← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

لإدارة الأوقاف، بينما تقسم الأشجار الممنوحة من الدولة بين المساهمين بالعتاد والعمل وإدارة الأوقاف ما دامت الأشجار قادرة على الإثمار (١). المطلب العاشر: استثمار الوقف بالمشاركة المتناقصة يراد بالمشاركة المتناقصة: ما يكون من مشاركة يعطي الممول فيها الحق لشريكه في الحلول محله في ملكية المشروع، إما دفعة واحدة أو على دفعات، وفقاً للشروط المتفق عليها (٢). وهي مشاركة متناقصة بالنسبة لمن يخرج من المشاركة ببيع نصيبه حيث رضي بإنقاص ملكه في رأس المال تدريجياً حتى يتنازل عن ملكيته للمشروع مطلقاً. كما تسمى كذلك بالمشاركة المنتهية بالتمليك. والفرق بين هذا العقد والإجارة المنتهية بالتمليك: أن من منع الإجارة المنتهية بالتمليك لاحظ وجود الغبن والغرر، والمشاركة المتناقصة لا تتضمن ذلك؛ إذ إن المستأجر عندما يتخلف في عقد الإيجار المنتهي بالتمليك يخسر السلعة ولو في آخر قسط، أما في المشاركة المتناقصة فإن ملكية الشريك باقية

стр. 1192

في الجزء الذي لم يُشتر بعد، وتزداد حصته في المشروع كلما دفع للممول قيمة حصته التي تنازل عنها (١). حكم المشاركة المتناقصة: لقد جوز العمل بهذه الصورة من صور المشاركة من حيث الأصل في كثير من المجامع العلمية والمؤتمرات، والندوات المتخصصة، وكذا لدى دور الفتوى وهيئات المصارف الإسلامية؛ قياسا على شركة المضاربة من أحكام (٢). إلا أن هذا العقد المستحدث كما سبق يفارق عقد الشركة لدى الفقهاء في شيء من شروطه، حيث إن الشراكة في هذا العقد غير مستدامة، وهو عقد مركب من عقدين هما: الشركة، والبيع، ومما ينبه إليه من الشروط لمشروعية هذا العقد: ١ - لا بد من وجود الإرادة الفعلية للمشاركة، وأن يتحمل جميع الأطراف الربح والخسارة أثناء مدة المشاركة. ٢ - أن لا يتضمن العقد شرطاً يقضي برد الشريك إلى الممول كامل حصته في رأس المال بالإضافة إلى ما يخصه من الأرباح؛ لما في ذلك من شبهة الربا (٣). حكم استثمار الوقف بالمشاركة المتناقصة: الصورة الأولى: أن يكون الوقف مشاعاً يملكه الوقف مع شريك آخر، فيتم شراء نصيب الشريك ليكون العقار أو المشروع مملوكاً بالكامل للوقف.

стр. 1193

الصورة الثانية: سماح الوقف لغيره بالتمويل له بصفته مشاركاً مع شرط شراء الوقف من شريكه نصيبه من هذا المشاركة لتعود ملكية المشروع بالكامل للوقف. الصورة الثالثة: الاستثمار بالفاضل من ريع الوقف أو ما خصص لذلك منه عن طريق المشاركة المتناقصة ليخرج بالربح الآمن من خلالها بوصفه ممولاً مع الاتفاق على نسبة ما يستحقه من الربح. الصورة الرابعة: استبدال الوقف، وذلك من خلال إدخال شريك لإنشاء مشروع في أرض الوقف ليتم استبدال ملكية الوقف لهذا العقار بنقد منجم على مدد بقدر الربح المحدد على أن ينتهي في مدة محددة، فهو على هذا صورة من صور الاستبدال. المطلب الحادي عشر: استثمار الوقف في الأسهم الأسهم في اللغة: جمع سهم، والسهم يأتي بمعنى الحظ والنصيب. قال ابن فارس: "السين والهاء والميم أصلان أحدهما يدل على تغيير في لون، والآخر على حظ ونصيب وشيء من الأشياء " (١). وفي الاصطلاح: صكوك تمثل نصيباً مشاعاً في رأس مال الشركة قابلة للتداول، تعطي مالكها حقوقاً خاصة (٢).

стр. 1194

ويعرف السهم بالقانون التجاري: بأنه صك يمثل حصة شائعة في رأس مال شركة المساهمة. وللأسهم عدد من الخصائص من أبرزها: ١ - أنها متساوية القيمة. ٢ - أنها قابلة للتداول وفق القيود المنظمة لذلك. ٣ - عدم قابلية السهم للتجزئة في مواجهة الشركة، فإذا تملك السهم أشخاص متعددون، وجب عليهم أن يختاروا أحدهم لينوب عنهم في استعمال الحقوق المختصة بالسهم في مواجهة الشركة. ٤ - المسؤولية المحدودة للمساهم، فلا تتجاوز مسؤوليته قيمة ما يملكه من قيمة الشركة (١). التكييف الشرعي للأسهم: اختلف المعاصرون في حقيقة السهم وأثره في ملكية المساهم لموجودات الشركة على أقوال: القول الأول: أن السهم حصة شائعة في موجودات الشركة، ومالك السهم يعد مالكا ملكية مباشرة لتلك الموجودات. وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي. وحجته: القياس على شركة العنان، فالشريك يملك حصته من موجودات شركة العنان. القول الثاني: أن السهم ورقة مالية لا تمثل موجودات الشركة، ومالك السهم لا يملك تلك الموجودات.

