الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ولما في ذلك من قطع دابر الشر والفساد؛ لأن ترك القصاص سيجعل الآخرين يجرؤون على عبد الوقف لعلمهم بعدم القود، وفي ذلك من الفساد ما فيه، ولكن الله أثبت القصاص بالجروح عموماً؛ قطعاً لتلك المفاسد التي إنما شرع القصاص لقطعها، والله أعلم (١).
فرع:
اختلف من قال بوجوب القصاص في الجناية على أطراف الموقوف فيمن له حق استيفاء القصاص من طرف الجاني:
القول الأول: أن حق الاستيفاء للمجني عليه وهو عبد الوقف أو أمته.
وبه قال الحنابلة (٢).
القول الثاني: أن حق الاستيفاء للمجني للحاكم.
وبه قال بعض الشافعية (٣).
القول الثالث: أنه ينبني على ملكية الوقف، فإن كانت لله فللحاكم حق الاستيفاء، وإن كانت ملكية الوقف للموقوف عليه فله حق الاستيفاء.
وبه قال بعض الشافعية (٤).
الأدلة:
أدلة الرأي الأول:
أن القصاص حق المجني عليه الموقوف لا يشاركه فيه أحد (٥)، وهو
стр. 1262
الموافق لحكمة القصاص، وهي إدراك الثأر ونيل التشفي وقطع ما يمكن أن يجره التعدي على عبد الوقف من التجري على الدماء بالجناية والاستيفاء.
دليل القول الثاني: (أن حق القصاص للحاكم)
بناء على خروج الوقف إلى ملك الله تعالى.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن خروج الوقف إلى ملك الله معناه عدم نقل الملكية فيه، وعدم رجوعه إلى الواقف ونحو ذلك، ولا يلزم من ذلك ألا يكون للوقف حق الاستيفاء.
دليل القول الثالث: (أنه ينبني على ملكية الوقف)
أن المالك هو المستحق للقصاص كالسيد مع عبده الطلق.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الملك في الوقف انتقل على الصحيح إلى الله (١)، وتقدم مناقشة دليل القول بأن حق القصاص للحاكم بناء على ملكية الوقف لله .
الراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لقوة دليله، ولتوافقه مع حكمة القصاص.
المطلب الرابع: سقوط أرش جناية الوقف أو بعضه
ذكر كثير من الفقهاء حالات لسقوط أرش جناية الوقف أو بعضه، منها:
١ - سقوط ما زاد عن قدر قيمة الوقف:
نص الشافعية، والحنابلة: على أن أرش جناية الوقف إذا زادت عن قدر
стр. 1263
قيمته سقط ما زاد عن قدر القيمة ولم يلزم من لزمه فداؤه أكثر من قدر قيمة الوقف (١).
قال النووي: " وحيث أوجبنا الأرش في جهة وجب أقل الأمرين من قدر قيمته والأرش، كذا صرح به الأصحاب " (٢).
وقال المرداوي: " حيث أوجبنا الفداء، فهو أقل الأمرين من القيمة أو أرش الجناية، اعتباراً بأم الولد " (٣).
وذهب بعض الشافعية: أن الواجب الأرش مطلقاً ورده النووي بقوله: " إنه شاذ وباطل " (٤).
٢ - سقوط الأرش بموت الوقف الجاني:
ذهب بعض الشافعية إلى سقوط الفداء إذا مات عبد الوقف الجاني عقب الجناية مباشرة قياساً على القن إذا جنى ثم مات (٥)، ولكن الأصح عندهم عدم سقوطه (٦).
وأما القياس على القن إذا جنى فهو قياس مع الفارق؛ لأن جناية القن الطلق تتعلق برقبته لا مكان بيعه بخلاف عبد الوقف.
ولذلك قال النووي: "ولو مات العبد عقب الجناية بلا فصل ففي سقوط الفداء وجهان: أحدهما: نعم، كما لو جنى القن ثم مات، وأصحهما: لا " (٧).
стр. 1264
٣ - سقوط أرش جناية الوقف المتكررة:
ذكر فقهاء الشافعية أن عبد الوقف إذا تكررت جنايته لم يتكرر الفداء، بل يكفي فداؤه مرة واحدة، فإن لم تف القيمة بأرش الجنايات شارك المجني عليه الثاني ومن بعده الأول في قيمة الوقف التي فدي بها العبد للأول، قياساً على تكررها من أم الولد (١).
قال الشرواني: "وله إن تكررت الجناية منه حكم أم الولد، أي في عدم تكرر الفداء ومشاركة المجني عليه الثاني ومن بعده للأول في القيمة إن لم تف بأرش الجنايات " (٢).
المطلب الخامس: سرقة الوقف
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: سرقة الوقف العام:
إذا كان هناك وقف على جهة عامة كالفقراء، والغزاة، ونحو ذلك، فسرق من ذلك المال، فلا يخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن يسرق أجنبي من هذا الوقف:
مثال ذلك: سرق غني من مال حبس على الفقراء، فإنه يقطع إذا توفرت شروط السرقة من حرز وغيره؛ لعموم أدلة القطع بالسرقة الآتية.
стр. 1265
الحال الثانية: أن يسرق غير الأجنبي من هذا الوقف:
مثال ذلك: سرق فقير من مال حبس على الفقراء، أو مسلم من مال حبس على مصالح المسلمين، ونحو ذلك.
فاختلف العلماء في قطعه على قولين:
القول الأول: أنه يقطع إلا إن كان نصيبه محدوداً معروف المقدار كالغنيمة، أو ما اشترك فيه ببيع أو ميراث أو غير ذلك .... فإن أخذ زائداً على نصيبه مما يجب في مثله القطع قطع، فإن سرق أقل فلا قطع عليه إلا أن يكون منع حقه في ذلك، أو احتاج إليه فلم يصل إلى أخذ حقه إلا بما فعل، ولا قدر على أخذ حقه خالصاً فلا يقطع وإنما عليه أن يرد الزائد على حقه فقط؛ لأنه مضطر إلى أخذ ما أخذ (١).
