ففي العصر الفاطمي توجد عدة وثائق ونصوص تلقي ضوءاً على الموارد الأولى للأزهر، وأولى هذه الوثائق وأهمها سجل صدر عن الحاكم بأمر الله ابن العزيز بالله في رمضان سنة ٤٠٠ هـ، ويوقف فيه بعض أملاكه من دور وحوانيت ومخازن لينفق من ريعها على الجامع الأزهر، والجامع الحاكمي، وجامع براشدة، وجامع المقدس، ودار العلم بالقاهرة، ويفرد فيه لكل منها نصيباً خاصاً ويفصل وجوه النفقة فيها.
ومن ذلك فيما يختص بالجامع الأزهر، رواتب الخطيب والمشرف والأئمة، وما ينفق على فرش الجامع وتأثيثه وإنارته من الحصر والقناديل والزيت، وعلى إصلاحه وتنظيفه، وإمداده بالماء وغير ذلك من وجوه الإنفاق، وقد فصل ذلك تفصيلاً شاملاً في وثيقة كاملة أثبتها المقريزي بنصها في خططه (١).
وتعد هذه أول وثيقة لوقفية صدرت عن أحد خلفاء الفاطميين ورتبت للأزهر بعض النفقات، وينقل المقريزي عن المسبحي -مؤرخ الدولة الفاطمية- في حوادث سنة ٤٠٥ هـ في عصر الحاكم بأمر الله أيضا أنه قرئ في شهر صفر سجل بتحبيس عدة ضياع وغيرها على القراء والفقهاء والمؤذنين بالجامع، وأرزاق المستخدمين "ويفهم من الشطر الأول من هذا النص بأن القراء والأساتذة بالأزهر كانوا من المنتفعين بموارد الأعيان المحبوسة في هذا السجل" (٢).
وفيها أمران:
الأمر الأول: أنواع الأوقاف على الأزهر:
كانت الأوقاف التي تحبس على الأزهر إما أن تكون للأزهر بصفة عامة،
стр. 142
وذلك مثل الوقفية السالفة التي أوقفها الحاكم بأمر الله في سنة ٤٠٠ هـ، وإما أن تخصص للأروقة المختلفة بالأزهر أو لأساتذة المذاهب الأربعة، أو للإنفاق على تدريس مادة معينة، ولا سيما علوم القرآن والحديث.
وقد ظلت هذه الموارد الخاصة تنمو على مر العصور، وتوالت أوقاف أهل البذل من السلاطين والأمراء والكبراء على الجامع الأزهر خلال العصور، وكان الحكام يعززونها جيلاً بعد جيل.
وقد استمرت هذه الموارد تزداد شيئاً فشيئاً حتى تضخمت، وبلغت الأوقاف المصرية العامة طبقاً لإحصاء سنة ١٨١٢ م (١٢٢٧ هـ) ٦٠٠. ٠٠٠ فدان؛ أي أنها كانت تزيد على خمس جميع الأراضي المصرية؛ لأن إحصاء جميع الأراضي المصرية سنة ١٨١٣ م بلغت فيه مساحة الأراضي المصرية كلها ٢. ٥٠٠. ٠٠٠ فدان.
وكانت الدولة تُعين ناظراً على أوقاف الأزهر من المماليك يتولى الإشراف على أوقاف الأزهر وإدارتها والصرف على الأزهر في العصر المملوكي والعصر العثماني، وشيئاً فشيئاً تدخل العلماء إلى أن أصبحوا يتولون النظارة على أوقاف الأزهر، وعلى كثير من الأوقاف الخاصة بالمساجد والمدارس والأسبلة، وخاصة في نهاية العصر العثماني.
وكانت تلك الأوقاف مصدر قوة للجامع الأزهر، وقد حققت له استقلالاً ذاتياً عن التأثيرات السياسية، والمذهبية.
فلم يعرف عنه طوال عصوره شيء من ذلك، بل عاش علماء الأزهر وطلابه معززين مكرمين بمنأى عن الخضوع لأحد، ومارس علماؤه حرية مطلقة في اختيار الدراسات والبحوث والموضوعات التي تلقى على الطلاب، وفي انتقاء الكتب التي يقرؤها المشايخ عليهم دون إشراف من أحد أو توجيه منه.
стр. 143
الأمر الثاني: جهود العلماء في الحفاظ على موارد الأزهر.
تصدى علماء الأزهر لكل من أراد المساس بأوقاف وأرزاق العلماء.
فعندما كثرت الأوقاف أراد بعض الحكام الاستيلاء عليها، فأراد السلطان (الظاهر برقوق) نقض كل ما أرصده الملوك على المساجد والمدارس والأسبلة وغيرها من وجوه البر، وقال: إن هذه الأراضي أخذت بالحيلة من بيت المال، وقد استوعبت نصف أراضي الدولة، وعقد لذلك مجلساً حافلاً من العلماء لأخذ الرأي والفتوى في هذا الأمر، وحضر المجلس الشيخ (أكمل الدين) شيخ الحنفية في عصره، والشيخ (سراج الدين عمر البلقيني)، والشيخ (البرهان ابن جماعة) وغيرهم من علماء العصر.
فاتفقوا على أن ما أرصده الملوك والأمراء من رزق خرج من بيت المال لا سبيل إلى نقضه.
وانفصل المجلس على هذا.
وفي سنة ١١٢١ هـ تصدى علماء المذاهب الأربعة للوالي التركي إبراهيم باشا القبودان؛ لأنه أراد نقض ما أرصده أكابر مصر على الزوايا والمساجد والمدارس، وأعلنوا فتواهم في جرأة بأنه لا يجوز نقض ما حبسه أهل البر من الأراضي والعقارات والأرزاق، حيث كان المرصد عليهم من العلماء، والفقراء، والأيتام، وطلبة العلم.
وكان في مقدمة هؤلاء العلماء الذين تصدوا لهذه الفتوى: الشيخ على ابن السيد على الحسيني الحنفي، والشيخ على العقدي الحنفي، والشيخ أحمد النفراوي المالكي، والشيخ محمد شنن المالكي، والشيخ أحمد الشرقي شيخ رواق المغاربة بالأزهر، والشيخ محمد الزرقاني شارح الموطأ، والشيخ عبد الباقي القليبي المالكي، والشيخ عبد ربه الديوي الشافعي،
стр. 144
والشيخ منصور المنوفي، والشيخ محمد الأحمد الشافعي، والشيخ أحمد المقدسي الحنبلي.
وقد كتب هؤلاء العلماء السالفون فتواهم على طريقة السؤال والجواب، وعقدوا اجتماعاً في بيت "قيطاس بك الغفاري" حينئذ وحضر الاجتماع جمع غفير من أكابر مصر وحكامها وعلمائها وغيرهم، وقرأ عليهم هذه الفتوى الشيخ عيسى الصفتي فاستحسنها الحاضرون، ثم أرسلوها إلى الوالي التركي إبراهيم باشا المذكور فعاند في ذلك، فكتب العلماء والأكابر عريضة إلى السلطان وأرسلوا معها هذه الفتوى إلى السلطان أحمد خان الخليفة العثماني، فأمر بكتابة خط شريف بإبقاء الإرصادات والمرتبات على ما هي عليه من غير نقض ولا إبرام، وأرسلت تلك الأوامر السلطانية إلى مصر، وانتصر العلماء في الدفاع عن حقوقهم (١).
وقد تولى بعض العلماء النظارة على الأوقاف وعلى الأخص قبل استيلاء محمد على باشا عليها.
* فالشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر (ت ١٢٢٧ هـ) تولى النظر على الأوقاف الآتية:
- وقف كل من عمرو بن العاص ﵁، وإبراهيم بن سعد الحبال في ١٩ من شوال سنة ١٢١٣ هـ.
- وقف علي باشا في ٢٦ ذي القعدة ١٢١٣ هـ.
- النظر على وقف إسماعيل المعاجني في ١٦ جمادي الأولى سنة ١٢٢٠ هـ.
- النظر على وقف شقرون المغربي في ٢٦ من ربيع الأول سنة ١٢٢٤ هـ.
