← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عليه وناظر الوقف، تقضي بأن له حقوقًا، وعليه التزامات وواجبات، وهو يستحق ويُستحق عليه، وتجري العقود بينه وبين أفراد الناس من بيع وإيجار واستبدال وغير ذلك، وكذلك أعطى الفقهاء المسجد ذمة مالية مستقلة، فهو يملك، ويوقف عليه، ويوهب. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: أن الوقف ليس له شخصية اعتبارية؛ إذ ليس له ذمة مالية. وهو قول الحنفية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - أن الوقف يشتمل على عناصر الشخصية الاعتبارية من مجموعة الأموال المرصودة لغرض معين، ووجود نظام أساسي يخضع له يتمثل في أحكامه وشروطه، وكذا يوجد ناظر للوقف يتولى تدبير شؤونه. وله ذمة مالية كما سيأتي. ٢ - أن للوقف حقوقا وعليه واجبات، فمن حقوقه إثبات ملكيته، ومن مظاهر الملكية له: الاستبدال، أو المناقلة، والوقف عليه، وأيضا الوصية له، والهبة له، وما يثبت بالجناية عليه، ومن الواجبات عليه: ثبوت الدين في ذمته، وما يجب عليه بالجناية على غيره، وكالإجارة فإن حقوقها ترجع إلى الوقف، وكذا لو دفع الناظر الأرض مزارعة والشجر مساقاة، ثم مات أو

стр. 107

عزل قبل انقضاء الأجل لم يبطل العقد، ومن ذلك الاستدانة على الوقف عند المصلحة، والاستئجار له، والشراء له نسيئة، ونحو ذلك. وثبوت الحقوق والواجبات ركنا الشخصية. وحجة الحنفية: أن الوقف ليس له ذمة مالية. وأجيب من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم، فقد تقدم أن للوقف ذمة مالية. الوجه الثاني: أن الذين أنكروا ذمة الوقف جاء عنهم ما يفيد أن للوقف ذمة، وأنه جهة تنسب إليها الحقوق وتتحمل الواجبات. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وأيضا أهمية إثبات الشخصية الاعتبارية للوقف لبقائه قويا في تحقيق مقاصده، والقيام بأهدافه، والمحافظة على حقوقه، وقطع ما يؤدي إلى الإضرار به (١).

стр. 108

المبحث الخامس: ما يصح وقفه للعلماء في هذه المسألة مسلكان: المسلك الأول: مسلك العد، يعني أن ما يصح وقفه معدود. وبه قال إبراهيم النخعي، حيث قال: لا يصح إلا في السلاح والكراع فقط (١). وبه قال ابن حزم، قال ابن حزم: " الوقف جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها، وفي الإرحاء، وفي المصاحف، والدفاتر، ويجوز أيضا في العبيد، والسلاح والخيل في سبيل الله في الجهاد فقط لا في غير ذلك، ولا يجوز في شيء غير ما ذكرنا أصلاً" (٢). وتقدم مناقشة هذا القول في مبحث حكم الوقف (٣). المسلك الثاني: مسلك الحد، يعني أن ما يصح وقفه محدود، ومضبوط بضابط. وهو قول جمهور أهل العلم. وقد اختلف العلماء في هذا الضابط على قولين: القول الأول: أنه كل عين تصح عاريتها.

стр. 109

وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١). القول الثاني: أنه ما صح بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه صح وقفه. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: يستدل لهذا القول بما يلي: ١ - عمومات أدلة الوقف (٦). وهذه تشمل بعمومها كل عين تصح عاريتها. ٢ - أن الأصل صحة الوقف، فلا يمنع من بعض صوره إلا بدليل. ٣ - أن من مقاصد الوقف تسبيل المنفعة؛ أي إطلاق التصرف فيها من قبل الموقوف عليه، وهذا يتفق مع ما يصح إعارته؛ لأن العارية إباحة التصرف في المنافع من قبل المعير. أدلة القول الثاني: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - الأدلة الدالة على اشتراط كون الوقف عيناً تبقى بعد استيفاء النفع منها.

стр. 110

إذ ما لا تبقى عينه يتلف بالانتفاع به، كالشمع، والدهن، والريحان، فلا يصح وقفه؛ إذ هو مناف لمقصود الوقف الذي يقصد منه الدوام (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يسلم اشتراط التأبيد فيما يصح وقفه، كما سيأتي في مبحث وقف ما يفنى باستيفاء النفع منه. الوجه الثاني: أن التأبيد أمر نسبي، فما من شيء إلا ويتلف، فتأبيد كل شيء بحسبه. ٢ - أن الوقف نقل للملك في الحياة فأشبه البيع (٢)، فدل على أنه لا يصح إلا في عين يصح بيعها. ويناقش من وجهين: الأول: أن تشبيهه بالبيع لا يسلم به؛ إذ البيع معاوضة والوقف تبرع، وثم فرق بين المعاوضة والتبرع، فإن التبرع لا يشترط فيه كل ما يشترط للمعاوضة، من العلم، والقدرة على التسليم، ونحو ذلك (٣). الثاني: أن نقل الملك في الوقف موضع خلاف، كما سيأتي في مبحث ملكية الوقف، بخلاف نقل الملك في البيع فإنه ينتقل إلى المشتري وله كامل التصرف فيه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ لأن الأصل في الوقف أنه قربة وفعل خير فيكثر منه ويحث عليه، وعلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام تدخل كثير من الصور التي يصح فيها الوقف، من ذلك:

стр. 111

١ - وقف الكلب المعلم، والجوارح المعلمة، كما سيأتي في شروط صحة الوقف/ شرط كون الوقف مالاً شرعياً. ٢ - وقف ما لا يقدر على تسليمه، كما سيأتي في شروط صحة الوقف/ شرط كون الموقوف مما يقدر على تسليمه. ٣ - وقف ما لا تبقى عينه باستيفاء النفع منه كالدهن على المسجد ليوقد فيه، والريحان على المسجد، كما سيأتي في شروط صحة الوقف/ شرط كون الموقوف عيناً تبقى بعد استيفاء النفع منها.

стр. 112

الفصل الثاني: تاريخ الوقف عند المسلمين، وغيرهم، وأنواعه، وأسبابه وفيه مباحث: المبحث الأول: تاريخ الوقف عند المسلمين. المبحث الثاني: تاريخ الوقف عند غير المسلمين. المبحث الثالث: أنواع الوقف. المبحث الرابع: أسباب الوقف، ودوافعه، وعوامل اندثار بعض الأوقاف.

