← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

المبحث الأول: تعريف المرض وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المرض لغةً، واصطلاحاً وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف المرض لغة: المرض في اللغة: يطلق على معان منها: الشك والريبة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٢) (٣). والنفاق كما في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٤) (٥)، والسقم والفتور، والظلمة، والانحراف عن الصواب، وهو نقيض الصحة (٦).

стр. 1297

المسألة الثانية: تعريف المرض في الاصطلاح: المرض في الاصطلاح: حالة للبدن يزول بها اعتدال الطبيعة. والمقصود هنا مرض الموت. وقيل في تعريفه: هو المرض الذي يحكم أهل الخبرة بكثرة الموت من مثله، وإن لم يكن غالباً. وهو المشهور عند المالكية، وقول عند الشافعية (١). والمراد بالكثرة: أن لا يتعجب من صدور الموت منه، ولو لم يكن غالباً منه. ويحترز بذلك من نحو وجع الضرس، والرمد ونحو ذلك، فإنه يتعجب من صدور الموت عن مثل ذلك. وعن الإمام مالك: "أنه كل مرض أقعد صاحبة عن الدخول والخروج" (٢). وقيل: هو الذي يخاف منه الموت غالباً. وهو قول الحنفية، وبعض المالكية، وبه قال الشافعي (٣). وقيل: هو الذي أضناه المرض، وصار صاحب فراش. وهو قول الحنفية (٤). وقيل: " ما لا يقدر صاحبة أن يقوم إلا أن يقام ".

стр. 1298

وقيل: " إذا كان يخطو ثلاث خطوات من غير أن يستعين بغيره فصحيح، وإلا فمريض ". وقيل: " أن لا يقدر على الصلاة إلا جالساً ". وهذه أقوال للحنفية (١). وقيل: هو كل ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت من العمل الصالح كالقولينج (٢)، وذات الجنب (٣)، والرعاف الدائم (٤)، والإسهال المتواتر مع قيام الدم (٥)، والسل (٦) في انتهائه، والفالج (٧) في ابتدائه، والحمى المطبقة (٨) (٩). وهو قول عند الشافعية. وقال شيخ الإسلام: " ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على الظن

стр. 1299

الموت منه، أو يتساوي في الظن جانب البقاء والموت … وإنما الغرض أن يكون سبباً صالحاً للموت فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده ". وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه. وهناك أمراض شاعت في زماننا أشد خطورة من هذه كالسرطان، والإيدز نسأل الله العافية، وعلى أية حال، فإن الفقهاء متفقون على أنه لا بد فيه من تحقيق شرطين: الأول: أن يتصل به الموت. الثاني: أن يكون المرض مخوفاً (١). والأقرب: أن يقال: إن المرجع في معرفة كونه مخوفاً أو غير مخوف إلى أهل الخبرة وأهل العلم به، فإن قالوا: بأن هذا المرض مخوف، فتصرف صاحبه تصرف المريض، وإن قالوا: غير مخوف، فتصرفه تصرف الصحيح (٢). فرع: إذا مات المريض بسبب آخر. اتفق الفقهاء على أن المرض لا أثر له في التبرع إلا إذا اتصل به الموت، أما لو برئ المريض من مرضه فإن جميع تبرعاته تصح نافذة وتعتبر صحيحة؛ لأنها صدرت من الأهل في المحل ولا مانع من نفاذها. ولو مات المريض بسبب آخر في أثناء المرض، كما لو مات بسبب غرق

стр. 1300

ونحو ذلك، فإن تبرعاته تعتبر صادرة من مريض مرض الموت، فيضاف الموت من حيث الحكم إلى المريض الأصلي بقطع النظر عن السبب الطارئ. وإلى هذا ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. ويرى عيسى بن أبان -الحنفى- أن المريض لو مات بسبب آخر كما مثلنا، فإن تبرعاته تكون نافذة كالصحيح. وحجته: أن مرض الموت ما يكون سبباً للموت، ولما مات بسبب آخر علمنا أن مرضه لم يكن مرض الموت. وأجيب: بأن الموت اتصل بمرضه حيث لم يصح حتى مات، فكان مرضه مرض الموت، وقد يكون للموت سببان المرض والحادث الطارئ. المطلب الثاني: إذا شك في المرض إذا شك في المرض هل هو مخوف أو لا؟ يرجع في ذلك إلى أهل الطب، قال الشافعي: " وما أشكل من هذا أن يخلص بين مخوفه وغير مخوفه سئل عنه أهل العلم به (١). وقال ابن قدامه: " وما أشكل أمره من الأمراض رجع فيه إلى قول أهل المعرفة، وهم الأطباء؛ لأنهم أهل الخبرة بذلك والتجربة والمعرفة " (٢).

стр. 1301

المبحث الثاني: ما يلحق بمرض الموت هناك حالات ألحق الفقهاء صاحبها بالمريض مرض الموت مع أنه ليس بمريض، لكن لما يخشى من هلاكه، وهذه الحالات هي: وفيه مطالب: المطلب الأول: الحامل واختلف في الوقت الذي تلحق فيه بمرض الموت على قولين: القول الأول: أنه لا يكون مخوفاً إلا إذا كانت في المخاض. وبه قال الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وصححه ابن قدامة من الحنابلة، قال المرداوي: هي المذهب، وبه قال النخعي (٣). وحجته: أنه ألم شديد يخاف منه التلف فأشبهت سائر الأمراض المخوفة، وأما قبل ذلك فلا ألم بها، واحتمال وجوده خلاف العادة، فلا يثبت الحكم باحتماله البعيد مع عدمه كالصحيح (٤).