стр. 145
* والشيخ محمد المهدي (ت ١٢٣٠ هـ) الذي عاصر فترة ما قبل الحملة الفرنسية وما بعدها تذكر تقارير النظار أنه تولى النظارة على الأوقاف التالية:
- النظر على وقف نفيسة خاتون بنت حسين جروبجي في ذي القعدة سنة ١٢٠٥ هـ.
- النظر على أوقاف السلطان الغوري في أول ذي الحجة ١٢١٣ هـ.
- النظر على وقف السلطان برقوق وولده فرج وأتباعه في ٢٧ من جمادي الآخرة سنة ١٢١٤ هـ.
- النظر على أوقاف الإمامين الشافعي والليث في ٦ رجب سنة ١٢٢٤ هـ.
* والشيخ محمد الأمير (ت ١٢٣٢ هـ) تولى النظر على الأوقاف التالية:
- النظر على أوقاف الجامع الأزهر في ١٣ رمضان ١٢٢٠ هـ.
- النظر على أوقاف الحرمين الشريفين في ١٦ من جمادى الآخرة سنة ١٢٠٧ هـ.
- النظر على وقف القاضي عبد الكريم بن غنام، وعلى زاويته المعروفة بالغنامية في ١٧ من جمادي الأولى سنة ١٢٢١ هـ.
* والشيخ محمد أبو الأنوار وفا السادات (ت ١٢٢٨ هـ) تولى النظر على:
- وقف الحسين ﵁، وابنته زينب في جمادى الآخرة سنة ١٢٠٢ هـ.
- النظر على وقف طومان باي في ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٢١٤ هـ.
* والشيخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ (١١٦٨ - ١٢٤٠ هـ) تولى النظر على وقف زاوية الشيخ عبد الكريم المعروفة بزاوية الأحمدية في ٢٤ من محرم سنة ١٢٢٠ هـ.
- النظر على وقف السلطان إنيال، وأحمد بن إنيال في ٦ من جمادي الآخرة سنة ١٢٠٧ هـ.
стр. 146
* والشيخ عبد الرحمن السجيني تولى النظر على وقف المدرسة الصالحية (مدرسة الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة) في ١٠ رمضان ١٢٠٨ هـ.
المسألة الثانية: الوقف على الكتاتيب:
"الكُتّاب" أقيم لتعليم الصبيان القراءة، والكتابة والقرآن وبعض العلوم العربية، والرياضيات، وقد وجدت هذه الكتاتيب قديماً في الإسلام، وقد ذكر بعض المؤرخين أنها وجدت في عصر الصحابة ﵃، وكانت من الكثرة بحيث عد ابن حوقل ثلاثمئة كتاب في مدينة واحدة من مدن صقلية (١).
وكان "الكُتّاب" في بعض البلدان من السعة بحيث يضم مئات وآلافاً من الطلاب، ومما يروى عن أبي القاسم البلخي أنه كان له كتاب يتعلم فيه ثلاثة آلاف تلميذ، وكان كتابه فسيحاً جداً، ولذلك كان أبو القاسم يحتاج إلى أن يركب حماراً ليتردد بين طلابه، وليشرف على شؤونهم (٢).
وكانت هذه الكتاتيب تمول بأموال الأوقاف.
المسألة الثالثة: الوقف على المدارس.
بدأ إنشاؤها بعد أن استقرت حركة الفتوحات الإسلامية نسبياً، وبعد أن تضاعف إقبال طلاب العلم على حلقات المساجد، وكثر بناء هذه المدارس حتى ملأت مدن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، ويذكر التاريخ نفراً من أمراء المسلمين كانت لهم اليد الطولى في إنشاء المدارس في مختلف الأمصار، منهم صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ المدارس في جميع المدن التي كانت تحت سلطانه في مصر، ودمشق، والموصل، وبيت المقدس، ونور الدين الشهيد الذي ملأ بلاد العراق وخراسان بالمدارس حتى قيل: إنه في كل مدينة في العراق وخراسان مدرسة، وكان هذا الوزير كلما وجد في
стр. 147
بلدة عالماً تميز وتبحر في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفاً، وجعل فيها دار كتب.
وبجانب هؤلاء العظماء كان الأمراء والأغنياء، والتجار يتسابقون في بناء المدارس والوقوف عليها بما يضمن استمرار وإقبال الطلاب على الدراسة فيها، وكثيرون جداً هم الذين جعلوا بيوتهم مدارس وجعلوا ما فيها من كتب وما يتبعها من عقار وقفاً على طلاب العلم الدارسين فيها (١).
حتى إن ابن جبير الرحالة الأندلسي هاله ما رأى في المشرق من كثرة المدارس والغلات الوافرة التي تغلها أوقافها، فدعا المغاربة أن يرحلوا إلى المشرق لتلقي العلم (٢).
ومما يؤكد ما قاله ابن جبير ما جاء من قصيدة عن مدارس دمشق، قال فيها ناظمها:
ومدارس لم تأتها في مشكل … إلا وجدت فتى يحل المشكلا
ما أمها امرؤ يكابد حيرة … وخصاصة إلا اهتدى وتحولا
وبها وقوف لا يزال مغلها .... يستنقذ الأسرى ويغني العيلا
وأئمة تلقى الدروس وسادة … شفى النفوس وداؤها قد أعضلا (٣)
ويكفي برهاناً على كثرة أوقاف المدارس والمساجد في دمشق أن النووي لم يكن يأكل من فواكه دمشق طيلة حياته؛ لأن أكثر غوطتها وبساتينها أوقاف (٤).
стр. 148
وإذا كانت دمشق قد اشتهرت بكثرة مدارسها والأوقاف التي حبست عليها، فإن غيرها من الحواضر الإسلامية كبغداد، وقرطبة، والكوفة، والبصرة، والقيروان، والقاهرة كثرت فيها المدارس.
وكل ذلك جاء ثمرة من ثمرات الأموال الموقوفة التي خصصت للدراسة العلمية.
ويتحدث ابن خلدون عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي والحضاري فيذكر أن هذا التطور مرده إلى الأموال الموقوفة من أراض زراعية ومبان وبيوت وحوانيت، وأن هذه الأموال التي حبست على المؤسسات التعليمية في القاهرة، أدت إلى أن يفد إلى هذه المدينة طلبة علم وعلماء من مغرب العالم الإسلامي ومن مشرقه في سبيل الحصول على العلم المجاني، وبذلك نما العلم وازدهر في مختلف الفروع والتخصصات (١).
وكانت الدراسة في تلك المدارس تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر، وكان التعليم فيها لجميع أبناء الأمة دون تفرقة بين فئة وأخرى، وكان الطلاب الذين يدرسون فيها نوعين:
النوع الأول:
الغرباء الذين وفدوا من بلاد نائية، ويدخل مع هؤلاء الذين لا تساعدهم أحوالهم المادية أن يعيشوا على نفقات آبائهم، وكان لهذا النوع من الطلاب غرف خاصة للنوم ومكتبة ومطبخ وحمام، وهو قسم داخلي.
والنوع الثاني:
من الدارسين: يمثلون الطلاب الذين يرغبون في أن يرجعوا في المساء إلى أهليهم وذويهم، وهؤلاء في قسم خارجي.
стр. 149
وكلا النوعين يدرس مجاناً، وكانت بعض المدارس بالإضافة إلى ما تقدمه لطلابها من علم ترعاهم صحياً، فقد كان بجوار بعض المدارس مستشفى لعلاج المرضى من الطلاب بالمجان.
وعرفت المدارس التخصص العلمي في إنشائها، حيث كانت تقام المدارس لنوع واحد من فروع العلم، ومن ثم كانت هناك مدارس لتدريس القرآن وتفسيره وحفظه وقراءته، ومدارس للحديث خاصة، ومدارس -وهي أكثرها- للفقه لكل مذهب فقهي مدرسة خاصة به، ومدارس للطب، وأخرى في كل مجال من مجالات التخصص العلمي.
يقول ابن كثير في حوادث سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة: " فيها كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد ولم يبن مدرسة قبلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيهاً، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب وشيخ حديث، وقارئان وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد " (١).