стр. 113

المبحث الأول: تاريخ الوقف عند المسلمين إن أول وقف في الإسلام هو مسجد (قباء) (١) الذي أسسه الرسول ﷺ حين قدم مهاجراً إلى المدينة قبل أن يدخلها. ثم بعد ذلك المسجد النبوي بالمدينة، حيث بناه الرسول ﷺ في السنة الأولى للهجرة عند مبرك ناقته حين قدم المدينة (٢). فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي، قال: حدثني أنس بن مالك ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاءوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل

стр. 114

إلى ملإ بني النجار فجاءوا، فقال: "يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا» فقالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله" (١). أما أول وقف خيري في الإسلام فقد اختلف المسلمون فيه: فقيل: إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة رسول الله ﷺ حين وقف الحوائط (٢) السبعة بالمدينة التي كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق، وكان محباً ودوداً للنبي ﷺ وقاتل مع المسلمين يوم أحد، وأوصى إن أصبت أي قتلت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله تعالى، وقد قتل يوم أحد وهو على يهوديته، فقال النبي ﷺ : " مخيريق خير يهود "، وقبض النبي ﷺ تلك الحوائط السبعة فتصدق بها أي وقفها (٣). (٣٢) روى الواقدي: " كان مخيريق اليهودي من أحبار اليهود، فقال يوم السبت، ورسول الله ﷺ بأحد: يا معشر اليهود إنكم لتعلمون أن محمداً نبي، وأن نصره عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت، ثم أخذ سلاحه، ثم حضر مع النبي ﷺ فأصابه القتل. فقال رسول الله ﷺ : مخيريق خير يهود، وقد كان مخيريق حين خرج إلى أحد، قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله " (٤) فهي عامة صدقات رسول الله ﷺ .

стр. 115

وعن عائشة ﵂: " أن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم " (١) (منقطع). وقيل: إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع من الهجرة حين رجع النبي ﷺ من خيبر. (٣٣) روى عمر بن شبه، عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: " سألنا عن أول حبس في الإسلام؟ فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله ﷺ " (٢).

стр. 116

(٣٤) وقال عبد الله: حدثني أبى، حدثنا حماد، أخبرنا عبد الله، عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: " أول صدقة -أي موقوفة- كانت في الإسلام صدقة عمر " (١). وسواء قلنا إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة الرسول ﷺ أو صدقة عمر بن الخطاب، فالوقف في الإسلام نوع من أنواع الصدقات التي رغب الشارع فيها وندب إليها، وهو قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ولا فرق في ذلك بين الوقف على جهة عامة كالفقراء وطلبة العلم ونحو ذلك، أو الوقف على القرابة والذرية، إلا أن السلف الأول من هذه الأمة يفضلون أن يكون آخره للمساكين. وقد توالت أوقاف الصحابة الكرام لا يبتغون من ذلك إلا مرضاة الله تعالى والتقرب إليه، واستمر الناس من بعدهم يقفون أموالهم تقربا إلى الله تعالى (٢).

стр. 117

المبحث الثاني: تاريخ الوقف عند غير المسلمين يقول الإمام الشافعي ﵀: " لم يحبس أهل الجاهلية -فيما علمته- داراً ولا أرضاً تبرراً بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام " (١). الأمم -على اختلاف أديانها ومعتقداتها- تعرف أنواعاً من التصرفات المالية لا تخرج -في معناها- عن حدود معنى الوقف عند المسلمين؛ وذلك لأن جميع الأمم -قبل الإسلام وبعده- كانت تعبد آلهة على الطريقة التي تعتقدها، وكان هذا داعياً لأن يكون لكل أمة معبد، ولكل عقيدة طقوس، ولكل ذلك أناس يقومون بها ويختصون بأمرها؛ فكان لا بد لهذه المعابد من عقار يرصد لها، وينفق من غلاته على القائمين بأمرها، ولا توجيه لهذا إلا على أنه وقف أو فى معنى الوقف. ولا أدل على وجود الوقف قبل الإسلام من وقف الكعبة المشرفة. أولاً: الوقف عند قدماء العراقيين: عرف العراقيون القدماء في العهد البابلي أنواعاً من التصرفات المالية التي لها شبه بالوقف. فكانوا يعرفون نوعاً من حق الانتفاع، حيث كان الملك يهب لبعض موظفيه حق الانتفاع من بعض أراضيه، وصورته: أن يستغل المنتفع الأرض

стр. 118

بجميع أنواع الاستغلال المشروعة، ولكن من دون أن تنتقل ملكيتها إليه، وعليه لم يكن له حق التصرف بها ببيع أو نحوه. وكان القانون يجيز أن ينتقل حق الانتفاع من هذه الأراضي إلى الورثة على نظام من الاستحقاق الترتيبي، مشروطاً ببعض الشروط (١). ثانياً: الوقف عند قدماء المصريين: عرفت مصر -في تاريخها القديم- الوقف مع شيء من الاختلاف في بعض التفصيلات، فكانت الإقطاعيات ترصد على الآلهة والمعابد والمقابر، لتصرف غلتها على بعض شؤونها من إصلاح، وإدامة، وتيسير إقامة الشعائر، والإنفاق على الكهنة والخدام، وكان الناس وقتها مدفوعين إلى هذا التصرف بقصد فعل الخير والتقرب من الآلهة. كما أن التاريخ يحدثنا أن رمسيس الثاني قد منح معبد " أبيدوس " أملاكاً واسعة، وأجريت الطقوس لنقل ملكية هذه الأعيان إلى المعبد أمام جمع كبير من الرعايا، مما جعل الناس يقتدون بهذا الفعل (٢). بل إن مصر قد عرفت الوقف الذري "الأهلي"، من حيث حبس الأعيان عن التملك والتمليك، وجعل ريعها مرصوداً على الأسرة أو على الأولاد، ومن بعدهم على أولادهم ينتفعون بغلتها دون أن يملك أحدهم حق التصرف في أعيانها بشكل يثبت للغير ملكية عليها (٣). ثالثاً: الوقف عند الرومان: عرف الرومان نظام مؤسسات الكنيسة، والمؤسسات الخيرية التي تقوم على رعاية الفقراء والعجزة.