стр. 1302

ولقاعدة: الأمور بخواتيمها. وعند الشافعية: بعد الولادة فإن بقيت المشيمة معها فهو مخوف، وإن مات الولد في بطنها فهو مخوف؛ لأنه يصعب خروجه، وإن وضعت الولد وخرجت المشيمة وحصل ثم ورم، أو ضربان شديد فهو مخوف (١). القول الثاني: أنه إذا أكملت ستة أشهر ودخلت في الشهر السابع. وهو قول المالكية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، قال الحارثي: هي المذهب. وحجته: قول الله : ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الله تعالى جعل أول الحمل بشارة، وجعل آخره ثقلاً، وسبب الخوف من وقت الوضع؛ لذلك دعوا الله ربهما لئن أتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فوقت الإثقال هو وقت الوضع. وهذا الذي ذكره الفقهاء ﵏ قبل ترقي الطب، أما في زماننا هذا بعد ترقي الطب فيمكن أن تكون مثل هذه الحالات ليست مخوفة، وعلى هذا يرجع إلى ثقات الأطباء في تحديد كونه مخوفاً، أو غير مخوف. وعند الظاهرية، وهو قول الحسن البصري، والقاسم بن محمد، ومكحول: أن تبرعاتها من رأس المال.

стр. 1303

وتقدم قول الظاهرية: إن المريض مرضا مخوفا تبرعاته من رأس المال، وتقدم دليله والجواب عليه (١). المطلب الثاني: حضور القتال وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الحجر عليه. اختلف العلماء ﵏ فيمن حضر القتال هل يحجر عليه أو لا؟ القول الأول: أنه يحجر عليه. وهو قول جمهور أهل العلم (٢). القول الثاني: أنه لا يحجر عليه، وأن تبرعاته كالصحيح من رأس المال. وهو قول الظاهرية (٣). الأدلة: أدلة الجمهور: (الحجر عليه) ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ (٤).

стр. 1304

وجه الدلالة: أن الله جعل رؤية القتال كرؤية الموت، ومن حضره الموت حجر عليه (١). ٢ - الأدلة على أنه يحجر على المريض مرض الموت (٢). أدلة القول الثاني: (عدم الحجر عليه) ١ - الأدلة على أن المريض مرض الموت لا يحجر عليه (٣). وقد سبقت مناقشته. ٢ - أنه ليس مريضاً، والحجر إنما ورد في المريض. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه في معنى المريض؛ إذ الشريعة لا تفرق بين المتماثلات. المسألة الثانية: وقت الحجر عليه: وفيها أمور: الأمر الأول: أن يكون ضمن الطائفة القاهرة، فإذا حضر صف القتال، وكان ضمن الطائفة القاهرة بعد ظهورها، فحكمه حكم الصحيح لعدم الخوف. الأمر الثاني: إذا حضر صف القتال مع تكافؤ الطائفتين، أو كان في الطائفة المقهورة، فحكمه حكم مريض الموت. وهذا مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعي (٦) في أحد قوليه، وهو

стр. 1305

قول الحنابلة (١). وحجته: أن توقع التلف ههنا، كتوقع المريض، أو أكثر فوجب أن يلحق به. وللشافعي قول آخر: أنه كالصحيح ما لم يجرح (٢). وحجته: أنه ليس بمريض. والراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لأن توقع العطب في هذه الحالة هو الغالب، فأصبح كالمريض مرض الموت. الأمر الثالث: إذا لم تختلط الطائفتان، وكانت كل واحدة منهما متميزة سواء كان بينهما رمي سهام أو لم يكن فليست حالة خوف (٣) باتفاق الأئمة؛ لعدم الخوف. المطلب الثالث: من قدم ليقتل فهي حالة خوف عند الحنفية (٤)، والشافعية في أظهر القولين (٥)، والحنابلة (٦). واعتبر المالكية حبسه لأجل القتل الثابت عليه ببينة أو اعتراف حالة

стр. 1306

خوف يكون حكمه حكم مريض الموت بخلاف المحبوس لمجرد الدعوى (١)، فهذا أولى. وللشافعي ﵀ قول آخر: أنه لا يصير كالمريض مرض الموت حتى يشرع في تنفيذ القتل ويجرح (٢). وحجته: أنه صحيح البدن، ويحتمل أن يعفى عنه. ونوقش من وجهين: الأول: أن علة الحجر على المريض ليست هي المرض حتى ينتفي الحكم بانتفاء المرض، بل العلة هي الخوف من الموت، وهي موجودة في المحبوس للقتل. الثاني: أن احتمال العفو لا يطرد في الرجم، والقتلة غيلة؛ لامتناع العفو فيهما. المطلب الرابع: الأسير والمحبوس اختلف العلماء في الأسير في أيدي المشركين على أقوال: القول الأول: أنه إن كان من عادتهم قتل الأسير، فتبرعه من الثلث، وإلا من رأس المال. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي (٣).