والدراسة في تلك المدارس مفتوحة لكل راغب في العلم دون قيد أو شرط، وكان طلاب هذه المدارس يتمتعون بكل الرعاية من طعام وشراب وعلاج وإقامة للغرباء والفقراء، وكان الأساتذة الذين يقومون بالتدريس فيها ينتخبون ممن شهد لهم الشيوخ بالكفاءة العلمية للعمل، وكان المتخرجون من هذه المدارس يمنحون إجازة علمية باسم شيخ المدرسة، وما كان يسمح للأطباء بممارسة مهنة الطب إلا بعد نيل هذه الشهادة أو الإجازة من كبير أطباء المدرسة.
ومن العلماء الذين درسوا في بعض المدارس أو كانوا شيوخاً لها:
стр. 150
النووي، وابن الصلاح، والسبكي، وغيرهم كانوا يدرسون في دار الحديث في دمشق، والغزالي، وإمام الحرمين الجويني، والفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط، وأبو إسحاق الشيرازي، وغيرهم كانوا يدرسون في المدرسة النظامية في بغداد (١).
ونعطي –هنا- مثالاً للمدارس التي نشأت ابتداء كمؤسسات وقفية، وكانت تقوم مقام الجامعات في وقتنا الحاضر:
أ- المدرسة الصالحية بمصر أول مدرسة درست المذاهب الأربعة بمصر، أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة ٦٤١ هـ على غرار المستنصرية ببغداد، وأوقفت عليه أوقاف ضخمة.
ب- المدرسة الظاهرية التي أنشأها الظاهر بيبرس في القاهرة سنة ٦٢٦ هـ، وأوقف عليها المال وأغدق عليها مما جعلها أجمل مدرسة في مصر، وخصص لها مكتبة ضخمة تحتوي على سائر العلوم.
ج- المدرسة المنصورية في مصر، أنشأها المنصور بن قلاوون سنة ٦٨٣ هـ وتخصصت في تدريس الطب بالدرجة الأولى، وأوقف عليها القبة المنصورية التي هي مرصد فلكي، وأوقافاً واسعة من الحوانيت والأطيان.
د- المدرسة المسعودية ببغداد، بناها مسعود الشافعي، وجعلها وقفاً على المذاهب الأربعة بجانب تدريس العلوم الطبية.
هـ - المدرسة الصلاحية بحلب، أوقفها الأمير صلاح الدين يوسف الدوادار.
стр. 151
و- المدرسة الغياثية، أو مدرسة المنصور بمكة المكرمة بناها المنصور غياث الدين، إذ أنشئت في ٨١٣ هـ وأوقف عليها أموالا جليلة.
ز- المدارس الأربعة بمكة المكرمة التي بناها السلطان سليمان القانوني سنة ٩٢٧ هـ وأوقف عليها أموالاً طائلة لتدريس المذاهب الأربعة.
ولم تكن هذه المدارس تعود للدولة، بل هي من مدارس خاصة عضدت بالأموال الموقوفة عليها.
ونذكر هنا أيضا رسالة بعث بها أحد الواقفين إلى أحد النظار على الوقف بالدار البيضاء عام ١٣١٦ هـ جاء في الرسالة:
"… وبعد فنأمرك أن تنفذ للمدرسين الواردين لهناك من فاس بقصد التدريس وبث العلم- داراً من دور الأحباس لنزولهما، وعشرين ريالاً للواحد من مدخول الأحباس في كل شهر، حتى تكمل مدتهما، وهي سنة واحدة ليعين بدلهما عند انقضائهما، بحول الله على يد قاضي فاس، والسلام".
ومن ذلك أوقاف مدرسة العطارين بفاس، حيث وقف عليها حانوتا وقطعة من أراضي الزيتون ومن الأجنحة (١).
ومن هنا، فقد بقي العلماء مستقلين عن السلطة، غير خاضعين لها معتمدين على الأموال الموقوفة التي تغدق عليهم.
أكثر من ذلك أن القضاة منهم بقوا كذلك قوة غير خاضعة لرغبات السلطة عندما كانت تحاول أن تعتدي على حرية القضاء.
كما أجبروا السلطة على الخضوع لقيم الشريعة، كما فعل العز بن عبد السلام في أحكامه ضد السلاطين الأتراك، وكما فعل البلقيني ضد المماليك، وكما فعل أبو حنيفة مع الخليفة المنصور عند اجتماعه بالفقهاء.
стр. 152
وابن خلدون يتحدث عما شاهده في القاهرة من التطور العلمي والحضاري والحياة المدنية، خاصة في تعليم العلوم التجريبية وهو يقول:
كل هذه النشاطات العملية قد ساعد عليها ما حدث خلال القرنين اللذين سبقا زمانه، وخاصة زمان صلاح الدين الأيوبي الذي أوقف أراضي زراعية ومباني وبيوتا وحوانيت للمدارس، ثم على ما خصصه من بعده الأمراء الأتراك والممالك الذين أوقفوا أموالهم على المؤسسات التعليمية ..
بل وصلت عوائد الأوقاف وفوائده إلى المساجين، إذ لم يحرموا منها، فقد خصصت بعض الوقفيات من أجل الإنفاق على تعليمهم، علاوة على الصرف عليهم وعلى عوائلهم من أموال موقوفة ومخصصه للمساجين.
وقد ألفت في تاريخ المدارس مصادر عدة حاولت استقراء أعدادها وما يدرس فيها، ومنها:
١ - المواعظ والاعتبار للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ).
٢ - الأعلاق الخطيرة لابن شداد (ت ٦٨٤ هـ).
٣ - العقود اللؤلؤية للخرزجي (ت ٨١٢ هـ).
٤ - الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (ت ٩٢٧ هـ).
٥ - تلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي (ت ٧٢٣ هـ) (١).
المسألة الرابعة: الوقف على المكتبات.
أدرك كل الواقفين للمدارس، وزوايا العلم، وحلقات الدرس في المساجد أهمية الكتاب لنشر العلم، وأن الاقتصار على تشييد الأبنية وتوفير جهاز للتدريس غير كاف فاهتموا بوقوف الكتب عليها لتكون وسيلة ميسرة للتحصيل والمراجعة توفر مادة علمية يستند إليها المعلم والمتعلم في وقت
стр. 153
واحد، فأصبح من المعتاد وجود مكتبة في مدرسة، أو جامع، أو رباط وقف على طلبة العلم وغيرهم (١).
وكان وقف الكتب بمكة في القرن الهجري الأول، كما في مكتبة عبد الحكيم بن عمرو الجمحي (٢).
وفي القرن الثاني ظهرت بيت الحكمة ببغداد، وكان من بين أقسامها مكتبة حظيت بعناية مجموعة من خلفاء بني العباس وبخاصة المأمون.
ومكتبة بيت الحكمة كان الهدف من وراء إنشائها مساعدة العلماء والباحثين بتوفير أكبر قدر من مصادر المعلومات؛ لتسهيل سبل الدرس والمطالعة والتأليف والترجمة لمن يرغب في ذلك (٣).
وانتشرت خزائن الكتب الوقفية منذ القرن الرابع الهجري بحيث يمكن القول بأنه قلما تخلو مدينة من كتب موقوفة.
وبلغ من انتشار هذه الخزائن وتوافرها في الأندلس أن أبا حيان التوحيدي النحوي كان يعيب على مشتري الكتب، ويقول: الله يرزقك عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف (٤).
ويذكر ياقوت الحموي عن مدينة مرو: أنه كان فيها عشر خزائن للوقف، وذلك في القرن السابع الهجري، ويقول عنها:
"لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها: خزانتان في الجامع، إحداهما يقال لها العزيزية، وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني … وفيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية وبها
стр. 154
خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعيد محمد بن منصور، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية والضميرية في خانكاه هناك، وكانت هذه الخزائن سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مئتا مجلد وأكثره من غير رهن " (١).