стр. 119

وهي كلها تتضمن معنى: رصد الأموال لإنفاقها على وجه من وجوه البر والخير (١). ويرى الرومان أن الأشياء المقدسة - وهي التي جعلت لله بحسب الطقوس التي تقوم بها الكهنة، وذلك كالمعابد، والنذور، والهدايا، وغيرها من الأشياء المخصصة بحسب الأصول لإقامة الشعائر الدينية - لا يجوز أن تباع ولا أن ترهن، ولا يجوز لأحد أن يتملكها؛ لأنها من حقوق الله، وما كان كذلك فلا يملكه أحد. جاء في مدونة جستنيان: " الأشياء المقدسة والأشياء الدينية والأشياء الحرام لا يملكها أحد؛ إذ ما كان لله فلا يملكه إنسان " (٢). كما أنهم يرون أن المكان المقدس إذا انهدم بناؤه، فإن أرضه تبقى مقدسة (٣). رابعاً: الوقف عند الجرمانيين: للجرمانيين نظام له شبه قريب في أصل الوقف وهيكله، ففيه يرصد المالك ماله على أسرة معينة مدة محدودة أو إلى حين انقراضها، وقد يكون الاستحقاق فيه لجميع الأسرة، وقد يكون لبعضها، وقد يكون للذكور ومن بعدهم للإناث، ولهم طرائق مختلفة في ترتيب طبقات الاستحقاق. والأصل فيه: أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا تورث رقبته، وليس للمستحق فيه سوى المنفعة، والخلافة فيه تختلف عن الخلافة في الإرث (٤).

стр. 120

خامساً: الوقف عند الفرنسيين: في القانون الفرنسي اليوم نوع من التصرفات المالية التي لها شبه بالوقف الذري " الأهلي "، فقد أباح القانون أن يهب الأب أو يوصي بعقار إلى ولده بشرط أن ينتفع به مدة حياته، ثم ينقله إلى أولاده من بعده أو إلى أخ كذلك مثلاً، ويطلق على هذا التصرف في القانون الفرنسي اسم "الهبة المتنقلة"، والانتقال يكون من درجة واحدة بلا فارق في الانتفاع بين ذكر وأنثى. والدافع إلى هذا الاستثناء -حيث منع القانون الهبة المتنقلة فيما بين غير الأقارب- هو الرغبة في السماح للأب أو للأخ بوقاية الصغير من إسراف وتبذير مورثه، بغرض عدم جواز تملك جزء ولو صغيرا من أملاكه. أما الوقف الخيري: فإن القانون الفرنسي ينص عليه صراحة، ولنفس الغرض الذي يوقف المال من أجله. وقد عرفه القانون بأنه: "رصد شيء محدود من رأس المال على سبيل الدوام لعمل خيري عام أو خاص ". وأغراضه هي: ١ - عمل خاص، كعمل (ختمة أو عتاقة) لراحة روح المتوفى، أو إيجاد كرسي في كنيسة للمتوفى ولعائلته، فهو ثمن خدمة يعود نفعه على الشخص نفسه. ٢ - عمل لغرض عام، كإنشاء مستشفى، أو ملجأ للعجزة، أو مدرسة (١). سادساً: الوقف في النظام الأنجلو أمريكي: يعرف النظام الأنجلو أمريكي اليوم نوعاً من التصرفات المالية يسمى: "الترست" (The Trast)، وقد عرفه معهد القانون الأمريكي بأنه: " علاقة

стр. 121

أمانة خاصة بمال معين تلزم الشخص الذي يحوز هذا المال بعدة التزامات تهدف على استغلاله لصالح شخص آخر " (١). وعلى هذا فإن الشخص الذي يحوز المال -وهو الأمين أو الوصي- لا يستفيد من هذا المال لنفسه، بل لحساب شخص آخر هو المستفيد، بحيث تنفصل الملكية عن المنفعة. ويحقق نظام "الترست" الأهداف التالية: ١ - توفير الحماية للأرامل والصغار. ٢ - القيام بكثير من الأعمال ذات النفع العام التي تعتمد على تبرعات الأفراد والهيئات الخاصة.

стр. 122

المبحث الثالث: أنواع الوقف الوقف له أنواع بحسب متعلقاته: أولاً: ينقسم الوقف من حيث الحكم التكليفي الشرعي إلى خمسة أقسام: الأول: الاستحباب: وهذا هو الأصل في الوقف كما بينته في حكم الوقف. الثاني: الوجوب: كما لو نذر الوقف. الثالث: الإباحة: كما لو وقف جميع ماله حيث لا مانع، أو أوصى بجميع ماله وقفاً حيث لا وارث (١)، أو وقف على جهة مباحة لم تظهر فيها القربة -عند بعض العلماء- كما لو وقف على الأغنياء؛ كما سيأتي. الرابع: التحريم: كما لو قصد بوقفه الرياء والسمعة، أو وقف على بعض أولاده دون البعض كما سيأتي، أو تضمن وقفه محظوراً شرعياً. الخامس: الكراهة: كما لو أوصى بوقف، وهو فقير ووارثه محتاج. ثانياً: ينقسم الوقف من حيث الحكم الوضعي الشرعي إلى قسمين: الأول: صحيح: وهو ما توفرت فيه شروط صحة الوقف. الثاني: باطل: وهو ما اختل شرط من شروط صحته.

стр. 123

ثالثاً: ينقسم الوقف من حيث نوع الجهة الموقوف عليها إلى قسمين: الأول: وقف على جهة عامة: وهو الوقف على غير محصور كالمساجد، والفقراء مثلاً. الثاني: وقف على جهة خاصة: وهو الوقف على محصور كزيد، وأولاده، ونحو ذلك. رابعاً: ينقسم الوقف من حيث الاشتراك وعدمه إلى قسمين: الأول: وقف مشترك: وهو ما اشترك فيه أكثر من واحد. الثاني: وقف خاص: وهو ما اختص فيه واحد دون غيره. خامساً: ينقسم الوقف بحسب بعد وقرب الجهة التي وقف عليها إلى قسمين: الأول: الوقف الذري (الأهلي): وهو: ما كان نفعه محصوراً على ذرية الواقف. الثاني: الوقف الخيري: وهو: الوقف على جهات البر والخير، كالوقف على المساجد، والعلماء، والمساكين، ونحو ذلك. وقد يجمع بعض الناس بين الوقف الأهلي، والوقف الخيري، فيوقف بيته نصفه على أولاده، والنصف الآخر على المساكين، فيكون أهلياً خيرياً. وتقسيم الوقف إلى أهلي وخيري تقسيم محدث لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولا في القرون المفضلة. سادساً: ينقسم الوقف من حيث حالة الواقف إلى قسمين: الأول: وقف في حال الصحة: وهذا (١) الأصل فيه الصحة. الثاني: وقف في حال المرض: ويأتي حكمه.