وهو قول ابن حزم (٢).
القول الثاني: أنه لا يقطع.
وهو قول جمهور أهل العلم (٣)، ونص الشافعية على عدم القطع ولو كان ذمياً؛ لأنه تبع للمسلمين.
الأدلة:
دليل القول الأول: (القطع)
أولاً: دليله على وجوب القطع مطلقاً: أدلة القطع في السرقة.
قال ابن حزم: " فلما لم نجد في المنع من قطع من سرق من المغنم، أو
стр. 1266
من الخمس، أو من بيت المال حجة أصلاً لا من قرآن ولا سنة ولا إجماع " (١).
ثانياً: دليله على عدم القطع إذا سرق من شيء له فيه نصيب: أنه إذا سرق قدر حقه فأقل فلا قطع؛ لكونه أخذ حقه.
وإن سرق أزيد من حقه قطع؛ لكونه أخذ شيئاً لا يملكه.
وإن أخذ الزائد في حال منع حقه لم يقطع؛ لاضطراره إلى تخليص حقه.
دليل القول الثاني:
استدل لهذا الرأي: بالأدلة الدالة على درء الحدود بالشبهات (٢)، والسارق له حق في المال الموقوف، فيكون شبهة تدرأ الحد.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بأن سرقة أحد أفراد الموقوف عليهم شبهة تدرأ الحد؛ لعدم تميز ملكه.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول بقطع السارق من الوقف العام؛ لقوة دليله.
المسألة الثانية: سرقة الوقف على معين:
اختلف العلماء في وجوب القطع في سرقة العين الموقوفة على معين على قولين، هما:
القول الأول: أنه يجب قطع سارق العين الموقوفة على معين غيره.
وبه قال بعض الحنفية (٣)، وهو الأصح عند الشافعية (٤)، وهو الصحيح
стр. 1267
من المذهب عند الحنابلة (١).
القول الثاني: أنه لا قطع في سرقة الموقوف على معين.
وهو قول الحنفية (٢)، وهو وجه ضعيف عند الشافعية (٣)، وقول ضعيف للحنابلة (٤).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥)، وعموم أحاديث رسول الله ﷺ في وجوب قطع يد السارق،
(٢٨٢) كحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً" (٦)، فسارق الوقف لا شبهة له في تلك الحال، والوقف محرز سواءً أقلنا الملك فيه لله تعالى أم للموقوف عليه أم للواقف (٧).
٢ - أنها مملوكة للموقوف عليه (٨).
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بأنها مملوكة للموقوف عليه، بل ملك لله تعالى كما سبق تحريره.
стр. 1268
وقال الرملي: "وأما غلة الموقوف المذكور فيقطع بها قطعاً؛ لأنها ملك للموقوف عليه اتفاقاً " (١).
ودليل القول الثاني: (أنه لا يقطع)
القياس على سائر المباحات؛ لأنه لا مالك له، أو ملك ضعيف على القول بأنه ملك للموقوف عليه أو للواقف (٢).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ ذلك أن المباحات يجوز التصرف فيها بالانتفاع بها، ولا يجوز ذلك في الموقوف على الغير، كما أنه قد سبق في بحث ملكية الوقف ترجيح القول بخروج ملكيته إلى الله أن هذا لا يتنافى مع القول بأنه مملوك ملكاً خاصاً لا يبيح له التصرف في عينه (٣).
الترجيح:
الراجح -فيما يظهر لي- هو القول الأول؛ لأن الآية جاءت عامة في قطع السارق، كما أن الحكمة من القطع هي: حفظ الأموال والاحتياط لها، وقطع العضو الفاسد الذي صدرت منه الجناية (٤).
وهذه الحكمة لم تتخلف في القطع بسرقة الوقف، فإن في سرقة الوقف إضراراً بالموقوف عليهم الذين يملكون غلة ذلك الوقف، فتعين القطع؛ حفظاً لأموالهم وحقوقهم، وردعاً لأمثال هؤلاء من الاجتراء على أوقاف المسلمين.
стр. 1269
يدل على ذلك أن سرقة غلة الموقوف على معين يجب فيها القطع بلا خلاف، حيث ذهب الجميع إلى وجوب القطع بتلك السرقة (١).
فإذا كانت سرقة غلة الوقف على معين موجبة للقطع فلأن توجبه سرقة ذات الموقوف على معين أولى، فإن فيه حفظاً لأموال المسلمين وحقوق الموقوف عليهم، وردعاً لأمثال هؤلاء من الاجتراء على أوقاف المسلمين.
المسألة الثالثة: سرقة وقف المسجد الذي قصد به انتفاع الناس:
إذا سرق سارق وقف المسجد الذي يقصد به انتفاع الناس، وذلك نحو حصر المسجد، ومكيفاته وبرادته، وقناديل تسرج فيه، ومصحف موقوف للقراءة في المسجد، ففي وجوب القطع بتلك السرقة خلاف بين العلماء على النحو الآتي:
القول الأول: أنه يجب القطع بسرقة كل ما وقف على المساجد، ومنها ما وقف لانتفاع الناس.
وهذا هو قول بعض الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو وجه عند الشافعية (٤)، ووجه عند الحنابلة (٥).
القول الثاني: أنه لا قطع بسرقة ما وقف على المسجد لانتفاع الناس.
