← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الحال الثالثة: أن لا يذكر الواقف أي شرط يتعلق بالاستثمار: والذي يظهر في هذه الحالة أنه مع مراعاة ضوابط الاستثمار الآتية مما يتعلق بالمصلحة وأمن المخاطرة والحذر مما فيه غبن أو تهمة ونحوه، فإن الاستثمار مشروع ولو لم يشترط الواقف ذلك؛ لأن ما يحقق مصلحة الواقف ويعود بالنفع على الموقوف عليه أمرٌ مشروط اقتضاءً حال إقامة الوقف، حتى ولو بان أنه خلاف مراد الواقف في الظاهر؛ لأن العبرة بحقائق الأمور ومقاصدها ومآلاتها (١). قال العز بن عبد السلام: " يتصرف الولاة ونوابهم بما ذكرنا من التصرفات بما هو الأصلح للمولى عليه درءا للضرر والفساد، وجلبا للنفع والرشاد، ولا يقتصر أحدهم على الصلاح مع القدرة على الأصلح إلا أن يؤدي إلى مشقة شديدة، ولا يتخيرون في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم، مثل أن يبيعوا درهما بدرهم، أو مكيلة زبيب بمثلها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، وإن كان هذا في حقوق اليتامى فأولى أن يثبت في حقوق عامة المسلمين فيما يتصرف فيه الأئمة من الأموال العامة؛ لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكثر من اعتنائه بالمصالح الخاصة، وكل تصرف جر فسادا أو دفع صلاحا فهو منهي عنه كإضاعة المال بغير فائدة ". المسألة الرابعة: تكاليف التشغيل والصيانة لاستثمار الوقف. وقد تم بحث هذه المسألة في مبحث عمارة الوقف.

стр. 1157

وتنقسم إلى قسمين: القسم الأول: تكاليف ضرورية: وهي التي لو أخرت لأدت على خراب الوقف أو كان الضرر أعظم، قال ابن نجيم: " لو صرف المتولي على المستحقين وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها، فإنه يكون ضامناً " (١). القسم الثاني: تكاليف تحسينية غير ضرورية يتم تكميل الوقف بها، وهي ما كان تأخيرها لا يؤدي إلى خراب الوقف ولا إلى لحوق أضرار أعظم من بقائها على حالها. وتظهر أهمية الصيانة والتشغيل في القسم الأول والذي يؤدي تأخير الصيانة فيه إلى فساد الأوقاف وضياعها. وعمارة الأعيان الموقوفة أول واجب على الناظر، بل هي مقدمة على الصرف إلى المستحقين سواء نص الواقف عليه أم لم ينص. وكذا يشرع للناظر السعي لإتمام أعمال الصيانة والتشغيل في القسم الثاني؛ لما يحققه مثل ذلك من تنمية للممتلكات الوقفية وزيادة لقدرتها على القيام بدعم مصارفها المحددة لها. ولو قيل بأن أجرة التشغيل والصيانة تكون من عين الوقف عند تعذر حصولها من الريع فلا مانع من ذلك لكون تلك الصيانة عائدة إلى عين الوقف، حيث ذكر الفقهاء من صور البيع للوقف ما يكون استبدالاً جزئياً له لأجل صيانة بقيته، وذلك بأن يقع البيع على بعض الوقف لعمارة ما يحتاج إليه. المسألة الخامسة: أجور العاملين في استثمار الوقف. من الحقوق المتعلقة في استثمار الوقف أجور العاملين.

стр. 1158

وقد اتفق العلماء ﵏ على أن للواقف تقدير أجرة الناظر من الوقف (١)، وإن زادت عن أجرة المثل (٢). وقد سبق بحث هذه المسألة في قدر أجرة الناظر. المطلب الثاني: المضاربة بأموال الوقف، وغلاته المضاربة في اللغة: في المصباح: " ضَرَبْتُ في الأرض: سافرت، ..... : أسرعت، وضَرَبْتُ مع القوم بسهم: ساهمتهم، وضَرَبْتُ على يديه: حجرت عليه أو أفسدت عليه أمره، وضَرَبَ الله مثلاً: وصفه وبيَّنه، وضَرَبَ على آذانهم: بعث عليهم النوم فناموا ولم يستيقظوا، وضَرَبَ النوم على أذنه، وضَرَبْتُ عن الأمر وأَضْرَبْتُ بالألف أيضا أَعْرَضْتُ تركا أو إهمالاً، وضَرَبْتُ عليه خراجا إذا جعلته " (٣). وفي اصطلاح الفقهاء: دفع مال معين معلوم لمن يتجر فيه بجزء معلوم مشاع من ربحه (٤). فأهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو

стр. 1159

السفر فيها للتجارة قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١)، ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما في الربح بسهم. ويسميه أهل الحجاز القراض، فقيل: هو مشتق من القطع يقال قرض الفأر الثوب إذا قطعه، فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعة وسلمها إلى العامل، واقتطع له قطعة من الربح. وقيل: اشتقاقه من المساواة والموازنة، يقال: تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما بشعره، وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا (٢). المضاربة بأموال الوقف وغلاته لا تخلو من قسمين: القسم الأول: أن يكون الوقف على جهة خاصة، كالوقف على أولاده مثلا: إذا كان الوقف على جهة خاصة، فإن كان استثمارا لغلاة الوقف فهذا جائز بالاتفاق إذ إن الغلة ملك لهم، فالوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة أي إطلاق التصرف لهم بالمنفعة، وأما استثمار أصول الوقف، فحكمه حكم القسم الثاني. القسم الثاني: أن يكون الوقف على جهة عامة، كالوقف على أهل العلم. اختلف العلماء ﵏ في حكم هذا القسم على رأيين: الرأي الأول: مشروعية الاستثمار الوقفي ما دامت وفق الضوابط الشرعية الآتية، وبما يحقق مصلحة الوقف. وبه قال كثير من المعاصرين.