стр. 124

سابعاً: محل الوقف، ينقسم الوقف بهذا الاعتبار إلى أنواع متعددة يمكن إجمالها فيما يأتي: ١ - وقف العقار. ٢ - وقف المنقول. ٣ - وقف الأموال النقدية. ٤ - وقف المنافع. ٥ - وقف الحقوق المعنوية. ثامناً: دوام الوقف وعدمه، وينقسم الوقف بهذا الاعتبار على نوعين: ١ - وقف مؤبد لا يملك الواقف الرجوع عنه. ٢ - وقف مؤقت بزمن. تاسعاً: مشروعية الوقف، وينقسم الوقف باعتبار مشروعيته إلى نوعين: ١ - وقف صحيح: وهو الوقف المشروع الذي اكتملت أركانه وشروطه ولم يتضمن ما يبطله. ٢ - وقف غير صحيح: وهو ما تضمن أمراً يبطله كالوقف على محرم. عاشراً: انقطاع الوقف واتصاله، وينقسم الوقف باعتبار انقطاعه واتصاله إلى أنواع: ١ - وقف متصل الابتداء والانتهاء، كالوقف على طلاب العلم مما لا ينقطع. ٢ - وقف منقطع الابتداء والانتهاء، كمن يقف على ولده ولا ولد له. ٣ - وقف متصل الابتداء منقطع الانتهاء، كالوقف على رجل بعينه، وينقطع الوقف بعد موته. ٤ - وقف منقطع الابتداء متصل الانتهاء، كالوقف على ولده ولا ولد له، ثم على الفقراء.

стр. 125

حادي عشر: الجهة الموقوفة، وينقسم الوقف باعتبار الجهة الواقفة إلى نوعين: ١ - أوقاف القطاع الخاص. ٢ - أوقاف القطاع العام، ومنها الإرصاد بأن يقف أرضاً من بيت المال على مصالح المسلمين، ويأتي. ثاني عشر: مضمون الوقف الاقتصادي، وينقسم الوقف باعتبار مضمونه الاقتصادي إلى نوعين: ١ - الوقف المباشر. ٢ - الوقف الاستثماري. ويقسمه بعض الباحثين إلى: ما يقصد الانتفاع بذاته، وما يقصد الانتفاع بريعه. أو وقف استعمال، ووقف استغلال. ثالث عشر: إدارة الوقف، وينقسم الوقف باعتبار إداراته إلى نوعين: ١ - وقف مضبوط: وهو ما يتبع لإدارة مخصصة لذلك. ٢ - وقف ملحق: وهو ما يقوم به قائم تحت إشراف تلك الإدارة (١).

стр. 126

المبحث الرابع: أسباب الوقف، ودوافعه، وعوامل اندثار بعض الأوقاف تحبيس الأموال على سبل الخير له عدة طرق، منها ما هو في ميدان الدعوة، ومنها ما هو في ميدان السياسة والحكم، ومنها ما هو في ميدان الاقتصاد. المطلب الأول: في ميدان الدعوة ولبلوغ ذلك في ميدان الدعوة، سبل منها ما يلي: السبيل الأولى: نشر الوعي الديني بين أفراد الأمة: فمن أهم السبل للاهتمام بالوقف وما يتعلق به نشر الوعي الديني بين عامة الناس في الإنفاق في سبيل الله، والتنافس في ذلك طلباً لمرضاة الله، إحياءً لهذه السنة، وبيان ما يجتمع في الوقف من أنواع الأجر، وما يتميز به من ميزة الديمومة، وبيان فضل الإنفاق حال الصحة، وأن لا يمهل الإنسان حتى إذا أعياه المرض، وأعجزه الكبر قال: لفلان كذا، لفلان كذا، وقد كان لفلان كذا. وقد توفر في وقتنا من وسائل التبليغ ما لم يتوفر في السابق، وعلى

стр. 127

علماء الأمة الوفاء بهذا الجانب استنهاضاً للهمم، وقياماً بواجب التكليف الذي كلفوا به. السبيل الثانية: إيقاظ الشعور الديني بوجوب التكافل والتساند: ذلك أن الوقف سبيل من سبل الإنفاق في سبيل الله، وما التقصير في الإنفاق في هذا الجانب إلا نتيجة من نتائج ضعف الشعور الديني بوجوب التكافل بين أفراد المجتمع المسلم، الذي شبهه ﷺ بالجسد الواحد في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وشبهه بالبنيان، (٣٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (١). فالواجب على علماء الأمة، وولاة أمورها العمل على إيقاظ الأمة، والعمل ابتداءً على تربية الأمة على التعاليم الإسلامية التي تربي في المسلم الإحساس بمجتمعه، أفراداً وجماعات، والقيام بشيء من حقوق المجتمع، ومن ذلك رفع الجهل على أفراده فيما يتعلق بالوقف وتذكية روح التنافس في ذلك طلباً لمرضاة الله. السبيل الثالثة: نهضة المجامع الفقهية بما يخص الوقف: تتابع المسلمون في أزمان طويلة إلى المسارعة في البذل قياماً بواجب التكافل والتآزر، وسد خلة المحتاج ونشر العلم، ورفع الجهل عن الأمة، إلا أنه ظهر من خلال التطبيق لهذه السنة الحسنة بعض المعوقات، وقد وجد لها في كل عصر ومصر، جهابذة وفوا للأمة حقها في حل تلك المشكلات،

стр. 128

مراعين حال أزمانهم، وأهل أزمانهم، مقدمين ما فيه جلب المصالح، ودفع المفاسد، فعلى هذه المجامع أن تنظر فيما يخص الوقف من نوازل. وقد وجدت للأوقاف مسائل، وأمور تحتاج إلى بحث ودراسة ويجد من الأقضية، فعلى المجامع الفقهية القيام بما يمليه التكليف الشرعي. وأن تتولى المبادرة إلى بحث هذه المسائل، وإيجاد المخرج الشرعي لها. السبيل الرابعة: بث سير أهل الخير من أهل المسارعة: ومما هو مفيد في نظري في بعث هذا الجانب بث سير أهل الخير ممن عرف عنهم المبادرة في الإنفاق ابتغاء وجه الله من الصحابة، والتابعين وأتباعهم، وقد تقدم شيء من نماذج ذلك (١). رفعاً لذكرهم، وشحذاً للهمم في اللحاق بهم. المطلب الثاني: في ميدان السياسة والحكم السبيل الأولى: وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية: تمنع الأنظمة الوضعية المعمول بها في أكثر البلاد الإسلامية من إنشاء الوقف بصورته المعهودة في الشرع. وقد كان هذا سبباً جوهرياً لانحسار الوقف وكان من نتيجة ذلك أن حرمت تلك البلدان خيراً وفيراً، ونبعاً زلالاً، ورافداً مهماً من روافد العطاء.