стр. 1307

وحجته: ١ - أن مجرد الأسر من غير خوف القتل ليس بمرض ولا في معنى المرض، فلا يصح إلحاقه به. ٢ - ولأن المريض الذي يخاف الموت يصح تبرعه من رأس المال، فغيره أولى. القول الثاني: إن كان في أيدي المسلمين فتبرعه تبرع صحيح، وإن كان في أيدي مشركين لا يقتلون أسيرا فكذلك، وإن كانوا يقتلون الأسرى ويدعونهم فتبرعه تبرع مريض، وإن كانوا يوفون بالعهد فأعطوه عهداً فتبرعه تبرع صحيح. وبه قال الشافعي (١). وحجته: أنه إذا كان من عادتهم قتل الأسير وتركه فيخشى عليه الهلاك، وإن كانوا لا يقتلون الأسير، أو يوفون بالعهد فلا يخشى عليه الهلاك. القول الثالث: أن تبرعه من رأس الثلث. وهو قول الثوري، والزهري، وإسحاق. ولم أقف له على دليل، ولعل دليلهم عدم إلحاق من هذه حاله بالمريض مرض الموت، وفيه نظر. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول بالتفصيل إن كان من عادتهم قتل الأسير فعطيته من الثلث، وإلا من رأس المال.

стр. 1308

المطلب الخامس: راكب البحر حال تموجه واضطرابه، وهبوب الريح العاصف قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ (١). وإلى اعتبار كونها حالة خوف ذهب الحنفية (٢)، والمالكية في قول (٣)، واستظهره ابن رشد، وهو قول الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). والقول الآخر للمالكية: أنه لا يحجر عليه ولو حصل الهول، وهو المشهور عند المالكية، إلا إن تحطمت سفينته، أو لا سفينة له، ولا يحسن العوم (٦).

стр. 1309

المطلب السادس: من قرب لقطع ثبت عليه في سرقة أو غيرها كيد أو رجل إذا خيف عليه الموت من القطع، فحكمه حكم مريض الموت عند المالكية دون المحبوس له (١). وحجته: قياس المحبوس للقتل على المريض مرض الموت. المطلب السابع: إذا وقع الطاعون في البلد فللعلماء قولان: القول الأول: أنه مخوف. وبه قال الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٢). وحجته: أن توقع التلف هنا، كتوقع التلف من المرض، فألحق به. القول الثاني: أنه ليس بمخوف.

стр. 1310

وهو رواية عن أحمد (١). وحجته: أنه ليس بمرض.

стр. 1311

المبحث الثالث: الحكمة في تقييد تبرعات المريض مرض الموت مرض الموت لا ينافي أهلية ثبوت الواجبات، سواء أكانت من حقوق الله كالصلاة والصيام، أم من حقوق العباد كالقصاص ونفقة الأزواج والأولاد؛ لعدم منافاة المرض لفهم الخطاب التشريعي، كما أنها ترتكز على أنه لا ينافي أهلية العبارة، أي التصرفات المتعلقة بالحكم لبقاء ذمة المريض وعقله اللذين هما مناط الأحكام. لهذا صح نكاح المريض عند جمهور الفقهاء، وطلاقه وإسلامه، وانعقدت تصرفاته وعقوده، وقد كان ينبغي أن تجب على المريض العبادات كاملة كما تجب على الصحيح، وأن لا يتعلق بماله حق للغير، وأن لا يرد عليه في تصرفاته أي تقييد (١). لكن المرض لما كان نوعا من العجز لضعف القوى وترادف الآلام شرعت العبادات البدنية فيه على حسب المكنة والطاقة، فجاز له أن يصلي قاعدا إن عجز عن القيام، أو مضطجعا إن عجز عنهما. ولما كان المرض أيضا سببا للموت، والموت هو علة الخلافة للوارث والغريم في مال الميت؛ لأن أهلية الملك تبطل بالموت، فيخلفه أقرب الناس

стр. 1312

إليه وهم الورثة، والذمة تخرب بالموت، فيصير المال الذي هو محل قضاء الدين مشغولا بالدين، فيخلفه الغريم في المال لهذا كله، فإن حق الوارث والغريم يتعلق بمال المريض بالموت مستندا إلى أول المرض؛ إذ الحكم يستند إلى أول السبب (١). ولكون مرض الموت سببا لتعلق حق الوارث والغريم بالمال كان من أسباب حجر المريض عن التبرعات بأي صورة كانت بقدر ما يقع به صيانة حق الوارث والغريم، وهو مقدار الثلثين في حق الوارث؛ لتعلق حقه بهذا القدر، وجميع المال في حق الغريم إن كان الدين مستغرقا، وبما يفي بالدين من ماله إن كان الدين غير مستغرق، ولا يؤثر المرض في الحجر فيما لا يتعلق به حق الوارث والغريم كمعاوضته بثمن المثل، وكتبرعه أو محاباته في حدود ثلث ماله بعد الدين، أو تصرفه في ماله فيما يتعلق به حاجة أصلية للمريض، كالنفقة وأجرة الطبيب، وأجرة المسكن والنكاح بمهر المثل على الراجح من أقوال الفقهاء وما أشبهها (٢). وإنما يثبت بالمرض الحجر إذا اتصل بالموت مستندا إلى أول المرض؛ لأن علة الحجر مرض مميت لا نفس المرض، فقبل وجود الموت لا يثبت الحجر لعدم تمام وصفه؛ إذ الأصل هو الإطلاق، ولا يمكن إثبات الحجر بالشك فإذا اتصل بالموت، صار أصل المرض موصوفا بالإماتة والسراية إلى الموت، فيستند حكمه وهو الحجر إلى أول المرض، فكل تصرف وجد بعد ابتداء هذا المرض يضر بحقوق الورثة أو الغرماء يعتبر محجورا عليه فيه (٣)، أيا كانت صورة ذلك التصرف، وتعتبر تبرعاته ومحاباته في المعاوضات