стр. 1160

الرأي الثاني: المنع من الاستثمار الوقفي في هذه الصور أو بعضها. وهو قول بعض المعاصرين (١). أدلة الأقوال: أدلة القول الأول: (٢٥٨) ١ - ما رواه البخاري من طريق قتادة، ومسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب وحميد عن أنس ﵁: " أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة «فرخص لهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها، وأبوالها»، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله ﷺ ، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة " (٢). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ لم يقسم إبل الصدقة على المستحقين حين وصولها، بل استبقاها لينتفع المحتاجون بنتاجها وألبانها وأوبارها، واستثمارها بما ينشأ عنها من تناسل ولبن يصرف للمستحقين، وهكذا كان هدي أصحابه ﷺ من بعده، وكذا أموال الوقف. ٣ - ما رواه الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال

стр. 1161

الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: «أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما»؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: «ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه؟ فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال " (١). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أقرهما على استثمار مال من أموال الله تعالى، والوقف من أموال الله تعالى، واعتراض الخليفة عمر ﵁ إنما هو على ما ميزهما به دون غيرهما (٢). ٣ - قياس استثمار أموال الوقف على ما يقع من المستحقين من استثمار لغلاته بعد دفعها إليهم (٣). ٤ - قياس استثمار أموال الوقف على استثمار أموال اليتامى من ولي اليتيم؛ لأنه نوع من حفظ ماله من التلف والاستهلاك، وهو مقيد بما يحقق

стр. 1162

الأصلح للمال المولى عليه؛ لقول الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). (٢٥٩) ولما رواه الترمذي من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ خطب الناس، فقال: " ألا من ولي يتيماً له مال، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة " (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بالاتجار في أموال اليتامى، فدل ذلك على مشروعية المضاربة في أموالهم. لكنه ضعيف لا يحتج به.

стр. 1163

(٢٦٠) ولما رواه عبد الله في مسائله من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن ابن المسيب، عن عمر ﵁ أنه قال: " ابتغوا في أموال اليتامى لا تستغرقها الصدقة " (١). (٢٦١) ولما رواه أبو عبيد من طريق حميد بن هلال، عن محجن أو ابن محجن أو أبي محجن -الشك من شعبة- أن عمر قال لعثمان بن أبي العاص: «كيف متجر أرضك؟ فإن عندنا مال يتيم قد كادت الزكاة تفنيه؟» قال: فدفعه إليه، فجاءه بربح، فقال له عمر: «اتجرت في عملنا؟ اردد علينا رأس مالنا» قال: فأخذ رأس ماله، ورد عليه الربح (٢). وجه الدلالة من هذين الأثرين: فعل عمر ﵁ وأمره بالعمل بأموال اليتامى في التجارة كيلا تأكلها الزكاة، فدل ذلك على مشروعية المضاربة في أموال اليتامى. (٢٦٢) ولما رواه عبد الرزاق من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن أبي رافع قال: " باع لنا على بن أبي طالب أرضا لنا بثمانين ألفا فأعطاناها، فإذا هي تنقص، فقال: كنت أزكيها " (٣).

стр. 1164

(٢٦٣) ولما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد قال: "كنا يتامى في حجر عائشة، فكانت تزكي أموالنا ثم دفعته مقارضة فبورك لنا فيه " (١). وإذا جاز استثمار أموال اليتامى وهي مملوكة لهم حقيقة جاز استثمار أموال الوقف قبل دفعها إلى المستحقين لتحقيق منافع لهم. ٦ - القياس على وقف الأرض المفتوحة عنوةً بقصد استثمارها وتأمين مورد ثابت للدولة الإسلاميّة، فقد رأى عمر عدم تقسيم أراضي العراق ومصر والشام بين الفاتحين، وتركها في أيدي أهلها من أهل الذمة يزرعونها بخراج معلوم. وإذا جاز للإمام وقفُ الأراضي المفتوحة عنوةً لمصلحة جميع المسلمين للحاجة، جاز له استثمار أموال الوقف في مشاريع إنتاجيّة ووقفها على المستحقين. ٧ - العمل بالاستحسان في هذه المسألة خلافاً للقياس، فالأصل عدم جواز تأخير صرف غلات الوقف لاستثمارها، إلاّ أنّ الحاجةَ ماسَّة إلى ذلك في هذا العصر نتيجةً لاختلاف البلاد وأنظمة العيش وأنماط الحياة، ولما يترتب على ذلك من مصلحة المستحقين المتمثلة في تأمين موارد ماليَّة ثابتة لسد حاجاتهم المتزايدة. ونوقش: بأنَّ الاستحسان لا بد أن يكون مبنيَّاً على دليل أو مسوِّغ شرعي.

стр. 1165

ويمكن أن يُجاب: بما سبق من الأدلة الشرعيّة على جواز استثمار أموال الوقف، فضلاً عن الحاجة إلى ذلك. ٨ - أن ولي الأمر له صلاحيات في تحقيق المقاصد الشرعيّة، ومن ذلك ما يتعلق بمراعاة حال المحتاجين في المجتمع، وولي الأمر يملك بمقتضى ولايته تطوير الموارد. ٩ - أن القول باستثمار الوقف يحقق مقصود الشارع، ومراد الواقف، ومصلحة الموقوف عليهم، ولا يوجد ما يمنع من الاستثمار، فالمنع إنما يتعلق بالرجوع عن الوقف لا تنميته كما تقرر في حكم استبدال الوقف. ولأنه داخل في باب المصالح المرسلة، وهذه الوسائل تعتبر من أعراف هذا الزمن، والعرف الصحيح غير المصادم للشرع يؤخذ به (١)؛ إذ مقصود الواقف الاستكثار من الأجر بزيادة النفع (٢). ١٠ - ما يسببه ترك الاستثمار من اضمحلال الأوقاف وهلاكها لا سيما مع القول بعدم استبدال الأوقاف، وبالمقابل فالاستثمار يحافظ على قيمة الموجودات وعلى رأس المال الأصلي، وهو هنا العين الموقوفة (٣)، فالمنع من ذلك سبب من أعظم أسباب ضعف الأوقاف وفسادها، لاسيما في هذه الأزمنة التي تنوعت فيه وسائل الاستثمار وتعددت طرق الانتفاع، وزادت الحاجة إلى وجود مؤسسات وقفية تخدم الأمة وترعى أفرادها. ١١ - أن الأخذ بمثل هذا الرأي في مشروعية صور الاستثمار في جملتها

