يخص بالأمر على ذلك الصحيح دون المريض، بل الأمر شامل لهما، فدل على أن تبرع المريض صحيح ولو زاد عن الثلث، ولا يخرج من هذا العموم إلا ما ورد الدليل عليه كالوصية بأكثر من الثلث، أو التصدق بجميع المال حال المرض، والنهي عن نسيان الفضل يتضمن الأمر ببذل الفضل؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، والفضل عام في القليل والكثير، وقوله: "إن المصدقين" جمع معرف بأل، فيعم الصحيح والمريض، وحذف المعمول يؤذن بالعموم.
فإذا اتفق على جواز وقفه في الصحة، فيستصحب هذا الإجماع في حال المرض، إلا أن يدل دليل، ولا دليل على ما ذكر (١).
(٢٨٩) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرأ؟ قال: "أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغني وتخشى الفقر" (٢).
(٢٩٠) ٣ - ما روه أبو داود من طريق أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يُهْدِي إذا شبع " (٣).
стр. 1332
وجه الاستشهاد: في هذه الأحاديث تفاضل الصدقة، وكون صدقة الصحة خير من صدقة المرض، فدل على صحة صدقة المرض وقبولها، لكن صدقة الصحة أفضل، وقوله: "تصدق" دليل أنها تبرع لا وصية (١).
قال ابن حجر رحمة الله: "تنجيز وفاء الدّين والتصدق في الحياة، وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض" (٢).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه العمومات خاصة بحال الصحة، أو المرض غير المخوف، أما حالة المرض المخوف فقد أخرجها عن هذه العمومات ما تقدم من أدلة الجمهور.
стр. 1333
الوجه الثاني: أن هذا محمول على المرض غير المخوف.
وأجيب: أنه إذا أطلق المرض دل على العموم، وأيضاً قوله: "عند موته" يدل على أنه مرض مخوف، ولهذا أعتق وتصدق.
ورد: بما تقدم بأن حالة المرض المخوف خارجة عن هذا العموم، وأن قوله: "عند موته" يراد بها المرض غير المخوف.
٤ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ " أن رجلاً أعتق عبداً له لم يكن له مال غيره فرده رسول الله ﷺ " (١).
وجه الاستشهاد: أن النبي ﷺ رد العبد ولم يخص العتق، فدل على أن سبب المنع أنه لم يبق لورثته شيء، ولو قيل بصحة تبرعه في الثلث لقسمه الرسول ﷺ أثلاثاً لكنه لم يفعل، فدل ذلك على أن التبرع في مرض الموت ليس كالوصية.
ونوقش هذا الاستدلال: أنه لم يقسمه أثلاثا؛ لأن ما سيبقى لا يغني الورثة فهذا سبب المنع.
(٢٩١) ٥ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، أنا يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين: "أن امرأة رأت فيما يرى النائم أنها تموت إلى ثلاثة أيام، فأقبلت على ما بقي من القرآن عليها فتعلمته، وشذبت مالها وهى صحيحة، فلما كان يوم الثالث دخلت على جاراتها، فجعلت تقول: يا فلانة استودعك الله، وأقرأ عليك السلام فجعلن يقلن لها: لا تموتين اليوم، لا تموتين اليوم إن شاء الله فماتت، فسأل زوجها أبا موسى الأشعري عن ذلك؟ فقال: له أبو موسى، أي امرأة كانت امرأتك، فقال: ما أعلم أحدا كان أحرى منها أن تدخل الجنة إلا الشهيد، ولكنها فعلت ما فعلت وهى
стр. 1334
صحيحة، فقال أبو موسى: هي كما تقول، فعلت ما فعلت وهى صحيحة، فلم يرده أبو موسى" (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الأثر دليل للجمهور؛ إذ قول أبي موسي: "فعلت ما فعلت وهي صحيحة " يدل على أن هذا هو أساس الحكم عنده، وأنه أجاز تصرفها لكونها صحيحة؛ إذ لو كانت مريضة لتغير الحكم، فدل على أن المرض له تأثير في تصرفات المريض.
٦ - أن المعتبر في الشخص صحيحاً كان أو مريضاً أهليته ببقاء عقله ورشده؛ لأن العقل مناط الأحكام، ولهذا صح عند الجميع نكاح المريض وإسلامه وبيعه وشراؤه، فكذلك وقفه؛ إذ المعتبر بقاء العقل.
يدل لذلك أن المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت إذا اختل عقله أنه لا حكم لكلامه ولا تبرعاته (٢)، فلم يكن للمرض اعتبار بل للعقل، فكذلك هنا، وهذا هو الأصل، فلا يخرج عنه إلا بدليل، ولا دليل (٣).
ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا يسلم لكم ذلك، بل لكون المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت بمنزلة من حضره الموت فألحقت عطاياه بالوصية، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤) وحضور الموت: ظهور الدلائل، ووجود الأسباب، والمرض المخوف المتصل بالموت من الدلائل (٥).
стр. 1335
وأجيب: أنه إذا كان المرض المخوف من دلائل حضور الموت، فلم لا تجعل تبرعاته ومحاباته من الوصية لا ملحقة بها.
