← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وأما العين المقر بها إذا انتفع بها الورثة أو وضعوا أيديهم عليها، بحيث يمنع الانتفاع المستحق بها: فعليهم أجرة المنفعة" (١). فتحصل من مجموع هذه النقول أن المذاهب الأربعة متفقة على أن غاصب منفعة الوقف ضامن لما غصبه؛ لما تقدم من أدلة وجوب رد الغصب (٢)، وهذا يشمل رد المنفعة بضمانها. واختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في ضمان منافع الوقف المغصوب على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن منافع الوقف المغصوب مضمونة مطلقاً. وهذا قول متأخري الحنفية، وهو المفتى به عندهم (٣)، وقال به أيضاً الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، لكن الشافعية قالوا: إن كان المغصوب نحو مسجد فلا يضمن بالفوات بل بالتفويت (٦)، وكذا نص الحنفية: أنه تجب أجرة المثل في مسجد سكن فيه (٧).

стр. 1227

وعند الحنابلة: إذا كانت تصح إجارة المغصوب فعلى الغاصب أجرة المثل. وعليه لا ضمان في غصب منافع المسجد ونحوه (١). القول الثاني: أن منافع المغصوب من الرباع والحيوان (٢) غير مضمونة. وهو قول متقدمي الحنفية في منافع عقار الوقف دون الحيوان، وبه قال بعض المالكية (٣). القول الثالث: أن منافع الغصب مطلقا مضمونة بالتفويت لا بالفوات. فإذا عطله دون استعمال أو استغلال، فلا ضمان للمغصوب منه كالدار يغلقها، والدابة يحبسها، والأرض يبورها، والعبد لا يستخدمه، لكن للمالكية في ضمان الغلة الناشئة عن تحريك الغاصب روايتان. وبه قال المالكية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَتَحْرِيرُ﴾ (٥). دلت الآية على وجوب الضمان حال الخطأ، ففي العمد من باب أولى. ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦).

стр. 1228

وجه الدلالة: أن الله أمر برد الأمانة، وهذا يقتضي ضمان المنفعة؛ إذ هو من تمام الرد. (٢٧٣) ٣ - ما رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ومحمد بن بشر، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب ﵁، عن النبي ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وقال ابن بشر: "حتى تؤدي" (١). وجه الدلالة: دل هذا الحديث على وجوب رد حقوق الآخرين، ولا شك أن منفعة الوقف حق للمستحق، فلا يحل للغاصب أخذها فهي ثابتة عليه حتى يؤديها أو يؤدي بدلها إذا لم يمكن ردها؛ لعموم الحديث السابق: "من أعتق

стр. 1229

شركا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل، فأعطى حصصه وعتق عليه العبد، وإلا عتق منه ما عتق " (١). ٤ - ولأن كل ما ضمنه بالإتلاف في العقد الفاسد، جاز أن يضمنه بمجرد الإتلاف كالأعيان. أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - عموم حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "الخراج بالضمان" (٢). وجه الدلالة: أن الغاصب ضامن لقيمة الشيء المغصوب يوم الغصب يدل عليه أنه يضمنه بالتعدي، وذلك إنما حصل وقت الغصب، فإذا كان كذلك لم يكن لمنافعها حكم في الضمان؛ لأنها تابعة للعين (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن النبي ﷺ قضى بذلك في ضمان الملك، وجعل الخراج لمن هو مالكه، إذا تلف تلف على ملكه وهو المشتري، والغاصب لا يملك المغصوب بلا خلاف (٤). ٢ - أن الحكم إذا ثبت في الرقبة لم يكن في المنافع حكم وكانت تابعة له اعتباراً بمن تزوج أمة ثم ابتاعها، والعقد ينفسخ لثبوت الحكم في الرقبة (٥). ونوقش: بأن انفساخ نكاح الأمة إذا ابتاعها زوجها الحر ليس لثبوت الحكم في ملك الرقبة، وإنما لوجود المنافاة بين ملك الرقبة وعقد الزوجية؛

стр. 1230

وذلك أن النكاح ما شرع إلا مثمراً ثمرات مشتركة في الملك بين المتناكحين والمملوكية تنافي المالكية. ومن هذه الثمرات: ما تختص الزوجة بملكه، كالنفقة والسكنى والقسم والمنع من العزل إلا بإذنها. ومنها: ما يختص الزوج بملكه، كوجوب التمكين والقرار في المنزل والتحصن عن غيره. ومنها: ما يكون الملك في كل منهما مشتركاً كالاستمتاع مجامعة ومباشرة والولد. وكما قلنا إن المملوكية تنافي المالكية فقد نافت لازم عقد النكاح، وهو المالكية لتلك الأشياء السابقة الذكر ومنافي اللازم مناف للملزوم (١). هذا بالإضافة إلى أنه لا ينبغي اعتبار فسخ نكاح الأمة إذا ابتاعها زوجها في إثبات ذلك الحكم؛ لأن الفسوخ مبنية على المسامحة للقاعدة المشهورة: يغتفر في الفسوخ ما لا يغتفر في العقود (٢). واستدلوا على عدم ضمان منافع الحيوان المغصوب بما يلي: ١ - القياس على منافع الحر والحرة (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق لا يؤخذ به، وذلك أن الحر لا يدخل تحت اليد بخلاف غيره، ولذلك لو حبس حرا لا يضمن منافعه ما دام في حبسه إذا لم يستوفها ويضمن منافع العبد (٤).