стр. 1195

وحجته: اعتبار النظرة القانونية التي تميز بين ملكية الأسهم، وملكية موجودات الشركة. القول الثالث: أن السهم ورقة مالية يمثل حصة شائعة في الشخصية الاعتبارية للشركة، وهذه الشخصية لها ذمة مالية مستقلة عن ملاكها، فهي قابلة للإلزام، والالتزام وإجراء العقود، ولا يتعداها المساهمون، وعليه فمالك السهم يملك موجوداتها الحسية والمعنوية على سبيل التبعية، وهذه الملكية ناقصة، فلا يملك التصرف بشيء منها، ولو زادت قيمة هذه الموجودات عن قيمة أسهمه، فليس له حق المطالبة بها، كما أنه لا يتحمل في ماله الخاص الديون أو الأضرار التي قد تقع بسببها على الآخرين؛ لأنه لا يملك هذه الموجودات ملكا مباشرا، وليست يد الشركة عليها بالوكالة عنه (١). المراد باستثمار الوقف في الأسهم: المراد بالاستثمار الوقفي فيها: قيام الوقف بالمساهمة في إنشاء شركات جديدة، أو شراء أسهم شركات قائمة، أو من خلال المضاربة بالأسهم عن طريق البيع والشراء (٢). حكم استثمار الوقف في الأسهم: اختلف المعاصرون في التوصيف الفقهي لوقف الأسهم أو التملك الوقفي فيها؛ إذ إن القول في مشروعيتها عندهم مبني على ذلك، ويمكن حصر آرائهم في تخريج هذه الصورة المعاصرة فيما يأتي: الرأي الأول: تخريج هذه المسألة على ما ذكره المتقدمون من وقف المشاع (٣).

стр. 1196

الرأي الثاني: تخريج هذه المسألة على القول بجواز وقف النقود (١). وقد سبق الاستدلال على مشروعية وقف المشاع، وما قيل هناك يستدل به هنا على مشروعية وقف الأسهم. وأن السهم حصة مشاعة في ممتلكات الشركة من أعيان ثابتة كالعقار، وأعيان منقولة، ونقود، وغيرها، وهذه يجوز وقفها بأفرادها، أما العقار فلا خلاف في جواز وقفه، وأما المنقول فالراجح جواز وقفه كما سبق، وكذا النقود. ومما يدل على صحة وقف الأسهم: ١ - أنه يصح تداول الأسهم بالبيع والشراء، وما صح بيعه صح وقفه. ٢ - أنه يمكن الانتفاع بربح الأسهم مع بقائها. أن السهم حصة شائعة في ممتلكات الشركة من أعيان ثابتة كالعقار وأعيان منقولة، ونقود وغيرها، وهذه يجوز وقفها بأفرادها أولا (٢). صور وقف الأسهم: الصورة الأولى: الاستثمار الوقفي عن طريق القيام بوقف أسهم في تلك الشركات المساهمة عبر المشاركة في إنشائها. الصورة الثانية: الاستثمار الوقفي بتملك أسهم في شركات مساهمة من خلال شراء أسهم فيما بعد إنشائها وقيامها. الصورة الثالثة: الاستثمار الوقفي عن طريق المضاربة في صناديق تتولى ذلك، ومنها ما يكون منخفض المخاطرة، ومنها ما لا يكون كذلك.

стр. 1197

ضوابط لاستثمار الوقف في الأسهم: الضابط الأول: أن لا تكون تلك الأسهم في شركات قائمة على نشاط محرم، أو لا تتضمن معاملاتها ما يخالف قواعد الشريعة (١). الضابط الثاني: انخفاض المخاطرة المتوقعة؛ إذ يجب دراسة الجدوى وتأملها، فمتى ما كانت المخاطرة راجحة -وهو الأعم غالباً في المضاربة الفردية بالأسهم- وجب صرف المال الموقوف عن هذه الاستثمارات ذات المخاطر العالية، ويمكن أن تكون المخاطرة أقل في مثل أسهم التأسيس، أو نحوها من الصناديق ذات الدراسات الوافية والمخاطر المنخفضة. الضابط الثالث: أن تحمى ذمة الوقف المالية عن طريق الدخول كشريك غير ضامن إلا في رأس المال لئلا تنسحب الخسارة إلى مال الوقف الذي لم تتم المساهمة به (٢). المطلب الثاني عشر: السندات الوقفية السند قرض، والسند الوقفي يتخذ عدة أشكال نوجزها فيما يلي: ١ - سندات المشاركة الوقفية: هي عبارة عن سندات مشاركة عادية تشبه الأسهم في شركات المساهمة، تقوم إدارة الأوقاف بإصدارها عند حاجة المشاريع للتمويل اللازم الذي تفتقر إليه، حيث تقوم إدارة الأوقاف باستعمال

стр. 1198

قيمة الإصدار لإقامة مشروع على أرض الوقف، وبعد قيام البناء يشارك أصحاب السندات في ملكيته حسب ما يملكون، ويكون ناظر الوقف مديراً للمشروع بأجر معلوم، ويكون لأصحاب السندات وإدارة الأوقاف الأرباح الصافية التي يجتنيها المشروع توزع بينهم على قدر مساهمة كل منهم في المشروع. والمالكون للسندات الخيار في الاستمرار في امتلاك هذه السندات والمشاركة في المشروع بشكل دائم، كما لهم الحق في أن يتنازلوا عنها تدريجياً لإدارة الأوقاف ليكون المشروع في النهاية ملكا لها بكامله. ٢ - سندات الإجارة: وهي صكوك أو أوراق مالية تمثل أجزاء متساوية من ملك بناء مؤجر، حيث تقوم إدارة الأوقاف بإصدار هذه السندات وبيعها للجمهور بسعر يساوي نسبة حصة من الإجارة من البناء إلى مجموع قيمة البناء المزمع إنشاؤه. ويتضمن السند أيضاً اتفاقاً مع إدارة الأوقاف لتأجير المبنى عند اكتماله بأجرة محددة متفق على مقدارها والمواعيد الدورية لدفعها. ٣ - سندات التحكير: وعليه فسندات التحكير هي حصص متساوية في بناء يقوم على أرض وقفيه مستأجرة من إدارة الأوقاف بعقد إجارة طويل الأمد هو عقد التحكير، وبأجرة محددة (١). وقد سبق الكلام على عقد التحكير.