ورد: أنه يختلف عن الوصية في أمور منها:
أنه إذا برأ من مرضه فإنها تلزمه، وفي الوصية لا تلزمه.
وأن الوصية لا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد الموت، بخلاف العطية فقبولها أو ردها على الفور (١).
نوقش: إذاً فالتبرع في مرض الموت تخالف الوصية، فكيف تشبهها؟
وأجيب: أنها ملحقة بها في كون حال المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت الظاهر منه الموت (٢).
نوقش أيضاً: فما تقولون في الشيخ الكبير الذي تجاوز التسعين أو المئة؟ أليس حاله قريبة من الموت لكبره؟ ومع هذا فحكمه حكم الصحيح عندكم (٣).
وأجيب: أن الأصل صحة التبرع؛ لعموم أدلة الأمر بالهبة؛ إذ هي شاملة للصغير، والكبير، فيقتصر على مورد النص.
٧ - قياس ما يتقرب به من التبرعات على ما ينفقه من ماله على ملاذه ومنافعه، فتكون من رأس المال (٤).
نوقش هذا الاستدلال: بأن ما اختص به المريض من مصالحه فهو أحق به من الورثة، وما عاد إلى غيره من التبرع فورثته أحق به، فلذلك أمضيت
стр. 1336
نفقاته من رأس المال لتعلقها بمصالحه في حال حياته وجعلت تبرعاته من ثلثه؛ لتعلقها بمصلحة غيره (١).
وأجيب: أنه لا يسلم أن صدقته لمصلحة غيره، بل هي لمصلحة نفسه، بل أعظم من مصلحة إنفاقه على ملاذه ومنافعه فهو أحوج ما يكون إليها.
ونوقش: بالفرق فما ينفقه على نفسه مصلحته مباشرة بالنسبة له فكانت أقوى، بخلاف ما ينفقه على غيره.
٨ - قياس صحة تبرعاته وهباته على صحة بيعه وشرائه ونكاحه في مرضه المخوف.
نوقش هذا الاستدلال: أن بيعه وشراءه ونكاحه بعوض، أما تبرعاته وصدقاته فبدون عوض (٢).
وأجيب: لا يسلم أن عطيته في مرض الموت بلا عوض، بل بعوض في الدنيا وهو الدعاء له ومحبته، وعلو منزلته وقدره، وفي الآخرة بالأجر والمثوبة.
ونوقش: بالفرق بين العوضين؛ إذ العوض المادي في البيع والشراء والاستمتاع في النكاح مقصود قصداً أصلياً في عرف الناس، ولذلك يتشاحون فيه، ولا يتنازلون عنه، بخلاف ما ذكر من المحبة والتقدير، ونحو ذلك.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول أنه يحجر على المريض في ثلث ماله إذا كان مرضه مخوفاً؛ لأن المريض مرض الموت في حكم الميت؛ إذ هو
стр. 1337
في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة، والشخص بعد موته له التبرع بالثلث صدقة من الله ، ولما في ذلك من المحافظة على حقوق الورثة.
المسألة الثانية: وقف المريض مرض الموت على جميع ورثته على قدر مواريثهم:
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أنه يصح الوقف على جميع الورثة إذا كان بقدر الثلث فأقل على قدر أنصبائهم، من غير إجازة الورثة، وليس لهم نقضه، وما زاد على الثلث لا بد من إجازة الورثة.
وهو قول الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وحجته:
١ - الأدلة الدالة على أن للمريض أن يتبرع بثلث ماله (٥).
٢ - أنه يملك إخراج الثلث عن الوارث بالكلية فوقفه عليه أولى.
٣ - أن الوقف على الورثة يلزم بمجرد اللفظ قهراً عليهم؛ لأن القصد من الوقف دوام الثواب للواقف، فلا يملك الوارث رده؛ إذ لا ضرر عليه (٦).
القول الثاني: أنه لا يصح إلا بإجازة الورثة، ويعتبر وقف ابتداء منهم، وسواء بقدر الثلث أو أكثر، إلا أنه لو صح من مرضه وقبض عنه صح وقفه ولو مات بعد ذلك.
وهو قول المالكية (٧).
стр. 1338
وحجته:
١ - أن وقفه بعد موته وصية، والوصية لا تصح لوارث.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الوصية لا تصح لوارث إذا كانت فيه شيء من التخصيص، أو التفضيل، فإن لم يكن شيء من ذلك جازت كالميراث.
٢ - أن لهم إجازة الوقف بناء على القول بصحة الوقف على النفس.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة دليل القول الآخر.
المسألة الثالثة: الوقف على جميع ورثته مع اختلاف أنصبائهم.
وصورته: أن يوقف على ابنه وبنته بالتساوي.
القول الأول: عدم الصحة إلا بإجازة الورثة.
وهو قول جمهور أهل العلم (١).
ومع الإجازة ينفذ بقدر الثلث عند الحنفية، والشافعية.
وعند المالكية ينفذ مطلقاً بإجازة الورثة.
وحجته: أن وقف المرض بحكم الوصية، ومع اختلاف المقادير من اختص بالزيادة اختص بالوصية، والوصية للوارث لا تجوز إلا بإذن الورثة.