стр. 1231

على أنه وقع خلاف في ضمان منافع الحر (١). ٢ - أن للأمة منفعة الاستخدام ومنفعة البضع، والسيد يملك المعاوضة عليهما جميعاً، ثم إحدى المنفعتين وهي منفعة الاستمتاع لا تضمن بالغصب، كذلك المنفعة الأخرى (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن حمل منفعة الاستخدام على منفعة البضع غير متجه، وذلك أنه إنما امتنع ضمان منفعة البضع بالغصب؛ لأن اليد لا تثبت عليه، بل اليد على منفعته للمرأة بخلاف منفعة الاستخدام بدليل أن السيد يزوج أمته المغصوبة، ولا يؤجرها؛ لأن يد الغاصب حائلة عن إجارها (٣). دليل القول الثالث: (مضمون مطلقا) عموم قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" (٤)، وذلك أن من لم يستفد من العين المغصوبة شيئاً، فلا يقال إن يده آخذة شيئاً من المنافع. ونوقش هذا الاستدلال: بأن من ضيع المنفعة على صاحبها يعتبر في حكم من أخذها؛ إذ لا فرق بينهما في جانب صاحب العين المغصوبة، فقد ضاعت عليه المنفعة بسبب الغاصب على كل حال. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة دليله، بالإضافة إلى أن

стр. 1232

الغاصب يعتبر متلفاً لشيء متقوم فوجب ضمانه كالأعيان، فالمنفعة أو الغلة مال متقوم مغصوب فوجب ضمانه كالعين (١). المطلب الرابع: حكم تعييب العين الموقوفة إذا خيف عليها الغصب يجوز تعييب مال الوقف إذا خيف عليه الغصب، كهدم بعض الدار، وقلع بعض الأشجار، وتعطيل المركب، أخذا من قصة الخضر ﵇ في خرقه سفينة المساكين (٢)، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ إلى قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ (٣). وقد أخذ كثير من المفسرين من هذه الآية دليلاً على أنه يجوز لولي المال أن ينقصه أو يعيبه عند الخوف عليه، قال القرطبي ﵀: " في خرق السفينة دليل على أن للولي أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحاً، مثل أن يخاف على ريعه ظالماً فيخرب بعضه " (٤). بل جعلها الشيخ ابن سعدى قاعدة عامة في تعييب مال الغير، أو إتلاف بعضه إذا خيف عليه الفساد، ولو لم يكن المتلف ولياً على المال إذا كان

стр. 1233

على وجه المصلحة وإزالة المفسدة أنه يجوز ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير، كما خرق الخضر السفينة لتعيب فتسلم من غصب الملك الظالم (١). فإذا جاز للأجنبي ذلك فلأن يجوز لولي الوقف من باب أولى حفظا للعين الموقوفة ورعاية لحق الله وحق مستحقي الريع. فعلى هذا لو وقع بمال الوقف حريق أو غرق أو نحوهما، وكان في إتلاف بعضه أو هدم جزء منه سلامة لباقيه جاز للمسلم، بل شرع له ذلك حفظاً لمال الوقف أخذا من إجازتهم ذلك في عموم أملاك المسلمين، والله أعلم (٢). ويدل لهذا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣). وتعييب بعض مال اليتيم ليسلم كله قربان له بالتي هي أحسن، وكذلك مال الوقف. (٤).

стр. 1234

المطلب الخامس: صرف شيء من مال الوقف لتخليص العين المغصوبة الموقوفة من غاصبها إذا غصب العين الموقوفة غاصب من ذوي الشوكة والسلطان، ولم يجد ناظر الوقف بدا من صرف شيء من المال لاستخلاص تلك العين كان عمله مشروعا ورجع بما صرف على مال الوقف، وذلك كأن يؤاجر محاميا بمبلغ من المال، أو بدفع شيء من المال لمن له صلة بالغصب كي يؤثر عليه ويعيد الوقف، أو يدفع لمن له نفوذ وغلبة على الغاصب ولا يخلصها منه إلا بمال، أو للشخص الغاصب إذا رضي أن يعيد العين الموقوفة ببعض المال، وذلك دفعا لأعظم الضررين بأخفهما (١)، فكونه يفقد بعض مال الوقف أولى من كونه يفقد الوقف كله، ولذلك أجاب خير الدين العليمي الرملي الحنفي في ناظر وقف غرم لقضاة العهد ما لا بد منه في انتزاعه من يد أهل الشوكة بأن له أخذ ما غرمه من ارتفاعات الوقف وقال: " للقيم صرف شيء من مال الوقف إلى كتب الفتوى ومحاضر الدعوى لاستخلاص الوقف من أيدي ذوي الشوكة" (٢). وجعل الرملي الحنفي ذلك مبررا للاستدانة على الوقف فقال: " إذا

стр. 1235

غصب الأرض غاصب وعجز عن استردادها إلا بمال، فله الاستدانة بالشرط المذكور للضرورة " (١). بل ذكر الحنفية أن للقيم أن يأخذ قيمة الوقف من غاصبه إذا رفض أن يعيده وعجز الناظر عن استرداده للقاعدة السابقة، ولأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، فيأخذ القيمة ويشتري بها وقفا آخر يكون بدل الوقف المغصوب وعلى وجهته، ولذلك قال قاضيخان: " وقف استولى عليه غاصب وحال بينه وبين المتولي وعجز المتولي عن الاسترداد وأراد الغاصب أن يدفع قيمتها كان للمتولي أن يأخذ القيمة، أو يصالحه على شيء، ثم يشتري بالمأخوذ من الغاصب أرضا أخرى فيجعلها وقفا على شرائط الأول؛ لأن الغاصب إذا جحد الغصب يصير بمنزلة المستهلك فيجوز أخذ القيمة " (٢). بل ذهب كثير من العلماء إلى أبعد من ذلك، فأجازوا للناظر أن يدفع شيئاً من مال الوقف بمجرد خوفه عليه من استيلاء الظلمة بشرط أن يصل هذا الخوف إلى درجة غلبة الظن. قال المناوي الشافعي: "لو خاف الناظر أن يستولي على مال الوقف غاصب فله أن يؤدي لتخليصه " (٣). وفي مغني المحتاج: " ولو خاف الولي استيلاء ظالم على مال اليتيم، فله بذل بعضه لتخليصه وجوبا ويستأنس له بخرق السيد الخضر السفينة " (٤). وقد أخذ هذا الحكم من قول النووي: "لو خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال، فله أن يؤدي شيئاً لتخليصه" (٥).