стр. 1270
وهذا هو المشهور عند الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
لكن الشافعية جعلوا هذا الحكم خاصاً في المساجد العامة دون المساجد الخاصة بطائفة من الناس (٤).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (القطع)
١ - عموم أدلة القطع بالسرقة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥).
ولحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" (٦).
٢ - قال ابن عابدين: "الظاهر أن وجهه كون الوقف يبقى على ملك الواقف حكماً" (٧).
ونوقش هذان الاستدلالان: بأن هذه السرقة وإن كانت من حرز إلا أنه تخلف شرط من شروط وجوب القطع بها، وهو انتفاء الشبهة، فالشبهة هنا موجودة؛ وذلك أن العين موقوفة لانتفاع المسلمين، فللسارق فيها حق كغيره، فامتنع القطع لتلك الشبهة؛ لحرص الشارع على درء الحد ما أمكن إلى ذلك سبيلاً كما سبق بيانه.
أما ما ذكره ابن عابدين فإنه حتى على القول بأن الوقف ملك لواقفه فإنه
стр. 1271
ضعيف، ألا ترى أن للسارق فيه حقاً كما للواقف، وهذا الحق أورث شبهة يجب درء القطع بها.
أدلة القول الثاني: (عدم القطع)
١ - عموم الأدلة الدالة على درء الحدود بالشبهات (١).
وذلك لكون تلك الأشياء مما ينتفع بها السارق، فيكون له فيها شبهة فلا يقطع بها، كما لا يقطع بالسرقة من بيت المال (٢).
٢ - أنه مال لا مالك له (٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بالقطع؛ لقوة دليله في مقابل مناقشة دليل المخالف.
المسألة الرابعة: سرقة وقف المسجد الذي قصد به حفظه وعمارته:
إذا سرق سارق وقف المسجد الذي يقصد به حفظ المسجد وعمارته لا انتفاع الناس، وذلك نحو باب المسجد وجذعه وسواريه وسقوفه، ففي وجوب القطع بتلك السرقة خلاف بين العلماء على النحو الآتي:
القول الأول: أنه يجب القطع في سرقة ما وقف على المسجد بقصد تحصينه وحفظه، وعمارته.
وهذا هو قول جمهور العلماء: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
стр. 1272
قال الحطاب: " من أزال باب المسجد عن موضعه خفية على وجه السرقة فإنه يقطع، وسواء خرج بها من المسجد أم لا، وكذلك إذا أزال خشبة من سقفه عن موضعها خفية على وجه السرقة، فإنه يقطع سواء خرج بها من المسجد أم لا " (١).
وقال الشربيني: " المذهب الذي قطع به الجمهور قطع يد المسلم بسرقة باب مسجد وجذعه وتأزيره وسواريه وسقوفه " (٢).
وقال المرداوي: "لو سرق رتاج الكعبة (وهو الباب الكبير) أو باب مسجد أو تأزيره: قطع، هذا المذهب" (٣).
القول الثاني: أنه لا قطع بسرقة كل ما وقف على المساجد، ومنها ما أعد لحفظه وصيانته.
وبه قال الحنفية (٤)، وهو وجه عند الشافعية (٥)، وقال به بعض الحنابلة (٦).
قال النووي الشافعي بعد أن ذكر المذهب في ذلك قال: " ورأى الإمام وجه في الأبواب والسقوف؛ لأنها من أجزاء المسجد، والمسجد مشترك " (٧).
стр. 1273
وقال المرداوي بعد أن ذكر المذهب: " وقيل: لا يقطع مسلم بسرقة باب المسجد " (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (وجوب القطع)
عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، ولحديث عائشة ﵂ السابق، وفيه قول النبي ﷺ : "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً" (٣)؛ وذلك أن السارق سرق نصاباً محرزاً بحرز مثله لا شبهة له فيه؛ لأن تلك الأشياء ليست معدة لانتفاع الناس، فاعتداؤه عليها يعتبر اعتداءً على مال لا حق له فيه، فيلزمه القطع، كسرقة باب بيت الآدمي (٤).
دليل القول الثاني: (عدم وجوب القطع).
أن تلك الأشياء ينتفع بها الناس، فيكون للسارق فيها شبهة كالسرقة من بيت المال، فيدرأ الحد لتلك الشبهة (٥).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم بأن باب المسجد ونحوه جعل لانتفاع الناس، بل لتحصين المسجد وعمارته، فلا شبهة للسارق في سرقتها، بخلاف حصر المسجد، فإنها إنما أعدت لانتفاع الناس بافتراشها والجلوس عليها، وأما جعل سرقة باب المسجد كالسرقة من بيت المال فإنه ليس بدقيق، ألا ترى أن له حقاً في بيت مال المسلمين وليس له ذلك في باب المسجد؟.
стр. 1274
الوجه الثاني: القول بأن سرقة باب المسجد ونحوه ليس من باب درء الشبهة كما سبق.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بوجوب القطع بسرقة باب المسجد ونحوه مما قصد به تحصينه وحفظه وعمارته؛ لأن السارق لا حق له في تلك الأشياء، ولا يجوز له أن ينتفع بها بأي وجه من الوجوه، ولذلك قال ابن عابدين في التفريق بين أوقاف المسجد وبين الأوقاف العامة حين ذكر عدم القطع بهذه الأشياء قال: " وأما وقف المسجد فالظاهر أنه ليس كذلك؛ لأنه ليس لأحد تناول شيء من غلته؛ لأنها تصرف في منافع المسجد ".
كما أن الأصل القطع في كل سرقة ما لم يوجد مانع، ولا مانع فيما يظهر من القطع بتلك السرقة، والله أعلم.
المطلب السادس: جناية الوقف
عبد الوقف وأمته كغيره من العبيد والإماء مكلف ومؤاخذ بجريرته فيقتص منه ويحد بجنايته، ولم أجد لأحد من العلماء قولاً يخالف ذلك.