القول الثاني: الجواز مطلقاً إذا كان بقدر الثلث.
وهو مذهب الحنابلة (٢).
стр. 1339
وحجته: ما سيأتي في المسألة الآتية.
وتأتي مناقشته.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لما سيأتي في المسألة الآتية.
المسألة الرابعة: الوقف على بعض الورثة دون بعض.
صورة ذلك: أن يوقف بيته على ابنه دون ابنته.
القول الأول: أنه يجوز إذا كان بقدر الثلث بشرط إجازة بقية الورثة، ويكون وقفاً عليهم مع الإجازة.
وبه قال الشافعية (١)، ورواية عن الإمام أحمد اختارها أبو حفص العكبري وابن قدامة (٢).
وذهب الحنفية إلى أن المريض إذا وقف على بعض ورثته دون الباقين، فإن أجاز بقية الورثة الوقف كان جميعه وقفاً سواء خرج من الثلث أو لم يخرج، ويقسم على الموقوف عليهم حسب شرط الواقف.
وإن لم يجيزوه نفذ الوقف فيما خرج من الثلث غير أنه يقسم على جميع الورثة -من وقف عليه ومن لم يوقف عليه- على حسب ميراثهم الشرعي، فإذا انقرض الموقوف عليهم أصالة صرفت غلة الوقف إلى الجهة التي عينها الواقف وقطع عن بقية الورثة (٣).
وحجته:
١ - ما تقدم في حجة القول الأول في المسألة السابقة.
стр. 1340
٢ - أن ذلك تخصيص لبعض الورثة بماله في مرضه فمنع منه كالهبات.
٣ - أن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز له بالمنفعة كالأجنبي فيما زاد على الثلث.
وحجة الحنفية:
أن المريض له أن يتصرف في ثلث ماله بإخراجه عن ملكه غير أن الوصية للوارث لم تنفذ لما فيه من تفضيل بعضهم على بعض، فإذا قسم الوقف بينهم حسب ميراثهم الشرعي زال المانع فنفذ وقفه، ولو كان لوارث.
ولأن الوقف لم يتمحض للوارث؛ لأنه بعده لغيره.
القول الثاني: أنه لا يصح إلا بإجازة الورثة، ويعتبر ابتداء وقف منهم بقدر الثلث، أو أكثر، إلا أنه لو صح من مرضه وقبض عنه نفذ ولو مات بعد ذلك.
وهو قول المالكية (١).
وحجته: ما تقدم من حجتهم في المسألة.
القول الثالث: أنه يصح مطلقاً إذا كان بقدر الثلث.
وهو مذهب الحنابلة (٢).
وحجته:
١ - حديث عمر ﵁، وفيه: " تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذوو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث يرى من السائل وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقاً " (٣).
وجه الدلالة: أن عمر ﵁ جعل لحفصة ﵂ أن تأكل من وقفه، وتشتري رقيقاً.
стр. 1341
قال الميموني: قلت لأحمد: إنما أمر النبي ﷺ عمر بالوقف، وليس في الحديث الوارث؟ فإذا كان النبي ﷺ أمره وهو ذا قد وقفها على ورثته، وحبس الأصل عليهم جميعاً.
ونوقش: بأن عمر ﵁ لم يخص بعض الورثة بوقفه، والنزاع إنما هو في تخصيص بعضهم، وأما جعل الولاية لحفصة فليس ذلك وقف عليها، فلا يكون في محل النزاع، وكونه انتفاعاً بالغلة لا يقتضي جواز التخصيص.
٢ - أن الوقف ليس في معنى المال؛ لأنه لا يجوز التصرف فيه، فهو كعتق الوارث.
ونوقش: بأنه نظر في مقابلة النص، وأيضاً هو قياس مقابل بمثله.
وقولهم: ليس الوقف في معنى المال غير مسلم؛ بدليل بيعه عند تعطل مصالحه.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "ومن الفروق الضعيفة جداً، بل الخارقة للإجماع تجويز الفقهاء وقف المريض مرض الموت المخوف على بعض ورثته دون إذن الباقين، فإن هذا القول هو عين الوصية للوارث الذي نص الشارع على بطلانه، وأجمع العلماء عليه " (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا يجوز تخصيص المريض مرض الموت لبعض ورثته بالوقف دون بعض؛ لقوة دليلهم، ولما تقدم أن هذا لا يجوز من الصحيح فالمريض من باب أولى.
стр. 1342
المطلب الثالث: القسم الثالث: الأمراض الممتدة
الأمراض المزمنة، أو الممتدة هي التي تطول وتستمر زمنا طويلا.
فإذا وقع الشخص في مرض من ذلك، فاختلف العلماء ﵏ في حكم وقفه على قولين:
القول الأول: أن حكمه حكم الصحيح في جميع تبرعاته إلا أن أصبح مخوفاً كالقسم الثاني.
وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية (١).