стр. 1313

موقوفة على إجازة الدائنين إن كان ماله مستغرقا بالدين، فإن لم يكن مستغرقا أو كان غير مدين، فيعتبر القدر الزائد من التبرع أو المحاباة على ثلث الباقي بعد وفاء الدين موقوفا على إجازة الورثة، فإن أجاز من له حق الإجازة بعد موته وهو من أهل التبرع نفذ، وإلا بطل (١). وما ذكرناه من أن المريض مرض الموت يعتبر محجورا عليه حجرا جزئيا يمنع نفاذ تصرفاته الضارة بحقوق دائنه أو ورثته هو مذهب الأئمة (٢).

стр. 1314

خلافا لابن حزم الذي اعتبر المريض كالصحيح في تصرفاته كلها دون أي فرق (١). ومنشأ قول الجمهور: هو أن مرض الموت مرحلة تتهيأ فيها شخصية الإنسان وأهليته للزوال، فهو مقدمة لزوال شخصية المريض وانسلاخ أهليته وملكيته كما أنه مقدمة لثبوت الحقوق في أموال المريض لمن ستنتقل إليهم هذه الأموال بعد موته من دائنين أو ورثة. فينتج عن ذلك أن تصبح الديون متعلقة بمال المريض بعد أن كانت متعلقة بذمته قبل المرض؛ لأن الذمة تضعف بالمرض لعجز صاحبها عن السعي والاكتساب فيتحول التعلق من ذمته -مع بقائها- إلى ماله توثيقا لدينه، وتتقيد تصرفاته بما لا يضر بحقوق الدائنين (٢). قال الكاساني: "أما وقت التعلق فهو مرض الموت، فما دام المديون صحيحا، فالدين في ذمته، فإذا مرض مرض الموت يتعلق بتركته أي يتعين فيها، ويتحول من الذمة إليها، إلا أنه لا يعرف كمون المرض مرض الموت

стр. 1315

إلا بالموت، فإذا اتصل به الموت، تبين أن المرض كان مرض الموت من وقت وجوده، فتبين أن التعلق يثبت من ذلك الوقت " (١). كما ينشأ عن ذلك تعلق حق الورثة بماله ليخلص لهم بعد وفاته تملك الثلثين مما يبقى بعد سداد الديون إن كانت هناك ديون، سواء أكان حقهم المعلق بمال المريض حق ملكية أم مجرد حق في الخلافة، فتتقيد تصرفاته أيضا بما لا يضر بحقوق الورثة، أما الثلث فقد جعله الشارع حقا للمريض ينفقه فيما يرى من سبل الخير، سواء بالتبرع المنجز حال المرض أو بالوصية أو غير ذلك، فإن لم ينفقه كله أو لم ينفق منه كان الباقي للورثة (٢). غير أن تعلق حقوق هؤلاء بسبب المرض لا يمنع أن يكون للمريض حق في ماله، لذلك أعتبر حق المريض في حاجاته الأصلية ومصالحه الضرورية مقدما في ماله على حقوق غيره من دائنين وورثة، فله أن ينفق من ماله أثناء مرضه على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم بالمعروف من طعام وشراب، وملبس ومسكن، وأجرة طبيب وثمن دواء وما أشبهه؛ لأن نفقة الإنسان حال حياته مقدمة في ماله على سداد ديونه دفعا لهلاكه وحفظا لكرامته، كما حق له أن يعقد العقود ويجري التصرفات المالية، وتكون صحيحة ونافذة إن لم تمس حقوق الدائنين أو الورثة، وليس لأحد منهم حق الاعتراض عليه أو منعه. لأن من حق المريض تنمية ماله وتكثيره، قال الدسوقي: " والحاصل: أن المريض لا يحجر عليه في تداويه، ومؤنته، ولا في المعاوضات المالية ولو بكل ماله، وأما التبرعات فيحجر عليه إذا كانت بزائدة على الثلث " (٣).

стр. 1316

الفصل الثاني: حكم الوقف في المرض وفيه مبحثان: المبحث الأول: تكييف حق الورثة المتعلق بمال مورثه وقت مرض الموت. المبحث الثاني: أقسام المرض، وحكم الوقف في كل قسم.

стр. 1317

المبحث الأول: تكييف حق الورثة المتعلق بمال مورثه وقت مرض الموت الفقهاء اختلفوا في تكييف حق الورثة الذي يتعلق بمال مورثهم وقت مرض الموت. فذهب بعضهم: إلى أنه حق ملكية كامل يثبت بمجرد المرض في ثلثي الباقي بعد الديون. وذهب آخرون: إلى أنه مجرد حق في الخلافة لا يثبت ملكا، وإنما تبتدئ الملكية فقط من وقت الوفاة. وقد استدل الفريق الأول: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم " (١)، فإنه يدل على أن الملكية قد زالت عن المورث في الثلثين إلى وارثه ولم تبق له إلا في الثلث الذي تصدق به الله عليه. ٢ - باتفاق الأئمة على أن تصرفه في مرض الموت لا ينفذ إلا من الثلث، ولو كان ملكه في الثلثين باقيا لنفذ تبرعه بالأكثر من الثلث، ولكن هذه الملكية لا تظهر إلا بعد الموت، فعدم نفاذ تبرعه بالزيادة على الثلث دليل على زوال الملكية ولا تزول إلا إلى مالك، وهم الورثة؛ لأنهم خلفاؤه وأقرب الناس إليه.