стр. 1166

ما دامت متفقة مع الضوابط الشرعية والاقتصادية يعود على الاستثمارات الوقفية تنوعاً وكثرة دون أن تكون محصورة في صورة معينة، وزيادة ريع الوقف أمر يتطلع له الواقف والموقف عليه بشخصه أو وصفه، كما أن هذه الزيادة تراعي الحاجة على الوفاء بأغراض الوقف ووظيفته في المجتمع (١)، مع كون تحقيق العائد الملائم من عوامل استمرار العين الموقوفة (٢). ١٢ - ما يحققه الاستثمار الوقفي من مشاركة بناءه في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية (٣)، وما يحققه من وفرة المال ونمائه، وتشغيل القوى العاملة وتنمية المجتمع (٤). ١٣ - أن المحافظة على الوقف واجبة، ولا يتأتى المحافظة على الوقف فضلاً عن إنمائه إلا من خلال استثماره، وقد تقرر أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ١٤ - ما يحققه الاستثمار الأمثل للأوقاف من الثقة بالأوقاف وثمرتها، وفي ذلك حث ظاهر على الإنفاق في مثل هذه الوجوه الخيرية. أدلة أصحاب القول الثاني: استدل أصحاب القول الثاني بالمنع من استثمار أموال الوقف بأدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ

стр. 1167

قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الآية أفادت حصر مصارف الزكاة، والقول بالاستثمار يخالف ذلك، والوقفُ ملحقٌ بالزكاة. ونوقش: بأن الاستثمار لتنمية هذه الأموال، فلم يكن في ذلك مخالفة للنص. ٢ - حديث ابن عمر ﵄، وفيه قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: " إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها "، وفي لفظ للبخاري: " تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره " (٢). دل الحديث على منع التصرف بالوقف سواء كان ذلك بالبيع أو غيره؛ إذ مطلق التحبيس يقتضي ذلك المنع. ونوقش: بأن الممنوع هو التصرف الذي يعود على أصل الوقف بالإبطال، أما ما حقق النماء والزيادة فهو مقصود الشارع ومراد الواقف، وبه تتحقق مصلحة الموقوف عليه. ٣ - أن استثمار أموال الوقف يعرضها للخسارة؛ لأن الاستثمار والمتاجرة ينشأ عنهما الربح والخسارة. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن استثمار هذه الأموال لا بد أن يخضع لدراسات اقتصاديّة يتحقق أو يغلب الظن باحتمال الربح فيها دون الخسارة. الوجه الثاني: أن الخسارة المحتملة في استثمار الإمام أو نائبه محتملة أيضاً من قبَل المستحقين ومع ذلك لم يقل أحد بمنعهم من استثمار أموالهم.

стр. 1168

ورُدّ هذا: بأنّ المستحقين إذا استثمروا غلة الوقف، فإنّما يستثمرون مالاً قد ملكوه كسائر أموالهم، بخلاف ناظر الوقف (١). ٤ - أن القول باستثمار غلة الوقف يعني عدم تملك المستحقين لهذه الغلة، والوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة. وأجيب: بعدم التسليم؛ فالتمليك يتحقق جماعياً للمستحقين في المنشأة المستثمرة وريعها، وصورة ذلك ظاهرة من خلال ما يقع في الجمعيات والمؤسسات الخيرية. ٥ - أن غلة الوقف ملك لمستحقيها، وعند التصرف فيه ببيعٍ أو غيره لا بدّ من إذنهم كالزكاة. ونوقش: بأنّ الفقهاء أجازوا للإمام أو نائبه التصرف في مال الزكاة بالبيع وغيره للضرورةِ أو الحاجة، قال ابن قدامة: "وإذا أخذ الساعي الصّدقة واحتاج إلى بيعها لمصلحةٍ من كلفةٍ في نقلها أو مرضها أو نحوهما فله ذلك" (٢)، واستثمار أموال الزكاة مصلحة تُجيز للإمام أو نائبه التصرف فيها بالبيع وغيره (٣)، فكذا غلة الوقف. ٦ - أن استثمار أموال الوقف يؤدي إلى إنفاق أكثرها في الأعمال الإداريّة، وهذا يضر بالمستحقين. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن المستثمرين لأموال الوقف ملحقون بالعاملين على الزكاة، والعاملون على الزكاة يعطون منها.

стр. 1169

الوجه الثاني: أنه يمكن لولي الأمر أن يُغطي هذه النفقات من بيت المال. ٧ - أنّ هناك فرقاً بين ولاية الإمام وولاية المؤسسات الخيرية على الأموال، سواءً أنشأها الإمامُ أم أنشأها الأفرادُ وأذن لها الإمامُ بالعمل وتلقّي الأموال من الناس وصرفها للمستحقين. فالإمام وكيل عن الفقراء في قبضها من الأغنياء، ووكيل عن الأغنياء في صرفها لمستحقيها أما المؤسسات الخيرية فلم تُعط هذا الحق، فهي لا تستطيع ضمان استيفاء حق الفقراء من هذه الأموال، فإذا كان ذلك فمن باب أولى أن تكون عاجزةً عن ضمانها عند تلفها وضياعها بسبب الخسارة الناشئة عن استثمارها، وهذا يُضعف جانب وكالتها (١). ونوقش: أن الهيئات والمؤسسات الخيرية إذا أنشأها الإمام لجمع هذه الأموال وصرفها للمستحقين، فإنها تكون بمثابة النائب عن الإمام في ذلك، فولايتها كولاية الإمام، أما الهيئات الخيرية غير المخوَّلة في تلقي هذه الأموال من الناس وصرفها، فهي لا تنوب عن الإمام، وإنما هي وكيلٌ عنه فقط. ٨ - وقد يعلل بأن في المنع منه إيصاداً للباب الذي يولج منه إلى الاعتداء على الأوقاف بحجة تنميتها واستثمارها. ونوقش: بأن إغلاق الاستثمار مطلقاً يؤدي إلى الحالة نفسها من فساد الأوقاف وذهابها، فكان القسط أن يصار إلى الاستثمار المحقق للمصلحة (٢).