قال الكاساني: " وكذلك صاحب الفالج ونحوه إذا طال به ذلك فهو في حكم الصحيح؛ لأن ذلك إذا طال لا يخاف منه الموت غالباً، فلم يكن مرض الموت، إلا إذا تغير حاله من ذلك ومات من ذلك التغير، فيكون حال التغير مرض الموت؛ لأنه إذا تغير يخشى منه الموت غالباً، فيكون مرض الموت، وكذا الزمن والمقعد " (٢).
وجاء في فتاوى عليش: " قال ابن سلمون: ولا يعتبر في المرض العلل المزمنة التي لا يخاف على المريض منها كالجذام والهرم، وأفعال أصحاب
стр. 1343
ذلك أفعال الأصحاء بلا خلاف أ. هـ، قال عبد الباقي: وفي المدونة كون المفلوج والأبرص والأجذم وذي القروح من الخفيف ما لم يقعده ويضنه، فإن أقعده وأضناه وبلغ به حد الخوف عليه، فله حكم المرض المخوف" (١).
ويرجع في معرفة كون التغير مخوفا إلى الأطباء العارفين بالإمراض (٢).
القول الثاني: إن صار صاحبها صاحب فراش فهي مخوفة، وإن لم يصر صاحب فراش فعطاياه كصحيح (٣).
وهو مذهب الحنابلة.
الأدلة:
حجة الجمهور:
١ - عموم أدلة الوقف، وهذا يشمل المريض مرضاً ممتداً.
٢ - أن الأصل صحة التبرعات؛ لبقاء الأهلية، إلا لدليل.
٣ - أنه لا يخاف تعجيل الموت فيه، وإن كان لا يبرأ منه فهو كالهرم (٤).
стр. 1344
حجة الحنابلة:
أنه مريض صاحب فراش يخشى التلف أشبه صاحب الحمى الدائمة (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم أن صاحب المرض الممتد عطاياه كالصحيح، إلا إن صار مرضه مخوفاً؛ إذ الدليل ورد في المرض المخوف.
تنبيه: ما يتعلق بوقت اعتبار الثلث، وكون الموقوف عليه وارثاً، وما يتعلق بإثبات مرض الموت، ونحو ذلك من مسائل سبق بحثها في كتابنا أحكام الهبة؛ إذ الجامع في كل التبرع.
стр. 1345
الفصل الثالث: تعليق الوقف في مرض الموت
стр. 1346
الفصل الثالث:
تعليق الوقف في مرض الموت
إذا علق الشخص الوقف على موته، فقال مثلاً: إذا مت فداري وقف على الفقراء، فقد اختلف الفقهاء في صحة قوله وعدم صحته على قولين:
القول الأول: أنه يصح قوله، ويكون وصية، بمعنى أنه يجري فيه حكم الوصية من كل وجه، فيجوز له أن يرجع عنه مادام حياً، وأن يبيعه ويرهنه وغير ذلك من وجوه التصرف، بخلاف ما هو معلق على شرط فلا يجوز الرجوع عنه، وإن مات من غير رجوع لزمه ويعتبر من الثلث.
وإلى هذا القول ذهب الحنفية في المعتمد من مذهبهم (١)، وبه قال المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو قول عند الحنابلة (٤)، واختاره ابن تيمية (٥)،
стр. 1347
والصحة هو مذهب الحنابلة، إلا أن الحنابلة يرون أنه يأخذ حكم الوصية بحيث ينفذ من الثلث إلا أنه لا يملك الرجوع فيه (١)، وابن القيم (٢).
القول الثاني: أنه لا يصح.
وهو قول أبي حنيفة (٣)، وقول عند الحنابلة (٤)، قاله أبو الخطاب (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ ، فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني؟ فقال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه " (٧).
ثم إن عمر ﵁ وصى فكان في وصيته: هذا ما أوصى به عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغاً … تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو
стр. 1348
الرأي من أهلها أن يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل، أو اشترى رقيقاً منه (١).
وجه الدلالة: أن وقف عمر ﵁ كان بأمر النبي ﷺ ، وقد اشتهر بين الصحابة، فلم ينكر وكان إجماعاً (٢).
٢ - أن تعليق الوقف بالموت لا يتعلق بالخطر (٣).
٣ - القياس على الهبة، فكلما أنه يصح تعليقها بالموت فكذلك الوقف، بجامع أنهما تبرعان معلقان بالموت (٤).
٤ - أنها صدقة معلقة بالموت فأشبهت غير الوقف (٥).
دليل القول الثاني: أن تعليق الوقف بالموت، تعليق له على شرط، وتعليقه على شرط في الحياة لا يجوز (٦).
نوقش: بأن قياس تعليق الوقف بالموت على تعليقه بشرط في الحياة مع الفارق؛ لأنه عند تعليقه بالموت صار وصية، والوصية أوسع من التصرف في الحياة بدليل جوازها بالمجهول والمعدوم والحمل وغير ذلك (٧).
стр. 1349
الترجيح:
يترجح -والله أعلم بالصواب- القول الأول؛ لقوة دليله، وخصوصاً ما ورد عن عمر ﵁، ولما ورد على القول الثاني من مناقشة.
стр. 1350
الباب السادس: الولاية على الوقف
وفيه فصول:
الفصل الأول: تعريف الولاية، وشروط الوالي، ووظيفته.