стр. 1318

ونوقش هذا الاستدلال: بأن ما احتج به الفريق الأول من الحديث، ومن عدم نفاذ تبرعه، وكون الوارث خليفة الميت لا يدل على الملكية؛ لأن عدم جواز تصرفه في الثلثين، وعدم نفاذ تبرعه إنما كان لتعلق هذا الحق به، ولو كانت للوارث ملكية لكانت له ولاية معه حال حياته ولم يقل به أحد، وما ذلك إلا لأنه لا ملك له مع وجوده، وإنما هو مجرد حق في الخلافة. واستدل الفريق الثاني: ١ - الإجماع على أن تبرع المريض في مرض موته لا ينقض في حياته، ولكن ينقض بعد موته، ولو كان لهم ملكية قبل الموت لكان لهم نقضه. ٢ - لأنه لو كان حق ملكية لمنع من الميراث من كان غير وارث وقت مرض الموت لمانع كالكفر مثلا ثم أسلم قبل موت المريض مباشرة، مع أنه يرث بالاتفاق، فلو كانت الملكية ثابتة للورثة من أول المرض لما ورث، ولأن باقي الورثة قد ملكوا الميراث وزالت ملكيته عن المورث الأصلي. ٣ - ولأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الشيء الواحد ملكا لشخصين في وقت واحد ملكا خاصا لكل منهما. ٤ - ولأن ثبوت مجرد الحق في الخلافة إنما كان ضرورة لحفظ حق الوارث في الثلثين، وما كان للضرورة يقدر بقدرها لا يعدوها، فلا يكون ملكا. ٥ - ولأن مجرد الحق في الخلافة كاف لحفظ حقه في الثلثين، وفي نقضه لتصرفات مورثه بعد موته (١). ويظهر رجحان القول الثاني.

стр. 1319

المبحث الثاني: أقسام المرض، وحكم الوقف في كل قسم وفيه مطالب: المطلب الأول: القسم الأول: المرض غير المخوف وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ضابطه. المرض غير المخوف هو: ما يقابل المرض المخوف. وتقدم خلاف أهل العلم (١) في ضابط المرض المخوف. وعليه فالمرض غير المخوف: ما ليس سبباً صالحاً للموت بحكم أهل الخبرة. وذلك مثل: الزكام، ووجع الضرس، والحمى اليسيرة، ونحو ذلك. وهذا يختلف باختلاف الزمان، والمكان. المسألة الثانية: حكم الوقف في المرض غير المخوف. الوقف وسائر التبرعات حال المرض غير المخوف حكمها حكم المرض

стр. 1320

حال الصحة، فيصح الوقف من جميع المال للوارث وغيره بإجماع العلماء (١). والدليل على ذلك: ١ - أدلة الوقف السابقة (٢)، وهذه تشمل حال الصحة والمرض غير الخوف. ٢ - أن الأصل صحة التصرف، وبقاء الأهلية. ٣ - أنه لا يخاف منه في العادة. المطلب الثاني: القسم الثاني: المرض المخوف (٣) وفيه مسائل: المسألة الأولى: الوقف على الأجنبي، أو الوارث. يصح وقف المريض مرض الموت على الأجنبي -غير الوارث- بقدر الثلث فما دون بالاتفاق. فإن وقف أزيد من الثلث أو على وارث، فاختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم وقف المريض مرض الموت لوارث، أو بأزيد من الثلث. القول الأول: أن وقف المريض لغير وارث من الثلث فأقل.

стр. 1321

ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥). القول الثاني: لا يحجر عليه في شيء من ماله، فهو كالصحيح سواء. وهو قول طاووس، ومجاهد (٦)، وابن حزم (٧)، وداود الظاهري، إلا أنه استثنى العتق فجعله من الثلث (٨). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (أن وقف المريض مرض الموت من الثلث لغير وارث) (٢٨٣) ١ - ما رواه ابن ماجه: حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم " (٩).

стр. 1322

وجه الاستشهاد: أنه ﷺ أخبر ألا زيادة لهم على الثلث، فدل على الحجر على ما زاد عليه، ومنعهم من التصدق به (١).

стр. 1323

ونوقش من وجهين: الوجه الأول: الحديث ضعيف، وقد روي من طرق كلها ضعيفة. أجيب عليه: أنها وإن كانت ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً (١). الوجه الثاني: على التسليم بصحة الحديث، فالحديث المراد به الوصية عند الموت، ونحن متفقون معكم على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، ويدل على ذلك أنه لم يأت في الحديث ذكر للمرض أصلاًً، فما الذي حملكم أن جعلتموه في المرض المخوف؟ (٢). وأجيب: بأنه قال "عند وفاتكم"ولم يقل بعد وفاتكم مما يدل على أن التبرع المقيد بالثلث إنما كان حال الحياة. (٢٨٤) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه ﵁ قال: "عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت (٣) منه على الموت، فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، الثلث والثلث كثير " (٤). وجه الاستشهاد: أنه ﷺ لم يأذن له في الصدقة بأكثر من الثلث، مما يدل على أنه ممنوع من التصرف في الباقي (٥).