стр. 1170

٩ - أن مقتضى مراد الشارع هو الدوام والاستمرار، والقول بالاستثمار يخالف ذلك. ونوقش: بأن مقصود الشارع يتحقق بالاستثمار الأمثل للوقف؛ إذ به يحصل الدوام وتتحقق مصلحة الوقف. الترجيح: يترجح -والله أعلم- مشروعية استثمار أموال الوقف بالضوابط الآتية، وبها يجاب عن كثير من أدلة المانعين ويحتاط بها للوقف، وتظهر مصلحة الوقف والموقوف عليه. ضوابط استثمار الوقف: لاستثمار الوقف ضوابط شرعية لا بد من مراعاتها: ١ - أن يكون استثمار الوقف مشروعاً، وذلك بأن لا يحتوي على أمر محرم كالربا أو غيره من المعاملات المحرمة، وأدلة هذا ظاهرة (١). ٢ - أن يكون مما يحقق المصلحة الراجحة، أو يغلب على الظن تحقيقه لها (٢). ٣ - أن تكون صيغ استثمار الوقف مأمونة المخاطر لا تذهب بأصول الوقف وأمواله (٣). ٤ - أن لا يكون البيع والشراء بغبن فاحش (٤). ٥ - السعي إلى تحقيق أعلى مستوى من الأرباح، والموازنة بين المخاطر

стр. 1171

والأرباح، وأن تسبق المشاريع الوقفية الكبيرة دراسات مستوفية من متخصصين تتعلق بالجدوى الاقتصادية للاستثمار، ويتبعها تقويم دوري لكل صيغة استثمارية (١). ٦ - أن تستثمر الأموال الوقفية في موجودات قابلة للتنضيض (٢) بشكل سريع إذا اقتضت حاجة الموقوف عليهم بصرفها لهم (٣). ٧ - أن يكون الاستثمار صادراً ممن له ولاية النظر كالحاكم ونوابه والناظر، لكن بعد إذن الحاكم ما لم يكن ضرورة كالاستثمار بالعمارة لعين الوقف الذي هو ضرورة لبقائها (٤). ٨ - مراعاة شرط الواقف وتحقيقه إلا عند وجود المصلحة الشرعية، كما حرر في مبحث شرط الواقف (٥). ٩ - أن لا توجد وجوه صرف عاجلة للأوقاف لسد احتياجات الموقوف عليهم (٦).

стр. 1172

١٠ - عمارة الوقف مقدمة على الصرف إلى المستحقين؛ لأنها سبيل لحفظه (١). المطلب الثالث: استثمار الوقف في صناديق الاستثمار وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بصندوق الاستثمار. صندوق الاستثمار: "وعاء مالي تكونه مؤسسة مالية متخصصة ذات دراية وخبرة في مجال الاستثمارات كالمصارف أو شركات الاستثمار، وذلك بقصد تجميع مدخرات الأفراد، ومن ثم توجيهها للاستثمار في مجالات مختلفة تحقق للمستثمرين فيها عائداً مجزياً، وضمن مستويات معقولة من المخاطرة عن طريق الاستفادة من مزايا التنويع ". وقيل: بأنه: "برنامج استثمار مشترك ينشئه المصرف المحلي بموافقة من مؤسسة النقد العربي السعودي يهدف إلى إتاحة الفرصة للمستثمرين فيه بالمشاركة جماعياً في نتائج أعمال البرنامج، وتتم إدارته من البنك مقابل أتعاب محددة ". ومما سبق يظهر جلياً أن أهم ما يميز الصناديق الاستثمارية هي الاستثمار بشكل جماعي، وفي وعاء واحد مع التنويع في أدوات الاستثمار.

стр. 1173

وصندوق الاستثمار الوقفي هو: "وعاء يتم فيه تجميع الصدقات الوقفية النقدية مهما كانت قليلة من مساهمين متعددين تشرف عليه إدارة متخصصة تقوم بوظيفة ناظر الوقف ليتم استثمار هذه الأموال والصرف من ريعها على الجهات التي حددها الواقفون " (١). المسألة الثانية: صور استثمار الوقف في صناديق الاستثمار. الصورة الأولى: استثمار الوقف في صناديق الاستثمار عن طريق إنشاء هذه الصناديق ابتداء لغرض محدد، فالوعاء والأغراض والمصارف واحدة، وقد يكون الواقف واحداً أو متعدداً. الصورة الثانية: استثمار الوقف في هذه الصناديق عن طريق إنشائها كوعاء تجمع فيه الأوقاف لتستثمر، وليصرف ريع كل واقف فيما حدد له من مصارف، فهو في هذه الصورة وعاء استثماري واحد، وواقفون متعددون، وأغراض وقفية متعددة كذلك. فهو صورة من صور توحيد الأوقاف، وقد أفردت هذا الموضوع في مبحث مستقل سبق. الصورة الثالثة: أن يتم استثمار الوقف في صناديق الاستثمار عن طريق مشاركة الوقف بفاضل ريعه أو ما خصص منه للاستثمار في هذه الصناديق (٢). فهو صورة من صور المضاربة في أموال الوقف، وقد سبق بيانه. المسألة الثالثة: حكم استثمار الوقف في صناديق الاستثمار. يجوز استثمار الوقف عن طريق الصناديق الاستثمارية الوقفية؛ لما

стр. 1174

تتضمنه من مصالح ظاهرة للوقف والموقوف عليهم، وذلك عبر شخصية اعتبارية ذات ذمة مالية مستقلة للصندوق الوقفي، وإمكان المساهمة الجماعية في إنشائها، ولما ذكرته من الأدلة على مشروعية تثمير أموال الوقف. وقد جاء في قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الثالث " قضايا مستجدة وتأصيل شرعي: إن الوقف الجماعي من صور التعاون على البر والتقوى، والصناديق الوقفية من صوره " (١). المطلب الرابع: استثمار الوقف في الاستصناع وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الاستصناع في اللغة والاصطلاح: الاستصناع استفعال من صنع، فالألف والسين للطلب، يقال: استغفار لطلب المغفرة، والصنع: بالضم مصدر قولك صنع إليه معروفاً وصنع به صنيعاً قبيحاً أي: فعل" (٢)، والصناعة -بكسر الصاد-: حرفة الصانع، واصطنعه: اتخذه، قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾ (٣).

стр. 1175

قال ابن منظور: " ويقال: اصطنع فلان خاتما إذا سأل رجلا أن يصنع له خاتما " (١). واستصنع الشيء: دعا إلى صنعه، فالاستصناع لغة: طلب الفعل (٢). وفي الاصطلاح: اختلفت عبارات العلماء في تعريف الاستصناع، ويرجع ذلك إلى اختلافهم في حقيقة الاستصناع وتكييفه. حيث أدخله الجمهور ضمن السلم، أما الأحناف فعدوه عقداً مستقلاً، لكنهم اختلفوا في تعريفه، ومرجع ذلك الاختلاف إلى إدخال بعض القيود أو إخراجها، ومن تلك التعريفات: قال الكاساني: " هو عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل " (٣). وقال ابن الهمام: " الاستصناع طلب الصنعة، وهو أن يقول لصانع خف أو مكعب أو أواني الصفر اصنع لي خفا طوله كذا وسعته كذا أو دستا أي برمة تسع كذا وزنها كذا على هيئة كذا بكذا، ويعطى الثمن المسمى أولا يعطي شيئا فيعقد الآخر معه " (٤). وقال السمرقندي: "هو عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع" (٥). وفي مجلة الأحكام العدلية: "مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً" (٦).

