، وما لا يجوز بيعه كالوقف لا يمكن فيه ذلك، فلا يجوز رهنه (٢).
٣ - أن رهن الوقف يلزم منه تعطيله بحبسه عند المرتهن، وهذا خلاف مقصود الواقف، فلا يجوز (٣).
دليل القول الثاني: (صحة رهن الوقف)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
الأدلة الدالة على عدم لزوم الوقف، وجواز الرجوع فيه.
وجه الدلالة: أنه يصح للواقف الرجوع في الوقف؛ لأن ملكه لا يزول عن العين الموقوفة وإذا جاز الرجوع جاز له البيع، ومن ثم جاز الرهن؛ لأن ما جاز بيعه جاز رهنه.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بعدم زوال ملكية العين الموقوفة عن ملكية الواقف، بل تزول بمجرد الوقف، فلا يصح له الرجوع، وبناء عليه لا يجوز البيع ومن ثم الرهن.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بعدم صحة رهن الوقف؛
стр. 1122
لما تقدم من لزوم الوقف، وعدم الرجوع فيه، وأن ملكه خرج عن الواقف إلى الله تعالى.
المطلب الثاني: أخذ الرهن على عواري الأعيان الموقوفة
ومثال ذلك: كتب العلم إذا وقفت للإعارة، وآلات الحرب إذا وقفت على المجاهدين، والحلي إذا وقف للإعارة، ونحو ذلك، فهل يملك الناظر أخذ الرهن عليها، أو لا يملكه؟.
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الناظر لا يملك أخذ الرهن على عواري الأوقاف، وشرط أخذه عليها باطل.
وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وأكثر الشافعية (٣)، وهو وجه عند الحنابلة (٤).
القول الثاني: أن الناظر يملك أخذ الرهن على عواري الأوقاف.
стр. 1123
وبهذا قال بعض الشافعية (١)، وهو وجه عند الحنابلة (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄، وفيه قوله ﷺ لعمر ﵁: " تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (٣).
وجه الدلالة: أن مقتضى الصدقة على الموقوف عليه الإفادة من الوقف دون شرط.
(٢٥٧) ٢ - ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن شبيب قال: حدَّثني إسحاق بن محمَّد، ثنا يزيد بن عبد الملك، عن محمَّد بن عبد الرحمن الحَجَبِيِّ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ قال: " لا ضمان على مؤتمن " (٤).
والعارية أمانة غير مضمونة، فلا يصح أخذ الرهن عليها؛ إذ الرهن إنما شرع توثيقة وضماناً (٥).
٣ - أن الرهن لا يصح في عواري الأوقاف؛ لأنها غير مضمونة في يد
стр. 1124
الموقوف عليه، كما أنه لا تسمى عارية؛ لأن الآخذ لها من أهل الوقف، فهو مستحق للانتفاع بها، ويده عليها يد أمانة، والأمانات غير مضمونة.
دليل القول الثاني: (أخذ الرهن على عواري الأوقاف)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
قياس عواري الأوقاف على ما في الذمة من قرض ونحوه، حيث إن الرهن يحمل الراهن على أدائها، وإن تعذر أداؤها استوفي بها له من ثمن الرهن (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مردود؛ لأن الراهن إنما يحمل أداء العين إذا أمكن الاستيفاء بها من الرهن عند تعذر أدائها، والاستيفاء إنما يكون فيما يضمن، والأعيان الموقوفة للإعارة غير مضمونة من مستعيرها، فأخذ الرهن عليها رهن بعين غير مضمونة لو تلفت بلا تعد ولا تفريط؛ وذلك لأن الراهن بعض المستحقين، فتكون العين الموقوفة أمانة في يده، والأمانات غير مضمونة بلا تعدٍّ ولا تفريط، فلا يجوز أخذ الرهن عليها.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة أخذ الرهن على عواري لوقف حال التعدي أو التفريط؛ إذ هي مضمونة في هذه الحال، ولا يصح في حال عدم التعدي والتفريط؛ لعدم الضمان في هذه الحال.
стр. 1125
المبحث الثامن: تحكير الوقف، والإجارتان، وبدل الخلو
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تحكير الوقف
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريف التحكير لغةً واصطلاحاً:
وفيها أمران:
الأمر الأول: تعريف التحكير لغة:
التحكير لغة: المنع، والحبس.
قال ابن فارس: " الحاء والكاف والراء أصل واحد، وهو الحبس " (١).
وقال ابن منظور: " من شدَّ حكره: أي من شدة احتباسه وتربصه " (٢).
وفي المصباح: " احتكر زيد الطعام إذا حبسه إرادة الغلاء " (٣).
والجمع أحكار.
стр. 1126
وفي تاج العروس: " الحكر بالكسر ما يجعل على العقارات ويحبس " (١).
وفي المعجم الوسيط: " الحاكورة: أرض تحبس لزرع الأشجار قرب الدور، والحكر: العقار المحبوس " (٢).
الأمر الثاني: تعريف التحكير في الاصطلاح:
قيل: هو عقد إجارة يقصد بها استيفاء الأرض مقررة للبناء والغرس، أو لأحدهما (٣).
فالحكر حق قرار مرتب على الأرض الموقوفة بإجارة مديدة، وهي تعقد بإذن القاضي يدفع فيها المستحكر للوقف مبلغاً معجلاً يقارب قيمة الأرض الموقوفة، ويرتب مبلغ ضئيل يستوفى سنوياً لجهة الوقف من المستحكر، أو ممن ينتقل إليه هذا الحق على أن يكون للمستحكر حق الغرس والبناء وسائر وجوه الانتفاع بتلك الأرض (٤)، وهذا الحق يتصرف فيه صاحبه تصرف الملاك فهو قابل للبيع والشراء والانتقال والإرث وغيره (٥).
стр. 1127
ويطلق الحكر أيضاً على العقار المحتكر نفسه، فيقال: هذا حكر فلان، كما يطلق على الأجرة المقررة على عقار محبوس في الإجارة الطويلة ونحوها (١).
والمحكر هو ناظر الوقف أو مالك الأرض، والمستحكر هو مالك الأنقاض المتصرف بالعمار.
العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
أصل الحكر هو الماء المجتمع الذي يمنع صاحبه غيره من الانتفاع به، وهذا المعنى نقل إلى الحكر -بالكسر- حيث يمنع المستحكر غيره من الانتفاع بالأرض المحكرة طوال مدة العقد.
وقد ذكروا أن السبب من إنشاء هذا العقد هو تحقيق مصلحة الوقف؛ إذ يكون الحكر طريقاً لاستثمار الأراضي الوقفية المعطلة (٢).
ويقول شاكر بك الحنبلي بعد أن ذكر المرصد والإجارتين والحكر وغيرها قال: "هذه هي الأحوال التي طرأت على الوقف الصحيح، وأخرجته عن وضعه بما ابتدعوه من طرق وأساليب غريبة وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان توصلاً لامتلاك الوقف واستصفائه لأنفسهم مما أدى إلى تدني الأوقاف ووصولها إلى الحالة الثانية التي نشاهدها اليوم من الخراب والفوضى " (٣).