стр. 1199

المطلب الثالث عشر: استثمار الأوقاف بصيغة المشاركة المشاركة الدائمة ينطبق عليها أحكام وضوابط شركة العنان عند الفقهاء، والتي تعني: اشتراك اثنين في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما، وهي جائزة بالإجماع. وصورتها: أن تقدم الأوقاف أرضا ليقوم ممول ببنائها على أساس أن يكون البناء ملكا له، والأرض ملكا للوقف، ثم يؤجر العقار كله، وتقسم الأجرة بين الوقف وبين مالك البناء بحسب استحقاق كل من الأرض والبناء. وعليه فإن المشاركة الدائمة يمكن اعتمادها كصيغة من صيغ الاستثمار للأملاك الوقفية إذا وصلت أراضي الوقف إلى حالة لا يمكن الاستفادة منها إلا بهذا الأسلوب، باعتبار ذلك جزءا من عقد الاستبدال، بمعنى أن المؤسسة الوقفية قامت باستبدال جزء من أرض الوقف بجزء من المبنى أو المشروع المقام عليها، وبذلك لا يكون فيه نوع من الإهدار للأملاك الوقفية، بل يكون أنفع وأكثر ريعاً وعائداً (١).

стр. 1200

المبحث العاشر: حكم تحشية الكتب الموقوفة في هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول: تجوز تحشية كتب العلم الموقوفة إذا اقتضت المصلحة ذلك، ومتى انتفت المصلحة لم تجز التحشية. وهو قول عند الشافعية. قال ابن حجر الهيتمي: " القياس منع التحشية في الكتب الموقوفة؛ لأن الكتابة على حواشيها استعمال لها فيما لم يأذن فيه الواقف، والأصل امتناعه إلا إذا اقتضت المصلحة خلافه وحينئذ فلا يبعد جوازها إن اقتضتها المصلحة بأن كان الخط حسنا، وعاد منها مصلحة على الكتاب المحشي عليه لتعلق الحواشي بما فيه تصحيحا أو بيانا وإيضاحا أو نحو ذلك مما يكون سببا لكثرة مطالعة الناس له وانتفاعهم به؛ لأن الواقف لو اطلع على ذلك لأحبه لما فيه من تكثير الثواب له بتعميم النفع بوقفه ومتى انتفى شرط مما ذكرته لم تجز التحشية، وهذا كله وإن لم أره منقولا لكن كلامهم في باب الوقف دال عليه" (١). وأما الحواشي التي لا تعود منها مصلحة على ما في الكتاب فيُمنع منها؛ لأنها تضر بمحلها من الورق ففيها نوع ضرر للعين الموقوفة.

стр. 1201

فعند المصلحة يُحتمل الجواز؛ لأن المصلحة محققة والمضرة موهومة، والقاعدة أن: "والمحقق مقدم على الموهوم" (١). القول الثاني: لا تجوز التحشية على الكتب الموقوفة ولو اقتضت الحاجة أو المصلحة ذلك. وهو قول آخر عند الشافعية. وحجته: قالوا: "لا يكتب حواشي بهامش الكتاب، وإن احتيج إليها؛ لما فيه من تغيير الكتاب من أصله، ولا نظر لزيادة القيمة بفعله" (٢).

стр. 1202

الفصل الثالث: التصرف الممنوع وفيه مباحث: المبحث الأول: التبرع بالوقف. المبحث الثاني: إعارة الوقف. المبحث الثالث: منع الموقوف عليه من الانتفاع بالوقف. المبحث الرابع: استخدام الناظر للوقف في غير ما وضع له. المبحث الخامس: غصب الوقف. المبحث السادس: وطء الأمة الموقوفة. المبحث السابع: جناية الوقف، والجناية عليه. المبحث الثامن: قسمة الوقف بين الموقوف عليهم. المبحث التاسع: غرس الأشجار في المسجد، والأكل من ثمره.

стр. 1203

المبحث الأول: تبرع الناظر بالوقف حكم هذه المسألة ينبني على ملكية العين الموقوفة؛ لأن التبرع بالعين ونحوه يشترط أن يكون من مالك؛ إذ إن من أهم خصائص الملكية أنها تعطي صاحبها كل أنواع التصرفات المشروعة، سواء أكان استهلاكاً أم نقلاً للملكية. ولهذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أنه لا يجوز لناظر الوقف ولا غيره التبرع بعين الوقف؛ وذلك لعموم حديث عبد الله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لعمر ﵁: " تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره " (٥)، ولأن الوقف انتقل عن ملكيته. أما الإمام أبو حنيفة: فإنه يرى أن الناظر إذا كان هو الواقف له الحق في التبرع بعين الوقف (٦)؛ لأنه يرى عدم انتقال ملكية الوقف عن الواقف، ولأن له حق الرجوع (٧).

стр. 1204

وذهب بعض المالكية: إلى جواز تبرع الناظر إذا كان هو الواقف بالعين الموقوفة للموقوف عليه إذا لم يشترك معه غيره في الوقف (١). وهذه المسألة ينبني الترجيح فيها على مسألة ملكية الوقف، وقد سبق رجحان زوال ملكية الوقف فلا يبقى لأحد من الآدميين ملك في عين الوقف، وبناءً عليه فلا يصح للناظر ولا غيره التبرع بشيء من هذه العين (٢).

стр. 1205

المبحث الثاني: إعارة الوقف وفيه مطالب: المطلب الأول: إعارة الناظر الوقف لمن هو من أهل الوقف وذلك كأن يكون المستعير من جملة الموقوف عليهم، أو تكون العين قد وقفت أصلاً للإعارة كآلات الحرب، وكتب العلم، والمستعير داخل في جملة المستحقين للإعارة، كأن يكون مجاهداً في سبيل الله، والعين المراد استعارتها دروع موقوفة على المجاهدين، أو كان المستعير امرأة مسلمة، والعين المراد استعارتها حلي موقوف على نساء المسلمين، أو كان طالب علم والموقوف كتب علم أو نحو ذلك، فهل يملك الناظر الإعارة في هذه الحالة، أو لا يملكها؟ وقد اتفق الأئمة على ملكية الناظر لإعارة العين الموقوفة في هذه الحالة. فقد قال بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 1206

الدليل: استدلوا على ذلك بما يلي: ١ - حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث" (١). وجه الدلالة: أن التصدق بالوقف مقتضاه إفادة الموقوف عليه من منافع الوقف بأي طريق. ٢ - أن العين الموقوفة في هذه الحالة تعد عيناً مأمونة في يد موقوف عليه، ولا يقال لها عارية أصلاً، بل الآخذ لها إن كان من أهل الوقف فهو مستحق للانتفاع بها قبل استعارتها، وإنما سميت عارية تجاوزاً (٢). المطلب الثاني: إعارة الناظر غير الموقوف عليه للوقف العارية من عقود التبرعات، ومما يشترط في المعير أن يكون مالكاً لما يريد إعارته، وبناءً على ذلك لا يجوز للناظر غير الموقوف عليه أن يعير الوقف؛ لأنه تبرع بمنفعة لا يملكها.