قال ابن نجيم معقبا على صاحب الكنز: " أفاد المصنف أن العبيد يصح وقفهم تبعا للضيعة، ولم يذكر أحكامهم في البقاء من التزويج والجناية وغيرهما، وحكمهم على العموم حكم الأرقاء " (١).
стр. 1275
فلم يفرق ابن نجيم بين جناية عبد الوقف وأمته، وبين جناية غيرهم من الأرقاء.
قال النووي: "فرع: إذا جنى العبد الموقوف جناية موجبة للقصاص، فللمستحق الاستيفاء، فإن استوفى فات الوقف كموته وإن عفا على مال، أو كانت موجبة للمال لم تتعلق برقبته؛ لتعذر بيع الوقف، لكن يفدى كأم الولد إذا جنت.
فإن قلنا: الملك للواقف فداه، وإن قلنا: لله تعالى، فهل يفديه الواقف، أم بيت المال، أم يتعلق بكسبه؟ فيه أوجه: أصحها: أولها، وإن قلنا: للموقوف عليه، فداه على الصحيح الذي قطع به الجمهور" (١).
وفي كشاف القناع: " (وإن جنى الوقف خطأ فالأرش على موقوف عليه إن كان) الموقوف عليه (معينا) كسيد أم الولد (ولم يتعلق) الأرش (برقبته) أي الموقوف؛ لأنه لا يمكن تسليمه (كأم الولد ولم يلزم الموقوف عليه أكثر من قيمته) أي الموقوف (كأم الولد) فيلزم أقل الأمرين من القيمة أو أرش الجناية (وإن كان) الموقوف عليه (غير معين كـ) العبد الموقوف على (المساكين إذا جنى فـ) أرش جنايته (في كسبه)؛ لأنه ليس له مستحق معين يمكن إيجاب الأرش عليه، ولا يمكن تعلقها برقبته فتعين في كسبه (وإن جنى) الموقوف (جناية توجب القصاص وجب) القصاص؛ لعموم ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية (فإن قتل بطل الوقف) كما لو مات حتف أنفه، وإن عفا مستحقه فعلى ما سبق من التفصيل في الأرش " (٢).
ودليل ذلك:
عموم آيات القصاص والحدود، فلم تفرق بين الوقف وغيره.
стр. 1276
قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢).
المطلب السابع: الجهة التي يجب فيها أرش الجناية
إذا كانت جناية العبد الموقوف تتعلق بالمال سواء كانت موجبة للمال أصلاً، أو كانت موجبة للقصاص فعفا المجني عليه على مال فللعلماء أقوال:
القول الأول: أن أرش جناية عبد الوقف يكون في كسبه.
وهذا قول للحنفية (٣)، وقال به بعض الشافعية (٤)، وهو قول للحنابلة (٥).
القول الثاني: أن أرش جناية عبد الوقف يكون على الموقوف عليه إن كان معيناً، وإن كان غير معين ففي كسبه.
وهذا القول هو المذهب عند الحنابلة (٦)، وقال به بعض الشافعية (٧).
стр. 1277
القول الثالث: يجب على المتولي أن يختار ما هو الأصلح من دفع العبد الموقوف للمجنى عليه أو فدائه.
وبه قال بعض الحنفية (١).
القول الرابع: أن أرش جناية عبد الوقف يكون في بيت المال.
وهذا القول قال به بعض الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣).
القول الخامس: أن أرش جناية عبد الوقف يكون على الواقف.
وقال بهذا القول جمع من الشافعية (٤)، وقال به بعض الحنابلة (٥).
الأدلة:
دليل القول الأول:
القياس على جناية الحر، فإنها تجب في ماله وكذلك الموقوف تجب في كسبه (٦)؛ لأنه لا يمكن تعلقها برقبته لامتناع بيعه، ولا يمكن تعلقها بالموقوف عليه؛ لأن الراجح أنه لا يملكه (٧).
دليل القول الثاني:
قياس الموقوف عليه على سيد أم الولد بجامع أن كلاً منهما مالك لعين تعلق أرش جنايتها برقبتها، فكان على مالكها وهو هنا الموقوف عليه (٨).
стр. 1278
ونوقش هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أنا لا نسلم بأن الموقوف عليه مالك للعين الموقوفة، فقد سبق أن الراجح أن ملكية العين بعد وقفها تتنقل إلى الله تعالى، فلا يكون لها مالك من الآدميين.
الوجه الثاني: أنه حتى لو فرض أن الموقوف عليه مالك للعين الموقوفة، فإن هذا القياس قياس مع الفارق، فإن سيد أم الولد لا يشاركه أحد في ملكيتها، ويملك بدلها إذا جني عليها ملكاً تاماً يبيح له سائر التصرفات المشروعة للملاك، بخلاف الموقوف عليه فإنه يشاركه غيره من البطون الأخرى في ملكية الوقف، ولا يملك بدله إذا جنى عليه، بل يكون وقفاً مكانه رعاية للبطون الأخرى.
دليل القول الثالث: قياس العبد الموقوف الجاني على العبد الطلق الجاني.
ونوقش: بأن قياس العبد الموقوف على الطلق قياس مع الفارق، حيث إن العبد الطلق يجوز بيعه وشراؤه، والمبادلة به، بخلاف العبد الموقوف، فلا يجوز بيعه ولا المبادلة به.
دليل القول الرابع: قياس أرش عبد الوقف على أرش جناية الحر المعسر في وجوبها من بيت المال (١).
ونوقش: أن هذا الدليل ضعيف جداً، فإن الجناية إنما تكون في بيت المال في صورة تحملها العاقلة عند عدمها، وجناية العبد لا تحملها العاقلة (٢).