стр. 1236

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (١). ولكن يجب على الناظر أن يحاول استخلاص العين الموقوفة بأقل مبلغ ممكن، حيث إن هذا موكول إلى ذمته، وهو مصدق بادعائه إذا عرف عن الغاصب تجرؤه على أموال الناس (٢).

стр. 1237

المبحث السادس: وطء الأمة الموقوفة وفيه مطالب: المطلب الأول: حكم وطء الأمة الموقوفة لا يجوز وطء الأمة الموقوفة بغير عقد نكاح مطلقا، سواء كان الواطئ هو الموقوف عليه أو الواقف أو أجنبي؛ لأنه لا ملك لأحد عليها -كما سبق بيانه في ملكية الوقف (١) - وحتى من قال بملكية الموقوف عليه أو الواقف للعين الموقوفة لم يجز لواحد منهما وطؤها؛ لأن ملكهم لها ناقص غير تام، حيث لا يتصرفون فيها تصرف الملاك في إمائهم من بيع وهبة ونحوها، فلا تحل لهما ولا لغيرهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (٢). فالأمة الموقوفة لا ملك لأحد عليها على الصحيح، وعلى الأقوال الأخرى فالملك ضعيف وغير تام.

стр. 1238

قال النووي: " لا يجوز وطء الموقوفة لا للواقف ولا للموقوف عليه -وإن قلنا الملك فيها لهما-؛ لأنه ملك ضعيف " (١). وفي مغني المحتاج: " ويحرم على الواقف والموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة، ولا يلزم الموقوف عليه الإذن في تزويجها وإن طلبته منه؛ لأن الحق له " (٢). وفي الشرح الكبير: " (وليس له وطء الجارية، فإن فعل فلا حد عليه ولا مهر) لا يجوز للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة؛ لأنا لا نأمن حبلها، فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد، ولأن ملكه ناقص " (٣). قال البهوتي: " وليس للموقوف عليه وطء الأمة ولو أذن فيه الواقف؛ لأن ملكه ناقص " (٤). وهناك احتمال بجواز وطء الواقف أو الموقوف عليه للأمة الموقوفة ذكره المناوي عن الأذرعي عند خوف العنت (٥)، حيث قال: " لو غلب على ظن الواقف أو الموقوف عليه الزنى لو لم يطأها لفرط شبقه (٦) وعدم قدرته على حليلة فهل له وطؤها؟. لم أر من تعرض له، بيد أن الأذرعي بحث جوازه للراهن والحالة هذه؛ لكونه كالمضطر، فيحتمل مجيء مثله هنا " (٧).

стр. 1239

وهذا الاحتمال غير معتبر؛ لأن الفروج لا تحل بالضرورة (١). المطلب الثاني: وجوب الحد في وطء الأمة الموقوفة يختلف الحكم بلزوم الحد على واطئ الأمة الموقوفة تبعا لحالة هذا الواطئ، فواطئ الأمة الموقوفة لا يخلو من ثلاث حالات هي: الحالة الأولى: أن يكون الواطئ أجنبياً عنها. الحالة الثانية: أن يكون الواطئ هو الواقف. الحالة الثالثة: أن يكون الواطئ هو الموقوف عليه. المسألة الأولى: حكم لزوم الحد إذا كان واطئ الأمة الموقوفة أجنبياً: إذا كان واطئ الأمة الموقوفة أجنبياً وجب الحد عليه، ولم أقف على خلاف في هذا حيث لا شبهة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). (٢٧٤) ولما روى مسلم من طريق عبد الله الرَّقَاشِىِّ، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم" (٣).

стр. 1240

ولذلك قال النووي في بيان أحوال الواطئ: " أن يطأها أجنبي، فإن لم يكن هناك شبهة لزمه الحد " (١). وقال ابن قدامة: " وإن وطئها مكرهة أو طاوعته فعليه الحد إذا انتفت الشبهة، والمهر لأهل الوقف؛ لأنه وطئ جارية غيره " (٢). المسألة الثانية: حكم لزوم الحد إذا كان واطئ الموقوفة هو الواقف: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في لزوم الحد على الواقف إذا وطئ الأمة التي وقفها على قولين هما: القول الأول: أنه لا حد على الواقف إذا وطئ الأمة الموقوفة. قال به بعض المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وهو الظاهر عند الحنابلة (٥). وقال خليل من المالكية: " الزنى: وطء مسلم مكلف فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق عمداً " (٦). فقوله: "لا ملك له فيه باتفاق": مخرج لوطء الواقف الأمة الموقوفة؛ لأنه وقع الخلاف في ملكية الواقف لها. القول الثاني: أنه يجب الحد على الواقف إذا وطئ الأمة الموقوفة.