стр. 1207

المطلب الثالث: إعارة الناظر إذا كان هو الموقوف عليه للوقف الإعارة لا يملكها إلا الموقوف عليه؛ لأنه هو المستحق للمنفعة، أما الناظر فلا يملكها إلا إذا كان هو المستحق للمنفعة -أي الموقوف عليه-. وإذا تبين هذا فإنه قد اختلف الفقهاء في ملكية الناظر لإعارة الوقف إذا كان الناظر هو الموقوف عليه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الناظر يملك إعارة الوقف إذا لم يقيد الواقف حق الموقوف عليه بالانتفاع دون المنفعة، أو نحو ذلك. وبهذا قال المالكية (١)، وأكثر الشافعية (٢). وبه قال الحنابلة، قال ابن مفلح عند قول ابن قدامة: (ويملك الموقوف عليه الوقف، ويملك صوفه ولبنه وثمرته ونفعه) (٣): "ويستوفيه بنفسه وبالإجارة والإعارة ونحوها إلا أن يعين في الوقف غير ذلك" (٤). القول الثاني: أن الناظر يملك إعارة الوقف مطلقاً.

стр. 1208

وبهذا قال بعض الحنفية (١). القول الثالث: أن الناظر لا يملك إعارة الوقف مطلقاً. وبهذا قال بعض الحنفية (٢)، وبعض الشافعية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: يمكن الاستدلال لأصحاب هذا القول بما يلي: أن الناظر إذا كان هو الموقوف عليه أو من الموقوف عليهم فهو مالك لمنفعة الوقف أو لمنفعة جزء منه، فله أن يستوفيها بنفسه أو بنائبه عن طريق الإعارة. دليل القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: القياس على ضيافة الضيف؛ وذلك أن العارية لا توجبه حقاً للمستعير، بل تجعله بمنزلة الضيف (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق؛ لأن الضيافة مدتها يسيرة فجرت العادة بالمسامحة فيها لذلك، بخلاف العارية فإن مدتها قد تطول. الوجه الثاني: أن العارية قد توجب أحياناً حقاً للمستعير، كما إذا أذن المعير للمستعير أن يشغل العارية بشيء يتضرر المستعير برجوعه فيه مثل أن يعيره سفينة لحمل متاع عليها، فلا يحق له الرجوع مادامت في لجة البحر.

стр. 1209

دليل القول الثالث: أن الإعارة تقتضي الملك للمعير، والوقف لا ملك لأحد عليه (١). ونوقش: بأن الإعارة لا تقتضي ملك العين، بل ملك المنفعة؛ لأنها إباحة للانتفاع، لا تمليك للعين، وناظر الوقف إذا كان مستحقاً لهذه المنفعة لكونه هو الموقوف عليه، أو من الموقوف عليهم فهو مالك لمنفعة الوقف، فيملك تمكين غيره من الانتفاع بالإعارة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول لقوة دليله. المطلب الرابع: إعارة الوقف من الموقوف عليه إذا كان غير ناظر مما تقدم يتبين لنا أن الموقوف عليه يملك إعارة الوقف؛ لأنه مالك للمنفعة فله أن يستوفيها بنفسه أو نائبه. بشرط أن لا يقيد حقه في الانتفاع دون المنفعة.

стр. 1210

المطلب الخامس: لو اشترط الواقف ألا يُعار من الكتب إلا كتاب بعد كتاب هذه المسألة ذكرها المالكية في كتبهم، وذكروا فيها قولين: القول الأول: إذا كان الطالب مأموناً واحتاج أكثر من كتاب فله أخذه؛ لأن غرض المحبس أن لا يضيع، فإن كان مأموناً أُمن من ضياعها. وإذا كان غير معروف فلا يُدفع إليه إلا كتاب واحد. وعُلل لهذا القول: بأنه اتباع لقصد المحبِّس لا لفظه. القول الثاني: لا يُعطى الطالب إلا كما شرط المحبِّس؛ لأن اتباع شرطه واجب لقوله ﷺ : " المسلمون عند شروطهم " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا ليس فيه مخالفة لشرط الواقف؛ إذ عرف قصده. والأقرب: القول الأول؛ لقوة دليله.

стр. 1211

المبحث الثالث: منع الموقوف عليه من الانتفاع بالوقف، أو بعضه الأصل في الوقف أنه تحبيس العين وتسبيل المنفعة فالموقوف عليه يستفيد من منفعة الوقف على حسب شرط الواقف، لكن قد توجد في الموقوف عليه عوارض تمنعه من الانتفاع بالوقف أو بعضه، ومن أهم أسباب منعه من الانتفاع بالوقف أو بعضه ما يلي: أولاً: مصلحة العين الموقوفة: تقتضي مصلحة العين الموقوفة -أحياناً- منع الموقوف عليه من الانتفاع بالوقف من ذلك على سبيل المثال ما يلي: ١ - إذا كانت العين الموقوفة داراً أو نحوها فاحتاجت إلى العمارة وكان الموقوف عليه منتفعاً بها وأبى عمارتها، فإنها تؤخذ منه وتستغل من أجل الإنفاق على عمارتها من الغلة كما سبق بيانه (١)، أو كان الموقوف عليه مستغلا للعين الموقوفة ولا يمكن الجمع بين العمارة والصرف للموقوف عليه، فإن الغلة تصرف كلها للعمارة صيانة لذات الوقف من الخراب، كما سبق بيانه أيضاً (٢). ٢ - إذا كانت العين الموقوفة أمة واحتاجت إلى الزوج وطلبته، فإنه يتعين