стр. 1279
دليل القول الخامس:
أنه متسبب إلى منع العبد من البيع لوقفه إياه، فكان ذلك موجباً للفداء عليه قياساً على إيجاب فداء المستولدة الجانية على مستولدها لتسببه منع بيعها (١).
ونوقش: أن إيجاب الفداء على الواقف بسبب وقفه عقاب على الإحسان، فهو مناف لقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وإن قياس وقفه على استيلاد الأمة قياس مع الفارق، فهذا الواقف أراد الإحسان المحض وذاك المستولد أراد الاستمتاع وحظ نفسه، ثم إن المستولد مالك لمستولدته مالك لمنفعته مالك لبدلها فيما لو جنى عليها بخلاف الواقف لا يملك شيئاً من ذلك.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- وجوب الأرش في كسب العبد الموقوف؛ إذ لا يمكن تعلق الجناية برقبته لعدم بيعه، كما أن أرش جنايته كنفقة عمارته، ونفقة العمارة تكون في الغلة.
стр. 1280
المبحث الثامن: قسمة عين الوقف بين الموقوف عليهم
إذا وقف شخص داره على أولاده -زيد، وبكر، وعمرو-، ثم على أولادهم، فأراد أولاده الانتفاع به، فلا يخلو الانتفاع به من حالات ثلاث:
الحال الأولى: أن يبقى على شيوعه بينهم، وينتفعوا به جميعاً، وهذا ظاهر.
الحال الثانية: أن ينتفعوا به عن طريق المهايأة الزمانية.
وهي: التناوب على الانتفاع بالوقف مدة معلومة.
التهايؤ لغة: يطلق على معاني منها التمالؤ (١).
وأما في الاصطلاح، فقيل: بأنها قسمة المنافع، وقيل: بأنها اختصاص كل شريك بمشترك فيه عن شريكه فيه زمنا معينا من متحد، أو متعدد يجوز في نفس منفعته لا في غلته.
أو المكانية، وهي: أن يستقل كل واحد من الموقوف عليهم بالانتفاع ببعض معلوم من الوقف، بأن ينتفع به كل واحد سنة، أو يأخذ كل واحد منهم قطعة معينة من البستان الموقوف يزرعها لنفسه، ويقوم على ما فيها من شجر، ثم في السنة الأخرى إن شاؤوا بقوا على ما هم عليه (٢).
стр. 1281
وقد دل على مشروعية المهايأة: قوله تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ (١).
أنواع المهايأة:
المهايأة على المنافع قسمان:
الأول: مهايأة زمانية، وهي أن ينتفع كل من الشريكين على التعاقب بجميع الشيء المشترك مدة معينة بنسبة حصته، كأرض مشتركة أثلاثا بين شخصين إذا اتفقا على أن يزرعها هذا سنة والآخر سنتين.
الثاني: المهايأة المكانية، وهي التهايؤ بالأجزاء، فيخصص لكل من الشركاء بعض من المال المشترك بنسبة حصته ينتفعون معا في وقت واحد، كدار يسكن كل من الشريكين فيها قسما يعادل حصته.
محل المهايأة: تجري المهايأة المكانية في الوقف المشترك الذي يقبل القسمة كالدار الكبيرة، وأما ما لا يقبل القسمة كالحيوان والسيارة، ونحو ذلك فلا يمكن فيه المهايأة المكانية، وإنما تتعين فيه المهايأة الزمانية.
قسمة الوقف المشترك بين الموقوف عليهم بالتهايؤ:
اختلف الفقهاء في قسمة الوقف المشترك على الموقوف عليهم بالتهايؤ فيما بينهم على قولين مشهورين هما:
القول الأول: جواز قسمة الوقف المشترك بالتهايؤ.
وعليه جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
قال الهيثمي ﵀: " تقسم المنافع بين الشريكين كما تقسم الأعيان مهايأة ".
стр. 1282
وقال المرداوي ﵀: " إذا اقتسما المنافع بالزمان، أو المكان صح، وكان ذلك جائزا على الصحيح من المذهب ".
دليلهم:
١ - حديث عمر ﵁، وفيه: قوله ﷺ : " تصدق بأصلها … " (١)، ففي الحديث إطلاق الانتفاع بالوقف للموقوف عليهم من غير تقييد؛ لأن الحق لهم، فلهم الاتفاق على ما يرونه من الانتفاع؛ إذ الأصل الحل.
٢ - أن التهايؤ طريق من طرق الانتفاع بالوقف من غير ضرر وذلك بالعدل بين الموقوف عليهم (٢).
القول الثاني: عدم جواز التهايؤ في القسمة.
قاله جمهور الحنفية، وبعض المالكية (٣).
قال ابن الهمام ﵀: " وأجمعوا أن الكل لو كان وقفا على الأرباب وأرادوا القسمة لا تجوز، وكذا التهايؤ ".
دليلهم:
١ - أن التهايؤ مع طول الزمان قد يؤدي إلى دعوى الملكية، أو أن يدعي كل واحد منهم أو بعضهم أن ما في يده موقوف عليه بعينه، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر (٤).
ونوقش: بعدم التسليم، ولو سلم فإنه يزل هذا المحظور بكتابة الوثيقة (٥).
стр. 1283
٢ - أن فيه مخاطرة وغررا لجواز أن تكون غلته في يوم أحدهم أكثر منها في يوم الآخر (١).
ونوقش: بعدم تسليم الغرر؛ إذ إنه ملك الانتفاع في هذه النوبة.
وعلى هذا فالأقرب القول الأول.
وهل يجبر على قسمة المهايأة؟.
جمهور أهل العلم: على أنه لا يجبر عليها؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بنصيب صاحبه لقاء انتفاع الآخر بنصيبه، فلا يجبر عليها كالبيع.