стр. 1241

وهذا هو قول الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وقال به بعض الحنابلة (٣). وبه قال ابن حزم: " فصح أنه ليس الوطء إلا مباحاً لا يلام فاعله، أو عهراً في غير فراش " (٤). الأدلة: دليل القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة الدالة على درء الحدود بالشبهات؛ وذلك لوجود شبهة الخلاف في بقاء ملك الواقف على تلك الأمة (٥). (٢٧٥) روى الترمذي من طريق يزيد بن زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» (٦).

стр. 1242

(٢٧٦) وما رواه البيهقي من طريق الحسن بن صالح، عن أبيه قال: بلغني، أو بلغنا أن عمر ﵁ قال: "إذا حضرتمونا فاسألوا في العهد جهدكم، فإني إن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة " (١). قال البيهقي: "منقطع وموقوف". (٢٧٧) وما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحارث، عن إبراهيم قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات" (٢) (منقطع). (٢٧٨) وما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه أن معاذاً وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر ﵃ قالوا: " إذا اشتبه عليك الحد فادرأه " (٣) (ضعيف جداً).

стр. 1243

(٢٧٩) ما رواه ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁: "ادرؤوا القتل والجلد عن المسلمين ما استطعتم" (١) (إسناده صحيح). فهذه آثار أصحاب رسول الله ﷺ توضح تشوف الشرع إلى درء الحد ما أمكن، فكيف لا ندرأ الحد عن الواقف، وقد قال جمع من العلماء بأنه مالك للعين الموقوفة؟. دليل القول الثاني: (أنه يحد على الواطئ الواقف) عموم الأدلة الدالة على وجوب حد الزاني، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢)، وحديث عبادة بن الصامت ﵁، وفيه قوله ﷺ : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم" (٣). ولم يعتبروا شبهة الخلاف في ملكه لها، حيث إنهم لم ينظروا للقول بملكه لضعفه (٤).

стр. 1244

ونوقش هذا الدليل: بأن تلك الأدلة إنما أوجبت الحد إذا ثبت الزنى ثبوتا قطعياً، ومهما وجدت الشبهة لم يثبت الزنى قطعياً، يدل على ذلك ورود الأحاديث والآثار في درء الحد عند وجود الشبهة. أما عدم اعتبارهم شبهة الخلاف في ملك الواقف لها؛ لضعف القول به، فقد سبق أن القول بملكية الواقف للعين الموقوفة، قال: به المالكية، وبعض الحنفية، وهو رواية عن أحمد (١). ومهما كان القول ضعيفاً، فقد أوجد شبهة ينبغي درء الحد بها ما لم يصل ذلك القول إلى حد الشذوذ. وأجيب عن هذه المناقشة: بأن هذا مسلم ما لم يكن الواقف يعلم أنها خرجت عن ملكه، فإن كان يعلم ذلك ويعتقده، فلا شبهة له؛ لكونه أصبح أجنبياً في اعتقاده. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول، وأن الواقف لا يحد بوطئه الأمة الموقوفة؛ درءاً للحد بشبهة الخلاف في ملكه لها، لكن إن كان يعتقد خروجها عن ملكه بالوقف، فلا شبهة له؛ لكونه وطئ، وهو يعتقد أنه أجنبي فيحد، وبهذا تجتمع الأدلة. المسألة الثالثة: لزوم الحد إذا كان الواطئ هو الموقوف عليه: اختلف العلماء في لزوم الحد على الموقوف عليه إذا وطئ الأمة الموقوفة على قولين، كما في لزوم الحد على الواقف إذا وطئ الموقوفة إلا أن القول بعدم لزوم الحد على الموقوف عليه أقوى من القول بذلك في حق الواقف لوجود شبهة ملكية المنفعة، بالإضافة إلى الخلاف في ملكية الرقبة،

стр. 1245

ولهذا فإن كثيراً ممن قال بحد الواقف لم يقولوا بحد الموقوف عليه، فالقولان هما: القول الأول: أنه لا حد على الموقوف عليه بوطئه الأمة الموقوفة. وهو قول للحنفية، وقول للشافعية، ومذهب الحنابلة (١). جاء في الشرح الكبير: " (وليس له وطء الجارية، فإن فعل فلا حد عليه ولا مهر) لا يجوز للموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة؛ لأنا لا نأمن حبلها فتنقص أو تتلف أو تخرج من الوقف بكونها أم ولد، ولأن ملكه ناقص، فإن وطئ فلا حد عليه للشبهة ولا مهر عليه؛ لأنه لو وجب له ولا يجب للإنسان شيء على نفسه " (٢). القول الثاني: أنه يجب عليه الحد. وهو قول للحنفية، وقول للشافعية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: (لا حد عليه) ما تقدم من الأدلة على درء الحد بالشبهة. إذ الموقوف عليه مالك للمنفعة، وهذه شبهة تدرأ الحد. دليل القول الثاني: (وجوب الحد) ما تقدم من الأدلة على إقامته حد الزنى على من ثبت عليه.