стр. 129

ولا مخرج من هذا إلا بالعودة إلى تحكيم شرع العزيز الحكيم، والعودة إلى ذلك كفيلة بإعادة الوقف إلى سالف عهده المجيد؛ إذ هو أحد روافد العطاء في سائر المجالات. السبيل الثانية: فتح باب القدوة: ومما له الأثر البين في حث الناس، ومسارعتهم في هذا الجانب فتح باب القدوة في هذه الموضوع، فعلى ولاة الأمر والعلماء ووجهاء المجتمع البدء بالمسارعة إلى هذا الخير وتحبيس الأوقاف وقد تقدم شيء من نماذج ذلك (١)، تحقيقاً لمبدأ التعليم بالقدوة. السبيل الثالثة: ترك الحرية للواقف في إدارة وقفه إذا رغب: أقدمت بلدان إسلامية عديدة على حصر إدارة الأوقاف الخيرية على نفسها، ومنعت الواقفين من تولي ذلك بأنفسهم أو بناظر ينصبه الواقف، بل سنت لأنفسها حق التغيير في مصارف الوقف، وغالباً ما يخالف التغيير مقاصد الواقفين، وكان هذا سبباً في إحجام الناس عن الوقف إحجاماً كلياً، وبذلك سد باب كبير من أبواب الخير. المطلب الثالث: في ميدان الاقتصاد السبيل الأولى: الاهتمام بالأوقاف المجودة: مع ما ذكرنا فيما سبق من ضياع أوقاف كثيرة في بلاد إسلامية عديدة،

стр. 130

فقد سلمت أوقاف كثيرة وهي في مواضع مثمنة جداً، وهي كافية لسد كثير من حاجات الأمة، والواجب فيما نحن فيه المحافظة على هذه الأوقاف، والنظر في شروط الواقفين، ومدى الإفادة في صرف ريعها على سبل الخير المختلفة. وعلى الجهات المسؤولة أن تجتهد فيما فيه وفرة الإنتاج منها، وأن تعمل على إشراك العلماء فيما يعرض من إشكال عند وجود الغبطة في المشاركة، أو المناقلة، أو البيع عند التهدم، ونقل الوقف إلى موضع آخر، والنظر في شرط الواقف، وإمكان تغييره إلى ما هو أصلح مما لا يخل بغرضه وقصده [¬*]، وغير ذلك مما يقتضيه الفقه، وتحتمه المصلحة، ويتحقق معه قصد الواقف، ويبتعد بذلك عن الوقوع في إضاعة المال. السبيل الثانية: العمل على إعادة الضائع من أصول الوقف: ضياع كثير من أعيان الوقف لأسباب كثيرة، ومن الواجب على الأمة وولاة الأمر فيها خاصة بذلك الجهد العظيم في العمل على إعادة هذه الأوقاف، وقد يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، والنظر في إمكانية الإفادة من هذه الأوقاف وصرف ريعها على سبل الخير. فللسلطان بهيبته وأعوانه، وما يستطيع به أن يعيد الأمر إلى نصابه، وأن يجعل من عمله هذا باعثاً للأحياء على الاقتداء بالأموات؛ وذلك لما يشاهده الأحياء من وفرة الحرمة لوقفهم بعد الممات. السبيل الثالثة: وضع خطة اقتصادية ترعى حاجات الأمة فيما يتعلق بالوقف: رأينا فيما سبق كيف كان الوقف رافداً مهماً في سبل الخير، والدور الذي كان يقوم به في تخفيف العبء عن بيت المال، وذلك بتكلفه بجوانب مهمة الاهتمام بها كفيل بإعادة الهيبة للأمة لتنزل الرحمة. ولهذا فإني أرى أن من أهم السبل في دعم الوقف أن تتولى الجهات

стр. 131

المسؤولة عن الوقف أمر القيام بوضع خطة اقتصادية ترعى حاجات الأمة في هذا الجانب، وعليها في ذلك أن تستقطب الخبراء من أهل الاقتصاد، وعلماء الاجتماع، والتخطيط والإدارة، وبلاد الإسلام مليئة منهم، حتى إذا تم إعداد هذه الخطط طرحت هذه المشاريع، وعرضت على أثرياء الأمة، بتكلفتها، والمردود المرجو منها. فهذا أفضل في نظري من الدعوة المجردة للبذل، أو للوقف، وفي ظني ومن واقع ما نشاهده من انبعاث جانب البذل والإنفاق في سبيل الله من نفر غير قليل من أثرياء الأمة، أن هذا من أنجح السبل، وأنجع الدواء. السبيل الرابعة: قيام مؤسسات اقتصادية ترعى الأوقاف على العلم، ومن ذلك الجامعات: تقدمت في وقتنا علوم الاقتصاد، وقننت أنظمة الإدارة، والمحاسبة، وشؤون المال فحسماً لباب الاسترخاء، وقطعاً للظنون المثبطة -أن تكون الجهة الناظرة، هي المحاسبة- ينبغي العمل على إيجاد مؤسسات متخصصة، تقوم على إدارة الوقف فتأخذه من وزارة الأوقاف، أو من صاحبه إذا رغب، بجزء معلوم من ريعه على أن تخضع هذه المؤسسات لرقابة قضائية مشتركة، وتخضع لنظام محاسبي واضح، ومنشور. وبهذا تحل عقدة كبيرة منعت كثيراً من أهل البذل من المشاركة في هذا الباب من البر. السبيل الخامسة: الاستفادة من التجارب المعاصرة: قامت في بلدان عديدة، في الآونة الحاضرة، جهود عديدة، فردية وجماعية، للدعوة إلى إحياء سنة الوقف، وقد أثمرت هذه الجهود عن نواة لمشاريع وقفية عديدة، منها ما هو في طور البناء والتشييد، ومنها ما أينعت ثماره وبدأ في إتيان أكله.