стр. 1176

ويمكننا أن نقول: إن الاستصناع هو: " عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل على وجه مخصوص بثمن معلوم " (١). ودليله: (٢٦٤) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ : اصطنع خاتما من ذهب، وجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه، فاصطنع الناس خواتيم من ذهب، فرقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «إني كنت اصطنعته، وإني لا ألبسه» فنبذه، فنبذ الناس، قالت جويرية: ولا أحسبه إلا قال: في يده اليمنى " (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استصنع خاتماً من ذهب، ففيه مشروعية الاستصناع، وأما إلقاؤه له فلأنه كان من الذهب وقد حُرّم على الرجال التزين به، بدليل أنه اتخذ بعد ذلك خاتماً من فضة. (٢٦٥) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم سهل قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة -امرأة قد سماها سهل-: " مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله فأمر بها فوضعت ها هنا … " (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ طلب من المرأة أن تأمر غلامها بصنع المنبر، فدل على مشروعيته.

стр. 1177

ونوقش: باحتمال أن يكون صناعته على سبيل التبرع لا على سبيل التعاقد. ٣ - أن التعامل من غير نكير على مر العصور في المباني والأحذية والأثاث ونحوها، وهو يتضمن إجماعاً عملياً. ونوقش: بعدم التسليم للإجماع، بدليل مخالفة جمهور العلماء للقول بمشروعية الاستصناع. ٤ - أن حاجة الناس إلى الاستصناع كبيرة، وفي الشرع مراعاة لحاجات الناس بل هو من مقاصده؛ لما في ذلك من التيسير عليهم والرفق بهم، كما في التيمم والمسح على الخفين وعقد السلم وغير ذلك، فجاز الاستصناع استحساناً. ونوقش: بأن الحاجة تندفع بما أباحه الله من العقود، كالسلم. وأجيب: بأن الحاجة إلى الاستصناع كبيرة، وقد سبق بيان شيء من ذلك، وفي ترك ضرر بالمسلمين، فليس كل ما يباع جاهزاً مناسب، بل ليس كل ما يحتاجه المرء يجده جاهزاً، خاصة وأن الباعة لا يصنعون ما يقل شراؤه؛ لما في ذلك من الخسارة بكساد البضاعة وعدم وجود مشترٍ لها، فيحتاج الناس إلى من يصنع ما يحتاجونه حال طلبهم وبالصفة التي يريدونها، وهذا هو الاستصناع، أما السلم فلا يكفي للوفاء بحاجة المجتمع لكونه يشترط لصحته تعجيل الثمن ولا يصح فيه اشتراط الصانع. قال الكاساني: " فيه معنى عقدين جائزين وهو السلم والإجارة؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزا " (١).

стр. 1178

والمراد باستثمار الوقف في الاستصناع: أن يقوم الوقف باستثمار أصوله أو إيراداته بهذا العقد بطريقتين اثنتين هما: الطريقة الأولى: أن يقوم باستثمار أصوله بصفته مستصنعا، وهذه الصورة هي الأشهر في صور الاستثمار الوقفي بصيغة الاستصناع، وذلك بأن يكون الواقف طالباً للاستصناع، فيتم الاتفاق بين إدارة الوقف وجهة ممولة تقيم بناء على أرض الوقف على أن تشتريه إدارة الأوقاف، بناء على اتفاق مسبق بثمن مؤجل على أقساط سنوية أو شهرية، والغالب أن تكون أقل من الأجرة المتوقعة من تأجير المبنى، وهو على هذا من صيغ استثمار الوقف باعتبار الوقف طالباً للتمويل الذي يحقق الغبطة له (١). الطريقة الثانية: أن يقوم الوقف باستثمار إيراداته بصفته صانعاً يطلب الربح عن طريق عقد الاستصناع، فيكون الوقف هنا ممولاً باعتباره صانعاً، واختيار كون المؤسسة الوقفية مستصنعاً أو صانعاً يتم وفقاً لقدراتها وما يحقق مصالحها (٢). المسألة الثانية: حكم استثمار الوقف في الاستصناع. إن عقد الاستصناع من حيث أصله من العقود المشروعة، وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي أن التعاقد على إنشاء المباني بمثل هذه الصيغة استصناع مشروع، وقد جاء في قراره رقم ٦٧/ ٣/ ٧ بشأن عقد الاستصناع: " إن مجمع الفقه الإسلامي بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: عقد استصناع، وبعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله،

стр. 1179

ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظراً لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي قرر: ١ - إن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة- ملزم للطرفين إذا توفرت فيه الأركان والشروط. ٢ - يشترط في عقد الاستصناع ما يأتي: أ- بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة. ب- أن يحدد فيه الأجل. ٣ - يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة. ٤ - يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. وجوب الأخذ بما ورد في الضوابط المتعلقة باستثمار الوقف، ومما يؤكد عليه هنا ما يأتي: ١ - تحقق المصلحة الراجحة للوقف في عمارة ممتلكاته عن طريق الاستصناع، وذلك بأن لا يوجد فاضل ريع يمكن تمويل الوقف من خلاله لعمارة ذاته في الصورة الأولى التي يكون الوقف فيها مستصنعاً. ٢ - أن لا يكون في الإقدام على الصورة الثانية ما يلحق الضرر بالموقوف عليهم، أو حاجتهم العاجلة، ولذا فلا تمول الصورة الثانية إلا بفاضل ريع الوقف، أو ما خصص منه لذلك (١).

стр. 1180

المطلب الخامس: استثمار الوقف في المرابحة للآمر بالشراء بيع المرابحة: حقيقته بيع السلعة بثمنها المعلوم بين المتعاقدين بربح معلوم بينهما، ويسمى أيضا (بيع السلم الحال) (١). والمراد هنا: بيع المرابحة للآمر بالشراء، وله صور (٢): الصورة الأولى: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع عدم ذكر مسبق لمقدار الربح. وصورتها: أن يرغب العميل شراء سلعة بعينها فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه البضاعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل بربح، أو سأربحكم فيها. للعلماء قولان: القول الأول: الجواز، وهو قول أكثر المتأخرين؛ وذلك لأنه ليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد أو بالتعويض عن الضرر لو هلكت السلعة فلا ضمان على العميل، فالبنك يخاطر بشراء السلعة لنفسه وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح، فلو عدل أحدهما عن رغبته، فلا إلزام ولا يترتب عليه أي أثر فهذه الدرجة من المخاطر هي التي جعلتها في حيز الجواز.