стр. 1246

الترجيح: الراجح -والله أعلم- إن علم الواطئ تحريم الوطء وجب الحد؛ لانتفاء الشبهة، وإلا لم يجب لوجود الشبهة، وبهذا تجتمع الأدلة. المطلب الثالث: وجوب المهر بوطء الأمة الموقوفة اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب المهر بوطء الأمة الموقوفة على أقوال: القول الأول: عدم وجوب المهر بوطء الأمة الموقوفة. وهو رواية عن الإمام أحمد (١)، واختاره شيخ الإسلام (٢). إذ شيخ الإسلام لا يرى وجوب المهر للموطوءة زنى كرهاً، والمطاوعة من باب أولى. القول الثاني: وجوب المهر بوطء الأمة الموقوفة. وهو مذهب الحنابلة (٣). جاء في الإنصاف: " لو وطئ الجارية الموقوفة، فلا حد عليه ولا مهر على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب. قال الحارثي: ويتجه أن ينبني على الملك إن جعلناه له فلا حد، وإلا

стр. 1247

فعليه الحد، قال: وفي المغنى وجه بوجوب الحد في وطء الموصى له بالمنفعة، قال: لأنه لا يملك إلا المنفعة فلزمه كالمستأجر ". القول الثالث: إن كانت مطاوعة وجب المهر، وإلا لم يجب. وهو مذهب الشافعية (١). جاء في مغني المحتاج: " (وله) أي الموقوف عليه (مهر) وطء (الجارية إذا وطئت بشبهة) أو زنى بها مكرهة أو غير مميزة (أو نكاح إن صححناه) أي نكاحها (وهو الأصح) إذا زوجها الحاكم من غير الواقف والموقوف عليه، وأذن له الموقوف عليه؛ لأنه من جملة الفوائد كالثمرة، ويحرم على الواقف والموقوف عليه وطء الأمة الموقوفة .... وإذا وطئها الموقوف عليه لا يلزمه المهر ولا قيمة ولدها الحادث بتلفه أو بانعقاده حرا؛ لأن المهر ولد الموقوفة الحادث له ويلزمه الحد حيث لا شبهة كالواقف ولا أثر لملكه المنفعة، وهذا هو المعتمد كما جرى عليه ابن المقري في روضه. تنبيه: قول المصنف إن صححناه لا مفهوم له؛ لأنه إذا لم يصح كان وطء شبهة وقد قال إن المهر له في ذلك، أما إذا زنى بها مطاوعة وهي مميزة فلا مهر لها " (٢). القول الرابع: إن كان الواطئ الموقوف عليه لم يجب عليه المهر، وإلا وجب. وهو قول الحنفية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: (عدم وجوب المهر) استدل لهذا الرأي بما يلي:

стр. 1248

(٢٨٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" (١). دليل القول الثاني: (وجوب المهر مطلقاً) استدل لهذا الرأي بما يلي: (٢٨١) ما رواه أحمد: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن موسى، أن ابن شهاب أخبره أن عروة أخبره أن عائشة ﵂ أخبرته أن النبي ﷺ قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل -ثلاثا- ولها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا، فإن السلطان ولي من لا ولي له " (٢).

стр. 1249

ونوقش: بتخصيص الوطء المحرم؛ لما تقدم من دليل القول الأول. دليل القول الثالث: (وجوب المهر إن كانت مكرهة) استدل لهذا الرأي: لما تقدم من حديث عائشة ﵂: " ولها المهر بما استحل من فرجها ". ونوقش هذا الاستدلال: بأن كون الأمة مكرهة أو مطاوعة لا تأثير؛ إذ المهر ليس من حقوقها، بل للموقوف عليه. دليل القول الرابع: (وجوب المهر إن كان الواطئ غير الموقوف عليه) استدل لهذا الرأي: بما تقدم من الدليل على وجوب المهر، وخصّ من ذلك الموقوف عليه؛ إذ هو المنتفع، والمهر سيصير إليه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ إذ دليلهم نص في الموضوع.

стр. 1250

المطلب الرابع: مصرف المهر عند القائلين بوجوبه الجارية الموقوفة إذا وطئت وطأ يتعلق به وجوب المهر، فالمهر مصروف إلى الموقوف عليه (١). فإن قيل: إن منفعة البضع لا تملك وحدها دون ملك الرقبة بخلاف منافع البدن، والموقوف عليه لا يستفيد استباحة وطء الأمة الموقوفة، فكيف نجعل المهر له؟ فالجواب: أنه لما لم يوجد مصرف أولى وأقرب من مصرف المنافع، ولا سبيل إلى تعطيل المهر، ولا إلى صرفه إلى جارية أو عبد ليوقف تعين صرفه لمصرف المنافع وهو الموقوف عليه؛ لأنه أقرب الوجوه، والله أعلم (٢). أما تعليل بعض الفقهاء في صرفه للموقوف عليه: بأن له بدل نفعها وهذا بدل لبعض منافعها (٣)، فإنه غير دقيق؛ لأن مالك البدل مالك للمبدل، ولم يقولوا بملكه لمنفعة بضعها.

стр. 1251

المبحث السابع: الجناية على الوقف، وجنايته وفيه مطالب: المطلب الأول: الجناية على الوقف الموجبة للمال، ومصرفها إذا لم يجب القصاص، أو كانت الجناية خطأ من غير موقوف عليه وجبت قيمة العبد إذا كانت الجناية على النفس، وليس للموقوف عليه العفو مجاناً (١). في كشاف القناع: " (فإن قطعت يده) أي الموقوف (أو) قطع (بعض أطرافه عمدا فللقن) الموقوف (استيفاء القصاص؛ لأنه حقه) لا يشركه فيه أحد (وإن عفا) الرقيق الموقوف عن الجناية عليه (أو كان القطع) أو الجرح (لا يوجب القصاص)؛ لعدم المكافأة أو لكونه خطأ أو جائفة ونحوه (وجب نصف قيمته) فيما إذا كان المقطوع يدا أو رجلا أو نحوهما مما فيه نصف الدية وإلا فبحسابه " (٢).