стр. 132

ولا شك أن هذه الجهود قد مرت بتجربة، واستفادت من أخطاء، فحبذا لو تم التخاطب، وتبادل الزيارات بين الجهات المختصة في كل بلد مع أصحاب تلك الجهود، تلافياً للأخطاء المستقبلية، ومنعاً للتكرار. السبيل السادسة: فتح باب المساهمة في الوقف الجماعي: وذلك تطبيقاً لقاعدة: ما لا يدرك كله، لا يترك كله، وقاعدة القليل من الكثير كثير. فتعم بذلك المشاركة في الخيرات، ولا يحرم من قصد الثواب، وتجتمع فيه نيات المشاركين، وأموالهم، وتوجهاتهم إلى الله بالإخلاص في أعمالهم. (٣٦) وقد قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال النبي ﷺ : " من بني مسجداً لله بني له الله في الجنة مثله " (١). السبيل السابعة: الاستفادة من الجمعيات الخيرية الموجودة: ذكرنا فيما سبق أن من أولويات العمل على بعث الوقف على العلم، ومن ذلك الجامعات من جديد، وضع خطة اقتصادية متينة مدروسة، وأن يتولى أمر ذلك نخبة من علماء الاقتصاد، والتخطيط والإدارة، كما ذكرنا فتح الباب للوقف الجماعي. ومما يفيد جداً في هذا الجانب الاستعانة بخبرة الجمعيات الخيرية، فقد عملت في أوساط الحاجة، وتلمست مواطن الإنفاق، وتجمع لديها خبرة في هذا الجانب لا يمكن الحصول عليها من غيرها.

стр. 133

السبيل الثامنة: العمل على الاستفادة من التجارب الحالية للدول غير المسلمة على أن توضع في إطار إسلامي (١). المطلب الرابع: عوامل اندثار بعض الأوقاف ١ - الاحتلال أو الاستعمار الأجنبي الذي ابتليت به غالبية الدول الإسلامية، فقد كان المحتل يحرص أول ما يحرص على القضاء على الأوقاف وتحجيم دور الأوقاف. ٢ - إلغاء الوقف بشكل عام أو الوقف الأهلي بشكل خاص كما حدث في بعض الدول العربية، وسيأتي بحث هذا في الوقف الأهلي. ٣ - ضياع وثائق الوقف المكتوبة على الورق أو الجلد. ٤ - فساد النظار أو هلاكهم دون وجود من يخلفه أو تلاعبهم بوثائق الوقف أو السعي للاستيلاء عليه. ٥ - التأجير طويل الأجل أو ما يسمى (التحكير) أو (الحكر)، وسيأتي بحثها كما حررته في موضعه، وكذا عدم الإعلان عن إيجار الأوقاف، والمحاباة في قيمة الأجرة. ٦ - عدم وجود موارد مالية تضمن استمرار الوقف في تأديته لوظيفته التي قام من أجلها.

стр. 134

٧ - انتفاء الحاجة إلى عين الوقف أو غلته، كما في بعض الموقوفات القديمة. ٨ - التعرض لبعض الحوادث التبعية التي لا قدر للإنسان فيها غالباً، ومن ذلك بعض الأوقاف التي تنتهي بطبيعتها لعدم قدرتها على الاستمرار بحكم تعطلها في ذاتها. ٩ - التطورات العمرانية كالهجرة من القرى إلى المدن، الذي أدى إلى تدهور الأوقاف في القرى. ١٠ - عدم وجود صلة مكانية أو إدارية أو إشرافية بين الوقف من جهة، وبين أوجه صرف ريعه من جهة أخرى. ١١ - إهمال الأوقاف وعدم العناية بها: الأصل فيمن يتولى شؤون الوقف أن يكون أمينا عليه، ساهرا على استمرار منافعه، وهذا مقتضى التولية على الوقف، وهو ما أكده الفقهاء قديما، وفصلوا في وظيفة ناظر الوقف، وبينوا حقوقه وواجباته. جاء في المعيار المعرب: " وسئل عن ناظر الأحباس هل يجب عليه تفقدها أم لا؟ فأجاب: تطوف ناظر الحبس وشهوده وكتابه وقباضه على ريع الأحباس أكيد ضروري لا بد منه، وهو واجب على الناظر فيها لا يحل له تركه؛ إذ لا يتبين مقدار غلالها ولا غامرها إلا بذلك، وما ضاع كثير من الأحباس إلا بإهمال النظار" (١). ١٢ - تأميم الأوقاف: ويراد به أن تجمع الأوقاف كلها في يد الدولة بحيث تكون هي التي تتولى شؤونه وتدبر أمره، وتتحكم في فوائده، وقد حصل هذا في معظم

стр. 135

البلاد الإسلامية الذي حصل بسبب التأميم يكمن في تجاوز الوزارة دور الإشراف على الأوقاف إلى الاستيلاء عليها. ١٣ - عدم اعتبار شروط الواقفين. فإهمال شرط الواقفين سبب من أسباب اندثاره. ومن طرق حماية الوقف: ١ - التوعية الدينية، بوجوب حماية الوقف من قبل العلماء والخطباء والدعاة. ٢ - مراعاة المصلحة في استبدال الوقف وتغيير شرط الواقف عند خشية اندثار الوقف وتعطله. ٣ - إنشاء مؤسسة مستقلة تعنى بإحصاء الأوقاف وتوثيقها من أجل ضبطها، ومن الاستيلاء عليها، ووضع الخطط والسياسات، وإقرار المشاريع الإنمائية للأوقاف، وتخصيص منح للباحثين في شؤون الوقف، وإصدار نشرات تعنى بمنجزات المؤسسة الوقفية، وغير ذلك. ٤ - العمل بشرط الواقف مادام أنه يخدم مصلحة الوقف. ٥ - إشراف القضاة على عمل النظار. ٦ - اختيار الأكفاء لنظارة الوقف. ومما اشترطه الفقهاء في ناظر الوقف من شروط أن يكون أمينا ذا كفاءة في إدارة الوقف، كما سيأتي في شروط الناظر. قال النووي: " لا بد من صلاحية المتولي لشغل التولية؛ والصلاحية بالأمانة والكفاية في التصرف " (١). وكذلك جاء في حاشية ابن عابدين: " ولا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو

стр. 136

بنائبه؛ لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود، وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به " (١).

стр. 137

الفصل الثالث: الوقف على العلم، والمحافظة عليه من قبل العلماء وفيه مبحثان: المبحث الأول: الوقف على العلم. المبحث الثاني: محافظة العلماء على الوقف.