وقال ابن جبير في رحلته إلى مصر بعد أن اطلع على أحوال مكتباتها ودور العلم فيها وعاش في بعضها، واستفاد من أموالها الموقوفة: " ومن مناقب هذا البلد ومفاخره ...... المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكناً يأوي إليه ومدرساً يعلمه الفن الذي يريد تعلمه وإجراء يقوم به في جميع أحواله " (٢).
وكانت هذه المكتبات بكتبها الوقفية إضافة إلى المكتبات الخاصة، مثل مكتبات الخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء، وراء حركة الازدهار العلمي التي شهدها العالم الإسلامي على مدى قرون طويلة، فقد اعتمد عليها العلماء وطلاب العلم في دراستهم ومراجعاتهم، ومصنفاتهم.
وقد حوت المكتبة التي أوقفها ابن قليس الوزير الفاطمي على غرف عديدة للمطالعة وعلى قاعات خاصة للمحاضرات، وقاعة كبرى للمحاضرات، وقاعات عليها ١٠٠٠ دينار شهرياً، وأعطيت مرتبات شهرية من ريع هذا الوقف لطلبة العلم والعلماء والعاملين فيها، سواء أكانوا إداريين أم فنيين أم خدماً.
كذلك كانت الربط الإسلامية -وكلها اعتمدت على أموال موقوفة- مراكز مهمة لإيقاف الكتب وإنشاء خزائن كتب فيها، فخصصت أموال وقفية وفيرة
стр. 155
على إدارتها وإدارة مكتباتها، وعين لإدارة مكتبات الربط هذه خزان وقوام يقومون بالمحافظة عليها وعلى صيانتها.
ولقد وجدت بجانب هذه المكتبات في كثير من الأحيان، كذلك المراصد الفلكية التي كانت تتبع هذه المكتبات الموقوفة، حيث بنيت بجنبها مساكن للعلماء، سواء من كان يعمل في المكتبة أم في المرصد الفلكي، وقد ساهمت هذه المراصد الفلكية في نشر العديد من الرسائل بعلم الفلك.
ويذكر ياقوت الحموي عن مدينة مرو الشاهجان، رواية عن عبد الله بن المبارك الذي عاش في هذه المدينة، وأثنى على أهلها لما فيهم من الرقة ولين الجانب وحسن العشرة، وأنه فارقها مرغمًا سنة ٦١٦ هـ، ويقول لحظة فراقه لها: فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها: خزانتان في الجامع، إحداهما يقال لها العزيزية، وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني، وفيها اثنتا عشرة ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية لا أرى إلى من تنسب.
وخزانة شرف الملك المستوفى المتوفى سنة ٤٩٤ هـ وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحاق في مدرسته، وخزانتان للسمعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية.
والخزانة الخاتونية في مدرستها، والضميرة في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مئتا مجلد وأكثره بغير رهن قيمتها مئتا دينار، فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها (١).
ولقد عرفت المكتبات بعدة أسماء مثل: خزانة الكتب، وبيت الكتب، ودار الكتب، ودار العلم، وبيت الحكمة، ودار القرآن، ودار الحديث.
стр. 156
ويسرت هذه المكتبات العلم للراغبين فيه دون نفقات وعلى مختلف المستويات، حيث أسهمت الأوقاف في تعضيد وتقوية أسس التعليم عن طريق إيقاف هذه المكتبات والكتب، كما كان للخلفاء والأمراء الفضل في تأسيس المكتبات والإنفاق عليها من أموالهم الخاصة، "فقد قالوا إنه كان عطاءُ محمد بن عبد الملك الزيات للنقلة والنساخ في مكتبته ألفي دينار كل شهر، وكان المأمون يعطي حنين بن إسحاق من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلا بمثل" (١).
ومن المكتبات التي قامت بدور حضاري مهم في التاريخ الإسلامي: المكتبة التي بناها ثم أوقفها "بنو عمار " في طرابلس الشام، وكانت آية في السعة والضخامة إذ كان عدد النساخين فيها بلغ ١٨٠ ناسخا يتناوبون في العمل ليل نهار، بحيث لا ينقطع النسخ فيها، ويقال إنها حوت على مليون كتاب على أرجح الأقوال (٢).
أما دار العلم بالكرخ فهي مكتبة كبرى أوقفها الوزير أبو نصر أحد وزراء بني بويه المتوفى سنة ٤١٦ هـ، وقيل إنه لم يكن أحسن منها فهرسة وتنظيما.
ومن المكتبات الخاصة التابعة للمدارس:
-مكتبة المدرسة النظامية: وقد افتتحت سنة ٤٥٩ هـ وعين لها خزان ومشرفون، وقد أوقف عليها نظام الملك الأموال لشراء نفائس الكتب في المستقبل من موارد هذه الأوقاف.
- خزانة مدرسة المستنصرية: افتتحت سنة ٦٣١ هـ، والتي يقول فيها ابن الفوطي في كتابه الحوادث الجامعة: إن الخليفة المستنصر نقل إليها في يوم
стр. 157
واحد من الكتب ما حمله مئة وستون حمالا، عدا ما نقل إليها فيما بعد من كتب موقوفة أخرى، وقد رتبت حسب الفنون ليسهل استخدامها؛ إذ لا يوجد مثيل لها في العالم كما يقول ابن الفوطي، وقد جعلت مرجعا ليس لطلبة المدرسة فقط، بل بقيت مفتوحة للعلماء ولعامة الناس خارج أسوار الجامعة لينهلوا من معارفها.
فرع: ومن الوقف على العلم مما استجد في وقتنا الحاضر:
١ - الوقف للشريط الإسلامي، وطباعة الكتاب الإسلامي وتوزيعهما إسهامًا في نشر العلم والمعرفة.
وكذلك ينبغي ترجمة الكتب النافعة إلى مختلف اللغات ليستفيد منها المسلمون في جميع أنحاء العالم.
٢ - إنشاء محطة تلفزيونية تعليمية عن طريق طرح أسهم على المسلمين القادرين تعمل على نشر الوعي الديني والمعرفي والثقافي على أسس من الموضوعية، وتتبنى مناهج تعبر عن فكرنا وقيمنا وحضارتنا، وتعمل بلغات شتى ليعم نفعها أرجاء العالم.
٣ - إنشاء موقع على شبكة المعلومات "الانترنت" يحتوي على دروس علمية وثقافية ومحاضرات نافعة عن أهل الاختصاص في شتى العلوم ومختلف التخصصات، ويقوم –كذلك- ببيان حقائق الإسلام ومحاسنه وتصحيح العقائد والمفاهيم ورد الشبهات والأباطيل.
٤ - الوقف لإيجاد المنح الدراسية لدراسة العلوم الشرعية لأبناء البلاد الإسلامية، وغير الإسلامية.
стр. 158
المبحث الثاني: محافظة العلماء على الوقف
لقد كثرت الأوقاف في مصر والشام كثرة واضحة، وصارت لها إدارة خاصة بمصر تشرف عليها وترعاها أحدثها توبة بن نمر الحضرمي حينما ولي قضاء مصر سنة ١١٥ هـ في زمن هشام بن عبد الملك، وهو أول قاض بمصر وضع يده على الأحباس بمصر، وكانت من قبل في أيدي أهلها وأوصيائهم، فلما كان توبة قال: " ما أرى مرجع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظاً لها من الالتواء والتوارث، فلم يمت توبة حتى صار للأحباس ديوان عظيم " (١).
وهذا أول تنظيم للأوقاف ليس في مصر فحسب، بل في جميع الدول الإسلامية، وفي نفس عهد توبة أنشئ على نمط ديوانه في مصر ديوان للأوقاف في البصرة (٢).
ومنذ ذلك التاريخ أنيطت الأوقاف بالقضاة، وأصبح ذلك أمراً متعارفاً عليه أن يتولى القضاة النظر في الأوقاف بحفظ أصولها وتنميتها وقبض ريعها وصرفه في محله، فإن كان عليها ناظر حسب شرط الواقف راعاه القاضي، وإلا تولى هو النظر عليها، ويحكي الكندي ﵀ في تاريخه أن أموال اليتامى والأوقاف ترد إلى بيت المال منذ زمن المنصور إلى أيام الرشيد (٣).