стр. 1252

فعلى كل حال متى ما جني على الوقف جناية موجبة للمال وجبت؛ لأن ماليته لم تبطل ولو بطلت ماليته لم يبطل أرش الجناية عليه (١). فرع: مصرف أرش الجناية على الوقف. إذا وجب الأرش في الجناية على نفس العبد الموقوف أو طرف من أطرافه، ففي مصرف ذلك الأرش خلاف بين العلماء على النحو الآتي: القول الأول: أن أرش الجناية يصرف وقفاً في عبد أو بعض عبد. فيشترى بأرش الجناية عبد كامل يكون وقفاً مكان المجني عليه إن أمكن، وإلا اشتري به شقص من عبد. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). القول الثاني: أن أرش الجناية تصرف للموقوف عليه. وقال به بعض الشافعية (٣). وعلى هذا القول فلو كان القاتل هو الموقوف عليه فلا قيمة عليه (٤). القول الثالث: أن الأرش إنما يصرف للموقوف عليه إذا كان عن جناية فيما دون النفس كالجرح، والجناية على الطرف. وهذا قول لبعض الشافعية (٥)، وقال به بعض الحنابلة (٦).

стр. 1253

القول الرابع: أن أرش الجناية يصرف ملكا للواقف سواء كانت الجناية على نفس أو طرف. وهو قول لبعض الشافعية بناء على أن الوقف ملك لواقفه (١). وعلى هذا القول فلو كان القاتل هو الواقف فلا قيمة عليه (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها: ١ - مراعاة غرض الواقف من استمرار الثواب (٣)؛ لما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٤). ٢ - القياس على الجناية على المدبر، حيث يشترى بقيمته عبد يصير مدبراً، فكذا الوقف (٥). ٣ - تعلق حق البطن الثاني وما بعده في الوقف، فلا يختص به الموقوف عليه، فلم يختص ببدله كالعبد المشترك والمرهون (٦). دليل القول الثاني: (أرش الجناية تصرف للموقوف عليه) أن الوقف ملك للموقوف عليه فيملك بدله؛ لأن من ملك المبدل ملك البدل (٧).

стр. 1254

ونوقش هذا الاستدلال: بأنه سبق في مبحث ملكية الوقف أن الراجح: أن العين الموقوفة بعد وقفها لا يكون لها مالك من الآدميين، ثم على افتراض ملكية الرقيق الموقوف فإنه ملك لا يختص به الموقوف عليه الحاضر؛ وذلك أنه يتعلق به حق البطن الثاني فلم يجز صرف قيمته إليه، وإنما يستحق منفعته، فعلى هذا يشترى بالقيمة عبد مثله تصرف منفعته إلى الموقوف عليه (١). دليل القول الثالث: (الأرش يصرف للموقوف إذا كان دون النفس) أن في أرش الجنايات الواقعة دون النفس فوائد تتعلق بإفاتة، وتفويت، فضاهت المهر والاكتساب، فيجب صرفها إلى مالك المنفعة وهو الموقوف عليه (٢). ونوقش: بأن أروش الجنايات الواقعة دون النفس ليست فوائد ولا تأخذ أحكام الفوائد؛ وذلك أنها ليست بدل منافع أو فوائد، وإنما هي بدل جزء من الوقف لا ينفصل عنه فتأخذ حكمه فهي بدل اليد المقطوعة أو العين المفقودة أو نحوها؛ لأن الفوائد هي الأشياء الزائدة الخارجة عن الذات، ولذلك قال صاحب المصباح: الفائدة: الزيادة تحصل للإنسان (٣). فهي بخلاف المهر؛ لأن المهر بدل منفعة البضع لا بدل البضع ذاته بخلاف الاكتساب؛ لأن الاكتساب فائدة منفعة العمل، أما بدل أروش الأطراف والجراحات، فهي بدل أجزاء الوقف فينقص الوقف بذهاب تلك الأجزاء، فكان من الواجب تتميم هذا النقص في وقف آخر.

стр. 1255

دليل القول الرابع: (أن أرش الجناية ملك للواقف) أن الواقف هو الذي كان مورد الوقف، فترجع قيمته إليه عند نهاية الوقف (١). ونوقش: بأن هذا غير سديد؛ وذلك أن من أتلف عبداً مرهونا لزم جعل القيمة رهنا مكان العبد ولم نقل انتهى الرهن، فلأن يكون الوقف كذلك هاهنا من باب أولى، فإن تعلق حق الوقف لا ينقص عن تعلق حق المرتهن (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بوجوب صرف أرشه في مثله، وهو الموافق للنصوص؛ لأن في ذلك إدامة للوقف اللازم لاستمرار الثواب حتى تتحقق فيه صفة الصدقة الجارية التي فسرها الفقهاء بالوقف كما بيناه سابقاً (٣). المطلب الثاني: القصاص في الجناية على نفس الموقوف إذا كان الموقوف عبدا أو أمة وجني عليه عمداً، فاختلف العلماء ﵏ في حكم القصاص من الجاني على العبد على قولين: القول الأول: أنه يجب القصاص على قاتل العبد الموقوف المكافئ.

стр. 1256

وهذا القول هو الأصح عند الشافعية (١)، وبه قال بعض الحنابلة (٢). القول الثاني: أنه لا قصاص على من جنى على العبد الموقوف، وإنما تجب قيمته فقط. وبه قال الحنفية، وبعض الشافعية، ومذهب الحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (وجوب القصاص) ١ - عموم أدلة القصاص كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٦). والعبد الموقوف داخل في هذه الآيات؛ لأنه إنسان مكلف فيدخل في خطاب الشارع. ٢ - أن الحكمة من القصاص لم تتخلف في حق قاتل عبد الوقف أو أمته، وهي حفظ الحياة ودفع مفسدة التجني على الدماء بالجناية والاستيفاء، فلولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم ابتداء واستيفاء، والله أعلم (٧).