стр. 138

المبحث الأول: الوقف على العلم أدى الوقف دوراً رائداً ومتميزاً في دعائم الحركة العلمية والثقافية في أنحاء العالم الإسلامي، وكان السبب الرئيس لأغلب الإنجازات العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحقق حضارة علمية شهدت بها الأعداء في وقت كان العالم يجتاحه الجهل والتخلف والظلام من جميع النواحي. في عهد هشام الثالث في الأندلس كتب جورج الثاني ملك انجلترا، والسويد، والنرويج إلى هشام الثالث ما يأتي: صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام: بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يجتاحها الجهل من أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة "دوبانت" على رأس بعثة بنات الإنجليز لتتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف، ولتكن مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم وحماية الحاشية الكريمة وحدب من لدن اللواتي يستوفرن على تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص. من خادمكم جورج!.

стр. 139

وفيه مطلبان: المطلب الأول: شرعيته الوقف على العلم، وما يتعلق به من إنشاء المدارس، والمعاهد، والجامعات، والمكتبات، وصرف الرواتب على الطلبة والمعلمين مما لا خلاف فيه بين المسلمين. فالإنفاق على العلم من الإنفاق في سبيل الله وطرق الخير والبر؛ إذ هو من أعظم جهات البر والإنفاق على العلم يعدل الإنفاق على الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد جهادان: جهاد بالعلم والبيان، وكان هذا جهاده ﷺ في المرحلة المكية. وجهاد بالسيف والسنان، وهذا جهاده ﷺ في المرحلة المدنية مع الجهاد السابق. قال ابن نجيم ﵀: " … فعلى هذا إذا وقف على طلبة علم بلدة كذا يجوز … " (١). قال ابن عابدين: ﵀: " مطلب في حكم الوقف على طلبة العلم قوله: وإن على طلبة العلم: ظاهره: صحة الوقف عليهم … " (٢). وقال الخرشي ﵀: " ويتأبد الوقف إذا قال تصدقت على الفقراء والمساكين، أو على المساجد، أو طلبة العلم، وما أشبه ذلك … " (٣).

стр. 140

وقال النووي ﵀: " وإن وقف على جهة معصية كعمارة الكنائس فباطل، أو جهة قربة كالفقراء، والعلماء، والمساجد، والمدارس صح " (١). وفي مغني المحتاج: " والمراد بالعلماء: أصحاب علوم الشرع " (٢). وفي كشاف القناع: " الشرط الثاني: أن يكون الوقف على بر .... كالفقراء والمساكين والغزاة والعلماء والمتعلمين وكتابة القرآن … والمساجد والمدارس .. " (٣). المطلب الثاني: الوقف على دور العلم وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوقف على الأزهر: يعتبر الأزهر من أهم المدارس العلمية الشرعية في تاريخ الإسلام؛ إذ عاش الأزهر يؤدي رسالته في نشر العلم وخدمة العلماء وطلاب العلم أكثر من ألف عام، والذي ضمن للأزهر هذا الاستمرار بتوفيق من الله هو الوقف الإسلامي الذي دعمه اقتصادياً، وحماه من انقلابات الدول، وكفاه شر المحن المتعاقبة على مدى تاريخه الطويل. الأوقاف الإسلامية التي يرصدها أهل البذل من الحكام والأثرياء، كانت ضماناً للاستمرارية في أداء رسالته.

стр. 141

ففي العصر الفاطمي توجد عدة وثائق ونصوص تلقي ضوءاً على الموارد الأولى للأزهر، وأولى هذه الوثائق وأهمها سجل صدر عن الحاكم بأمر الله ابن العزيز بالله في رمضان سنة ٤٠٠ هـ، ويوقف فيه بعض أملاكه من دور وحوانيت ومخازن لينفق من ريعها على الجامع الأزهر، والجامع الحاكمي، وجامع براشدة، وجامع المقدس، ودار العلم بالقاهرة، ويفرد فيه لكل منها نصيباً خاصاً ويفصل وجوه النفقة فيها. ومن ذلك فيما يختص بالجامع الأزهر، رواتب الخطيب والمشرف والأئمة، وما ينفق على فرش الجامع وتأثيثه وإنارته من الحصر والقناديل والزيت، وعلى إصلاحه وتنظيفه، وإمداده بالماء وغير ذلك من وجوه الإنفاق، وقد فصل ذلك تفصيلاً شاملاً في وثيقة كاملة أثبتها المقريزي بنصها في خططه (١). وتعد هذه أول وثيقة لوقفية صدرت عن أحد خلفاء الفاطميين ورتبت للأزهر بعض النفقات، وينقل المقريزي عن المسبحي -مؤرخ الدولة الفاطمية- في حوادث سنة ٤٠٥ هـ في عصر الحاكم بأمر الله أيضا أنه قرئ في شهر صفر سجل بتحبيس عدة ضياع وغيرها على القراء والفقهاء والمؤذنين بالجامع، وأرزاق المستخدمين "ويفهم من الشطر الأول من هذا النص بأن القراء والأساتذة بالأزهر كانوا من المنتفعين بموارد الأعيان المحبوسة في هذا السجل" (٢). وفيها أمران: الأمر الأول: أنواع الأوقاف على الأزهر: كانت الأوقاف التي تحبس على الأزهر إما أن تكون للأزهر بصفة عامة،

стр. 142

وذلك مثل الوقفية السالفة التي أوقفها الحاكم بأمر الله في سنة ٤٠٠ هـ، وإما أن تخصص للأروقة المختلفة بالأزهر أو لأساتذة المذاهب الأربعة، أو للإنفاق على تدريس مادة معينة، ولا سيما علوم القرآن والحديث. وقد ظلت هذه الموارد الخاصة تنمو على مر العصور، وتوالت أوقاف أهل البذل من السلاطين والأمراء والكبراء على الجامع الأزهر خلال العصور، وكان الحكام يعززونها جيلاً بعد جيل. وقد استمرت هذه الموارد تزداد شيئاً فشيئاً حتى تضخمت، وبلغت الأوقاف المصرية العامة طبقاً لإحصاء سنة ١٨١٢ م (١٢٢٧ هـ) ٦٠٠. ٠٠٠ فدان؛ أي أنها كانت تزيد على خمس جميع الأراضي المصرية؛ لأن إحصاء جميع الأراضي المصرية سنة ١٨١٣ م بلغت فيه مساحة الأراضي المصرية كلها ٢. ٥٠٠. ٠٠٠ فدان. وكانت الدولة تُعين ناظراً على أوقاف الأزهر من المماليك يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر وإدارتها والصرف على الأزهر في العصر المملوكي والعصر العثماني، وشيئاً فشيئاً تدخل العلماء إلى أن أصبحوا يتولون النظارة على أوقاف الأزهر، وعلى كثير من الأوقاف الخاصة بالمساجد والمدارس والأسبلة، وخاصة في نهاية العصر العثماني. وكانت تلك الأوقاف مصدر قوة للجامع الأزهر، وقد حققت له استقلالاً ذاتياً عن التأثيرات السياسية، والمذهبية. فلم يعرف عنه طوال عصوره شيء من ذلك، بل عاش علماء الأزهر وطلابه معززين مكرمين بمنأى عن الخضوع لأحد، ومارس علماؤه حرية مطلقة في اختيار الدراسات والبحوث والموضوعات التي تلقى على الطلاب، وفي انتقاء الكتب التي يقرؤها المشايخ عليهم دون إشراف من أحد أو توجيه منه.