стр. 1212

التزويج والحالة هذه؛ لأنه حق لها طلبته فتتعين الإجابة إليه، ولا يخفى أن في تزويجها تفويت الانتفاع على الموقوف عليه في بعض الأوقات حيث تفوت خدمة الأمة في الليل؛ لأن النكاح متعلق به حقوق من وجوب تمكين الزوج من استمتاعها ومبيتها عنده (١)، وقد سبق بيان حكم تزويج الأمة (٢). وعلى كل حال فمراعاة مصلحة العين الموقوفة أمر مقدم، فإذا وقع الضرر في انتفاع شخص من الأشخاص من الوقف، أو وجدت مصلحة في منعه من الانتفاع، فإنه يمنع من الانتفاع بالوقف دفعًا للمضرة وجلبًا للمصلحة، حتى قال بعض الفقهاء: لو طال مقام رجل في بقعة وخيف من مقامه اشتهارها به واندراس الوقف فللإمام نقله منها (٣). ثانياً: مصلحة الموقوف عليه: كما أن مصلحة العين الموقوف قد تقتضي المنع من الانتفاع منها كذلك فإن مصلحة الموقوف عليهم قد تقتضي منع الموقوف عليه من الانتفاع بالوقف أو بعضه، كما لو كانت العين الموقوفة أمة، فإن الموقوف عليه يمنع من الانتفاع بوطئها؛ لأن في ذلك ضرراً على من بعده من البطون، وذلك أنه لا يؤمن حبلها فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد - عند من يرى ملكية الموقوف عليه للعين الموقوفة. وعلى كل حال فإنه يحرم على الموقوف عليه وطؤها؛ لأن ذلك قد يفضي إلى نقص نفعها أو تفويتها على البطن الثاني (٤). وقد سبق بيان حكم وطء الأمة الموقوفة (٥).

стр. 1213

ثالثاً: تزاحم الموقوف عليهم وتعذر استيعابهم بمنفعة الوقف. إذا تزاحم الموقوف عليهم وتعذر استغراقهم بمنفعة الوقف، فإنه يقدم الأهم فالأهم ويمنع ما عدا ذلك. مثال ذلك: ما ذكره ابن نجيم بقوله: " إذا ضاق المسجد كان للمصلي أن يزعج القاعد من موضعه ليصلي فيه -وإن كان مشتغلاً بالذكر أو الدرس، أو قراءة القرآن، أو الاعتكاف-، وكذا لأهل المحلة أن يمنعوا من ليس منهم من الصلاة فيه إذا ضاق بهم المسجد " (١). وكذلك قال المالكية في الدار الموقوفة على أشخاص للسكنى فسكن فيها بعضهم، فلم يجد بعضهم الآخر مسكنا فلا شيء له، ولذلك قال الإمام مالك ﵀: " من حبس على ولده داراً فسكنها بعضهم ولا يجد بعضهم سكنا فيقول الذين لم يجدوا منهم سكناً أعطوني من الكراء بحسب حقي. قال: لا أرى ذلك له، ولا أرى أن يخرج أحد لأحد، ولكن إن غاب أحد أو مات سكن فيه، وهكذا حبس ابن عمر وزيد بن ثابت لا يخرج أحد ولا يعطى من لم يجد مسكناً كراء (٢). وعلى كل حال فإنه وإن كان قول المالكية فيه خلاف، إلا أنه يدل على أن منع الموقوف عليه من الانتفاع بالوقف بسبب التزاحم أمر ممكن دفعاً للضرر، والله أعلم.

стр. 1214

المبحث الرابع: استخدام الناظر للوقف في غير ما وضع له العين الموقوفة يتعين الانتفاع بها فيما عينه الواقف من وجوه الانتفاع؛ لما يأتي من الأدلة، ولكن هل يجوز استخدامها في وجه آخر من وجوه الانتفاع الذي تصلح له، أو لا يجوز؟ اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنه لا يجوز للناظر على الوقف ولا غيره استخدام الوقف في غير ما وضع له، بل يجب استخدامه فيما وضع له ما لم يمنع مانع من ذلك. حيث قال بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). جاء في الجوهرة النيرة: " ولو وقف على دهن السراج للمسجد لا يجوز وضعه لجميع الليل بل بقدر حاجة المصلين، ويجوز إلى ثلث الليل أو نصفه إذا احتيج إليه للصلاة فيه، وهل يجوز أن يدرس الكتاب على سراج المسجد؟ ينظر: إن كان وضع لأجل الصلاة، فلا بأس بذلك إلى أن يفرغوا من الصلاة" (٥). وجاء في شرح مختصر خليل: "من ملك المنفعة لعينه فليس له أن يغير كسكنى بيت المدارس والزوايا والربط والجلوس في المساجد والأسواق،

стр. 1215

ويستثنى من ذلك ما جرت به العادة من إنزال الضيف المدارس والربط المدة اليسيرة، فلا يجوز إسكان بيت المدارس دائما، ولا إيجاره إذا عدم الساكن، ولا الخزن فيه، ولا بيع ماء الصهاريج ولا هبته ولا استعماله فيما لم تجر العادة، ويستثنى من ذلك الشيء اليسير، وليس للضيف بيع الطعام ولا إطعامه ولا يباع زيت الاستصباح ولا يتغطى ببسط الوقف ونحو ذلك .... (قوله: ولا يباع زيت الاستصباح) أي الذي للوقف، ويجوز استعمال القليل في غير ما وضع له " (١). وجاء في تحفة المحتاج: "والحيوان الموقوف للإنزاء لا يستعمل في غير الإنزاء، نعم لو عجز عن الإنزاء جاز استعمال الواقف له في غيره، كما قاله الأذرعي" (٢). وجاء في شرح منتهى الإرادات: " ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة من قبل الواقف له؛ لأن تعيينه لها صرف لها عما سواها، فلو سبل ماء للشرب لم يجز الوضوء به ولا الغسل ونحوه، وكذا عكسه؛ لأنه لو لم يجب اتباع تعيينه لم يكن له فائدة، وقال الآجري في الفرس الحبيس: لا يعيره ولا يؤجره إلا لنفع الفرس ولا ينبغي أن يركبه في حاجته إلا لتأديبه وجمال للمسلمين ورفعة لهم أو غيظة للعدو، ويجوز ركوبه لعلفه وسقيه، ولا يجوز إخراج حصر المسجد، ولا بسطه لمنتظر جنازة أو غيره " (٣). الأدلة: استدلوا على ذلك بما يلي: ١ - الأدلة الدالة على وجوب العمل بشرط الواقف (٤).