стр. 1324

ونوقش: أن الحديث في الوصية، يدل على ذلك أمران: الأمر الأول: ما جاء في بعض روايات الحديث: "أريد أن أوصي (١)، فقلت: أوصي بمالي كله" (٢)، ونحن معكم في أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، والقصة واحدة وهذه الروايات في الصحيحين وغيرهما، فدل على أنه أراد الوصية (٣). الأمر الثاني: أن رسول الله ﷺ علم أن سعدا سيبرأ وتكون له آثار في الإسلام، يدل لذلك قوله ﷺ : " ولعلك تخلف حتى ينفع الله بك أقوام ويضر بك آخرون " (٤)، فالمرض ليس بمخوف، ومع هذا منعه الرسول ﷺ من التصرف فيما زاد عن الثلث (٥)، فدل على أن المراد الوصية. وأجيب عن هذا من وجوه: الأول: أن الحديث بلفظ "أتصدق"، وهي أصح من رواية "أوصي"؛ لاتفاق الشيخين على لفظ الصدقة. الثاني: أنه لا تنافي بين لفظ الصدقة والوصية، فسمى الصدقة في مرض الموت وصية؛ لأنها في حكم الوصية في الثلث لغير وارث، فيكون لفظ الوصية دليلا على أن تبرع المريض مرض الموت في حكم الوصية. الثالث: أن أثر المنع لا يظهر إلا إذا كان في الصدقة؛ لأنها هي التي

стр. 1325

تكون لازمة والنبي ﷺ رجا أن يبقى، وأما الوصية فيمكن إبطالها؛ لأنها تبرع بعد الموت. الرابع: أن قولهم: " أن رسول الله ﷺ علم أن سعداً سيبرأ … فالمرض ليس بمخوف " غير مسلم، فالنبي ﷺ رجا أن يبقى ولم يجزم بذلك هذا ما دل له ظاهر النص، فلا يترتب على ذلك أن الموت غير مخوف، وأن الأمر بالوصية. (٢٨٥) ٣ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن الحصين ﵁ " أن رجلاً أعتق ستة مملوكين، ولم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول ﷺ ، فجزأهم أثلاثاً بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة " (١). وجه الاستشهاد: أن الرسول ﷺ جعل العتاق في المرض من الثلث، فكذلك سائر التبرعات، وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته، فغيره أولى (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: هذا الحديث مما اعترض فيه على مسلم؛ ذلك أن محمد بن سيرين لم يسمعه من عمران بن الحصين مباشرة وإنما سمعه من خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران، وقد اتفق العلماء على قبول صحيح مسلم إلا ما علل وهذا منها، حيث إن الحديث من الطبقة الثانية من صحيح مسلم التي يأتي بها على سبيل المتابعة والاستشهاد. أجيب عليه: بأن ذلك لا يقدح في صحة الحديث، وإنما ذكره مسلم في المتابعات بعد ذكر الطرق الصحيحة الواضحة (٣). الوجه الثاني: أن الحديث فيمن لم يبق للورثة مالاً بدليل قوله: " لا مال

стр. 1326

له غيرهم "، وهذا خارج عن محل النزاع، فنحن وإياكم متفقون أنه ليس له أن يتصدق بجميع ماله عند موته للإجماع على ذلك (١)، ويدل على ذلك ما رواه جابر: أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "من يشتريه مني" فلما رده كاملاً دل على أنه فيمن لم يبق شيئاً لوارثه (٢). الوجه الثالث: أن الحديث يحمل على الوصية لا على التبرعات، بدليل ما ورد في بعض طرقه أنه أوصى (٣)، فهو خاص بالوصية (٤). الوجه الرابع: أن هذا الحديث جاء فيه عند موته، وليس فيه أنه مريض، فالواجب أن يجعل هذا الحكم فيمن أعتق عند موته صحيحاً أو مريضاً فمات إثر ذلك (٥). وأجيب: أنه جاء في رواية: "أن رجلاً أعتق في مرضه"، فتحمل رواية: "عند موته" على رواية "في مرضه"؛ إذ المرض المذكور في الحديث هو مرض الموت. الوجه الخامس: أن الحديث إنما ورد في العتق خاصة، فلا تلحق سائر التبرعات بالعتق. وأجيب: بأن العتق إذا لم ينفذ مع قوة سرايته، فمن باب أولى أن لا تنفذ سائر التصرفات، فهذا قياس أولوي.

стр. 1327

الوجه السادس: أن النبي ﷺ جزأهم بحسب العدد لا بحسب القيمة، مما يدل على أن النبي ﷺ لم يعتبر الثلث، وإلا لجزأهم بحسب القيمة. وأجيب: بأن الاثنين اللذين أعتقهم رسول الله ﷺ كانا يمثلان ثلث قيمة الستة، يفهم من قوله: فجزأهم ثلاثة أجزاء. (٢٨٦) ٤ - ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ فيما يحدث عن الله ﵎: " يا بن آدم خصلتان أعطيتكهما، لم تكن لغيرك واحدة منهما: جعلت لك طائفة من مالك عند موتك أرحمك به -أو قال: أطهرك به- وصلاة عبادي عليك بعد موتك " (١). (مرسل). ٥ - عن عائشة ﵂ قالت: نحلني أبو بكر ﵁ جذاذ عشرين وسقاً (٢) من ماله بالعالية، فلما مرض قال لي: " إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً من مالي بالعالية، فلو كنت جذذتيه وحزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه بينكم على كتاب الله " (٣). وجه الاستشهاد وجهين: الوجه الأول: أنه أخبر أنها لو قبضت ذلك في الصحة تم لها ملكه، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضاً تتم لها به ملكيته وجعل ذلك غير جائز، كما لا تجوز الوصية لها، ولم تنكر ذلك عائشة ولا سائر الصحابة، فكان ذلك إجماعاً منهم (٤).