стр. 159
ويسجل التاريخ أيضا عناية بعض القضاة بالأوقاف، منها ما يرويه الكندي في تاريخه أن القاضي أبا الطاهر عبد الملك بن محمد الحزمي الأنصاري يتفقد الأحباس بنفسه ثلاثة أيام في كل شهر يأمر بمرمتها وإصلاحها، وكنس ترابها، ومعه طائفة من عماله عليها، فإن رأى خللاً في شيء منها ضرب المتولي لها عشر جلدات (١).
ومقابل هذه العناية الخاصة بالأوقاف ومراقبة نظارها وعقوبتهم إن حصل منهم تقصير وجدت بعض الآراء التي لا ترى بأن المرمة شرط في الأحباس.
يقول الكندي ﵀: حدثنا محمد بن يوسف قال: أخبرني أبو سلمة، عن يحيى بن عثمان، عن ابن عفير قال: قال لي مالك: " لا أرى أن تشترط المرمة في الأحباس، قال سعيد: فذكرت هذا لأبي عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله العمري قاضينا، فقال لي: لولا المرمة ما بقيت الأحباس لأهلها ".
قال سعيد: وكان العمري من أشد الناس لعمارة الأحباس، كان يقف عليها بنفسه ويجلس مع البنائين أكثر نهاره.
والعمري هذا ولي قضاء مصر من قبل هارون الرشيد سنة خمس وثمانين ومئة (٢).
وفي عهد المأمون الخليفة العباسي نظم قاضيه بمصر لهيعة بن عيسى الحضرمي الأحباس وحكم في أحباس مصر كلها، يروي لنا الكندي في تاريخه: " كان من أحسن ما عمله لهيعة في ولايته أن قضى في أحباس مصر كلها، فلم يبق منها حبساً حتى حكم فيه إما ببينة وإما بإقرار أهل الحبس، وكان يقول في ذلك: كنت أحب ذلك من زمان وسألت الله أن يبلغني الحكم فيها، فلم أترك شيئاً منها حتى حكمت فيه وجددت الشهادة به " (٣).
стр. 160
وأيضا يحفظ التاريخ لهارون بن عبد الله الذي ولي قضاء مصر من قبل المأمون يوم الأحد لأربع عشرة خلت من شهر رمضان سنة سبع عشرة ومئتين أنه لم يبق شيئاً من أمور القضاء حتى شاهده بنفسه وحضره مع أهل مصر، فمنها: أنه لم يتخلف عن حبس بمصر يتولاه القضاة حتى وقف على غلته ووجوهه (١).
وكذلك يحفظ لمحمد بن أبي الليث الخوارزمي الذي ولي قضاء مصر من قبل أبي إسحاق المعتصم سنة ست وعشرين ومئتين تدوينه للأحباس بخطه حفاظاً عليها من الضياع والاغتيال، يقول محمد بن أبي الليث: " لقد هممت أن أضع يدي على كل حبس بمصر يتولاه أهله مما ليس له ثبت في ديوان القضاة احتياطاً له " (٢).
ويحكي لنا الكندي في تاريخه عن هذا القاضي الجليل أنه شاهد الأحباس بنفسه ودونها بخطه وقضى في كثير منها (٣).
ولم يستمر هذا الأمر بل في بداية النصف الأول من القرن الرابع كان يعين في بعض الأحيان متول للأحباس ونفقة الأيتام بالإضافة إلى القاضي، ولعل أول من تولى النظر في الأحباس ونفقة الأيتام بعد فصلها عن القضاء: بكران بن الصباغ وقدم معه أحمد بن عبد الله الكشّي، وقد جعل له النظر في الأحكام في عهد الخليفة العباسي الراضي في ربيع الآخر سنة ٣٢١ هـ.
وكانت هذه الخطوة بداية إنشاء ديوان مستقل للأحباس منفصل عن ديوان القضاة، بالرغم من أن قاضي القضاة تولى أمر الأحباس في بداية عهد الفاطميين، إلا أنه أصبح لها ديوان مفرد في العصر الفاطمي يشرف على
стр. 161
جباية ريع الأحباس سواء التي حبسها الأفراد، أو التي حبسها الخلفاء ويشرف أيضا على وضعها في محلها ووجوه صرفها حسبما ورد في شروطها (١).
ورغم حداثة منصب رئيس ديوان الأوقاف إلا أن متوليه ارتفع وتمتع بمركز كبير في الدولة حتى فاق منصب قاضي القضاة الفاطمي.
ويحدثنا التاريخ أن الأوقاف في العصر المملوكي في مصر ازدهرت وتنوعت وعمت كل شيء تقريباً وعظم ريعها مما جعلها مطمعاً للحكام وخاصة في وقت الأزمات، وساعد الحكام على الاستيلاء عليها وحلها ضعفاء النفوس من العلماء والقضاة حيث أفتوا الحكام بحل أوقاف السلاطين السابقين، وأحياناً كان الحكام ينفذون رغباتهم بدون الرجوع إلى الفقهاء والقضاة (٢).
ولكن التاريخ يسجل بماء الذهب مواقف مشهورة لبعض الفقهاء الذين تصدوا للحكام ومنعهم من التعدي على الأوقاف أمثال العز بن عبد السلام والنووي الذي وقف في وجه الظاهر بيبرس وخاطبه بقوله: " إن ذلك غاية الجهل والعناد، وأنه لا يحل عند أحد من علماء المسلمين، ومن في يده شيء فهو ملكه لا يحل لأحد الاعتراض عليه، ولا يكلف إثباته فاليد دليل الملك ظاهراً " (٣).
وما زال النووي يعظه حتى كف الظاهر عن رغبته في امتلاك أراضي مصر (٤).
стр. 162
وكذلك موقف العالم الشيخ تقي الدين محمد بن دقيق العيد مع السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الذي أراد أن يحصل من الشيخ فتوى بأخذ الأموال من الرعية للنفقة على العساكر، فرفض الشيخ ذلك وأفهمه أن ذلك لا يحل له.
وشهد القرن الثامن الهجري أنواعاً متنوعة من ظلم الحكام وتعديهم على الأوقاف وغصبها حتى ما كان منها على الحرمين الشريفين، ويتم ذلك الغصب عن طريق بعض القضاة (١).
стр. 163
الفصل الرابع: الوقف الذري
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف الذرية، وحكم الوقف عليها.
المبحث الثاني: أحوال الوقف الذري في الواقع المعاصر.
المبحث الثالث: المآخذ على الوقف الذري وعلاجها.
المبحث الرابع: أسباب هذه المآخذ، وعلاجها.
المبحث الخامس: المصالح المترتبة على الوقف الذري.
стр. 164
المبحث الأول: تعريف الذرية، وحكم الوقف عليها
وفيه مطالب:
المطلب الأول: المراد بالذرية في اللغة
الذرية: اسم جمع يطلق، ويراد به الواحد، ويراد به الجمع، وفيها ثلاث لغات:
١ - أفصحها: ضم الذال، وبها قرأ القرّاء السبعة في قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ (١).
٢ - والثانية: كسر الذال، ويروى عن زيد بن ثابت ﵁.
٣ - والثالثة: فتح الذال مع تخفيف الراء، وبها قرأ أبان بن عثمان.
وتجمع ذرية على: (ذريات)، وقد تجمع على: (الذراري) (٢).
وأصل الذرية من (ذرأ) الله تعالى الخلق، أي: أوجد أشخاصهم (٣).
والذر: النسل، أي نسل الرجل، وهم: أولاده الذكور والإناث.
стр. 165
والذرية: من الذر، وهم: الصغار، وقد أطلقت الذرية على الآباء أيضا مجازاً.
ويتضح مما تقدم أن الذرية في اللغة هم: نسل الرجل، الذين هم ولده الذكور والإناث وقد تطلق على الأصول.
المطلب الثاني: الذرية في الاصطلاح
هم نسل الإنسان الذين هم من صلبه، ذكورا كانوا أو إناثا، وما تناسل منهم يطلق عليهم كذلك، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ (١).