ويرى الشيخ مصطفى الزرقا أن الأحكار والإجارتين والمرصد وغيرها من حقوق القرار تعتبر أغلالا في أعناق الأوقاف، وقد سلبت معظم منافعها بأجور زهيدة في عهود اختل فيها ميزان الحكم وسلطان القضاء (٤).
стр. 1128
ونقل العدوي: جريان العرف بمصر على أن الأحكار مستمرة للأبد، وإن عين فيها وقت الإجارة مدة، فهم لا يقصدون خصوص تلك المدة، والعرف كالشرط، فمن احتكر أرضاً مدة ومضت فله أن يبقى وليس لمتولي أمر الوقف إخراجه (١).
المسألة الثانية: الألفاظ ذات الصلة:
أولاً: الصبرة:
هي عقد إجارة طويلة لمدة قد تصل إلى ألف سنة، يلتزم المستأجر فيها بدفع مبلغ أو تمر أو حنطة سنوياً، ويزرع ويغرس ويبني حسب العقد، فإذا انتهت المدة رفع المستأجر يده عن الأرض، واستلمها صاحبها بدون التزامات مالية، بخلاف ما لو نزعت الملكية للمصلحة العامة أثناء مدة الإيجار، فللمستأجر حق مالي، ويذكر عادة في العقد عبارة "منع الصبرة فسخ الإجارة" بمعنى أن العقد ينفسخ إذا امتنع المستأجر من دفع الأجرة المتفق عليها (٢).
وهي معروفة في نجد، ومن الفروق بينها وبين الحكر ما يلي:
١ - يدفع المستحكر في بداية العقد مبلغاً يقارب قيمة الأرض خالية غير مشغولة، ويبني من ماله بناءً أو يغرس في الأرض الزراعية غرساً ملكاً له، ثم يدفع أجرة سنوية ضئيلة، بينما لا يدفع المستأجر في عقد الصبرة ابتداءً أي مبلغ، وإنما عليه دفع الأجرة السنوية فقط.
٢ - في عقود التحكير على الوقف لا تُذكر مدة الإيجار عادة، بينما يُنصّ عليها في عقد الصبرة.
стр. 1129
٣ - إذا سقط البناء في عقد الحِكر المطلق عن المدة فيها انفسخ العقد، بينما عقد الصبرة لا تأثير لسقوط البناء على لزوم العقد (١).
ثانياً: الإجارتان: ويأتي في المبحث الثاني.
ثالثاً: حق القرار:
هو الحقّ الذي ينتج عن عقد الحِكر بعد أن يبني المستحكر، أو يغرس في الوقف، ويبقى هذا الحق منوطاً ببقاء العمار والغرس، ولا يختص به الحِكر، بل المرجع في ذلك إلى جريان العرف، فهو الذي أنشأه (٢).
رابعاً: المرصد:
المرصد في اللغة: من انتظار الشيء والإعداد له، جاء في لسان العرب: " الراصد بالشيء الراقب له، ثم قال: الإرصاد: الانتظار، والإرصاد: الإعداد" (٣).
والمراد به هنا: أن يستأجر إنسان عقاراً موقوفاً ويأذن له ناظر الوقف بعمارته واستصلاحه من ماله الخاص مع نية الرجوع على الوقف لكون الوقف ليس له مال حاضر، ولا راغب في استئجاره بوضعه الحالي (٤).
فهو دين على الوقف بإذن متولي الوقف لعمارته الضرورية (٥).
стр. 1130
الفرق بين الإرصاد وبين الحكر:
المقصود بالإرصاد هنا: تحويل جزء من ريع الوقف، أو كله لوفاء دين مشروع على الوقف.
والحكر في حقيقته: استئجار أرض الوقف لمدة طويلة لإقامة بناء عليها.
والفرق بينهما: الإرصاد -في صورة ما إذا بنى المستأجر للعقار الموقوف دكاناً فيه، أو جدد بناءه المتداعي، ليكون ما أنفقه في ذلك ديناً على الوقف إن لم يكن ثمة فاضل في ريع الوقف يقوم بذلك-: فالعمارة في الإرصاد تكون للوقف، والعمارة في الحكر تكون للمستأجر، وما يدفعه المستأجر في الإرصاد هو دين على الوقف للمستأجر، وما يدفعه المستأجر في الحكر هو أجرة الأرض التي أقام عليها بناءه (١).
وهذه الصورة كغيرها من الصور كان سبب قيامها هو حاجة الوقف لمن يقوم بعمارته، ولذا يجب قصره على تلك الحالة التي تشح فيها مصادر التمويل للمرفق الوقفي، فمتى أمكن عمارة الوقف من ذاته، ولم توجد مصلحة راجحة ظاهرة، فلا يجوز سلوك مثل هذه الصيغة لتمويل الوقف؛ لما فيها من رهن منفعة الوقف بذلك الدين.
وبناء على ما سبق فإن الحكم في هذه المسألة كالحكم في الاستدانة للوقف، ويقال فيها ما قيل هناك من ضوابط وتفصيل.
خامساً: الكَدِك:
"لفظ معرَّب يُطلق في الاصطلاح الفقهي على الأعيان المملوكة للمستأجر المتصلة بالحانوت على وجه القرار كالبناء، أو لا على وجه القرار
стр. 1131
كآلات الصِّناعة المركبة به، كما يطلق أيضاً على الكِرْدار في الأراضي كالبناء والغرس فيها " (١).
وينشئ مستأجر عقار الوقف هذا الكدك فيه من ماله لنفسه على حسب حاجته بإذن متولي الوقف كالرفوف والمواقد ونحوها يضعها في الحوانيت.
وقال ابن عابدين " الكِرْدار المعبّر عنه في زماننا بالجدك … وهو أن يُحدث المزارع في الأرض بناءً أو غراساً أو كبساً بالتراب " (٢).
ومن الحقوق ما يسمى "القميص"و"مشد المسكة" و "القيمة".
ويكون أيضاً لأصحابها حق قرار على عقار الوقف بأجر المثل ترجيحاً على سواهم من المستأجرين.
والقميص هو: حق لمستأجر دار الرحى الموقوفة يخوله البقاء فيها لماله فيها من أدوات الطحن وآلاته ولوازمه.
والمراد بمَشَدّ المَسَكة: "المشد" بفتحتين مع تشديد الدال، و"المسكة" بفتحات، وزن "سمكة" وهو لفظ مشتق من الشد والتمسك، وهو تعبير موروث من العهد التركي يطلق ويراد به: حق لمستأجر الأرض الموقوفة في البقاء بسبب ما له فيها من حراثة وسماد؛ إذ يتضرر لو أخرج منها.
والمراد بالقيمة: حق مستأجر البساتين الموقوفة في البقاء فيها كذلك لما له فيها من أصول المزروعات التي تدوم، أو من عمارة الجدر المحيطة التي أنشأها، وهي نظير الكدك (٣).