الفصل الثاني: أقسام الولاية على الوقف.
الفصل الثالث: محاسبة الناظر، وعزله.
стр. 1351
الفصل الأول: تعريف الولاية، وشروط الوالي، ووظيفته
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف الولاية.
المبحث الثاني: حكم التولية على الوقف.
المبحث الثالث: شروط الوالي على الوقف.
المبحث الرابع: وظيفة الناظر على الوقف.
стр. 1352
المبحث الأول: تعريف الولاية
تعريف الولاية لغة:
الولاية: بالكسر مصدر الولي (١)، والولي: مأخوذ من الولي، وهو القرب:
(٢٩٢) لما روى مسلم من طريق الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمى، عن أبى معمر، عن أبى مسعود ﵁، وفيه: قوله ﷺ : "ليلني منكم أولو الأحلام" (٢).
أي: ليقاربني (٣).
قال في الصحاح: " الولي: القرب والدنو، يقال: تباعد بعد ولي " (٤).
وقال في المغرب: " يقال: ولي الأمر وتولاه: إذا فعله بنفسه، والتولية: أن تجعله والياً " (٥).
وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، ومنه: ولي اليتيم أو القتيل: مالك أمرهما، ووالي البلد: ناظر أمور أهله (٦).
стр. 1353
والولاية -بالفتح-: النصرة والمحبة (١).
تعريف الولاية في الشرع:
الولاية بمعناها العام في الشرع: تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أو أبى (٢).
стр. 1354
المبحث الثاني: حكم التولية على الوقف
التولية على الوقف واجبة.
والدليل على ذلك:
١ - ما تقدم من الأدلة على حفظ المال، والنهي عن إضاعته، كقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (١)، ولحديث المغيرة بن شعبة ﵁، وفيه قوله ﷺ : " إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (٢).
فعلى ولاة الأمر أن ينصبوا نظاراً للأوقاف التي لا ناظر عليها إذا لم يستطيعوا النظر عليها بأنفسهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الأموال الموقوفة على ولاة الأمر من الإمام والحاكم ونحوه إجراؤها على الشروط الصحيحة الموافقة لكتاب الله، وإقامة العمال على ما ليس عليه عامل من جهة الناظر، والعامل في عرف الشرع يدخل فيه الذي يسمى ناظراً، ويدخل فيه غير الناظر لقبض المال ممن هو عليه صرفه ودفعه إلى من هو له؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣)، ونصب المستوفي الجامع للعمال المتفرقين بحسب الحاجة
стр. 1355
والمصلحة، وقد يكون واجباً إذا لم تتم مصلحة قبض المال وصرفه إلا به، فإنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " (١).
ولذا قرر أهل العلم قاعدة ترسم حدود التصرفات النافذة لكل متولٍ على غيره، فقالوا: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة)، وعبر عنها السبكي بلفظ مناسب لمقامنا إذ قال: "كل متصرف عن الغير، فعليه أن يتصرف بالمصلحة".
قال العز بن عبد السلام: "يتصرف الولاة ونوابهم بما هو أصلح للمولى عليه درءاً للضرر والفساد، وجلباً للنفع والرشاد، ولا يتخيرون في التصرف حسب تخيرهم في حقوق أنفسهم مثل أن يبيعوا درهماً بدرهم، أو مكيلة زبيب بمثلها" (٢).
قال ابن تيمية: "الناظر ليس له أن يفعل شيئاً في أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه أن يفعل الأصلح، فالأصلح، وإذا جعل الواقف للناظر صرف من شاء، وزيادة من أراد زيادته ونقصانه، فليس للذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل ما يشتهيه، أو ما يكون فيه اتباع الظن وما تهوى الأنفس، بل الذي يستحقه بهذا الشرط أن يفعل من الأمور الذي هو خير ما يكون إرضاء لله ورسوله.
وهذا في كل من تصرف لغيره بحكم الولاية كالإمام، والحاكم، والواقف، وناظر الوقف، وغيرهم: إذا قيل هو مخير بين كذا وكذا، أو يفعل ما يشاء، وما رأى، فإنما ذاك تخيير مصلحة، لا تخيير شهوة" (٣).
وإذا تقرر أن الناظر لا يتصرّف إلا بمقتضى المصلحة والغبطة، وأنه
стр. 1356
ممنوع من التصرّف بخلاف ذلك؛ ساغ الإشراف عليه ومحاسبته والرقابة عليه لئلا يخل بمقتضى المصلحة التي أنيطت تصرفاته بها.
стр. 1357
المبحث الثالث: شروط الوالي على الوقف
الشرط الأول: البلوغ:
وهذا الشرط اتفق عليه الأئمة، حيث قال به الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
فعلى هذا لو أسند الواقف النظر إلى صغير، أو كان الموقوف عليه صغيراً ولم يعين الواقف ناظراً تعين منع الصغير من مباشرة النظر على الوقف، وقام وليه مقامه في النظر على الوقف.
وقال بعض الفقهاء: " إن الإسناد إلى الصغير لا يصح بحال، لا على سبيل الاستقلال بالنظر، ولا على سبيل المشاركة لغيره " (٥).