ولأنها تعجل حق أحدهما وتؤجل حق الآخر، ولا يجوز تأخير حق أحدهما بغير رضاه.
ولأن المنفعة معدومة لا يدري ما يحصل منها وما لا يحصل.
القول الثاني: أنه يجبر على المهايأة المكانية دون الزمانية.
وهو وجه عند الحنابلة (٢).
وحجته: أن التهايؤ في المكان أعدل في زمان الانتفاع، وعدم تقدم أحدهما على الآخر.
القول الثالث: أنه يجبر على المهايأة مطلقاً.
وهو قول عند المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
إذ في الامتناع منها ضرر على الآخر.
ونوقش: بأن رفع الضرر ممكن بطريق آخر غير القسمة.
стр. 1284
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم الإجبار؛ لإمكان القسمة بطريق آخر.
فرع: إذا وقع الاتفاق على المهايأة:
فاختلف العلماء في لزومها على قولين:
القول الأول: أنها لازمة.
وهو قول المالكية، ووجه عند الشافعية، ووجه الحنابلة (١).
ودليلهم: أدلة الوفاء بالعقود والشروط (٢).
وعند جمهور أهل العلم: لا يجب الوفاء (٣)؛ لإمكان القسمة بطريق آخر.
ونوقش: بأنه إذا وقع العقد وجب الوفاء به.
والأقرب: قول المالكية؛ لقوة دليله.
لكن ليس لهم استدامة هذه القسمة، بل يجب عليهم نقضها؛ إذ لو استديمت لصارت قسمة حقيقية - وإن شاؤوا تناقلوا المنافع ليأخذ زيد ما بيد بكر ويأخذ بكر ما بيد عمرو وهكذا .... وهذه المهايأة ليست بلازمة، فلهم إبطالها متى شاؤوا؛ لأنها ليست بقسمة؛ إذ القسمة اختصاص كل واحد ببعض العين على الدوام.
الحال الثالثة: أن ينتفعوا به عن طريق قسمة لازمة، ويختص كل واحد منهم بجزء يقوم عليه وينتفع به.
وقد اختلف في جواز القسمة على قولين:
стр. 1285
القول الأول: أن هذه القسمة لا تجوز.
وبه قال الحنفية، والمالكية، وهو المذهب عند الشافعية (١)، وهو قول الحنابلة، وجزم به شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
جاء في حاشية ابن عابدين: " قال في الفتاوى ابن الشلبي: القسمة بطريقة التهايؤ وهو التناوب في العين الموقوفة فذلك سائغ .... ومقتضاه: أنه ليس لهم استدامة هذه القسمة، بل يجب عليهم نقضها واستبدال الأماكن بعضها ببعض؛ إذ لو استديمت صارت القسمة الممنوعة بالإجماع " (٣).
جاء في فتح العلي المالك: " ما قولهم في قسمة العقار المحبس .......
فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله تسوغ قسمته قسمة اغتلال وانتفاع .... وأما قسمته بتاً بحيث من نابه شيء يتصرف تصرف المالك … فلا يجوز اتفاقا " (٤).
وجاء في شرح الروض: "ولأهل الوقف المهايأة في الموقوف لا قسمته … " (٥).
وجاء في مجموع فتاوى شيخ الإسلام: " إذا كان الوقف على جهة واحدة فإن عينه لا تقسم قسمة لازمة لا في مذهب أحمد ولا غيره، وإنما في المختصرات لما أرادوا بيان فروع قولنا: القسمة إفراز أو بيع، فإذا قلنا هي بيع لم يجز؛ لأن الوقف لا يباع، وإذا قلنا هي إفراز جاز قسمته في الجملة
стр. 1286
ولم يذكروا شروط القسمة … وصرح الأصحاب بأن الوقف إنما تجوز قسمته إذا كان على جهتين، فأما الوقف على جهة واحدة فلا تقسم عينه اتفاقاً ".
القول الثاني: أن هذه القسمة جائزة.
وبه قال أبو الحسين ابن القطان (١)، وهو وجه للحنابلة (٢)، جزم به صاحب المحرر (٣) وصاحب المنتهى (٤)، واستظهره صاحب الفروع (٥).
وقال النووي: " لا يجوز قسمة العقار الموقوف بين أرباب الوقف.
وقال ابن القطان: إن قلنا القسمة إفراز جاز فإذا انقرض البطن الأول، انقضت القسمة، ويجوز المهايأة، قاله ابن كج " (٦).
وقال السبكي: "بستان أو دار وقف على جماعة ليس لهم أن يقتسموه، وعن أبي الحسن: إذا جعلنا القسمة إفرازا جاز، فإذا انقرض البطن الأول انتقضت ".
وقال ابن النجار: " ويصح قسم موقوف -ولو على جهة- بلا رد ".
وقال الرحيباني: " ويصح قسم موقوف -ولو كان موقوفا على جهة واحدة، قال في الفروع: وظاهر كلامهم، أي الأصحاب: لا فرق بين أن يكون الوقف على جهة أو جهتين. قال: هو أظهر، وفي المبهج لزومها إذا اقتسموا بأنفسهم " (٧).
стр. 1287
الأدلة:
أدلة القول الأول: (عدم جواز قسمة عين الواقف)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - حديث عمر ﵁ السابق (١).
دل الحديث على أن الوقف يراد للدوام مع إمكان ذلك، وقسمة الموقوف قسمة تملك لازمة تذهب بعين الوقف، وتقطع دوامه.
٢ - أن قسمة عين الوقف يتعلق به حق الطبقة الثانية والثالثة، فلا يجوز أن تستقل به الطبقة الأولى (٢).