الوقف الأهلي أو الذُريّ: والمراد به ما كان نفعه خاصاً منحصراً على ذرية الواقف ومن بعدهم، على جهة بر لا تنقطع.
المطلب الثالث: حكم الوقف على الذرية
لقد سبق أن ذكرت الأدلة على مشروعية الوقف وفضله ولم أفرق بين الوقف الذري، والوقف الخيري، مما يدل على أن تلك الأدلة تبين حث الشارع وندبه إلى الإنفاق والتصدق على سبيل الوقف في وجوه البر
стр. 166
المختلفة، سواء كانت على جهات خاصة كالقرابة والذرية، أم على جهات عامة كالفقراء والمساكين، مما يدل على مشروعية الوقف بنوعيه: الذري والخيري، لكن المتأمل في كثير من الأدلة التي وردت عن وقوف الصحابة -رضوان الله عليهم-يجد أن قسما كبيرا منها كانت على الذرية، والقرابة، وكان غرضهم من ذلك التقرب إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته (١)، ولعلي أورد بعضا منها في هذا الموضع.
(٣٧) روى البيهقي: أخبرنا أبو سعيد يحيى بن محمد بن يحيى المهرجاني الخطيب، ثنا أبو بحر البربهاري، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي قال: " وتصدق أبو بكر الصديق ﵁ بداره بمكة على ولده، فهي إلى اليوم، وتصدق عمر بن الخطاب ﵁ بربعه عند المروة وبالثنية على ولده، فهي إلى اليوم، وتصدق علي بن أبي طالب ﵁ بأرضه بينبع، فهي إلى اليوم، وتصدق الزبير بن العوام ﵁ بداره بمكة في الحرامية، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، فذلك إلى اليوم، وتصدق سعد بن أبي وقاص ﵁ بداره بالمدينة وبداره بمصر على ولده، فذلك إلى اليوم وعثمان بن عفان ﵁ برومة، فهي إلى اليوم، وعمرو بن العاص ﵁ بالوهط من الطائف وداره بمكة على ولده، فذلك إلى اليوم، وحكيم بن حزام ﵁ بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك إلى اليوم" قال: وما لا يحضرني ذكره كثير، يجزئ منه أقل مما ذكرت " (٢).
стр. 167
(٣٨) قال الخصاف: حدثنا محمد بن عمر الواقدي، حدثنا محمد بن نجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقاص، عن عائشة بنت سعد قالت: " صدقة أبي حبس لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأن المردودة من ولده أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها ...... " (١).
(٣٩) وما رواه البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أحمد بن سهل، حدثنا إبراهيم بن معقل، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، حدثني مالك أن زيد بن ثابت ﵁ أنه حبس داره على ولده، وولد ولده، وعلى أعقابهم (٢).
стр. 168
فهذه الوقوف عن الجمع الكبير من صحابة رسول الله ﷺ تدل صراحة على مشروعية الوقف على الأولاد، وأن الواقف بهذا الوقف متى كان غرضه نبيلا وقصده كريما وهو تحقيق القربة والبر، فإن هذا الوقف يكون مشروعاً … (١).
стр. 169
المبحث الثاني: أحوال الوقف الذري في الواقع المعاصر (١)
لقد كان الوقف على الذرية قربة لله تعالى، يبتغي الواقف منه مرضاة الله تعالى، ثم الإحسان والبر بذريته، فكان الواقفون بعيدين عن مواطن الشبه والإثم، لم يدر بفكر أحدهم مخالفة أحكام الشرع، أو جعله حيلة لتحقيق أغراضه، ومضوا على ذلك فترة من الزمن، إلا أن بعض الناس كان متخوفاً من أن يكون الوقف طريقاً لقطع المواريث، وقد ظهر ذلك جلياً في العهدين الأموي والعباسي، حيث اتسعت الوقوف ورغب الناس في الأحباس، ولم يعد الوقف قاصراً على جهة دون غيرها كالمساجد والمساكين، بل تعدى ذلك إلى الإيقاف على المدارس والملاجئ والمكتبات ونحو ذلك كما تقدم، ولكثرة الوقوف وانحراف بعض الواقفين في شروطها فقد افتقر الوقف الذري -الذي أصابه كثير من الانحراف- للمتابعة والاهتمام، فهذا عمر بن عبد العزيز ﵀، أراد أن يرد الأوقاف التي أخرج منها البنات (٢) ومات ولم يفعل ذلك.
وفي عهد الفاطميين كان الظاهر بيبرس -أحد سلاطين مصر- قد فكر في امتلاك الدولة للأراضي، بعد أن وضع عليها ضرائب كثيرة في مصر والشام بسبب حروبه مع التتار، فسلك في ذلك مسلكاً خفياً لا يدل في ظاهره على
стр. 170
فكرة الاستيلاء، فإنه أراد مطالبة ذوي العقارات بمستندات تشهد لهم بالملك وإلا انتزعها من أيديهم، فكان يصادر كل ما لم يملك صاحبه عليه مستنداً، وقد تصدى العلماء وفي مقدمتهم النووي ﵀ للظاهر بيبرس وأعلموه بأن ذلك غاية الجهل والفساد، وأنه لا يحل ذلك عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحل لأحد الاعتراض عليه، ولا يكلف بإثباته ببينة، ولا زال النووي ﵀ يشنّع على السلطان ويعظه إلى أن كفّ عن ذلك (١).
وفي القرن الثامن فكر السلطان برقوق أتابك -أحد سلاطين مصر في زمن العباسيين المتوفى سنة ٨٠١ هـ- في إبطال الأوقاف الأهلية، وعقد لذلك مجلساً من العلماء في عام ٧٨٠ هـ فيهم الشيخ سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني؛ لاستفتائهم في ذلك، فقال البلقيني: " ما وقف على العلماء والطلبة لا سبيل إلى نقضه؛ لأن لهم في الخمس أكثر من ذلك، وما وقف على خديجة وعائشة ينقض، ووافقه في ذلك الحاضرون " (٢).
وفي عهد محمد علي باشا اتسع نطاق الوقف الذري اتساعاً كبيراً، وأخذه كثير من الناس ذريعة لحرمان بعض الورثة وخاصة الزوجات والبنات، كما اتخذه بعضهم ذريعة للمماطلة بالدين في حياته وطريقاً للتخلص منه بعد وفاته، فوجه محمد علي باشا سؤالاً عام ١٢٦٢ هـ إلى مفتي الإسكندرية آنذاك الشيخ محمد بن محمود الجزايرلي يستفتيه في حكم صدور أمر أميري بمنع إيقاف الأماكن المملوكة لأهلها؛ سداً لذريعة ما غاب عن العامة من التوصل به لأغراض فاسدة، ومن حرمان بعض الورثة، والمماطلة بالديون في
стр. 171
الحياة وتعريضها للتلف بعد الممات، فأجابه الشيخ محمد الجزايرلي بجواب طويل عرض فيه لآراء الفقهاء في المذهب الحنفي في حكم الوقف، وأن منهم من قال بعدم صحة الوقف، إلى أن قال: " فإذا ورد أمر من ولي الأمر يمنع العامة من إيقاف أملاكهم وتحبيسها فيما يستقبل من الزمان سداً لذريعة أغراضهم الفاسدة -كما ذكر-، جاز ذلك؛ لأنه مما تقتضيه السياسة الشرعية " (١).
واعتماداً على هذه الفتوى أصدر محمد علي أمراً بمنع الأوقاف الأهلية منعاً باتاً (٢).
وكان ذلك ذريعة لمحمد علي لانتزاع الأوقاف الخيرية العامة، كالأوقاف على المساجد وجهات البر، ومصادرتها وجعلها كلها ملكاً للدولة، وقد أصدر مفتي مصر الشيخ محمد المهدي العباسي -الذي جاء عقب الشيخ الجزايرلي- فتوى منع فيها حل الوقف بنوعيه الخيري والذري، وهو بهذه الفتوى ينقض فتوى الجزايرلي التي منعت من الوقف الذري، وأفتى بلزوم الوقف على أولاد الناس وعيالهم وعتقائهم (٣).