والدليل على ذلك:
١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة وقف الصغير (٦).
وجه الدلالة: أن الصغير إنما منع من الوقف -وإن كان فيه أجر وثواب
стр. 1358
في الآخرة-؛ لكون عبارته ملغاة، ولما فيه من تضييع ماله، وتفويت مصالحه، وإذا كان كذلك منع من نظارة الوقف.
٢ - قياس نظر الصغير على الوقف على نظره على ملكه الطلق بطريق الأولى؛ وذلك أن الصغير إذا منع من نظره في ملكه الطلق، فلأن يمنع من النظر على الوقف من باب أولى (١).
الشرط الثاني: العقل:
وهذا الشرط اتفق علية الأئمة أيضاً، حيث هو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
فعلى هذا لا تصح تولية المجنون نظارة الوقف.
والدليل على ذلك:
١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة وقف المجنون (٦).
وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على عدم صحة وقف المجنون؛ لإلغاء عبارته، وتضييع ماله، وإذا لم يصح تصرفه بالتبرع لم يصح تصرفه بالنظر على الوقف؛ بجامع العلة السابقة.
٢ - قياس نظر المجنون على الوقف على نظره على ملكه بطريق الأولى؛
стр. 1359
وذلك أن المجنون إذا منع من نظره في ملكه المطلق، فلأن يمنع من النظر في الوقف أولى (١).
الشرط الثالث: القوة والقدرة على القيام بشؤون الوقف:
وهذا الشرط قال به عامة الفقهاء، فقد قال به الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وللشافعية فيه وجه ضعيف بعدم اشتراط هذا الشرط (٦).
جاء في البحر الرائق: "وفي الإسعاف لا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو بنائبه؛ لأن الولاية مقيدة بشرط النظر وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به، ويستوي فيه الذكر والأنثى، وكذا الأعمى والبصير، وكذا المحدود في قذف إذا تاب؛ لأنه أمين رجل طلب التولية على الوقف" (٧).
وجاء في التاج والإكليل: "قال ابن رشد: لا يصح لإنسان أن يتصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف وهي: البلوغ والحرية وكمال العقل وبلوغ الرشد" (٨).
стр. 1360
وجاء في روضة الطالبين: "لا بد من صلاحية المتولي لشغل التولية، والصلاحية بالأمانة، والكفاية في التصرف، واعتبارهما كاعتبارهما في الوصي والقيم، وسواء في اشتراطهما المنصوب للتولية والواقف إذا قلنا: هو المتولي عند الإطلاق، وسواء الوقف على الجهة العامة والاشخاص المعينين.
وقيل: لا تشترط العدالة إذا كان الوقف على معينين ولا طفل فيهم، فإن خان حملوه على السداد، والصواب المعروف هو الأول " (١).
جاء في مطالب أولي النهى: " (و) شرط فيه أيضا (كفاية تصرف وخبرة) أي: علم (به) أي: التصرف (وقوة عليه)؛ لأن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعا، وإذا لم يكن المتصرف متصفا بهذه الصفات لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف ولا تشترط في الناظر الذكورية؛ لأن عمر أوصى بالنظر لحفصة ﵃ " (٢).
الأدلة على هذا الشرط:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣).
وجه الدلالة: أن الله تعالى أمرنا بحراسة أموالنا من أن تبذر وتنفق في غير وجهها، فلا نؤتيها إلا من توفرت فيه الكفاية في التصرف والخبرة به (٤).
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ (٥).
٣ - أن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية العاجز؛ لأن
стр. 1361
المقصود لا يحصل به (١)؛ وذلك أن مراعاة حفظ الوقف مطلوبة شرعاً وإن لم يكن الناظر متصفاً بهذه الصفة لم يمكنه مراعاة حفظ الوقف (٢).
الشرط الرابع: الإسلام فيما وقف على مسلم، أو جهة إسلامية:
إذا كان الوقف على مسلم، أو جهة إسلامية، فقد اختلف الفقهاء في اشتراط إسلام الناظر على قولين:
القول الأول: أن الإسلام شرط لصحة الولاية على الوقف، فلا يولى غير مسلم على ما وقف على مسلم أو جهة إسلامية عامة، كالمساجد، والمدارس ونحوها.
وهذا هو قول جمهور الفقهاء، حيث قال به المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
جاء في مغني المحتاج: " (وشرط الناظر العدالة) وإن كان الوقف على معينين رشداء؛ لأن النظر ولاية كما في الوصي والقيم.
قال السبكي: ويعتبر في منصوب الحاكم العدالة الباطنة، وينبغي أن يكتفي في منصوب الواقف بالظاهرة، كما في الأب وإن افترقا في وفور شفقة الأب، وخالف الأذرعي فاعتبر فيه الباطنة أيضا والأول أوجه " (٦).
جاء في الإنصاف: " السابعة: يشترط في الناظر الإسلام والتكليف والكفاية في التصرف والخبرة به والقوة عليه، ويضم إلى الضعيف قوي أمين،
стр. 1362
ثم إن كان النظر لغير الموقوف عليه وكانت توليته من الحاكم أو الناظر، فلا بد من شرط العدالة فيه. قال الحارثي بغير خلاف علمته " (١).