стр. 1328

ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن عطيته كانت زمن الصحة لا زمن المرض، والذي منعها من تملكه أنها لم تقبضه، فلو كانت قبضته لكان ملكاً لها كما أخبرها، وحيث إنها لم تقبض فلا زال في ملكه لم ينتقل إليها أصلاً (١). ورد: بأنه غير مسلم، بل في بعض ألفاظ الأثر دليل على أنه في مرض الموت. الوجه الثاني: لو سلّم أنها عطية في مرض الموت المخوف، فهل كانت هذه العطية أكثر من الثلث حتى يمنعها الصديق من تملكها؟ ومعلوم أنه ﵁ من كبار تجار المدينة وأغنيائها، بل هي قطعاً أقل منه، فدل على أن سبب ردها أنها لم تقبضها، فلم تنتقل لها بل لا زالت في ملكه، ثم قولكم: لو أنها حازته هل يصح ذلك أو لا؟ إن قلتم لا، لم يكن لقول أبي بكر ﵁ فائدة، وإن قلتم: نعم، فقد أجزتموه إذاً (٢). الوجه الثالث: قول أبي بكر ﵁: "إنما هو اليوم مال وارث" دل ذلك على أن المال انتقل إلى الورثة حكماً، وأن المريض مرض الموت محجور عليه فيما يتعلق بتبرعاته لحق الورثة، يبقى ما استثناه الشارع وهو الثلث. (٢٨٧) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبه: حدثنا عبد الأعلى، عن برد، عن مكحول أن معاذ بن جبل ﵁ قال: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية " (٣).

стр. 1329

٧ - القياس على الوصية؛ لأن الحال الظاهر منها الموت، فكان تبرعه فيها في حق الورثة لا تتجاوز الثلث، ذلك أن حصول سبب الموت بمنزلة حضور الموت (١). ٨ - أن المريض إذا أحس بدنو أجله يحتمل أنه يقصد مضارة الورثة، أو إيثار بعض الورثة على بعض. ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنه ظن، والظن أكذب الحديث. وأجيب: بأن الظن المذموم الذي لا يعتمد على دليل، وهنا وجد الدليل وهو قرب الموت. الوجه الثاني: أن مظنة الضرار كما توجد من المريض قد توجد من الصحيح. وأجيب: بأن هذا غير مسلم؛ إذ الضرار هنا لا مبرر له؛ إذ هو معافى لا يتوقع الموت. الوجه الثالث: أن مظنة الضرار كما توجد من المريض توجد من الشيخ الفاني. وأجيب: بأن الشيخوخة لا حد لها بخلاف المرض الذي يقترن به الموت. الوجه الرابع: أن مظنة الإضرار بالورثة تتضح إذا كان الوارث غير ولد المريض. وأجيب: بأن تصرفات المريض مقيدة بنصوص شرعية ولم تفرق بين

стр. 1330

وارث وآخر، كما أن الخلاف بين الأولاد يكثر وخصوصاً إذا كانوا أولاد علات. ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ ذلك أن الوصية تخالف الوقف في أمور منها (١): الأول: أن الوصية له الرجوع فيها، بخلاف الوقف فلا يملك حق الرجوع فيه. الثاني: أن الوصية لا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد الموت، بخلاف الوقف فقبولها على الفور وكذا ردها، وغير ذلك. ثم إن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، الصحيح والمريض فيها سواء، فكذا الوقف يقبل من الصحيح والمريض (٢). أدلة القول الثاني: (جواز التبرعات مطلقا للمريض مرض الخوف) استدلوا بما يأتي: ١ - ما ورد في الكتاب والسنة من الحث على الإحسان، كقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ (٦). وجه الاستشهاد: أن الله جل وعلا حث على التبرع والصدقة ولم

стр. 1331

يخص بالأمر على ذلك الصحيح دون المريض، بل الأمر شامل لهما، فدل على أن تبرع المريض صحيح ولو زاد عن الثلث، ولا يخرج من هذا العموم إلا ما ورد الدليل عليه كالوصية بأكثر من الثلث، أو التصدق بجميع المال حال المرض، والنهي عن نسيان الفضل يتضمن الأمر ببذل الفضل؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، والفضل عام في القليل والكثير، وقوله: "إن المصدقين" جمع معرف بأل، فيعم الصحيح والمريض، وحذف المعمول يؤذن بالعموم. فإذا اتفق على جواز وقفه في الصحة، فيستصحب هذا الإجماع في حال المرض، إلا أن يدل دليل، ولا دليل على ما ذكر (١). (٢٨٩) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرأ؟ قال: "أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغني وتخشى الفقر" (٢). (٢٩٠) ٣ - ما روه أبو داود من طريق أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يُهْدِي إذا شبع " (٣).