стр. 1257

٣ - أن تعلق حق الموقوف عليه لا يمنع القصاص، وكذلك تعلق حق الله ، بدليل القصاص من الجاني على المرهون رغم تعلق حق المرتهن (١). أدلة القول الثاني: (عدم وجوب القصاص) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - القياس على العبد المشرك في أن عبد الوقف لا يختص به الموقوف عليه، فلم يجز له أن يقتص من قاتله لتعلق البطون القادمة به، كما لا يجوز لأحد الشركاء أن يقتص من قاتل (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه استدلال في مقابلة النص. الوجه الثاني: أن هذا القياس مع الفارق، ألا ترى أن ملكية العبد المشترك ملكية تامة للشركاء بخلاف عبد الوقف ففي ملكيته الخلاف السابق (٣)، على أن الذين يقولون بملكيته قالوا: إنها ملكية ناقصة لا تبيح لهم التصرف بالعين، وإذا لم يبح لهم التصرف بالعين، فإن الذي يستوفي القصاص هو الحاكم لا الموقوف عليه ولا الواقف. ٢ - أن في القصاص استهلاك الوقف وتفويته، والوقف يجب أن يكون محفوظاً (٤). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن هذا اجتهاد مصادم للنص في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٥)، ولا اجتهاد مع النص.

стр. 1258

الوجه الثاني: أنه لو جاز ذلك لجاز أن يقال إن في قتل النفس بالنفس إهداراً للطاقات البشرية، والطاقة البشرية يجب أن تكون محفوظة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن القول الأول؛ للنصوص الصحيحة الصريحة، ولأن تعطيل القصاص يؤدي إلى ضياع حق المجني عليه، والجرأة على القتل إذا علم أنه لن يقتص منه. المطلب الثالث: القصاص في الجناية على طرف الموقوف اختلف العلماء في مسألة القصاص في الجناية على طرف الموقوف على قولين: القول الأول: أنه يجب القصاص على الجاني على طرف الموقوف وجارحه. وهو قول الحنابلة (١)، وهو مقتضى إطلاق المالكية (٢)، والشافعية (٣). القول الثاني: أنه لا قصاص في الجناية على طرف الموقوف، وإنما تجب قيمته. وهذا هو قول الحنفية، حيث إن حكم عبيد الوقف عندهم في الجنايات

стр. 1259

حكم الأرقاء على العموم (١)، والمعتمد عندهم أنه لا قصاص في أطراف العبيد مطلقاً. القول الثالث: يقتص من العبد الأدنى للأعلى ولا عكس. وبه قال بعض الحنفية (٢). وهذا يحتاج إلى معرفة الأعلى وهو غير منضبط. الأدلة: أدلة القول الأول: (وجوب القصاص) استدل أصحاب هذا القول: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٣) (٤). فإن هذه الآية عامة في كل جرح، والجناية على طرف العبد وجرحه داخلة في هذه الآية، كما دخلت فيها الجناية على طرف الحر وجرحه. ٢ - أن الحكمة من القصاص في الجروح والأطراف لم تتخلف في حق الجاني على عبد الوقف وأمته، وهي نيل التشفي ودفع مفسدة التجري على الدماء بالجناية والاستيفاء (٥)، فلولا القصاص في الجروح والأطراف لأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداءً واستيفاء كما سبق بيانه في القصاص في النفس (٦).

стр. 1260

أدلة القول الثاني: (عدم وجوب القصاص) ١ - حديث: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " (١). وجه الدلالة: أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال؛ لأنها وقاية الأنفس كالأموال، ولا مماثلة بين طرفي العبدين للتفاوت في القيمة، وإن تساويا فيها فذلك بالحرز والظن، وليس بيقين، فصار شبهة فامتنع القصاص، بخلاف طرفي الحر؛ لأن استواءهما متيقن بتقويم الشرع (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن كون الأطراف يسلك بها مسلك الأموال قضية تحتاج إلى دليل، وليس كل ما كان وقاية للنفس سلكنا به مسلك الأموال، وإلا للزم أن نسلك بالدين وطاعة الله مسلك الأموال؛ إذ هو وقاية للنفس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .. ﴾ (٤). الوجه الثاني: أن الجناية على النفس، وما دونها يدخل على المجني عليه من الغيظ والعداوة والرغبة في الثأر مالا تدخله الجناية على الأموال فافترقا. ٢ - بأن القصاص استهلاك الوقف وتفويته. وهذا الدليل سبق في مسألة الجناية على نفس الوقف، وسبقت مناقشته هناك (٥).

стр. 1261

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ولما في ذلك من قطع دابر الشر والفساد؛ لأن ترك القصاص سيجعل الآخرين يجرؤون على عبد الوقف لعلمهم بعدم القود، وفي ذلك من الفساد ما فيه، ولكن الله أثبت القصاص بالجروح عموماً؛ قطعاً لتلك المفاسد التي إنما شرع القصاص لقطعها، والله أعلم (١). فرع: اختلف من قال بوجوب القصاص في الجناية على أطراف الموقوف فيمن له حق استيفاء القصاص من طرف الجاني: القول الأول: أن حق الاستيفاء للمجني عليه وهو عبد الوقف أو أمته. وبه قال الحنابلة (٢). القول الثاني: أن حق الاستيفاء للمجني للحاكم. وبه قال بعض الشافعية (٣). القول الثالث: أنه ينبني على ملكية الوقف، فإن كانت لله فللحاكم حق الاستيفاء، وإن كانت ملكية الوقف للموقوف عليه فله حق الاستيفاء. وبه قال بعض الشافعية (٤). الأدلة: أدلة الرأي الأول: أن القصاص حق المجني عليه الموقوف لا يشاركه فيه أحد (٥)، وهو