стр. 1132
المسألة الثالثة: أقسام الحكر:
يمكن تقسيم الحكر إلى قسمين:
الأول: حكر على أرض وقف.
الثاني: حكر على أرض طِلْق.
وكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: مؤقت بمدة ومطلق عنها، فهذه أربعة أقسام (١).
وكلام الفقهاء أكثر ما يكون في الحكر على الوقف، والأحكار القديمة أكثرها تُبنى على وقف، ولا يذكر فيها مدّة معينة.
المسألة الرابعة: شروط عقد الحكر:
لم يذكر المتقدمون في مؤلفاتهم شروطاً لهذا العقد، وقد ذكر المتأخرون شروطاً للحكر كما يلي:
قال الشيخ عشوب: " وهو جائز بشروط:
١ - أن لا يكون الموقوف منتفعاً به أصلاً، كأن تكون الدار خربة، والأرض سبخة.
٢ - أن لا يكون هناك ريع يعمر به الموقوف.
٣ - أن لا يمكن إجارته مدة طويلة لمن يعجل الأجرة؛ ليعمر بها.
٤ - أن لا يمكن استبداله بغيره، فإن أمكن استبداله بما أنفع للوقف قدم الاستبدال على التحكير؛ لأنه أنفع " (٢).
المسألة الخامسة: تاريخ نشوء الحكر وما آل إليه:
ذكر الخصاف في منتصف القرن الثالث الهجري ما يدل على أصل هذا
стр. 1133
العقد، ونصه: " فما تقول في حوانيت السوق لو أن رجلاً وقف حوانيت من حوانيت السوق؟ قال - الخصاف - إن كانت الأرض إجارة في أيدي القوم الذي بنوها لا يخرجهم السلطان عنها، فالوقف جائز فيها من قبل أنا رأيناها في أيدي أصحاب البناء يتوارثونها وتقسم بينهم لا يتعرض لهم السلطان فيها ولا يزعجهم عنها، وإنما له عليهم غلة يأخذها منهم، وقد تداولتها أيدي الخلف عن السلف، ومضى عليها الدهور، وهي في أيديهم يتبايعونها ويؤجرونها، وتجوز فيها وصاياهم، ويهدمون بناءها، ويعيدونه ويبنون غيره، فكذلك الوقف فيها جائز " (١).
وقال شيخ الإسلام: " جوّز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف لمصلحة، كجعل الدور حوانيت، والحكورة المشهورة " (٢).
المسألة السادسة: تكييف عقد الحكر:
وفيها أمران:
الأمر الأول: تكييف عقد الحكر المقيدة بمدة:
الظاهر بعد التأمل أنه عقد إجارة، حيث يملك المستحكر المنفعة بموجب العقد طوال المدة المتفق عليها، وإذا انتهت المدة انفسخ العقد، وعادت المنفعة إلى المحكر، هذا هو الأصل.
وذكر الفقهاء أن بناء المستحْكِر إذا كان قائماً بعد انتهاء المدة، فليس للمحكر إخراجه إذا رضي بدفع أجرة المثل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن احتكر أرضاً بنى فيها مسجداً أو غير
стр. 1134
مسجد، وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها: "وما دام البناء قائماً فيها فعليه أجرة المثل "، قال المرداوي: " وهو الصواب، ولا يسع الناس إلا ذلك " (١).
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: " وإذا بقي الغراس أو البناء بأجرة، لم يشترط تقدير المدة؛ لأنهم لم يذكروا ذلك وهو ظاهر، بل يشترط تقدير أجرة كل سنة " (٢).
وبناءً على أن المستحكر يملك ما عمره، هل يجوز له أن يبيعه على غيره أثناء مدة العقد، كما لو استحكر خمسين عاماً، وبعد انقضاء عشرين منها باع بناءه؟ هذه المسألة مبناها على مسألة بيع المستأجر للمنفعة التي يملكها على غيره.
وجمهور أهل العلم على جواز ذلك (٣).
وإذا انتهت المدة فلا يحق للمستحكر أن يتصرف في الحكر؛ لأنه تصرف في شيء لا يملكه (٤).
ونقل العدوي: جريان العرف بمصر على أن الأحكار مستمرة للأبد، وإن عين فيها وقت الإجارة مدة، فهم لا يقصدون خصوص تلك المدة، والعرف كالشرط، فمن احتكر أرضاً مدة ومضت فله أن يبقى وليس لمتولي أمر الوقف إخراجه (٥).
стр. 1135
الأمر الثاني: تكييف عقد الحكر المطلق:
وتحتها فرعان:
الفرع الأول: أن يدفع المستحكر مبلغاً معجلاً كبيراً وآخر مرتباً ضئيلاً مقابل الاستفادة من أرض الوقف المتعطلة.
وهذا عقد إجارة (١)؛ لأن المدة منوطة ببقاء البناء.
الفرع الثاني: أن يبيع المستحكر البناء على غير المحكر: وفي هذه الحالة يدفع العاقد للمستحكر مبلغاً ليتملك البناء، ويلتزم بدفع الأجرة المفروضة للمحكر وهذا عقد بيع (٢) بين المستحكر والمشتري، وعقد إجارة بين المشتري والمحكر؛ لأن المشتري يدفع أجرة لقيام بنائه على أرض الوقف، وهذا تملك لمنفعة أرض الوقف يجب دفع عوضها.
أما المدة في عقد الحكر فهي منوطة ببقاء البناء والجهالة مغتفرة لحاجة الوقف إلى أن يؤجر ليستفيد منه المستحقون (٣).
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " والذي يظهر جواز بيع العقار الذي فيه حكر، وهو بمعنى الصبرة عند أهل نجد، وقد أجاز العلماء بيع مثل هذه العقارات، قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في "الاختيارات" كلاما معناه: " وإذا بيعت الأرض المحكرة أو ورثت فإن الحكر يكون على المشتري والوارث، وليس لأصحاب الحكر أخذ الحكر من البائع وتركة الميت في أظهر قولي العلماء ". أ هـ، وقال ابن القيم في "الهدي" أثناء الكلام على الأرض المغنومة: " فعلم أن الأرض لا تدخل في الغنائم، والإمام مخير فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله ﷺ وترك، وعمر لم يقسم بل
стр. 1136
أقرها على حالها وضرب عليها خراجا مستمرا في رقبتها يكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض كما هو عمل الأمة، وقد أجمعوا على أنها تورث، والوقف لا يورث، ولا يجوز مهراً في النكاح، وإنما امتنع بيعه ونقل الملك في رقبته لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض، فمن اشتراها صارت عنده خراجية كما كانت عند البائع سواء، فلا يبطل حق أحد من المسلمين بهذا البيع، كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق. أ هـ. وقال في "مختصر مجموع المنقور": قال ابن ذهلان: بيع الأراضي التي فيها صبرة معلومة صحيح لا بطلان فيه، ولا فرق في ذلك عن الخراج على القول بصحة بيع الخراجية، فبيع النخل إذا كان فيه صبرة صحيح على ما اعتاده كثير من أهل الوشم وغيرهم يوصي أحدهم في عقاره بمثل هذه، ويصير الموصى به في العقار مقدما في الغلة على المشتري، وبذلك يعمل فقهاؤهم منهم الشيخ محمد. أ هـ.