وتطور الوضع في العصر الحاضر في كثير من البلدان العربية والإسلامية، حتى كان موضوع الوقف الذري مجال نقاش وجدل كبيرين بين مؤيد ومعترض، لكن الأصوات المنادية بإلغاء الوقف الذري قد علت حتى صدرت قوانين تقرر إلغاء الوقف الذري وتمنع منه في المستقبل، وحلت الأوقاف الذرية القائمة ووزعت على المستحقين، كما صدرت قوانين أخرى في بعض البلدان لتنظيم الوقف الذري ووضعت له ضوابط لا يخرج عنها.
وأول إلغاء للوقف الذري كان في تركيا سنة ١٩٢٦ م، ثم في سوريا في
стр. 172
سنة ١٩٤٩ م، ثم في مصر سنة ١٩٥٢ م، ثم في العراق سنة ١٩٥٤ م، ثم في تونس سنة ١٩٥٧ م (١).
أما في ليبيا ففي منتصف عام ١٩٧٢ م نظم الوقف الذري والوقف الخيري، واختص الوقف الذري بأحكام من أهمها: أنه إذا أوقف الوقف الذري فلا يكون على أكثر من طبقتين، ولا يدخل الواقف في حساب الطبقات (المادة الرابعة)، واعتبر الوقف الذري الذي ينشأ بعد هذا القانون باطلاً إذا كان على البنين دون البنات أو بالعكس (المادة العاشرة)، كما أجاز الوقف على النفس بشرط أن يؤول في النهاية إلى جهة بر (المادة السابعة)، إلى غير ذلك من الأحكام التي قررها ذلك القانون، لكنها لم تدم سوى ستة أشهر، بعدها صدر قانون في عام ١٩٧٣ م بإلغاء الوقف على غير الخيرات (أي بمنع الوقف الأهلي الذري) فحلت جميع الأوقاف الذرية في ليبيا وآلت إلى المستحقين وقت صدور القانون، وبالتالي لم يعد يسمح بإنشاء أوقاف من هذا النوع من الأوقاف (٢).
أما بعض البلدان العربية كلبنان والمغرب فاتجهت إلى تنظيم الوقف الذري بدلاً من إلغائه، ففي لبنان صدر قانون الوقف الذري في سنة ١٩٤٧ م، وأدخل في هذا القانون ضوابط على الوقف الذري من أهمها: عدم تأبيد الوقف الذري، ولا يجوز في أكثر من طبقتين (المادة الثامنة)، كما يجوز للواقف الرجوع في وقفه الذري كله أو بعضه، وله أن يغير مصارفه وشروطه (المادة السابعة)، وعد الوقف باطلاً إذا لم يصدر عن قاض شرعي ولم يسجل في السجل العقاري (المادة السادسة)، وترك للواقف حرية التصرف
стр. 173
في ثلث ماله بوقفه على ورثته وغيرهم أو على جهة بر (المادة السابعة والثلاثون)، وأخذ بجواز قسمة الوقف الذري قسمة لازمة متى طلبت ولم يكن فيه ضرر (المادة السابعة عشر)، وقرر انتهاء الوقف إذا تخرب ولم تمكن عمارته أو ضعفت أنصبة المستحقين فيه (المادتان الثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون)، كما قرر بعض الشروط في أرباب الاستحقاق التي تمنع الواقف من التعسف في حق الموقوف عليهم (المادة الثامنة والثلاثون)، وقرر تخصيص نسبة قدرها ١٥% عند انتهاء الوقف الذري وقسمتها قسمة لازمة لقاء جهة البر المشروطة في الوقف التي لولاها لما صحّ الوقف لتصرف في وجوه البر العامة (المادة السادسة والعشرون) (١).
وفي المغرب نظم الوقف (الحبس) بنوعيه الذري والمشترك، وذلك في عام ١٩٧٧ م، وأجاز القانون الحبس الذري على الأولاد جميعهم أو بعضهم، وأعطى القانون الحق للواقف في تحديد درجة المستحقين ومرجع الحبس (الفصل الأول)، كما أجاز القانون للمحبس التراجع في حبسه الذري، أما المشترك فيتراجع في الذري منه دون الخيري (الفصل الثاني)، وقرر القانون إمكانية تصفية الحبس المعقب أو المشترك بمبادرة من السلطة المكلفة بشؤون الأوقاف إذا تبين لها أن المصلحة العامة أو مصلحة المستحقين توجب ذلك (الفصل الثالث)، وقرر القانون تصفية نسبة الثلث من كل حبس معقب أو مشترك لإدارة الأوقاف العامة إلا في حالة ما إذا كان الحبس داراً لا يملكون غيرها أو أرضاً لا تتجاوز مساحتها عشرة هكتارات (الفصل الخامس)، وقرر القانون تقسيم الثلثين من الوقف المصفى على ذرية المحبس الباقين على قيد
стр. 174
الحياة سواء كانوا مستفيدين وحدهم أو مع غيرهم، ويكون التقسيم بحسب الفريضة الشرعية، وإذا انقرضوا فإن الثلثين يقسمان على المستحقين بحسب حصصهم في رسم الحبس (الفصل السادس) (١).
وفي المملكة العربية السعودية التي تطبق الشريعة الإسلامية في محاكمها الشرعية، فإن الدولة تأخذ بأحكام الوقف بجميع أنواعه الخيري والذري والمشترك، وقد وضعت لذلك ضوابط شرعية من أهمها عدم تسجيل وقفيات فيها نوع من الحرمان، كحرمان أولاد البطون أو حرمان الإناث ونحو ذلك مما يسمى بوقف الجنف والإثم؛ وذلك لما فيه من مصادمة الشريعة الإسلامية، وجرى في المحاكم الشرعية في المملكة العربية السعودية إبطال هذا النوع من الوقف، أما بقية أحكام الوقف الذري فإنها محترمة ومجازة في المحاكم الشرعية في بلاد الحرمين الشريفين رعاها الله وحرسها إلى يوم الدين (٢).
على النحو الذي أوضحته يتبين أن الوقف الذري في بعض البلدان قد أُبطِل ومُنِع منه، وفي بعضها قد نُظِّم وقُنِّن، وفي بعضها الآخر قد أُبقِي على حاله كما شرع -وذلك في بلاد الحرمين حرسها الله- مع ضبط إثباته بضوابط المشرع وعدم إثبات الأوقاف الذرية المشتملة على ظلم وجور وشطط وجنف وإثم، والسبب الذي جعل بعض البلدان تبطله وتمنع منه يعود إلى فشوّ ذلك النوع من الوقف، ونظرة الحكام إلى المآخذ الكثيرة التي نتجت عن الأوقاف الذرية في نظرهم، أما الذين قيّدوه ونظّموه فقد أرادوا بذلك معالجة بعض المآخذ عليه وتقنينه بحسب المصالح الاقتصادية والاجتماعية في بلدانهم.
стр. 175
والمتأمل في ذلك يجد أن الذي يجب تقديمه هو شرع الله، فبما أن الوقف الذري مشروع في الإسلام وأن فيه من الفوائد الشرعية والاقتصادية والاجتماعية الكثير والكثير، وإن وُجد فيه مآخذ فإنه يمكن عدم الوقوع فيها بالاستعانة بالله واتباع شرعه والبعد عن الهوى والنوايا السيئة والتصرفات الباطلة شرعاً التي قد تُلحق الظلم بالذرية أو الورثة ونحوهم.
فعندما يتعاون الواقفون مع القضاة في سبيل جعل أوقافهم متوافقة مع الأحكام الشرعية بعيدة عن الجور والحيف، ووجه الحكام والفقهاء والعلماء الراغبين في الإيقاف على الذرية إلى ما يجوز لهم في ذلك الوقف، وحذروهم مما لا يجوز لهم الوقوع فيه، فإن الأوقاف الذرية تؤتي ثمارها يانعة وتحقق الأهداف المرجوّة منها.