стр. 1262

الموافق لحكمة القصاص، وهي إدراك الثأر ونيل التشفي وقطع ما يمكن أن يجره التعدي على عبد الوقف من التجري على الدماء بالجناية والاستيفاء. دليل القول الثاني: (أن حق القصاص للحاكم) بناء على خروج الوقف إلى ملك الله تعالى. ونوقش هذا الاستدلال: بأن خروج الوقف إلى ملك الله معناه عدم نقل الملكية فيه، وعدم رجوعه إلى الواقف ونحو ذلك، ولا يلزم من ذلك ألا يكون للوقف حق الاستيفاء. دليل القول الثالث: (أنه ينبني على ملكية الوقف) أن المالك هو المستحق للقصاص كالسيد مع عبده الطلق. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الملك في الوقف انتقل على الصحيح إلى الله (١)، وتقدم مناقشة دليل القول بأن حق القصاص للحاكم بناء على ملكية الوقف لله . الراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لقوة دليله، ولتوافقه مع حكمة القصاص. المطلب الرابع: سقوط أرش جناية الوقف أو بعضه ذكر كثير من الفقهاء حالات لسقوط أرش جناية الوقف أو بعضه، منها: ١ - سقوط ما زاد عن قدر قيمة الوقف: نص الشافعية، والحنابلة: على أن أرش جناية الوقف إذا زادت عن قدر

стр. 1263

قيمته سقط ما زاد عن قدر القيمة ولم يلزم من لزمه فداؤه أكثر من قدر قيمة الوقف (١). قال النووي: " وحيث أوجبنا الأرش في جهة وجب أقل الأمرين من قدر قيمته والأرش، كذا صرح به الأصحاب " (٢). وقال المرداوي: " حيث أوجبنا الفداء، فهو أقل الأمرين من القيمة أو أرش الجناية، اعتباراً بأم الولد " (٣). وذهب بعض الشافعية: أن الواجب الأرش مطلقاً ورده النووي بقوله: " إنه شاذ وباطل " (٤). ٢ - سقوط الأرش بموت الوقف الجاني: ذهب بعض الشافعية إلى سقوط الفداء إذا مات عبد الوقف الجاني عقب الجناية مباشرة قياساً على القن إذا جنى ثم مات (٥)، ولكن الأصح عندهم عدم سقوطه (٦). وأما القياس على القن إذا جنى فهو قياس مع الفارق؛ لأن جناية القن الطلق تتعلق برقبته لا مكان بيعه بخلاف عبد الوقف. ولذلك قال النووي: "ولو مات العبد عقب الجناية بلا فصل ففي سقوط الفداء وجهان: أحدهما: نعم، كما لو جنى القن ثم مات، وأصحهما: لا " (٧).

стр. 1264

٣ - سقوط أرش جناية الوقف المتكررة: ذكر فقهاء الشافعية أن عبد الوقف إذا تكررت جنايته لم يتكرر الفداء، بل يكفي فداؤه مرة واحدة، فإن لم تف القيمة بأرش الجنايات شارك المجني عليه الثاني ومن بعده الأول في قيمة الوقف التي فدي بها العبد للأول، قياساً على تكررها من أم الولد (١). قال الشرواني: "وله إن تكررت الجناية منه حكم أم الولد، أي في عدم تكرر الفداء ومشاركة المجني عليه الثاني ومن بعده للأول في القيمة إن لم تف بأرش الجنايات " (٢). المطلب الخامس: سرقة الوقف وفيه مسائل: المسألة الأولى: سرقة الوقف العام: إذا كان هناك وقف على جهة عامة كالفقراء، والغزاة، ونحو ذلك، فسرق من ذلك المال، فلا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يسرق أجنبي من هذا الوقف: مثال ذلك: سرق غني من مال حبس على الفقراء، فإنه يقطع إذا توفرت شروط السرقة من حرز وغيره؛ لعموم أدلة القطع بالسرقة الآتية.

стр. 1265

الحال الثانية: أن يسرق غير الأجنبي من هذا الوقف: مثال ذلك: سرق فقير من مال حبس على الفقراء، أو مسلم من مال حبس على مصالح المسلمين، ونحو ذلك. فاختلف العلماء في قطعه على قولين: القول الأول: أنه يقطع إلا إن كان نصيبه محدوداً معروف المقدار كالغنيمة، أو ما اشترك فيه ببيع أو ميراث أو غير ذلك .... فإن أخذ زائداً على نصيبه مما يجب في مثله القطع قطع، فإن سرق أقل فلا قطع عليه إلا أن يكون منع حقه في ذلك، أو احتاج إليه فلم يصل إلى أخذ حقه إلا بما فعل، ولا قدر على أخذ حقه خالصاً فلا يقطع وإنما عليه أن يرد الزائد على حقه فقط؛ لأنه مضطر إلى أخذ ما أخذ (١). وهو قول ابن حزم (٢). القول الثاني: أنه لا يقطع. وهو قول جمهور أهل العلم (٣)، ونص الشافعية على عدم القطع ولو كان ذمياً؛ لأنه تبع للمسلمين. الأدلة: دليل القول الأول: (القطع) أولاً: دليله على وجوب القطع مطلقاً: أدلة القطع في السرقة. قال ابن حزم: " فلما لم نجد في المنع من قطع من سرق من المغنم، أو
следующие страницы →