стр. 1181

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (٢، ٣) بشأن الوفاء بالوعد والمرابحة للآمر بالشراء: "إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوعي الوفاء بالوعد والمرابحة للآمر بالشراء واستماعه للمناقشات التي دارت حولهما قرر: أولاً: أن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعاً هو بيع جائز، طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعه الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه ". القول الثاني: عدم الجواز، وهو قول شيخنا ابن عثيمين. وحجته: أنه حيلة على الربا. الصورة الثانية: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع ذكر مقدار ما سيبذله من ربح. وصورتها: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها، فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال: ألف ريال مثلا. فكلام ابن رشد أنها من العينة المحظورة؛ لأنه رجل ازداد في سلفه (١). الصورة الثالثة: وتنبني على المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين مع ذكر مقدار الربح. وصورتها: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها المنضبطة عينها بالوصف، فيذهب إلى المصرف ويتفقان على أن يقوم المصرف ملتزما بشراء البضاعة من عقار أو آلات أو نحو ذلك، ويلتزم العميل بشرائها من

стр. 1182

المصرف بعد ذلك، ويلتزم المصرف ببيعها للعميل بثمن اتفقا عليه مقدارا وأجلا وربحا. فهذه حكمها البطلان والتحريم فهي أخية القرض بفائدة؛ وذلك للأدلة الآتية: ١ - أن حقيقتها عقد بيع على سلعة مقدرة التملك للمصرف مربح قبل أن يملك المصرف السلعة ملكا حقيقيا وتستقر في ملكه. ٢ - عموم الأحاديث النبوية التي نصت على النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده. وبيع المرابحة للآمر بالشراء هو واحد من تلك الصيغ التي يمكن استثمار الوقف النقدي عن طريقها، وللحكم على استثمار الوقف بالمرابحة للآمر بالشراء لا بد من التقديم هنا ببيان معناها لدى الفقهاء. واستثمار الأوقاف في المرابحة للآمر بالشراء يراد به هنا أن يكون الوقف بإيراده هو من يقوم بعملية شراء السلع ثم بيعها وفقاً لعقد المرابحة ليفيد من هذه الزيادة المتفق عليه، فيكون هو الممول سواء لجهات حكومية أو خيرية أو تجارية.

стр. 1183

المطلب السادس: استثمار الوقف بالبيع بالتقسيط بيع التقسيط هو: عقد على مبيع حال بثمن مؤجل يؤدى مفرقاً على أجزاء معلومة في أوقات معلومة (١). وذلك بأن تشتري السلعة بالنقد الموقوف ثم تباع بأكثر من الثمن الحال على أقساط منجمة. وقد جاء في قرار مجمع الفقه رقم (٥٣/ ٢/ ٦) بشأن البيع بالتقسيط: " إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: البيع بالتقسيط، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله قرر: ١ - تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد فهو غير جائز شرعاً. ٢ - لا يجوز شرعاً في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال بحيث ترتبط بالأجل سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطها بالفائدة السائدة (٢).

стр. 1184

المطلب السابع: استثمار الوقف بالسلم من صور استثمار الوقف النقدي تثميره بالبيع بالسلم. وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف السلم لغة واصطلاحاً: السَّلَم في لغة العرب: الإعطاء والتَّسْلِيف (١) يُقال: أَسْلَم الثَّوب للخَيَّاط؛ أَيْ أَعْطَاهُ إياه. قال المُطَرِّزِيُّ: " أسلم في الْبُرِّ؛ أي أسلف، من السَّلَم، وأصله: أسْلَم الثمن فيه، فَحُذف" (٢). وفي الاصطلاح: بيع موصوف في الذِّمَّة ببدل يعطى عاجلاً. المسألة الثانية: مشروعية السلم. وثبتت مشروعيَّة عقد السَّلَم بالكتاب، والسُّنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣).

стр. 1185

(٢٦٦) قال ابن عباس ﵄: " أشهد أنَّ السَّلف المضمون إلى أجل مُسَمًّى قد أحلَّه الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية " (١). ووجه الدلالة في الآية الكريمة: أَنَّها أباحت الدَّين، والسَّلَم نوع من الدُّيُون. وأما السُّنَّة: (٢٦٧) روى البخاري ومسلم من طريق أبي المنهال، عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (٢). فدل الحديث على إباحة السَّلَم وعلى الشُّرُوط المعتبرة فيه. (٢٦٨) وروى البخاري من طريق محمد بن أبي مجالد، قال: أرسلني أبو بردة، وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: «كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشأم، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزبيب، إلى أجل مسمى» قال: قلت: أكان لهم زرع أو لم يكن لهم زرع؟ قالا: «ما كنا نسألهم عن ذلك» (٣).

стр. 1186

وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ السَّلَم جائز (١). المسألة الثالثة: حِكْمَة مشروعيَّة السَّلَم: إن عقد السلم مما تدعو إليه الحاجة، ومن هنا كان في إباحته رفع للحرج عن الناس، فالمزارع مثلا قد لا يكون عنده المال الذي ينفقه في إصلاح أرضه وتعهد زرعه إلى أن يدرك، ولا يجد من يقرضه ما يحتاج إليه من المال، ولذلك فهو في حاجة إلى نوع من المعاملة يتمكن بها من الحصول على ما يحتاج إليه من المال، وإلا فاتت عليه مصلحة استثمار أرضه، وكان في حرج ومشقة وعنت، فمن أجل ذلك أبيح السلم. وقد أشار إلى هذه الحكمة ابن قدامة في المغني حيث قال: " ولأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص (٢). وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: " وأما السلم فمن ظن أنه على خلاف القياس توهم دخوله تحت قول النبي ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» فإنه بيع معدوم، والقياس يمنع منه، والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيع مضمون في الذمة، موصوف مقدور على تسليمه غالبا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدم أنه على وفق القياس، وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرر، من أفسد القياس صورة ومعنى، وقد فطر الله العقلاء على