القول الثاني: أن الإسلام ليس شرطاً لصحة الولاية على الوقف.
وهذا هو قول الحنفية (٢).
قال ابن عابدين: "ويشترط للصحة بلوغه، وعقله، لا حريته، وإسلامه" (٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (أن الإسلام شرط)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (٤).
وتولية الكافر النظر على ما وقف على مسلم أو جهة إسلامية عامة داخل في جملة ما نفاه الله ومنع وقوعه (٥).
٢ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (٦).
فكل ولاية من ولايات المسلمين نهى الله أن نتخذ فيها يهودياً أو نصرانياً، مما يدل بمفهومه على أنه لا يولى فيها إلا مسلم.
٣ - ولما في تولية الكافر على أوقاف المسلمين من مفاسد كثيرة: منها
стр. 1363
ما يرجع على ذات الوقف، ومنها ما يرجع على الموقوف عليه، ومنها ما يرجع على عامة المسلمين.
أما ما يرجع على ذات الوقف فلا يخفى أن الكافر لا يحب إعلاء كلمة الله، فمتى ما كان الوقف مقصوداً به إعلاء كلمة الله، كأن يكون موقوفاً على الثغور والجهاد في سبيل الله، فإن الكافر المتولي سيعمل ما وسعه على تعطيل الوقف أو تدميره، وكذلك الحال لو كان الوقف مسجداً أو دار علم للمسلمين.
وأما ما يرجع على الموقوف عليهم فإن نصب ناظر كافر على وقفهم قد يدفعهم ذلك إلى محاولة كسب وده، وربما أدى بهم ذلك إلى الخنوع له والخضوع لما يريد منهم، وأما ما يرجع على عامة المسلمين فهي تمكن الكفار في بلاد المسلمين وقوة شوكتهم، واتساع سلطانهم، وبسط نفوذهم بحجة القيام بواجبهم تجاه أوقاف المسلمين، وهذا أمر لا يخفى على أحد.
دليل القول الثاني: (عدم اشتراط الإسلام)
(٢٩٣) ١ - ما رواه البخاري من طريق عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: " … واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً -والخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال … " (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ استعان بالكافر في دلالة الطريق، فكذا في نظارة الوقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلّم بشرط أن لا يتضمن محظوراً شرعياً كما هنا.
стр. 1364
٢ - الأدلة الدالة على العمل بشرط الواقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بالتسليم بالعمل بشرط الواقف ما لم يتضمن محظوراً شرعياً كما هنا.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل باشتراط الإسلام لصحة الولاية على الوقف؛ لقوة ما استدلوا به.
الشرط الخامس: العدالة، أو الأمانة:
وهذا الشرط اختلف الفقهاء فيه على أربعة أقوال:
القول الأول: أن العدالة في ناظر الوقف شرط أولوية لا شرط صحة.
وهذا قول أكثر الحنفية (١)، وعند شيخ الإسلام: تشترط الأمانة.
قال شيخ الإسلام: " فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال ..... والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام ..... والأمانة ترجع إلى خشية الله وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل من حكم على الناس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٢)(٣).
стр. 1365
القول الثاني: أن العدالة شرط لصحة الولاية على الوقف مطلقاً دون تفريق بين الموقوف عليه، ومنصوب الواقف، وغيرهما.
وبهذا قال بعض الحنفية (١)، وهو قول الشافعية (٢).
القول الثالث: أن العدالة شرط في صحة ولاية الوقف ما لم يكن الناظر هو الموقوف عليه، أو منصوباً من قبل الواقف.
وهذا هو قول المالكية (٣)، وبه قال الحنابلة (٤).
القول الرابع: أن العدالة ليست شرطاً لولاية الوقف إذا كان على معينين راشدين.
وهذا قول ضعيف للشافعية (٥).
الأدلة:
دليل القول الأول: (عدم اشتراط العدالة)
قياس الناظر على القاضي بطريق الأولى؛ وذلك أن القضاء أشرف من التولية، ويحتاط فيه أكثر من التولية، والعدالة فيه شرط أولوية فيصح تقليد الفاسق القضاء، وإذا فسق لا ينعزل، فكذا ناظر الوقف (٦).
ونوقش: بعدم التسليم في كون العدالة لا تشترط في صحة تولية القاضي، بل لا يصح تولية القاضي إلا إذا كان عادلاً، فلا يجوز تولية
стр. 1366
الفاسق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١)، فأمر ﵎ بالتبين عند قبول قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فلئلا يكون قاضياً أولى (٢).
دليل أصحاب القول الثاني: (اشتراط العدالة)
أن مقصد الوقف هو استمرار المنفعة، وجريان الصدقة على الدوام، وولاية الأوقاف مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بهذا المقصود، وربما أدى إلى هلاك الوقف، وتعطل نفعه (٣).
ونوقش: بأنه يسلم أن الخائن لا يولى لما ذكر، لكن لا يدل ذلك على اشتراط العدالة، وإنما يدل على اشتراط الأمانة.
دليل أصحاب القول الثالث: (اشتراط العدالة في الناظر إذا كان موقوفاً عليه أو منصوبا من قبل الواقف)
أن العدالة إنما اشترطت لحفظ حق الموقوف عليه، فإذا كان الناظر هو الموقوف عليه فلا حاجة إلى اشتراطها؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك، كما في ملكه الطلق، أما إذا كان منصوباً من قبل الواقف فلا تشترط فيه العدالة وضم إلى الفاسق عدل؛ لأن في إبقائه تحقيقاً لشرط الواقف، ويضم إليه عدل حفظاً للوقف (٤).
ونوقش: بأن ما ذكروه دليلاً على صحة تولية الفاسق إذا كان موقوفاً عليه
стр. 1367
لا يكفي؛ وذلك لأن وظيفة ناظر الوقف لا تقتصر على رعاية منافع العين الموقوفة، وإنما حفظ عين الوقف والقيام بشؤونها، وحفظ العين لا تخص الموقوف عليه، فإذا لم تتوفر فيه العدالة لم يصح توليته نظارة الوقف؛ لاحتمال أن يؤدي ذلك إلى ضرر عين الوقف، فيلحق الضرر واقف العين بتوقف جريان الصدقة، كما يلحق الضرر ما يأتي من البطون الموقوف عليها، فالقول إن الموقوف عليه إذا كان ناظراً فهو ينظر لنفسه غير دقيق حتى تصحح ولايته رغم فسقه، وإنما نظره شامل لحقه، وحق الواقف، وحق ما يأتي من البطون.
وأما الاحتجاج على صحة تولية غير العدل إذا كان منصوباً من قبل الواقف بتحقيق شرط الواقف: فإن تحقيق شرط الواقف ومراعاته إنما يكون إذا لم يخالف الشرع، أما إذا خالف مقتضيات الشرع فلا يجوز العمل به اتفاقاً (١).
دليل أصحاب القول الرابع: (صحة تولية الفاسق إذا كان الموقوف عليه رشيداً):
أن الموقوف عليهم إذا كانوا راشدين لا يمكنون الناظر من الخيانة، فمتى ما رأوا منه شيئاً من ذلك حملوه على السداد (٢).
ونوقش: بأنه ليس من لازم كون الموقوف عليه معيناً رشيداً ألا يقع من ناظر وقفه خيانة، كما أنه ليس كل من وقع عليه ظلم دفعه، والواقع يشهد لذلك، فكم من أوقاف أكلها النظار عليها والموقوف عليه حاضر رشيد،
стр. 1368
بحجة عدم الرغبة في الخوض في المشاكل، أو أن ما يأتيه من ريع الوقف لا يساوي تعطله في متابعه الناظر، وهذا أمر واضح لا يخفى (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأن العدالة ليست شرطاً لصحة النظر على الوقف، لكن تشترط الأمانة لصحة النظر على الموقوف؛ لدلالة القرآن، ولأن فيه حماية للوقف من الضياع بخلاف الأقوال الأخرى، ومراعاة جانب الوقف أهم من إبقاء ولاية الخائن عليه، وإن كان موقوفاً عليه، أو منصوباً من قبل الواقف (٢).
الشرط الخامس: الحرية:
وهي شرط عند الشافعية فقط (٣).
أما الحنفية: فإنهم نصوا على عدم اعتبار الحرية في نظارة الوقف (٤).
قال ابن عابدين: "ويشترط للصحة بلوغه وعقله، لا حريته وإسلامه" (٥).
وأما المالكية، والحنابلة: فلم يتعرضوا لذكر الحرية عند سياقهم شروط ولاية الوقف مما يدل على أنهم لا يرونها شرطاً في ذلك، والله أعلم (٦).
والدليل على ذلك: عموم أدلة النظر على الوقف، وهذه تشمل الرقيق.
أما الذكورة، والبصر: فليسا من شروط صحة النظارة على الوقف (٧)،
стр. 1369
فيجوز أن تتولى المرأة نظارة الوقف؛ لما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى بالنظر إلى ابنته حفصة ﵂، وكذلك يجوز أن يتولى الأعمى نظارة الوقف.
стр. 1370
المبحث الرابع: وظيفة الناظر على الوقف
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة -الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) -.
والضابط في هذا أنه لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: أن يكون في ذلك شرط لفظي من الواقف فيرجع إليه.
الحال الثانية: أن يكون في ذلك شرط عرفي فيرجع إليه.
الحال الثالثة: إذا لم يكن شيء من ذلك، فيرجع إلى كلام العلماء.
قال الطرابلسي: "ليس له حد معين، وإنما هو على ما تعارفه الناس من الجعل عند عقده الوقف ليقوم بمصالحه من عمارة، واستغلال، وبيع غلات، وصرف ما اجتمع عنده فيما شرطه الواقف، ولا يكلف من العمل بنفسه إلا مثل ما يفعله أمثاله، ولا ينبغي له أن يقصر عنه، وأما ما تفعله الأجراء والوكلاء فليس ذلك بواجب عليه حتى لو جعل الولاية إلى امرأة، وجعل لها أجراً معلوماً لا تكلف إلا مثل ما تفعله النساء عرفاً، ولو نازع أهل الوقف