ومما ذكرناه من كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وابن ذهلان: يتضح جواز بيع الدار التي فيها الحكر، وأنها أملاك لمن اشتروها أرضها وأنقاضها، ولهم التصرف فيها بالبيع والهبة والوقف والسكن والاسكان والتحكير وغير ذلك، إلا أن الحكر السابق المشروط مقدم فيها حسب شرط البائع الأول -كما يظهر أيضاً أنه يجوز أن يشتري بقيمة الوقف الذي ببيع للمسوغ الشرعي-سواء كان ذلك الوقف المذكور فيه الحكر سابق على الوقفية أم لا- دارا من تلك الدور التي فيها تلك الحكور تكون وقفا بدلا من الوقف المبيع الأول؛ لما تقدم من كون أرض الدار المحكرة ملكا لا وقفا، حينئذ تكون تلك الدار المشتراة وقفا، ويتصور فيها وجود حكرين اثنين: أحدهما الحكر السابق يتعين تقديمه على غيره، والثاني الحكر الذي هو في الوقف المنقول يكون مؤخراً عن هذا الحكر، وما فضل عن
стр. 1137
الحكرين هو غلة الوقف المنقول" (١).
المسألة السابعة: حكم التحكير في الوقف:
الحكر يكون في الأوقاف، وهو الأغلب، وفي غيرها، وهي الأملاك الخاصة.
فالأرض المحتكرة أعم من أن تكون وقفاً أو ملكاً، والاستحكار في العرف إجارة يقصد بها منع الغير، واستبقاء الانتفاع بالأرض (٢)، إلا أن أكثر كلام الفقهاء في شأن الحكر ينصب على الحكر في الأوقاف، ولا يتعرضون للحكر في الأملاك إلا نادراً (٣).
والتحكير إجارة لأرض الوقف مدة معلومة تطول أو تقصر كما سبق، وقد يقترن بهذه الإجارة خلو يدفعه المستأجر للناظر على الوقف الخرب، الذي لم يجد الناظر أو المستحق ما يعمره به من ريع الوقف، ولا أمكنه إجارته بما يعمره به، فيأذن لمن يعمره ببناء أو غرس على أن ما عمره به يكون ملكاً للمعمر، وتفرض الغلة بالنظر عليه، وعلى الوقف، فما ناب الوقف للمستحق، وما ناب العمارة يكون لربها (٤).
وقد اختلف الفقهاء في حكم تحكير وإجارة الوقف على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه جائز بشروط:
أولاً: أن يكون الوقف قد تخرب وتعطل انتفاع الموقوف عليهم به بالكلية.
ثانياً: أن لا يكون للوقف حاصل يعمر به.
стр. 1138
ثالثاً: أن لا يوجد من يقرض الوقف القدر المحتاج إليه بأقل من أجر تلك المدة.
رابعاً: أن لا يمكن استبدال الوقف بعقار ذي ريع.
القول الثاني: أنه جائز، إلا إذا منع الواقف إجارة الوقف الإجارة الطويلة، فإنه يمتنع، إلا إذا حصلت الشروط المذكورة في القول الأول.
القول الثالث: أنه ممنوع مطلقاً (١).
وهذه المسألة قائمة على الخلاف في جواز تأجير الوقف إجارة طويلة، وفي تقدير المدة التي يجوز عقد الإيجار عليها، وقد تقدّم بحث هذه المسألة في مبحث إجارة الوقف.
المسألة الثامنة: الآثار المترتبة على زوال الأنقاض على عقد الحكر:
وفيها أمران:
الأمر الأول: بيان الحكم عند زوال الأنقاض عن الحكر المؤقت:
إن لكل بناء عمر تقريبي حسب المواد المستعملة فيه، ومناخ البلد وغير ذلك، فإذا وقع البناء الذي أقامه المستحكر أثناء مدة العقد، هل يؤثر على انبرامه؟
إن البناء في عقد الحكر ملك للمستحكر (٢)، فإذا تلف أثناء المدة لا يؤثر على العقد، وتبقى الأجرة المقررة للحكر مستمرة ولو لم يبن المستحكر بناء جديداً، بل يبقى لازماً إلى انتهاء المدة؛ لأنه إجارة كالمستأجر الذي يترك
стр. 1139
العين المأجورة دون استعمالها، فإنها تدخل في ضمانه، وقال ابن قدامة: " فإنها لو فاتت من غير استيفائه كانت من ضمانه " (١).
الأمر الثاني: بيان الحكم عند زوال الأنقاض عن الحكر المطلق:
أغلب الأحكار قديماً غير مؤقتة بمدة معينة، بيد أن العرف أنشأ حق القرار فيها (٢)، فيدفع المستحكر الأجر المرتب سنوياً، ولا يحق للمحكر إخراجه ما دام بناء المستحكر قائماً.
وبناءً على هذا إذا سقط البناء بدون فعل فاعل، بل لقدمه وأهمله المستحكر وامتنع من دفع الأجرة ينفسخ العقد (٣)، ويزول الحكر عن أرض الوقف.
أما سقوطه مع التزام المستحكر بدفع الحكر في وقته، فقد ذكر الأستاذ أحمد إبراهيم بك قولين فيه: أحدهما: فسخ العقد، والثاني: بقاء حق القرار.
ثم قال: "وهذا الرأي أوجه من الأول، وينبغي أن يكون عليه العمل" (٤)(٥).
المسألة التاسعة: فسخ الحكر، وقسمة المال بين المحكر والمستحكر:
عقد التحكير قد يطرأ عليه الفسخ الاختياري بين الطرفين، أو الإجباري بسبب أمر خارج عنهما، وعند انفساخ هذا فإنه لا بد من تقرير ما يخص
стр. 1140
المستحكر والمحكر وبيان استحقاق كل واحد منهما، ومن ثم السعي لتسليم كل ما يخصه.
فإذا تحصل مال يخص عقاراً مملوكاً لجهة معينة، وهذه الجهة قد قامت بتحكيره على طرف آخر، فتعلق بهذا العقار حقان: حق لمالك العين، وحق للمستحكر لهذه العين -وهو من استحكر هذه العين لمدة طويلة، وأنشأ عليها أعياناً يملكها ويستثمرها، ويدفع لصاحب العين مقابل هذا الحكر أجرة سنوية- وهو حق الانتفاع بها، فإن صاحب العين له حق هذا المال، وصاحب الحكر له حق فيه، فإن اتفقوا على أن يشترى بهذا المال كاملاً عقارا آخر، ويكون أنقاضه للمستحكر، ورقبته للمحكر، ويستمر المستحكر في استغلال عينه، وبذل الأجرة لصاحبه، فإنهم يمكنون من ذلك، ويشترى بثمن الدور المهدومة دورا أخرى، ويشترط فيها ما شرط في أصلها، وتبقى الحال على ما كانت عليه، فأهل الدور في أيديهم الدور، وأهل رقبة الأرض لهم المطالبة فيما سمي لهم من الحكر -الأجرة- (١).