стр. 1216

ومقتضى هذه الأدلة الانتفاع بالوقف فيما وقف له. ٢ - أن تعيين الواقف استعمالات الوقف صرف له عن الاستعمالات الأخرى (١). ٣ - أن استخدام الوقف في غير ما وقف له مخالفة لشرط الواقف، ولو لم يجب اتباع شرطه وتعيينه لم يكن له فائدة (٢). وقد استثنى بعض الفقهاء بعض الاستعمالات، فأجازوا استخدام الوقف في غير ما وضع له في مسائل يمكن جمعها في الضوابط التالية: الضابط الأول: أن يكون الاستعمال في معنى ما حبس له. ومن ذلك: ما ألحقه بعض الفقهاء بما وضع الوقف له من كل ما كان في معناه أو قريباً منه، وذلك كالدرس في المسجد، والتعليم بسهام الغزو، والشرب من ماء وقف على الوضوء (٣)، وإخراج بسط المسجد لمنتظر جنازة، ونحو ذلك. الضابط الثاني: أن يكون الانتفاع بالوقف في غير ما حبس له عند الضرورة. ومن ذلك: ما أجازه بعض الحنفية من استعمال الوقف في غير ما وضع له عند الضرورة، كإدخال الحبوب، وأثاث البيت في المسجد للخوف عند الفتنة العامة (٤). الضابط الثالث: أن يكون الوقف لله وكان يسيراً. ومن ذلك: تجويز المالكية نقل الوقف من وجه منفعة إلى وجه منفعة

стр. 1217

أخرى إذا كان لله ؛ لأنه لا يتعلق به حق لغيره، فلا بأس بصرفها بعضها إلى بعض (١). ومثل ذلك: استعمال مكبرات الصوت التي للصلاة في التعليم، ونحو ذلك. الضابط الرابع: أن يكون الانتفاع يسيراً دل عليه العرف. ومن ذلك: تجويز بعض الفقهاء استعمال الوقف في غير ما وضع له إذا كان شيئاً يسيراً كالنوم والاستراحة في المدارس والربط الموقوفة ونحوها، وإنزال الضيف فيها (٢). الضابط الخامس: إذا كان في جهة أصلح وأنفع، كما في تغيير شرط الواقف (٣).

стр. 1218

المبحث الخامس: غصب الوقف وفيه مطالب: المطلب الأول: تعريف الغصب أولاً: الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلماً وقهرا (١). يقال: " اغتصبت فلانة نفسها " إذا وطئت مقهورة غير طائعة (٢). ثانياً: تعريف الغصب في الاصطلاح: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في تعريف الغصب في الاصطلاح على ثلاثة أقوال هي كما يلي: القول الأول: أن الغصب هو استيلاء غير حربي بفعل يعد استيلاء عرفًا على حق غيره قهرًا بغير حق. وهذا هو تعريف الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن الغصب هو أخذ مال قهرًا تعدياً بلا حرابة.

стр. 1219

وهذا هو تعريف المالكية، وهو عبارة الشرح الصغير (١). وعرف ابن عرفة بقوله: " هو الانتفاع بملك الغير بغير حق دون قصد تملك الرقبة، أو إتلافه أو بعضه دون قصد تملكه " (٢). فالمالكية لا يجعلون غصب المنافع داخلا في تعريف الغصب، بل يجعلون له اصطلاحاً مستقلاً هو التعدي، ويفرقون بينهما في الأحكام، فالمتعدي عندهم يضمن قيمة المنفعة ولو لم يستعمل هذه المنفعة، بل عطله، بخلاف الغاصب فإنه إنما يضمن إذا استعمل الذات المغصوبة، أما لو عطل فلا يغرم للمغصوب شيئاً كالدار يغلقها، والدابة يحبسها، والأرض يبورها، والعبد لا يستخدمه (٣). القول الثالث: أن الغصب هو أخذ مال متقوم محترم قابل للنقل بغير إذن المالك على وجه يزيل يد المالك -إن كان في يده- أو يقصر يده إن لم يكن في يده على سبيل المجاهرة والمغالبة. وهذا هو تعريف الحنفية (٤)، خلاف لمحمد حيث قال: بتحقق الغصب في العقار (٥).

стр. 1220

المطلب الثاني: الضمان في غصب الوقف غصب العين الموقوفة محرم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ (١). (٢٦٩) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن إبراهيم أن أبا سلمة حدثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة، فذكر لعائشة ﵂، فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض، فإن النبي ﷺ قال: «من ظلم قِيدَ شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» (٢). وإذا كانت العين الموقوفة المغصوبة موجودة وباقية في يد غاصبها وجب ردها بلا خلاف بين العلماء (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٤). فإن تلفت العين المغصوبة، أو تلف بعضها في يد غاصبها لزمه ضمانها أو ضمان ما تلف منها، ويجعل وقفًا بدل الأول أو يصرف في مثله ولا يصرف إلى أهل الوقف؛ لأن ذلك بدل الرقبة وحقهم في الغلة دون الرقبة.