стр. 143

الأمر الثاني: جهود العلماء في الحفاظ على موارد الأزهر. تصدى علماء الأزهر لكل من أراد المساس بأوقاف وأرزاق العلماء. فعندما كثرت الأوقاف أراد بعض الحكام الاستيلاء عليها، فأراد السلطان (الظاهر برقوق) نقض كل ما أرصده الملوك على المساجد والمدارس والأسبلة وغيرها من وجوه البر، وقال: إن هذه الأراضي أخذت بالحيلة من بيت المال، وقد استوعبت نصف أراضي الدولة، وعقد لذلك مجلساً حافلاً من العلماء لأخذ الرأي والفتوى في هذا الأمر، وحضر المجلس الشيخ (أكمل الدين) شيخ الحنفية في عصره، والشيخ (سراج الدين عمر البلقيني)، والشيخ (البرهان ابن جماعة) وغيرهم من علماء العصر. فاتفقوا على أن ما أرصده الملوك والأمراء من رزق خرج من بيت المال لا سبيل إلى نقضه. وانفصل المجلس على هذا. وفي سنة ١١٢١ هـ تصدى علماء المذاهب الأربعة للوالي التركي إبراهيم باشا القبودان؛ لأنه أراد نقض ما أرصده أكابر مصر على الزوايا والمساجد والمدارس، وأعلنوا فتواهم في جرأة بأنه لا يجوز نقض ما حبسه أهل البر من الأراضي والعقارات والأرزاق، حيث كان المرصد عليهم من العلماء، والفقراء، والأيتام، وطلبة العلم. وكان في مقدمة هؤلاء العلماء الذين تصدوا لهذه الفتوى: الشيخ على ابن السيد على الحسيني الحنفي، والشيخ على العقدي الحنفي، والشيخ أحمد النفراوي المالكي، والشيخ محمد شنن المالكي، والشيخ أحمد الشرقي شيخ رواق المغاربة بالأزهر، والشيخ محمد الزرقاني شارح الموطأ، والشيخ عبد الباقي القليبي المالكي، والشيخ عبد ربه الديوي الشافعي،

стр. 144

والشيخ منصور المنوفي، والشيخ محمد الأحمد الشافعي، والشيخ أحمد المقدسي الحنبلي. وقد كتب هؤلاء العلماء السالفون فتواهم على طريقة السؤال والجواب، وعقدوا اجتماعاً في بيت "قيطاس بك الغفاري" حينئذ وحضر الاجتماع جمع غفير من أكابر مصر وحكامها وعلمائها وغيرهم، وقرأ عليهم هذه الفتوى الشيخ عيسى الصفتي فاستحسنها الحاضرون، ثم أرسلوها إلى الوالي التركي إبراهيم باشا المذكور فعاند في ذلك، فكتب العلماء والأكابر عريضة إلى السلطان وأرسلوا معها هذه الفتوى إلى السلطان أحمد خان الخليفة العثماني، فأمر بكتابة خط شريف بإبقاء الإرصادات والمرتبات على ما هي عليه من غير نقض ولا إبرام، وأرسلت تلك الأوامر السلطانية إلى مصر، وانتصر العلماء في الدفاع عن حقوقهم (١). وقد تولى بعض العلماء النظارة على الأوقاف وعلى الأخص قبل استيلاء محمد على باشا عليها. * فالشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر (ت ١٢٢٧ هـ) تولى النظر على الأوقاف الآتية: - وقف كل من عمرو بن العاص ﵁، وإبراهيم بن سعد الحبال في ١٩ من شوال سنة ١٢١٣ هـ. - وقف علي باشا في ٢٦ ذي القعدة ١٢١٣ هـ. - النظر على وقف إسماعيل المعاجني في ١٦ جمادي الأولى سنة ١٢٢٠ هـ. - النظر على وقف شقرون المغربي في ٢٦ من ربيع الأول سنة ١٢٢٤ هـ.

стр. 145

* والشيخ محمد المهدي (ت ١٢٣٠ هـ) الذي عاصر فترة ما قبل الحملة الفرنسية وما بعدها تذكر تقارير النظار أنه تولى النظارة على الأوقاف التالية: - النظر على وقف نفيسة خاتون بنت حسين جروبجي في ذي القعدة سنة ١٢٠٥ هـ. - النظر على أوقاف السلطان الغوري في أول ذي الحجة ١٢١٣ هـ. - النظر على وقف السلطان برقوق وولده فرج وأتباعه في ٢٧ من جمادي الآخرة سنة ١٢١٤ هـ. - النظر على أوقاف الإمامين الشافعي والليث في ٦ رجب سنة ١٢٢٤ هـ. * والشيخ محمد الأمير (ت ١٢٣٢ هـ) تولى النظر على الأوقاف التالية: - النظر على أوقاف الجامع الأزهر في ١٣ رمضان ١٢٢٠ هـ. - النظر على أوقاف الحرمين الشريفين في ١٦ من جمادى الآخرة سنة ١٢٠٧ هـ. - النظر على وقف القاضي عبد الكريم بن غنام، وعلى زاويته المعروفة بالغنامية في ١٧ من جمادي الأولى سنة ١٢٢١ هـ. * والشيخ محمد أبو الأنوار وفا السادات (ت ١٢٢٨ هـ) تولى النظر على: - وقف الحسين ﵁، وابنته زينب في جمادى الآخرة سنة ١٢٠٢ هـ. - النظر على وقف طومان باي في ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٢١٤ هـ. * والشيخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ (١١٦٨ - ١٢٤٠ هـ) تولى النظر على وقف زاوية الشيخ عبد الكريم المعروفة بزاوية الأحمدية في ٢٤ من محرم سنة ١٢٢٠ هـ. - النظر على وقف السلطان إنيال، وأحمد بن إنيال في ٦ من جمادي الآخرة سنة ١٢٠٧ هـ.
следующие страницы →