أما لو رغب أصحاب البناء الحصول على قيمة البناء، ولم يرغبوا في شراء البدل، فإنه يعمد إلى المهايأة، وتقدير ما يستحقه أهل البناء، وما يستحقه أهل الأرض المحكرة، ويتم قسمة المال بينهم على مثل قيمة أجر الأرض، ومثل أجر البناء (٢).
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " وهو أن يشتري بثمن الدور المهدومة دوراً أخرى، ويشترط فيها ما شرط في أصلها، وتبقى الحال على
стр. 1141
ما كانت عليه، أهل الدور في أيديهم الدور، وآل غالب لهم المطالبة فيما سمي لهم من الحكر " (١).
وفيه أيضا: " الحكم فيما إذا رغب أصحاب البناء الحصول على قيمة البناء ولم يرغبوا شراء البدل … تدفع القيمة لمن في أيديهم الدور .... ، ويكون ذلك بواسطة المحكمة الكبرى بمكة لتطبيق ما صدر منها، وتشرف على صرف القيمة في دور أخرى بدل الدور المهدومة ".
وفيه أيضا: "ليس للمحكر والحال ما ذكر منع المستحكر من رفع الأنقاض القديمة بالأرض، ووضعه مكانها عمارة جديدة ".
وفيه أيضا: " وبتأمل الجميع ظهر أن هذا الجزء المختزل لتوسعة الشارع قد تعلق به حق المالك المستحكر، كما تعلق به حق أصحاب الحكر، فأما أصحاب الحكر فليس لهم إلا حكرهم لا يزاد ولا ينقص، وأما المالك فهو صاحب الحق له غنمه وعليه غرمه، ولهذا فلو باع هذا الجزء على إنسان غير البلدية لاستحق جميع الثمن، ولم يكن عليه سوى أن يشترط على المشتري قسطه من الحكر، فأما وقد أدخلت تبع الشارع وتعذر الرجوع بالحكر على أحد للسنين المستقبلة فينبغي أن يعرض عليهما الصلح، فإن لم يتفقا على شيء فيشترى بهذا التعويض أرض أو بيت يكون ملكاً للمستحكر الأول، ويجعل فيه قسطه من الحكر السابق حكمه حكم أصله، وبهذا يحصل العدل وإيصال كل ذي حق حقه ".
стр. 1142
المطلب الثاني: الإجارتان
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: المراد بعقد الإجارتين:
قيل: بأنها عقد إجارة مديدة بإذن القاضي على عقار الوقف المتوهن الذي يعجز الوقف عن إعادته إلى حالته السابقة بأجرة معجلة تقارب قيمته تؤخذ لتعميره، وأجرة مؤجلة ضئيلة سنوية يتجدد العقد عليه ودفعها كل سنة (١).
وقيل: بأن يتفق متولّي الوقف مع شخص على أن يدفع مبلغاً من المال يكفي لعمارة العقار المبني المتوهن عند عجز الوقف عن التعمير، على أن يكون لدافع المال حق القرار الدائم في هذا العقار بأجر سنوي ضئيل، وهذا الحقّ يورث عن صاحبه ويباع (٢).
وهذا العقد من الصور التي أنشأت بعد عام ١٠٢٠ هـ على إثر الحرائق
стр. 1143
التي شملت أكثر عقارات الأوقاف في القسطنطينية فعجزت غلاتها عن تجديدها، وتشوه منظر البلدة، فابتكروا طريقة الإجارتين تشجيعاً على استئجار هذه العقارات لتعميرها (١).
ولعل من أهم أسباب قيام هذه الصورة عدم وجود الرغبة، كما سبق في استثمار العقار مما دعا إلى الحصول على دفعة مقدمة لعمارته ليكون مهيئاً للانتفاع منه، كما اشترط وجود أجرة مؤجلة ضئيلة للإعلام بأن العقار المؤجر لا يزال موقوفاً، وهو كذلك لسد الطريق أمام المستأجر من ادعاء ملكيته المطلقة له مع مرور الزمن كما ذكروا (٢).
وبناء على ما سبق فهذا العقد من جهة نشأته وما اشترط فيه إنما أقيم عند القائلين به من أجل مصلحة الوقف لإقامته وعمارته أولاً، ثم الحفاظ عليه من الاعتداء من خلال ادعاء ملكيته مع تقادم السنين، فيحصل بذلك الأحظ للوقف من خلال الأجرة المعجلة، وكذا يندفع به ما يظن من ضياع الوقف واندثاره.
وعليه فهذا العقد إنما أنشئ للحاجة ويجب قصر إقامته عليها حال عدم وجود من يرغب في الوقف إلا من خلاله؛ لأمور متعددة منها ما يأتي:
أولاً: إن مثل هذا العقد لا يحقق الغبطة للوقف؛ إذ كل ما يدفع مقدماً يكون في عمارة العين الموقوفة دون إنشاء عين أخرى أو وجود مردود مجدٍ من الأجرة السنوية التي قد تكون ضيئلة جداً.
ثانياً: إن هذا العقد في حقيقته بيع للوقف واستبدال له بلا مقابل يكافئ قيمة العقار، حيث يتم أخذ أجرة معجلة تقارب قيمته ترد في إعمار العين
стр. 1144
المؤجرة، ولا يتبقى من ريع الوقف إلا أجرة ضئيلة جداً تم فرضها من أجل حماية صورة الوقف دون الحفاظ على حقيقته وثمرته، وهل أكثر دلالة على أن هذا العقد هو استبدال للوقف مما ذكر من أن للمستأجر حق التصرف في العقار المؤجر بالبيع والإجارة، وأن هذا الحق يورث كذلك.
فالمستأجر يتصرف تصرف الملاك وعليه فهو بيع واستبدال، ولا بد لإجازته من تحقق شروط الاستبدال وكونه أحظ للوقف.
ولما كان الاستبدال هنا إلى غير بدل إلا أجرة ضئيلة كما سبق، فإن القول بالمنع منه هو الراجح.
ثالثاً: هذا العقد لا يحقق منفعة الوقف وليس أحظ للموقوف عليهم، ولا موافقاً لمراد الواقف، بل هو يلحق الخطر بالوقف، وخطر ضياع الأوقاف لا يقل عن خطر خرابها.
فكما تمنع إجارة من يخشى تغلبه على الوقف واستيلاؤه عليه (١)، فمن باب أولى يمنع تسليمه إلى مستأجر يتصرف فيه تصرف الملاك.