وإنني أدعو –مخلصاً- البلدان التي منعت الوقف الذري أو أبطلته أن تعيد النظر في ذلك وفق شرع الله، أما البلدان التي قيدته: فإن كان تقييدهم بقيود الشرع والمصالح الشرعية فلا ضير حينئذ، وإن كان التقييد للأهواء أو لمجاراة القوانين الوضعية، فإن عليهم أن يعيدوا النظر ويصححوا تلك القيود لتتوافق مع أحكام الشريعة الغراء الصالحة لكل زمان ومكان، وأن يسيروا على منهج بلاد الحرمين الشريفين -حفظها الله- في تطبيقها لشرع الله في جميع الأحكام في حياة الناس عامة وفي أحكام الأوقاف الذرية خاصة، وإنا لمنتظرون، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل (١).
وممن ذهب إلى إلغاء الوقف الأهلي لهم شبه نوجزها في المآخذ الآتية:
стр. 176
المبحث الثالث: المآخذ على الوقف الذري وعلاجها
وفيه مطالب:
المطلب الأول: المآخذ من قبل أصل الوقف، والواقفين
١ - أن الوقف بنوعيه ليس معروفاً في الإسلام بنص من كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ .
٢ - أنه ليس في الوقف الذري أثر لصدقة أو قربة.
وأجيب: برد هذه الشبهة عند البحث في مشروعية الوقف، وحكمه، وحكمته.
٣ - أن بعضا من الواقفين على الذرية يخالفون الفرائض الشرعية في المواريث بحرمان بعض ذوي الفروض من فروضهم، أو إيثار بعضهم على بعض.
٤ - أن انتشار الوقف الذري أدى إلى انقطاع أحكام المواريث والقضاء عليها، وعلى الوصايا في نظر بعض أهل العلم.
ويجاب: بأنه غير مسلم، والواقع شاهد، والنادر لا حكم له.
٥ - أن بعض الواقفين يجعل من الوقف الذري سبيلا إلى العقوق وقطيعة الرحم بين الذرية، بدلا من أن يكون سبيلا للصلة والقربى والبر والإحسان،
стр. 177
وذلك في انحرافه به عن أحكام الشرع وتحقيق أهوائه ورغباته فيه باشتراط شروط باطلة كحرمان البنات، أو الزوجات، أو تخصيص بعض الأولاد دون بعض.
ويجاب عن هذا: بأنها من قبل الموقفين أنفسهم لا من قبل الشرع، فلا تحتسب على الشرع، فتعالج بتعليم الموقفين وإرشادهم.
المطلب الثاني: المآخذ الاقتصادية
١ - أن الواقف في الوقف الذري يحبس العين الموقوفة عن التداول، حيث إنها لا تباع ولا توهب، ولا يسمح بنقل العين من يد إلى أخرى، وهذا يؤدي إلى تقييد الملكية، وضعف الحركة الاقتصادية.
٢ - أن الوقف الذري قد يؤدي إلى نشر البطالة بين المستحقين؛ لأن المستحقين في الوقف لا يرغبون في العمل، ولا يجتهدون في البحث عنه، اعتمادا على الحصص المالية التي تأتيهم من ريع الوقف، وقد يتوارث هذه الظاهرة الأبناء بعد الآباء، فتنتشر البطالة بين الأجيال المتعاقبة.
٣ - أن الوقف الذري في بعض أحيانه قد يؤدي إلى إضعاف قوة الإنتاج، فالمتأمل في أحوال الأوقاف يجد أن كثيرا من أراضي البور والأماكن الخربة هي من الأعيان الموقوفة.
٤ - أن الوقف الذري قد يؤدي الحال به مع تطاول الزمن وكثرة المستحقين فيه من البطون المختلفة إلى أن تكون أنصبة المستحقين فيه
стр. 178
متدنية لا تغني من جوع، ولا تدفع فقرا، ولا تأتي بالكفاف، ولا تسد حاجة الموقوف عليهم.
٥ - أن الوقف الذري قد يقع تحت تسلط بعض النظار ممن لا تقوى لهم ولا دين ولا خلق لهم، فيستأثرون بفائدته، ويعجز أصحاب الاستحقاق فيه عن مقاضاتهم نظرا لمكرهم ودهائهم وبغيهم وظلمهم الفادح.
ويجاب عن هذه المآخذ بجوابين:
الأول: عدم تسليمها، والحاصل من هذه المآخذ نادر لا حكم له.
الثاني: أن المصالح الاقتصادية المترتبة على الوقف الذري تربو على ما قد يؤخذ عليه من مآخذ اقتصادية، كما سيأتي، والمصلحة في الشريعة إذا غلبت وظهرت قدمت.
الثالث: أنه إذا تدنت أنصباء الموقوف عليهم، ومن ثم تعطل الوقف فإنه يباع ويستبدل بغيره، كما سيأتي بيانه في مبحث التصرف في الوقف.
المطلب الثالث: المآخذ الاجتماعية
١ - أن الوقف الذري مجال للشكايات ومنشأ للخصومات، ومبعث لتشتيت الأسر والعائلات، وعامل من عوامل تفتيت المجتمع، حيث التناحر مستمر بين المستحقين مع بعضهم البعض من جهة، وبين المستحقين والنظار من جهة أخرى، وهذا مدعاة لجلب العداوة، وإثارة البغضاء، والنزاعات بين الأقارب وأفراد الأسرة الواحدة، فيؤدي ذلك إلى انحراف الأوقاف عن أهدافها السامية ووظيفتها الأساسية، وهي البر والصلة والترابط إلى التناحر
стр. 179
والتقاطع والتدابر، ولهذا ذهب البعض أنه لا أثر للصدقة فيه، وأن ما فيه من إيجابيات لا تعادل ما فيه من سلبيات.
٢ - أنه عند تعطّل منافع هذا الوقف فإن المستحقين له يصابون بروح الاستكانة وذل المسألة، وذلك وبال وخسران على المجتمع بوجود هذه الطبقة البائسة فيه.
٣ - أنه عند تعطل منافع الوقف يؤدي إلى شيوع روح التذمر وعدم الاستقرار الاجتماعي؛ وذلك لأن الموقوف عليهم يحسون بألم كبير من جراء عدم تمكينهم من تحصيل حصصهم نظراً لتعطل منافع الوقف.
ويجاب عن هذه المآخذ: بما أجيب به عن المآخذ من قبل الواقفين، أو المآخذ الاقتصادية، ومعالجة أسبابها الآتية.
стр. 180
المبحث الرابع: أسباب هذه المآخذ، وعلاجها
فإن ما ذكر عن الوقف الذري إنما هو ناتج عن عدة أسباب من أبرزها ما يلي:
١ - كثرة الأخطاء التي يقع فيها الواقفون على الذرية أجملها فيما يلي:
عدم صياغة كتاب الوقف صياغة شرعية صحيحة، لا في شروطه، ولا في توزيع غلته، ولا في الموقوف عليهم، ولا في نظارته.
٢ - قلة العلم الشرعي بأحكام الأوقاف بنوعيها، وبالأخص الوقف الذري الذي سببه عدم بسط أحكامه وأيضاحها في وسائل الدعوة والإعلام وخطب الجمعة، والدروس، ونشرها بين الناس، وضعف سبل الدعوة لتصحيح أحكام الأوقاف في أزمنة سابقة.
٣ - وجود فئة من المعارضين للأوقاف الذري وتمكنهم من نشر أفكار دعواتهم التي كانت عائقا كبيرا أمام إصلاح الأوقاف من جهة، وأمام الواقفين الذين غلب على أحوالهم اعتماد أوقافهم في وثائق يخفونها فلا تظهر إلا بعد آماد طويلة، وأزمنة عديدة مما أدى إلى إخفاء أوقاف كثيرة من هذا النوع.
٤ - أن الوقف من الصدقات التي حث عليها الإسلام، ورغب فيها وكانت له مصالح -كما سبق- في حياة الأمة عامة، والأسرة المسلمة خاصة، لذا كان هذا الباب الفقهي العظيم عند وجود أي مشكلة فيه، وبالأخص في النوع الذري منه يتخذه أعداء الإسلام ذريعة للنيل من عظمة التشريع