стр. 1221

ثم الضمان يكون بالمثلي إن وجد وإلا بالقيمة، لكن لو كان الإتلاف بنحو هدم حائط أُجبر الغاصب على إعادته إن أمكن وإلا ضمنه، أو بنحو قلع شجر أُلزم بضمان قيمتها. وهذا الحكم اتفقت عليه المذاهب الأربعة: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وكذا المالكية، وإن كان المالكية لم يصرحوا بحكم غصب الوقف إلا أنه يدل عليه عموم حكمهم على الغاصب دون التفريق بين كون العين المغصوبة وقفا أو لا (٤). قال ابن نجيم: " أرض الوقف إذا غصبها غاصب وأجرى عليها الماء حتى صارت بحرا لا تصلح للزراعة يضمن قيمتها ويشتري بقيمتها أرضا أخرى، فتكون الثانية وقفا على وجه الأولى " (٥). وقال في جامع الفصولين: "غصب وقفا فنقص فما يؤخذ بنقصه يصرف إلى مرمته لا إلى أهل الوقف؛ لأنه بدل الرقبة، وحقهم في الغلة لا في الرقبة" (٦). وجاء في الفتاوى الهندية: "ولو غصبها من الواقف أو من واليها غاصب فعليه أن يردها إلى الواقف، فإن أبى وثبت غصبه عند القاضي حبسه حتى ترد، فإن كان دخل الوقف نقص غرم النقصان، ويصرف إلى مرمة الوقف،

стр. 1222

ويعمر به ما انهدم منه ولا يقسم بين أهل الوقف كذا في المحيط، فإن كان الغاصب زاد في الأرض من عنده إن لم تكن الزيادة مالا متقوما بأن كرب الأرض أو حفر النهر أو ألقى في ذلك السرقين، واختلط ذلك بالتراب وصار بمنزلة المستهلك، فإن القيم يسترد الأرض من الغاصب بغير شيء، وإن كانت الزيادة مالا متقوما كالبناء والشجر يؤمر الغاصب برفع البناء وقلع الأشجار ورد الأرض إن لم يضر ذلك بالوقف، وإن كان أضر بالوقف بأن خرب الأرض بقلع الأشجار والدار برفع البناء لم يكن للغاصب أن يرفع البناء أو يقلع الشجر إلا أن القيم يضمن قيمة الغراس مقلوعا وقيمة البناء مرفوعا إن كان للوقف غلة في يد المتولي يكفي لذلك الضمان، وإن لم يكن للوقف غلة فيعطى الضمان من ذلك كذا في فتاوى قاضي خان، وإن أراد الغاصب قطع الأشجار من أقصى موضع لا يخرب الأرض كان له ذلك ثم يضمن القيم له قيمة ما بقي في الأرض الموقوفة إن كانت له قيمة كذا في المحيط، فإن صالح المتولي من الغرس على شيء جاز إذا كان فيه صلاح الوقف، وكذا في العمارة كذا في الحاوي " (١). وقال المناوي: " لو غصب عيناً موقوفة وادعى تلفها، فأنكر الناظر صدق الغاصب بيمينه ويغرمه الناظر المثل أو القيمة في الأصح، فإن لم يفعل قام الحاكم مقامه في التغريم حفظا على المستحقين " (٢). وقال المرداوي: " لو أتلف إنسان الجارية الموقوفة لزمه قيمتها، يشترى بها مثلها، وإن حصل الإتلاف في جزء بها كقطع طرف مثلا، فالصحيح أنه يشترى بأرشها شقص يكون وقفاً " (٣).

стр. 1223

وفي الشرح الكبير: " (مسألة) (وإن تلفت فعليه قيمتها يشترى بها مثلها) سواء أتلفها أجنبي أو الواقف كما لو أتلف غير الوقف، وإن أتلفه الموقوف عليه فعليه قيمته أيضا يشترى بها مثله يقوم مقامه؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبته إنما له نفعه ويحتمل أن يملك الموقوف عليه قيمة الولد فيما إذا وطئها أجنبي بشبهة فأتت بولد ولا يلزمه قيمته إن أولدها لذلك " (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مستأجر وقف هدم حوضاً للسبيل، ومطهرة للمسلمين وهدم الحيطان، قال: "يعزر هذا المستأجر الظالم الذي فعل ذلك، ويلزم بضمان ما أتلفه من البناء، وأما القيمة والشجر فيستغل كما جرت عادتها، وتصرف الغلة في مصارفها الشرعية " (٢). وذكر النفراوي: "أن الغاصب ضامن لكل شيء غصب، فإن رد الغاصب ذلك الذي غصبه قائما بحاله لم يتغير بنقص في بدنه فلا شيء عليه، وإن تغير الشيء المغصوب عند غاصبه بأمر سماوي لا صنع لأحد فيه، فربه مخير بين أخذه بنقصه من غير أرش أو تضمين الغاصب القيمة يوم الاستيلاء عليه .... ولو كان النقص بتعدي الغاصب خير ربه في أخذه ناقصاً مع أخذ أرش نقصه وفي تركه للغاصب وأخذ قيمته يوم الغصب " (٣). ودليل هذا: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٤). ٢ - أنه لما تعذر رد العين وجب رد ما يقوم مقامها في المالية؛

стр. 1224

(٢٧٠) لما روى البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس ﵁ " أن إحدى نساء النبي ﷺ كسرت قصعة الأخرى، فدفع النبي ﷺ قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة وحبس المكسورة في بيته" (١). (٢٧١) ولما روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا عتق منه ما عتق " (٢). حيث أمر الرسول ﷺ بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنه متلفة بالعتق (٣). المطلب الثالث: الضمان في غصب منافع الوقف حكم غصب منافع الوقف محرم كحكم غصب عينه؛ لعموم الأدلة السابقة في بيان تحريم غصب الوقف (٤)، وكذا عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥). (٢٧٢) ولما روى البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد، حدَّثنا