стр. 1187

الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له، وبين السلم إليه في مُغَلّ مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمُذَكّى، والربا والبيع " (١). المسألة الرابعة: استثمار الوقف بالسلم. جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم ٨٩/ ٢/ د ٩ بشأن السلم وتطبيقاتها المعاصرة ما نصه: " يعد السلم في عصرنا الحاضر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي، وفي نشاطات المصارف الإسلامية من حيث مرونتها واستجابتها لحاجات التمويل المختلفة، ولهذا تعددت مجالات تطبيق عقد السلم، ومنه ما يأتي: ١ - يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف الإسلامي مع المزارعين الذين يتوقع أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم التي يمكن أن يشتروها ويسلموها إذا أخفقوا في التسليم من محاصيلهم، فيقدم لهم بهذا التمويل نفعاً بالغاً ويدفع عنهم مشقة العجز المالي عن تحقيق إنتاجهم. ٢ - يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي، ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة، وذلك بشرائها سلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية. ٣ - يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين، والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات ومواد أولية كرأس مال سلم مقابل الحصول على بعض منتجاتهم وإعادة تسويقهم. وعلى هذا يمكن استثمار الوقف النقدي عن طريق إنشاء مراكز مالية،

стр. 1188

وبيوت استثمار تخدم مؤسسة الوقف لاستثمار أمواله الموقوفة بضوابط الاستثمار السابقة (١). المطلب الثامن: استثمار الوقف بالإجارة التمويلية المراد باستثمار الوقف في الإجارة التمويلية: أن تؤجر الأوقاف عقارها لمدة طويلة بأجرة سنوية محددة ليقيم المستأجر عليها بناء يعود ملكه بعد انتهاء مدة الإجارة للعقار الموقوف. ولاستثمار الوقف بالإجارة التمويلية صورتان هما: الصورة الأولى: أن تقوم إدارة الوقف بتأجير أرض الوقف مدة طويلة من الزمن بأجرة سنوية محددة على أن يقيم المستأجر بناء على أرض الوقف ليستفيد منه طيلة مدة الإجارة، وتكون أجرة الأرض المخصوصة للمستأجر كافية لتسديد قيمة البناء عند انتهاء مدة الإجارة. الصورة الثانية: إجارة المعدات لمشروع تقيمه إدارة الوقف على أرضها، وذلك عندما تجد إدارة الوقف نفسها محتاجة إلى آلات ومعدات لاستثمار أرض تمتلكها، فتلجأ إدارة الوقف إلى جهة ممولة تتولى شراء هذه المعدات وتأجيرها لها إجارة منتهية بالتمليك. الضوابط التي يجب التنبيه إليها والتأكيد عليها: ١ - أن يكون مثل هذا العقار محققاً الغبطة للوقف والعين الموقوفة.

стр. 1189

٢ - يجب إجراء الدراسة اللازمة فيما يتعلق بالبناء، ومدى إمكانية الانتفاع منه ومن قيمة الأجرة، وتفادي مخاطر التقادم. ٣ - أنه عندما يمكن للوقف إنشاء البناء من فائض ريعه لا يلجأ لهذه الصورة؛ إذ الأحظ هنا أن يعمر الوقف من فاضل ريعه (١). المطلب التاسع: المساقاة، والمزارعة، والمغارسة في مال الوقف تعريف المساقاة: "وهي أن يدفع إنسان شجره إلى آخر ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه بجزء معلوم له من الثمرة، وسميت مساقاة؛ لأنها مفاعلة من السقي؛ لأن أهل الحجاز أكثر حاجتهم إلى السقي لكونهما يسقون من الآبار، فسميت بذلك " (٢). وأما المزارعة فهي: "دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها والزرع بينهما" (٣). وعليه فالمساقاة والمزارعة في مال الوقف يعني دفع العين الموقوفة لمن يقوم على شجرها بالسقاية أو أرضها بالزراعة، وكل ما تحتاج إليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة المتحصلة (٤). وتظهر المصلحة في استثمار مال الوقف من خلال المساقاة والمزارعة؛

стр. 1190

إذ قد توجد الأرض ولا يمكن رعايتها واستثمارها إلا بالاتفاق مع جهة أخرى. وأما المغارسة: فهي: أن يسلم أحد الأطراف الأرض لآخر ليغرسها من عنده والشجر بينهما. ومنه يمكن لإدارة الأوقاف أن تتعاقد مع من يقوم بغرس الأشجار المثمرة على أرضي الأوقاف على أن لا يكون له الحق في اقتناء الأرض، وإنما استغلالها لمدة طويلة جداً: ١ - تكون الأرض من إدارة الأوقاف والغرس من المتخصص في ذلك، على أن يكون لكل من الأطراف ما يلي: ? إدارة الأوقاف تبقى لها ملكية الأرض الموقوفة، وتأخذ جزءاً من الأشجار المثمرة. ? يعطى للغارس جزء من الأشجار المثمرة وحق استغلال الأرض بعقد طويل الأجل يعطي له الأولوية في تجديده على أن يكون المقابل غرس أو رعاية الأشجار على أرض الوقف. ٢ - تكون الأرض والأشجار والعتاد من إدارة الأوقاف ويكون العمل بأجرة من المتخصص في الغرس على أن لا يكون له الحق في الثمر والأرض، وإنما يكتفي بالأجرة فقط. ٣ - تكون الأرض من الأوقاف، والعتاد من مؤسسة متخصصة، والأشجار من الدولة، والعمل من المتخصصين في الغرس ليكون الناتج موزعاً بين الأطراف المتشاركة في الأشجار لتبقى الأرض دائما مملكة

стр. 1191

لإدارة الأوقاف، بينما تقسم الأشجار الممنوحة من الدولة بين المساهمين بالعتاد والعمل وإدارة الأوقاف ما دامت الأشجار قادرة على الإثمار (١). المطلب العاشر: استثمار الوقف بالمشاركة المتناقصة يراد بالمشاركة المتناقصة: ما يكون من مشاركة يعطي الممول فيها الحق لشريكه في الحلول محله في ملكية المشروع، إما دفعة واحدة أو على دفعات، وفقاً للشروط المتفق عليها (٢). وهي مشاركة متناقصة بالنسبة لمن يخرج من المشاركة ببيع نصيبه حيث رضي بإنقاص ملكه في رأس المال تدريجياً حتى يتنازل عن ملكيته للمشروع مطلقاً. كما تسمى كذلك بالمشاركة المنتهية بالتمليك. والفرق بين هذا العقد والإجارة المنتهية بالتمليك: أن من منع الإجارة المنتهية بالتمليك لاحظ وجود الغبن والغرر، والمشاركة المتناقصة لا تتضمن ذلك؛ إذ إن المستأجر عندما يتخلف في عقد الإيجار المنتهي بالتمليك يخسر السلعة ولو في آخر قسط، أما في المشاركة المتناقصة فإن ملكية الشريك باقية