ولذا يجب معاملة هذه الصورة كحالة استبدال يشترط فيها ما يشترط في الاستبدال.
ومما يحسن نقله هنا ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ من مفاسد كثيرة للإجارة الطويلة مطلقاً ضمن فصل أفرده في إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة حيث يقول ﵀: "ومن الحيل الباطلة: تحيلهم على إيجار الوقف مئة سنة مثلا، وقد شرط الواقف ألا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا، فيؤجر المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعا، فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة فإنها مفاسد كثيرة جدا، وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة
стр. 1145
واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينا بعد سنين، وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل، وكم أجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة وكم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها، وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العد، والواقف إنما قصد دفعها وخشي منها بالإجارة الطويلة فصرح بأنه لا يؤجر أكثر من تلك المدة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقود مخالفة صريحة لشرطه مع ما فيها من المفسدة، بل المفاسد العظيمة.
ويالله العجب هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد، وأي غرض للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة، ثم يجوزها في ساعة واحدة في عقود متفرقة، وإذا أجره في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين أيصح أن يقال وفى بشرط الواقف، ولم يخالفه، هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعرض لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر نفعها وألا يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها، فلا يحل لمفت أن يفتي بذلك ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف بأن يخرب، ويتعطل نفعه، فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه واستمرارا لصدقته، وقد يكون هذا خيرا من بيعه والاستبدال به، وقد يكون البيع أو الاستبدال خيرا من الإجارة، والله يعلم المفسد من المصلح " (١).
وقد نبه ابن حجر الهيتمي في كتابه: الإتحاف ببيان أحكام إجارة الأوقاف من الفتاوى الكبرى، إلى اشتراط المصلحة مع أجرة المثل في
стр. 1146
الإجارة الطويلة، وبين أن أجرة المثل لا تكفي لإجارة الوقف دون تحقق الغبطة والمصلحة، حتى ولو كان الإيجار بأكثر من أجرة المثل خشية لحوق ضرر بالوقف من خلال الاعتداء عليه أو غيره.
قال ابن حجر: " الإيجار بأكثر من أجرة المثل وحده لا يكفي " ثم قال: " وبذلك كله علم أن زعم الاكتفاء بالزيادة على أجرة المثل وحدها باطل صريح لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ".
كما قال: " المراد بالمصلحة المجوزة لإجارة المدة الطويلة هي المصلحة التي ترجع إلى بقاء عين الوقف، وقد انحصرت في إيجاره تلك المدة لا إلى مجرد مصلحة المستحقين " (١).
المسألة الثانية: الفرق بين الإجارتين وبين عقد الحِكر:
البناء والشجر في الحِكر ملك للمستحكر؛ لأنه أنشأها بماله الخاص بعد أن قدم مبلغاً يقارب قيمة الأرض الموقوفة، أما في الإجارتين فإن البناء والأرض ملك للوقف؛ لأن العقد في الإجارتين يكون على عقار متوهن يجدد تعميره بالأجرة المعجلة نفسها والمقدمة للوقف (٢).
ولا شك أن عقد الحكر أنفع من عقد الإجارتين؛ لما سبق بيانه من مصرف الأجرة المعجلة في كلٍ.
كما أن الذي يظهر بعد تأمل هذه الصورة من صور الاستثمار الوقفي أنها في حقيقتها تتضمن استبدالاً للوقف (٣)، ويجب أن يجرى فيها ما يشترط
стр. 1147
لصحة الاستبدال الوقفي من تحقق الغبطة وظهور المصلحة وإلا فالمنع واجب.
ووجه ذلك: هو ما ذكرنا سابقاً من كون هذا الحق قابلاً للبيع والإرث وغيره من التصرفات الدالة على الملك (١)، كما أن الأجرة التي تدفع سنوياً إنما هي أجرة ضئيلة (٢) جداً، وإنما يقصد منها التنبيه إلى أن هذه الأرض موقوفة وهي حكر الآن فحسب دون أن ينتفع منها.
والعبرة بحقيقة الأمر لا بالمسميات والمصطلحات، فما دام الريع رمزياً والعين موقوفة تحت يد المستحكر يتصرف فيها تصرف الملاك فيهبها أو يبيعها كما يورثها، فالعقد استبدال في حقيقته لا إجارة وإن سميت حكراً.
ما لم يكن هذا الحكر للأرض الموقوفة محدداً بمدة زمنية معينة (٣)، فيكون العقد حينئذ -إذا تضمن المصلحة للوقف كان بإذن القاضي- صحيحاً، وعليه يفهم ما ذكر من بيع الحكر وإرثه، وغير ذلك بمعنى التصرف فيما بقي من مدة العقد ويكون بيعاً للخلو.
стр. 1148
المطلب الثالث: بدل الخلو
وفيه مسائل:
المسالة الأولى: تعريف الخلو في اللغة، والاصطلاح:
الخلو في اللغة: من إفراغ الشيء من الشيء، قال ابن فارس: " الخاء واللام والحرف المعتل أصل واحد يدل على تعري الشيء من الشيء " (١).
وفي لسان العرب: "خلا المكان والشيء يخلو خلوا وخلاء وأخلى إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه، وهو خال"، ثم قال: "وقيل: الخلاء والخلو المصدر" (٢).
وفي الاصطلاح: "اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي دفع في مقابلتها الدراهم " (٣)، لذا فهو ما يدفع من المال نظير تنازل المنتفع بعقار من أرض أو دار أو محل ونحوه عن حقه في الانتفاع بذلك العقار (٤).
стр. 1149
وعليه فالخلو بمعناه الاصطلاحي ليس معروفاً في كتب اللغة، وإنما استعمله الفقهاء بمعنى المنفعة التي يملكها المستأجر لعقار الوقف مقابل مال يدفعه إلى الناظر لتعمير الوقف إذا لم يوجد ما يعمر به (١) على أن يكون له جزء من منفعة الوقف، ويكون هذا الجزء معلوماً بالنسبة كالنصف أو الثلث، ويؤدي الأجرة لحظ المستحقين عن الجزء الباقي من المنفعة (٢).
وهذه الصورة أيضاً مما شرع لأجل الحفاظ على عين الوقف، ويلجأ إليها عند عدم القدرة على عمارة عينه الموقوفة من غلته.
وهو يدل على أن الفقهاء قد فتحوا باب تنمية الوقف المتعطل من خلال إشراك الممول في بدل الخلو، فلم يكونوا جامدين على صيغتي الإيجار والاستبدال فحسب (٣).
المسألة الثانية: شروط صحة الخلو:
أولاً: أن يكون المال المدفوع عائداً على جهة الوقف يصرفه في مصالحه.
ثانياً: أن لا يكون للوقف ريع يعمر منه.
ثالثاً: أن لا تقل أجرة الوقف عن أجرة المثل (٤).
стр. 1150
المسألة الثالثة: وقف الخلو:
اختلف في مشروعية وقف الخلو على قولين:
القول الأول: جواز وقف الخلو.