стр. 1225

فضيل بن غَزْوَان، حدَّثنا عكرمة، عن ابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام " (١). أما حكم الضمان في غصب منافع الوقف ويسميه المالكية بـ"التعدي" (٢)، فقد اتفقت المذاهب الأربعة: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) على أن غاصب منفعة الوقف يضمن مطلقاً سواء استعمل أو عطل، على أنه وإن كان المالكية لم يصرحوا بحكم غصب منافع الوقف، وإنما يؤخذ ذلك من حكمهم على غصب المنافع عموما. قال الطرابلسي في معرض كلامه على أحكام غصب الأوقاف: "لو كانت الغلة موجودة وقت الغصب، ثم تلفت ضمنها لغصبه إياها مع الأصل" (٧). وقال الصعيدي العدوي: "وأما لو غصب المنفعة، ويقال له التعدي، فإنه يضمن قيمة المنفعة ولو لم يستعمل ذات المنفعة بل عطله" (٨). وكذا ضمن المناوي ناظر الوقف ما نقص من ريع الوقف، إذا منعه من مستحقيه، وقال: "إذ هو كالغاصب بوضع يده وحبسه عن مستحقيه". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في عينٍ أقر رجل بوقفيتها قبل موته، قال: "

стр. 1226

وأما العين المقر بها إذا انتفع بها الورثة أو وضعوا أيديهم عليها، بحيث يمنع الانتفاع المستحق بها: فعليهم أجرة المنفعة" (١). فتحصل من مجموع هذه النقول أن المذاهب الأربعة متفقة على أن غاصب منفعة الوقف ضامن لما غصبه؛ لما تقدم من أدلة وجوب رد الغصب (٢)، وهذا يشمل رد المنفعة بضمانها. واختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في ضمان منافع الوقف المغصوب على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن منافع الوقف المغصوب مضمونة مطلقاً. وهذا قول متأخري الحنفية، وهو المفتى به عندهم (٣)، وقال به أيضاً الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، لكن الشافعية قالوا: إن كان المغصوب نحو مسجد فلا يضمن بالفوات بل بالتفويت (٦)، وكذا نص الحنفية: أنه تجب أجرة المثل في مسجد سكن فيه (٧).

стр. 1227

وعند الحنابلة: إذا كانت تصح إجارة المغصوب فعلى الغاصب أجرة المثل. وعليه لا ضمان في غصب منافع المسجد ونحوه (١). القول الثاني: أن منافع المغصوب من الرباع والحيوان (٢) غير مضمونة. وهو قول متقدمي الحنفية في منافع عقار الوقف دون الحيوان، وبه قال بعض المالكية (٣). القول الثالث: أن منافع الغصب مطلقا مضمونة بالتفويت لا بالفوات. فإذا عطله دون استعمال أو استغلال، فلا ضمان للمغصوب منه كالدار يغلقها، والدابة يحبسها، والأرض يبورها، والعبد لا يستخدمه، لكن للمالكية في ضمان الغلة الناشئة عن تحريك الغاصب روايتان. وبه قال المالكية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَتَحْرِيرُ﴾ (٥). دلت الآية على وجوب الضمان حال الخطأ، ففي العمد من باب أولى. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦).

стр. 1228

وجه الدلالة: أن الله أمر برد الأمانة، وهذا يقتضي ضمان المنفعة؛ إذ هو من تمام الرد. (٢٧٣) ٣ - ما رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ومحمد بن بشر، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وقال ابن بشر: "حتى تؤدي" (١). وجه الدلالة: دل هذا الحديث على وجوب رد حقوق الآخرين، ولا شك أن منفعة الوقف حق للمستحق، فلا يحل للغاصب أخذها فهي ثابتة عليه حتى يؤديها أو يؤدي بدلها إذا لم يمكن ردها؛ لعموم الحديث السابق: "من أعتق

стр. 1229

شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى حصصه وعتق عليه العبد، وإلا عتق منه ما عتق " (١). ٤ - ولأن كل ما ضمنه بالإتلاف في العقد الفاسد، جاز أن يضمنه بمجرد الإتلاف كالأعيان. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عموم حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضمان" (٢). وجه الدلالة: أن الغاصب ضامن لقيمة الشيء المغصوب يوم الغصب يدل عليه أنه يضمنه بالتعدي، وذلك إنما حصل وقت الغصب، فإذا كان كذلك لم يكن لمنافعها حكم في الضمان؛ لأنها تابعة للعين (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن النبي ﷺ قضى بذلك في ضمان الملك، وجعل الخراج لمن هو مالكه، إذا تلف تلف على ملكه وهو المشتري، والغاصب لا يملك المغصوب بلا خلاف (٤). ٢ - أن الحكم إذا ثبت في الرقبة لم يكن في المنافع حكم وكانت تابعة له اعتباراً بمن تزوج أمة ثم ابتاعها، والعقد ينفسخ لثبوت الحكم في الرقبة (٥). ونوقش: بأن انفساخ نكاح الأمة إذا ابتاعها زوجها الحر ليس لثبوت الحكم في ملك الرقبة، وإنما لوجود المنافاة بين ملك الرقبة وعقد الزوجية؛

стр. 1230

وذلك أن النكاح ما شرع إلا مثمراً ثمرات مشتركة في الملك بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية. ومن هذه الثمرات: ما تختص الزوجة بملكه، كالنفقة والسكنى والقسم والمنع من العزل إلا بإذنها. ومنها: ما يختص الزوج بملكه، كوجوب التمكين والقرار في المنزل والتحصن عن غيره. ومنها: ما يكون الملك في كل منهما مشتركاً كالاستمتاع مجامعة ومباشرة والولد. وكما قلنا إن المملوكية تنافي المالكية فقد نافت لازم عقد النكاح، وهو المالكية لتلك الأشياء السابقة الذكر ومنافي اللازم مناف للملزوم (١). هذا بالإضافة إلى أنه لا ينبغي اعتبار فسخ نكاح الأمة إذا ابتاعها زوجها في إثبات ذلك الحكم؛ لأن الفسوخ مبنية على المسامحة للقاعدة المشهورة: يغتفر في الفسوخ ما لا يغتفر في العقود (٢). واستدلوا على عدم ضمان منافع الحيوان المغصوب بما يلي: ١ - القياس على منافع الحر والحرة (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق لا يؤخذ به، وذلك أن الحر لا يدخل تحت اليد بخلاف غيره، ولذلك لو حبس حرا لا يضمن منافعه ما دام في حبسه إذا لم يستوفها ويضمن منافع العبد (٤).
следующие страницы →