стр. 1192

في الجزء الذي لم يُشتر بعد، وتزداد حصته في المشروع كلما دفع للممول قيمة حصته التي تنازل عنها (١). حكم المشاركة المتناقصة: لقد جوز العمل بهذه الصورة من صور المشاركة من حيث الأصل في كثير من المجامع العلمية والمؤتمرات، والندوات المتخصصة، وكذا لدى دور الفتوى وهيئات المصارف الإسلامية؛ قياسا على شركة المضاربة من أحكام (٢). إلا أن هذا العقد المستحدث كما سبق يفارق عقد الشركة لدى الفقهاء في شيء من شروطه، حيث إن الشراكة في هذا العقد غير مستدامة، وهو عقد مركب من عقدين هما: الشركة، والبيع، ومما ينبه إليه من الشروط لمشروعية هذا العقد: ١ - لا بد من وجود الإرادة الفعلية للمشاركة، وأن يتحمل جميع الأطراف الربح والخسارة أثناء مدة المشاركة. ٢ - أن لا يتضمن العقد شرطاً يقضي برد الشريك إلى الممول كامل حصته في رأس المال بالإضافة إلى ما يخصه من الأرباح؛ لما في ذلك من شبهة الربا (٣). حكم استثمار الوقف بالمشاركة المتناقصة: الصورة الأولى: أن يكون الوقف مشاعاً يملكه الوقف مع شريك آخر، فيتم شراء نصيب الشريك ليكون العقار أو المشروع مملوكاً بالكامل للوقف.

стр. 1193

الصورة الثانية: سماح الوقف لغيره بالتمويل له بصفته مشاركاً مع شرط شراء الوقف من شريكه نصيبه من هذا المشاركة لتعود ملكية المشروع بالكامل للوقف. الصورة الثالثة: الاستثمار بالفاضل من ريع الوقف أو ما خصص لذلك منه عن طريق المشاركة المتناقصة ليخرج بالربح الآمن من خلالها بوصفه ممولاً مع الاتفاق على نسبة ما يستحقه من الربح. الصورة الرابعة: استبدال الوقف، وذلك من خلال إدخال شريك لإنشاء مشروع في أرض الوقف ليتم استبدال ملكية الوقف لهذا العقار بنقد منجم على مدد بقدر الربح المحدد على أن ينتهي في مدة محددة، فهو على هذا صورة من صور الاستبدال. المطلب الحادي عشر: استثمار الوقف في الأسهم الأسهم في اللغة: جمع سهم، والسهم يأتي بمعنى الحظ والنصيب. قال ابن فارس: "السين والهاء والميم أصلان أحدهما يدل على تغيير في لون، والآخر على حظ ونصيب وشيء من الأشياء " (١). وفي الاصطلاح: صكوك تمثل نصيباً مشاعاً في رأس مال الشركة قابلة للتداول، تعطي مالكها حقوقاً خاصة (٢).

стр. 1194

ويعرف السهم بالقانون التجاري: بأنه صك يمثل حصة شائعة في رأس مال شركة المساهمة. وللأسهم عدد من الخصائص من أبرزها: ١ - أنها متساوية القيمة. ٢ - أنها قابلة للتداول وفق القيود المنظمة لذلك. ٣ - عدم قابلية السهم للتجزئة في مواجهة الشركة، فإذا تملك السهم أشخاص متعددون، وجب عليهم أن يختاروا أحدهم لينوب عنهم في استعمال الحقوق المختصة بالسهم في مواجهة الشركة. ٤ - المسؤولية المحدودة للمساهم، فلا تتجاوز مسؤوليته قيمة ما يملكه من قيمة الشركة (١). التكييف الشرعي للأسهم: اختلف المعاصرون في حقيقة السهم وأثره في ملكية المساهم لموجودات الشركة على أقوال: القول الأول: أن السهم حصة شائعة في موجودات الشركة، ومالك السهم يعد مالكا ملكية مباشرة لتلك الموجودات. وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي. وحجته: القياس على شركة العنان، فالشريك يملك حصته من موجودات شركة العنان. القول الثاني: أن السهم ورقة مالية لا تمثل موجودات الشركة، ومالك السهم لا يملك تلك الموجودات.

стр. 1195

وحجته: اعتبار النظرة القانونية التي تميز بين ملكية الأسهم، وملكية موجودات الشركة. القول الثالث: أن السهم ورقة مالية يمثل حصة شائعة في الشخصية الاعتبارية للشركة، وهذه الشخصية لها ذمة مالية مستقلة عن ملاكها، فهي قابلة للإلزام، والالتزام وإجراء العقود، ولا يتعداها المساهمون، وعليه فمالك السهم يملك موجوداتها الحسية والمعنوية على سبيل التبعية، وهذه الملكية ناقصة، فلا يملك التصرف بشيء منها، ولو زادت قيمة هذه الموجودات عن قيمة أسهمه، فليس له حق المطالبة بها، كما أنه لا يتحمل في ماله الخاص الديون أو الأضرار التي قد تقع بسببها على الآخرين؛ لأنه لا يملك هذه الموجودات ملكا مباشرا، وليست يد الشركة عليها بالوكالة عنه (١). المراد باستثمار الوقف في الأسهم: المراد بالاستثمار الوقفي فيها: قيام الوقف بالمساهمة في إنشاء شركات جديدة، أو شراء أسهم شركات قائمة، أو من خلال المضاربة بالأسهم عن طريق البيع والشراء (٢). حكم استثمار الوقف في الأسهم: اختلف المعاصرون في التوصيف الفقهي لوقف الأسهم أو التملك الوقفي فيها؛ إذ إن القول في مشروعيتها عندهم مبني على ذلك، ويمكن حصر آرائهم في تخريج هذه الصورة المعاصرة فيما يأتي: الرأي الأول: تخريج هذه المسألة على ما ذكره المتقدمون من وقف المشاع (٣).
следующие страницы →