وإليه ذهب متأخرو المالكية (١)، وبعض الحنابلة (٢).
وحجته:
١ - أن منفعة العقار الموقوف بعضها موقوف وبعضها غير موقوف، وهذا البعض غير الموقوف هو الخلو، فيجوز أن يتعلق به الوقف (٣).
٢ - أن العادة قد جرت به، والقياس صحيح لا يأباه كما في وقف الماء (٤).
القول الثاني: عدم جواز وقف الخلو.
وهو قول عند كلٍِ من المالكية (٥)، والحنابلة (٦)، وبعض الشافعية (٧).
وحجته:
أن الخلو منفعة وقف، وما تعلق الحبس به لا يحبس، ولذا قالوا: ولو صح وقف منفعة الوقف لصح وقف الوقف، واللازم باطل شرعاً وعقلاً (٨).
стр. 1151
ونوقش: بأن القائلين بذلك لا يمنعون التصرف في الخلو بسائر التصرفات، كالبيع والإجارة والإعارة والرهن، فكذلك الوقف (١).
والقول الأول هو الراجح؛ لما سبق من التعليل (٢).
المسألة الرابعة: صور الخلو في عقارات الأوقاف:
خمس صور:
الصورة الأولى: أن يكون الوقف آيلاً للخراب، فيؤجره الناظر لمن يعمره بحيث يصير الحانوت مثلاً يكرى بثلاثين ديناراً في السنة، ويجعل عليه لجهة الوقف خمسة عشر ديناراً فتصير المنفعة مشتركة بين المكتري وجهة الوقف، وما قابل الدراهم المعروفة في التعمير هو الخلو، وقد شرطوا لجوازه أن لا يوجد للوقف ريع يعمر به.
الصورة الثانية: أن يكون لمسجد مثلاً حوانيت موقوفة عليه واحتاج المسجد للتكميل والإصلاح والتعمير، ولم يكن الريع كافياً، فيعمد الناظر إلى مكتري الحوانيت فيأخذ منه قدراً من المال يعمر به المسجد وينقص عنه من أجرة الحوانيت مقابل ذلك، بأن تكون الأجرة في الأصل ثلاثين في كل سنة فيجعلها خمسة عشر فقط في كل سنة، وتكون منفعة الحوانيت المذكورة شركة بين المكتري وبين جهة الوقف، وما كان منها لذلك المكتري هو الخلو، والشركة بحسب ما يتفق عليه صاحب الخلو وناظر الوقف على جهة المصلحة.
الصورة الثالثة: أن تكون أرضاً موقوفة ولم يكن هناك ريع تعمر به
стр. 1152
وتعطلت بالكلية، فيستأجرها من الناظر ويبني فيه للوقف داراً مثلاً على أن عليه لجهة الوقف في كل أربعة أشهر عشرة دنانير، ولكن الدار بعد بنائها تكرى بستين مثلاً، فالمنفعة التي تقابل الثلاثين الأخرى يقال لها الخلو.
الصورة الرابعة: أن يريد الواقف بناء محالات للموقوف، فيمكن أشخاصاً من أن يدفعوا له أموالاً على أن يكون لكل شخص محل من المحلات يسكنها بأجرة معلومة يدفعها كل شهر، فكأن الوقف باعهم حصة من تلك المحلات قبل التحبيس وحبس الباقي، فليس للواقف تصرف في تلك المحلات، ولكن له الأجرة المعلومة كل شهر أو كل سنة، وكأن دافع الثمن شريك للواقف بتلك الحصة.
الصورة الخامسة: أن يشتري حق الخلو شراء، وهذا كبيع جزء من العقار الموقوف؛ إذ إن قيمته إذا كان محملاً بحق الخلو تنقص، فالقول فيه كالقول في حكم الاستبدال (١).
ويرى البعض أن أخذ المتولي على الوقف بدل الخلو من المستأجر يعد أخذاً لجزء مقدم من الأجرة، ولا مشاحة في الاصطلاح كأن تسمى بدل خلو أو أجرة أو غيره، فهي جائزة بناءً على ما تقرر من جواز تعجيل الأجرة وتأجيلها (٢)؛ لأن المستأجر ملزم بدفع أجرة المثل.
إلا أن مثل هذا لا يسلم به على الإطلاق؛ إذ قد تتضمن بعض صور
стр. 1153
الخلو كما سبق استبدالاً لجزء من الوقف، وبعضها الآخر يتضمن منح صاحبه تمسكاً دائماً بالقرار في العقار الوقفي بأجرة المثل أو ما يتفق عليه، وبعضها يتضمن مشاركة دائمة مع الوقف.
стр. 1154
المبحث التاسع: استثمار الوقف، وصوره
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تعريف استثمار الوقف في اللغة، والاصطلاح، وشرطه
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريفه في اللغة.
قال ابن فارس: " (ثمر) الثاء والميم والراء أصل واحد، وهو شيء يتولّد عن شيء متجمِّع، ثم يُحمَل عليه غيره استعارةً.
فالثَّمَر معروف، يقال: ثَمَرَةٌ وثَمَرٌ وثِمارٌ وثُمُر، والشّجر الثامِر: الذي بلغ أوانَ يُثْمرُ.
والمُثْمِر: الذي فيه الثَّمَر، كذا قال ابن دريد، وثمّر الرّجل ماله أحسن القيام عليه، ويقال في الدعاء: "ثَمَّرَ اللهُ مالَه" أي نمّاه، والثّمِيرة من اللبن حين يُثْمِرُ فيصير مثل الجُمَّار الأبيض؛ وهذا هو القياس، ويقال لعُقْدَة السَّوط ثَمَرة؛ وذلك تشبيه.
стр. 1155
ومما شذَّ عن الباب ليلة ابن ثَمِيرٍ، وهي اللّيلة القَمْراء، وما أدري ما أصله" (١).
المسألة الثانية: تعريفه في الاصطلاح:
العمل على بقاء أصل الوقف وتنميته، وزيادة موارده.
المسألة الثالثة: أثر شرط الواقف في استثمار الوقف.
شرط الواقف المؤثر في استثمار الوقف لا يخرج عن حالات ثلاث:
الحال الأولى: أن يشترط الواقف في وقفه الاستثمار.
فإذا كان هذا الشرط محققاً لمصلحة الوقف، ولم يترتب على العمل به مفسدة تمنع من إجرائه، فالحكم بوجوب العمل به ظاهر.
والاستبدال صورة من صور الاستثمار، وقد نص الفقهاء على جواز الاستبدال في هذه الحالة، وفي العناية أن أبا يوسف يرى جواز الشرط، وقد حكى ابن عابدين الاتفاق عليه (٢).
الحال الثانية: أن يشترط الواقف عدم الاستثمار سواء كان ذلك الشرط مطلقاً يمنع أي نوع من الاستثمار، أو مقيداً يمنع نوعاً معيناً منه.