стр. 1332

وجه الاستشهاد: في هذه الأحاديث تفاضل الصدقة، وكون صدقة الصحة خير من صدقة المرض، فدل على صحة صدقة المرض وقبولها، لكن صدقة الصحة أفضل، وقوله: "تصدق" دليل أنها تبرع لا وصية (١). قال ابن حجر رحمة الله: "تنجيز وفاء الدّين والتصدق في الحياة، وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض" (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن هذه العمومات خاصة بحال الصحة، أو المرض غير المخوف، أما حالة المرض المخوف فقد أخرجها عن هذه العمومات ما تقدم من أدلة الجمهور.

стр. 1333

الوجه الثاني: أن هذا محمول على المرض غير المخوف. وأجيب: أنه إذا أطلق المرض دل على العموم، وأيضاً قوله: "عند موته" يدل على أنه مرض مخوف، ولهذا أعتق وتصدق. ورد: بما تقدم بأن حالة المرض المخوف خارجة عن هذا العموم، وأن قوله: "عند موته" يراد بها المرض غير المخوف. ٤ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ " أن رجلاً أعتق عبداً له لم يكن له مال غيره فرده رسول الله ﷺ " (١). وجه الاستشهاد: أن النبي ﷺ رد العبد ولم يخص العتق، فدل على أن سبب المنع أنه لم يبق لورثته شيء، ولو قيل بصحة تبرعه في الثلث لقسمه الرسول ﷺ أثلاثاً لكنه لم يفعل، فدل ذلك على أن التبرع في مرض الموت ليس كالوصية. ونوقش هذا الاستدلال: أنه لم يقسمه أثلاثا؛ لأن ما سيبقى لا يغني الورثة فهذا سبب المنع. (٢٩١) ٥ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، أنا يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين: "أن امرأة رأت فيما يرى النائم أنها تموت إلى ثلاثة أيام، فأقبلت على ما بقي من القرآن عليها فتعلمته، وشذبت مالها وهى صحيحة، فلما كان يوم الثالث دخلت على جاراتها، فجعلت تقول: يا فلانة استودعك الله، وأقرأ عليك السلام فجعلن يقلن لها: لا تموتين اليوم، لا تموتين اليوم إن شاء الله فماتت، فسأل زوجها أبا موسى الأشعري عن ذلك؟ فقال: له أبو موسى، أي امرأة كانت امرأتك، فقال: ما أعلم أحدا كان أحرى منها أن تدخل الجنة إلا الشهيد، ولكنها فعلت ما فعلت وهى

стр. 1334

صحيحة، فقال أبو موسى: هي كما تقول، فعلت ما فعلت وهى صحيحة، فلم يرده أبو موسى" (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الأثر دليل للجمهور؛ إذ قول أبي موسي: "فعلت ما فعلت وهي صحيحة " يدل على أن هذا هو أساس الحكم عنده، وأنه أجاز تصرفها لكونها صحيحة؛ إذ لو كانت مريضة لتغير الحكم، فدل على أن المرض له تأثير في تصرفات المريض. ٦ - أن المعتبر في الشخص صحيحاً كان أو مريضاً أهليته ببقاء عقله ورشده؛ لأن العقل مناط الأحكام، ولهذا صح عند الجميع نكاح المريض وإسلامه وبيعه وشراؤه، فكذلك وقفه؛ إذ المعتبر بقاء العقل. يدل لذلك أن المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت إذا اختل عقله أنه لا حكم لكلامه ولا تبرعاته (٢)، فلم يكن للمرض اعتبار بل للعقل، فكذلك هنا، وهذا هو الأصل، فلا يخرج عنه إلا بدليل، ولا دليل (٣). ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا يسلم لكم ذلك، بل لكون المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت بمنزلة من حضره الموت فألحقت عطاياه بالوصية، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وحضور الموت: ظهور الدلائل، ووجود الأسباب، والمرض المخوف المتصل بالموت من الدلائل (٥).

стр. 1335

وأجيب: أنه إذا كان المرض المخوف من دلائل حضور الموت، فلم لا تجعل تبرعاته ومحاباته من الوصية لا ملحقة بها. ورد: أنه يختلف عن الوصية في أمور منها: أنه إذا برأ من مرضه فإنها تلزمه، وفي الوصية لا تلزمه. وأن الوصية لا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد الموت، بخلاف العطية فقبولها أو ردها على الفور (١). نوقش: إذاً فالتبرع في مرض الموت تخالف الوصية، فكيف تشبهها؟ وأجيب: أنها ملحقة بها في كون حال المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت الظاهر منه الموت (٢). نوقش أيضاً: فما تقولون في الشيخ الكبير الذي تجاوز التسعين أو المئة؟ أليس حاله قريبة من الموت لكبره؟ ومع هذا فحكمه حكم الصحيح عندكم (٣). وأجيب: أن الأصل صحة التبرع؛ لعموم أدلة الأمر بالهبة؛ إذ هي شاملة للصغير، والكبير، فيقتصر على مورد النص. ٧ - قياس ما يتقرب به من التبرعات على ما ينفقه من ماله على ملاذه ومنافعه، فتكون من رأس المال (٤). نوقش هذا الاستدلال: بأن ما اختص به المريض من مصالحه فهو أحق به من الورثة، وما عاد إلى غيره من التبرع فورثته أحق به، فلذلك أمضيت
следующие страницы →