٣ - أن من شرط الوقف عدم البيع؛ لقوله ﷺ لعمر ﵁: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث "، وعلى القول بأن القسمة بيع لا إفراز، فإن فيها تغييرا لشرط الواقف، وتغييرا لما فيه مضرة غير جائزة (٣).
٤ - أن الموقوف عليهم ليس لهم حق إلا في الغلة، فلهم اقتسامها، وأما العين فليست ملكاً لهم، فليس لهم حق اقتسامها.
دليل القول الثاني: (جواز قسمة الوقف قسمة لازمة)
استدل لهذا القول بما يلي:
أن في القسمة رعاية لجانب الوقف ليرغبوا في عمارته ولا يتواكلوا (٤).
ونوقش هذا الاستدلال: أن ما ذكروه ليس مبررا لقسمة الوقف وهضم حق من يأتي من البطون، وليس هو الطريق للمحافظة على الوقف، وإنما
стр. 1288
الطريق هو تعيين ناظر صالح على الوقف، فإذا احتاجت العين إلي العمارة قدمها على المستحقين كما سبق بيانه.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو قول عامة أهل العلم القائل بعدم جواز قسمة عين الوقف؛ لأن قسمة الوقف تؤدي إلى ضياعه مع مرور الزمن واشتهاره بمن هو تحت يده، وبالتالي دعوى ملكيته، ولذلك قال المناوى: " قال في الأنوار: لو طال مقام رجل في بقعة وخيف من مقامه اشتهارها به، واندراس الوقف فللإمام نقله منها ".
ويتذرع بعض الناس بأن في قسمة الأوقاف قضاء على ما يمكن أن يحدث من الشحناء بين أرباب الوقف، وهذه مغالطة، فلو طبقت الأحكام الشرعية على أوقاف الناس، وعين لكل وقف ناظر ما حصل من ذلك شيء؛ إذ يكون الناظر هو المسؤول عن عين الوقف والمحافظة عليها ومتابعة المنتفعين بها إذا كانت معدة للاستغلال، أما الموقوف عليهم فإنما حقهم في الغلة أو المنفعة على أن لهم الحق في المطالبة بتغيير الناظر عند خيانته أو تقصيره.
بل المشاحنات إنما تحدث بسبب مخالفة الشرع، كما في قسمة الوقف (١).
стр. 1289
المبحث التاسع: غرس الأشجار في المسجد، والأكل من ثمره
وفيه مطالب:
المطلب الأول: حكمه
الأشجار الموجودة داخل المساجد تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما غرس ابتداءً أي أن النخلة أو الشجرة غرست بعد أن صار مسجداً، وهذه اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: يحرم غرس الشجر في المسجد.
وبه قال الحنابلة (١).
جاء في المغني: "ولا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة، نص عليه أحمد .. " (٢).
وجاء في كشاف القناع: "ويحرم غرس شجرة في مسجد، فإن فعل بأن غرس قلعت الشجرة ..... " (٣).
стр. 1290
وحجته (١):
١ - أنها غرست بغير حق.
٢ - أن المساجد لم تبن إلا للعبادة، وغرس الأشجار فيها تعطيل لمنافعها الأصلية.
٣ - أن الشجرة تؤذي المسجد، وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها.
٤ - أن ثمر وورق الأشجار يتساقط في المسجد، فيتسخ المسجد.
٥ - تسقط عليها العصافير والطير فتبول (٢) في المسجد.
٦ - أن الصبيان ربما اجتمعوا في المسجد من أجلها، ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها.
القول الثاني: يكره غرس الشجر في المسجد.
وبه قال الحنفية (٣)، والشافعية (٤).
جاء في الفتاوى الهندية: "ويكره غرس الشجر في المسجد .... إلا أن يكون فيه منفعة للمسجد بأن كانت الأرض نزة لا تستقر أساطينها (٥) فيغرس فيه الشجر ليقل النز" (٦).
وجاء في المجموع: "يكره غرس الشجر في المسجد، ويكره حفر البئر فيه .... وللإمام قلع ما غرس فيه" (٧).
стр. 1291
وحجته:
استدل الحنفية والشافعية على كراهة غرس الشجر في المسجد: بما استدل به الحنابلة على تحريم غرس الشجر في المسجد، وبقوله ﷺ : " ليس لعرق ظالم حق " (١)، ولأن الظلم وضع الشيء في غير محله، وهذا كذلك (٢).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم غرس الأشجار في المسجد؛ لأنها إنما بنيت للعبادة كالصلاة وذكر الله وقراءة القرآن، وإحداث أي شيء فيها زيادة على ما أثر عن رسول الله ﷺ وأصحابه.
القسم الثاني: أن توجد النخلة أو الشجرة في أرض فيجعلها صاحبها مسجداً، والنخلة أو الشجرة فيها، وقد تفرد بذكر هذه المسألة الحنابلة (٣) فقالوا: لا بأس بذلك؛ وعللوا له بأن صاحب الأرض لما جعلها مسجداً والنخلة فيها، فقد وقف الأرض والنخلة معها (٤).
стр. 1292
المطلب الثاني: مصرف ثمن ثمر النخلة في الأرض الموقوفة مسجداً
الكلام في هذا المطلب سيكون فيما إذا كانت وقفاً على المسجد:
إن قال صاحب النخلة: هذه وقف على المسجد، فينبغي أن يباع ثمرها، ويصرف إليه، كما لو وقفها على المسجد وهي في غيره، قال أبو الخطاب: "عندي أن المسجد إذا احتاج إلى ثمن ثمرة الشجرة بيعت، وصرف ثمنها في عمارته" (١).
وبهذا قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 1293
المطلب الثالث: الأكل من الشجر المثمر داخل المسجد
تفرد بذكر هذه المسألة الحنابلة ﵏؛ لأنها تبنى على القسم الثاني من المسألة السابقة، وهي أن توقف الأرض وفيها نخل، وقالوا إن عين مصرف الثمرة عمل به، أما إن لم يعين مصرفها فيجوز لكل محتاج أن يأكل منها (١).
стр. 1294
الباب الخامس: وقف المريض
وفيه فصول:
الفصل الأول: تعريف المرض، وما يلحق بمرض الموت، وحكمة تقييد تبرعات المريض مرض الموت.
الفصل الثاني: أقسام المرض، وحكم الوقف في كل قسم.
الفصل الثالث: تعليق الوقف بالموت.
стр. 1295
الفصل الأول: تعريف المرض، وما يلحق بمرض الموت، وحكمة تقييد تبرعات المريض مرض الموت
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف المرض.
المبحث الثاني: ما يلحق بمرض الموت.
المبحث الثالث: الحكمة في تقييد تبرعات المريض مرض الموت.
стр. 1296
المبحث الأول: تعريف المرض
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف المرض لغةً، واصطلاحاً
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريف المرض لغة:
المرض في اللغة: يطلق على معان منها: الشك والريبة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٢)(٣).
والنفاق كما في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٤)(٥)، والسقم والفتور، والظلمة، والانحراف عن الصواب، وهو نقيض الصحة (٦).
стр. 1297
المسألة الثانية: تعريف المرض في الاصطلاح:
المرض في الاصطلاح: حالة للبدن يزول بها اعتدال الطبيعة.
والمقصود هنا مرض الموت.
وقيل في تعريفه: هو المرض الذي يحكم أهل الخبرة بكثرة الموت من مثله، وإن لم يكن غالباً.
وهو المشهور عند المالكية، وقول عند الشافعية (١).
والمراد بالكثرة: أن لا يتعجب من صدور الموت منه، ولو لم يكن غالباً منه.
ويحترز بذلك من نحو وجع الضرس، والرمد ونحو ذلك، فإنه يتعجب من صدور الموت عن مثل ذلك.
وعن الإمام مالك: "أنه كل مرض أقعد صاحبة عن الدخول والخروج" (٢).
وقيل: هو الذي يخاف منه الموت غالباً.
وهو قول الحنفية، وبعض المالكية، وبه قال الشافعي (٣).
وقيل: هو الذي أضناه المرض، وصار صاحب فراش.
وهو قول الحنفية (٤).
وقيل: " ما لا يقدر صاحبة أن يقوم إلا أن يقام ".
стр. 1298
وقيل: " إذا كان يخطو ثلاث خطوات من غير أن يستعين بغيره فصحيح، وإلا فمريض ".
وقيل: " أن لا يقدر على الصلاة إلا جالساً ".
وهذه أقوال للحنفية (١).
وقيل: هو كل ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت من العمل الصالح كالقولينج (٢)، وذات الجنب (٣)، والرعاف الدائم (٤)، والإسهال المتواتر مع قيام الدم (٥)، والسل (٦) في انتهائه، والفالج (٧) في ابتدائه، والحمى المطبقة (٨)(٩).
وهو قول عند الشافعية.
وقال شيخ الإسلام: " ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على الظن
стр. 1299
الموت منه، أو يتساوي في الظن جانب البقاء والموت … وإنما الغرض أن يكون سبباً صالحاً للموت فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده ".
وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه.
وهناك أمراض شاعت في زماننا أشد خطورة من هذه كالسرطان، والإيدز نسأل الله العافية، وعلى أية حال، فإن الفقهاء متفقون على أنه لا بد فيه من تحقيق شرطين:
الأول: أن يتصل به الموت.
الثاني: أن يكون المرض مخوفاً (١).
والأقرب: أن يقال: إن المرجع في معرفة كونه مخوفاً أو غير مخوف إلى أهل الخبرة وأهل العلم به، فإن قالوا: بأن هذا المرض مخوف، فتصرف صاحبه تصرف المريض، وإن قالوا: غير مخوف، فتصرفه تصرف الصحيح (٢).
فرع: إذا مات المريض بسبب آخر.
اتفق الفقهاء على أن المرض لا أثر له في التبرع إلا إذا اتصل به الموت، أما لو برئ المريض من مرضه فإن جميع تبرعاته تصح نافذة وتعتبر صحيحة؛ لأنها صدرت من الأهل في المحل ولا مانع من نفاذها.
ولو مات المريض بسبب آخر في أثناء المرض، كما لو مات بسبب غرق
стр. 1300
ونحو ذلك، فإن تبرعاته تعتبر صادرة من مريض مرض الموت، فيضاف الموت من حيث الحكم إلى المريض الأصلي بقطع النظر عن السبب الطارئ.
وإلى هذا ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
ويرى عيسى بن أبان -الحنفى- أن المريض لو مات بسبب آخر كما مثلنا، فإن تبرعاته تكون نافذة كالصحيح.
وحجته: أن مرض الموت ما يكون سبباً للموت، ولما مات بسبب آخر علمنا أن مرضه لم يكن مرض الموت.
وأجيب: بأن الموت اتصل بمرضه حيث لم يصح حتى مات، فكان مرضه مرض الموت، وقد يكون للموت سببان المرض والحادث الطارئ.
المطلب الثاني: إذا شك في المرض
إذا شك في المرض هل هو مخوف أو لا؟ يرجع في ذلك إلى أهل الطب، قال الشافعي: " وما أشكل من هذا أن يخلص بين مخوفه وغير مخوفه سئل عنه أهل العلم به (١).
وقال ابن قدامه: " وما أشكل أمره من الأمراض رجع فيه إلى قول أهل المعرفة، وهم الأطباء؛ لأنهم أهل الخبرة بذلك والتجربة والمعرفة " (٢).