فإن كان المنع من الاستثمار يحقق مصلحة الوقف وجب الأخذ به فيما يحقق ذلك، وأما إن عاد بالضرر على الوقف، أو كانت المصلحة متحققة في الاستثمار خلافاً لما شرطه الواقف، فإنه يشرع مخالفته حينئذ تحقيقاً لمصلحة الوقف والواقف والموقوف عليه (٣)، وقد تقدم مبحث شروط الواقفين حكم مخالفة شرط الواقف للمصلحة.
стр. 1156
الحال الثالثة: أن لا يذكر الواقف أي شرط يتعلق بالاستثمار:
والذي يظهر في هذه الحالة أنه مع مراعاة ضوابط الاستثمار الآتية مما يتعلق بالمصلحة وأمن المخاطرة والحذر مما فيه غبن أو تهمة ونحوه، فإن الاستثمار مشروع ولو لم يشترط الواقف ذلك؛ لأن ما يحقق مصلحة الواقف ويعود بالنفع على الموقوف عليه أمرٌ مشروط اقتضاءً حال إقامة الوقف، حتى ولو بان أنه خلاف مراد الواقف في الظاهر؛ لأن العبرة بحقائق الأمور ومقاصدها ومآلاتها (١).
قال العز بن عبد السلام: " يتصرف الولاة ونوابهم بما ذكرنا من التصرفات بما هو الأصلح للمولى عليه درءا للضرر والفساد، وجلبا للنفع والرشاد، ولا يقتصر أحدهم على الصلاح مع القدرة على الأصلح إلا أن يؤدي إلى مشقة شديدة، ولا يتخيرون في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم، مثل أن يبيعوا درهما بدرهم، أو مكيلة زبيب بمثلها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، وإن كان هذا في حقوق اليتامى فأولى أن يثبت في حقوق عامة المسلمين فيما يتصرف فيه الأئمة من الأموال العامة؛ لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة، وكل تصرف جر فسادا أو دفع صلاحا فهو منهي عنه كإضاعة المال بغير فائدة ".
المسألة الرابعة: تكاليف التشغيل والصيانة لاستثمار الوقف.
وقد تم بحث هذه المسألة في مبحث عمارة الوقف.
стр. 1157
وتنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: تكاليف ضرورية: وهي التي لو أخرت لأدت على خراب الوقف أو كان الضرر أعظم، قال ابن نجيم: " لو صرف المتولي على المستحقين وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها، فإنه يكون ضامناً " (١).
القسم الثاني: تكاليف تحسينية غير ضرورية يتم تكميل الوقف بها، وهي ما كان تأخيرها لا يؤدي إلى خراب الوقف ولا إلى لحوق أضرار أعظم من بقائها على حالها.
وتظهر أهمية الصيانة والتشغيل في القسم الأول والذي يؤدي تأخير الصيانة فيه إلى فساد الأوقاف وضياعها.
وعمارة الأعيان الموقوفة أول واجب على الناظر، بل هي مقدمة على الصرف إلى المستحقين سواء نص الواقف عليه أم لم ينص.
وكذا يشرع للناظر السعي لإتمام أعمال الصيانة والتشغيل في القسم الثاني؛ لما يحققه مثل ذلك من تنمية للممتلكات الوقفية وزيادة لقدرتها على القيام بدعم مصارفها المحددة لها.
ولو قيل بأن أجرة التشغيل والصيانة تكون من عين الوقف عند تعذر حصولها من الريع فلا مانع من ذلك لكون تلك الصيانة عائدة إلى عين الوقف، حيث ذكر الفقهاء من صور البيع للوقف ما يكون استبدالاً جزئياً له لأجل صيانة بقيته، وذلك بأن يقع البيع على بعض الوقف لعمارة ما يحتاج إليه.
المسألة الخامسة: أجور العاملين في استثمار الوقف.
من الحقوق المتعلقة في استثمار الوقف أجور العاملين.
стр. 1158
وقد اتفق العلماء ﵏ على أن للواقف تقدير أجرة الناظر من الوقف (١)، وإن زادت عن أجرة المثل (٢).
وقد سبق بحث هذه المسألة في قدر أجرة الناظر.
المطلب الثاني: المضاربة بأموال الوقف، وغلاته
المضاربة في اللغة:
في المصباح: " ضَرَبْتُ في الأرض: سافرت، ..... : أسرعت، وضَرَبْتُ مع القوم بسهم: ساهمتهم، وضَرَبْتُ على يديه: حجرت عليه أو أفسدت عليه أمره، وضَرَبَ الله مثلاً: وصفه وبيَّنه، وضَرَبَ على آذانهم: بعث عليهم النوم فناموا ولم يستيقظوا، وضَرَبَ النوم على أذنه، وضَرَبْتُ عن الأمر وأَضْرَبْتُ بالألف أيضا أَعْرَضْتُ تركا أو إهمالاً، وضَرَبْتُ عليه خراجا إذا جعلته " (٣).
وفي اصطلاح الفقهاء: دفع مال معين معلوم لمن يتجر فيه بجزء معلوم مشاع من ربحه (٤).
فأهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو
стр. 1159
السفر فيها للتجارة قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١)، ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم.
ويسميه أهل الحجاز القراض، فقيل: هو مشتق من القطع يقال قرض الفأر الثوب إذا قطعه، فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح.
وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة، يقال: تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما بشعره، وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا (٢).
المضاربة بأموال الوقف وغلاته لا تخلو من قسمين:
القسم الأول: أن يكون الوقف على جهة خاصة، كالوقف على أولاده مثلا:
إذا كان الوقف على جهة خاصة، فإن كان استثمارا لغلاة الوقف فهذا جائز بالاتفاق إذ إن الغلة ملك لهم، فالوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة أي إطلاق التصرف لهم بالمنفعة، وأما استثمار أصول الوقف، فحكمه حكم القسم الثاني.
القسم الثاني: أن يكون الوقف على جهة عامة، كالوقف على أهل العلم.
اختلف العلماء ﵏ في حكم هذا القسم على رأيين:
الرأي الأول: مشروعية الاستثمار الوقفي ما دامت وفق الضوابط الشرعية الآتية، وبما يحقق مصلحة الوقف.
وبه قال كثير من المعاصرين.
стр. 1160
الرأي الثاني: المنع من الاستثمار الوقفي في هذه الصور أو بعضها.
وهو قول بعض المعاصرين (١).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
(٢٥٨) ١ - ما رواه البخاري من طريق قتادة، ومسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب وحميد عن أنس ﵁: " أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة «فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها، وأبوالها»، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله ﷺ ، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة " (٢).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يقسم إبل الصدقة على المستحقين حين وصولها، بل استبقاها لينتفع المحتاجون بنتاجها وألبانها وأوبارها، واستثمارها بما ينشأ عنها من تناسل ولبن يصرف للمستحقين، وهكذا كان هدي أصحابه ﷺ من بعده، وكذا أموال الوقف.
٣ - ما رواه الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال